← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16136–16175 · переход к 16141.

стр. 16136

وقد روى الحديث عن ابن بريدة أبو سنان ضرار بن مرة (١) وزبيد اليامي [عن] (٢) محارب بن دثار وسماك (٣) والمغيرة بن سُبيع (٤) وعلقمة بن مرثد (٥) والزبير بن عدي (٦)، وعطاء الخراساني (٧)، وسلمة بن كهيل (٨)، كلهم عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعًا: "نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فأشربوا في الأسقية ولا تشربوا مسكرًا" (٩). وفي حديث بعضهم: "واجتنبوا كل مسكر" ولم يقل أحد منهم ولا تسكروا، فقد بان وهم حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء المسمين على ما ذكرنا من خلافه. قال أبو زرعة: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث أبي الأحوص خطأ في الإسناد والكلام، فأما الإسناد فإن شريكًا وأيوب ومحمد [ابني] (١٠) جابر رووه عن سماك، عن القاسم، عن ابن بريدة، عن أبيه

стр. 16137

مرفوعًا كما رواه الناس: "فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا" قال أبو زرعة: وكذا أقول (١). وقال ابن أبي عاصم: لا اختلاف فيه أنه خطأ وهم فيه أبو الأحوص، وقد رواه شريك. عن سماك، عن القاسم، عن أبيه، عن [ابن] (٢) بريدة، عن أبيه وقال: "اجتنبوا ما أسكر وكل مسكر حرام" وقال الدارقطني: قال يحيى بن يحيى النيسابوري -وهو إمام- عن محمد بن جابر فقال فيه: "ولا تشربوا مسكرًا"، هذا هو الصواب (٣)، وعند أحمد في "الأشربة" من حديث بلال بن أبي بردة، عن أبيه وعمه عن سرية لأبي موسى قالت: قال أبو موسى: ما يسرني أن أشرب نبيذ الجر ولي السواد سنين (٤). وله بإسناد جيد: "كل مسكر حرام" (٥). وفي رواية قلت: يا رسول الله إن لأهل اليمن شرابًا يسمونه البتع من العسل والمزر من الشعير فما تأمرني فيها؟ قال: "أنهاكم عن كل مسكر" (٦) وللنسائي: قال معاذ: يا رسول الله إنك تبعث بنا -يعني: هو وأبا موسى- إلى بلد كثير شراب أهله، فما نشرب؟ قال: "اشرب ولا تشرب مسكرًا" (٧).

стр. 16138

قال أبو جعفر النحاس: هذا هو الصحيح في حديث أبي موسى، والذي رواه شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة عنه: بعثني رسول الله ﷺ أنا ومعاذ إلى اليمن. الحديث، وفيه فقال: "اشربا ولا تسكرا" أتى من قبل شريك في الحرف الذي بيناه قبل (١). ولابن أبي عاصم من حديث محمد بن أبي موسى، عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ بنبيذ فقال: "اضرب بهذا الحائط فإنه شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر". ومن حديث عمرو بن شعيب، عن أبي موسى: لما بعث رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: إن قومي يصيبون من شراب من الذرة يقال له المزر، فقال رسول الله: "يسكر؟ " قال: نعم، قال: "فانههم عنه"، قال: ثم رجع إليه فسأله فقال: "انههم عنه" ثم سأله الثالثة فقال: قد نهيتهم عنه فلم ينتهوا، فقال: "من لم ينته فاقتله". ولأحمد في "الأشربة الصغير" من حديث ابن لهيعة عن درَّاج، عن عمر بن الحكم، عن أم حبيبة: أن أناسًا من اليمن قدموا على رسول الله فسألوه عن شراب يصنع من القمح والشعير، قال: "الغبيراء؟ " (قال) (٢): نعم، قال: "لا تطعموه" ثم لمَّا أرادوا أن ينطلقوا سألوه عنها، فقال: "لا تطعموه" قالوا: فإنهم لا يدعونها، قال: "من لم يتركها فاضربوا عنقه" (٣). الحديث الرابع: حديث سوار بن مصعب وسعيد بن عمارة، قال سوار: عن عطية، عن أبي سعيد، وقال سعيد: عن الحارث بن

стр. 16139

النعمان، عن أنس قالا عن رسول الله ﷺ : "حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب" (١). قال ابن حزم: سوار مذكور بالكذب، وعطية هالك، وسعيد والحارث مجهولان لا ندري من هما (٢). قلت: تجهيله الحارث عجيب، فقد روى عنه ثابت بن محمد ويزيد بن عمارة وأبو النضر الأكفاني. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس بقوي في الحديث، وعرفه غير واحد بأنه ابن أخت سعيد بن جبير (٣)، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٤)، وقد ضعفه ابن حزم في موضع آخر (٥)، ورميه سوار بالكذب غريب. وقال ابن سعد -في عطية-: كان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة (٦). وقال ابن عدي: يكتب حديثه (٧)، وكذا قال أبو حاتم (٨)، وخرَّج الحاكم حديثه في "مستدركه" (٩)، وذكره ابن شاهين في "ثقاته" (١٠).

стр. 16140

وقال البزار: روى عنه جلة الناس نحو من أربعين، منهم نحو من ثلاثين جليلاً، وتجهيله سعيد بن عمارة ليس كما ذكر، فقد روى عنه جماعة: بقية بن الوليد ومسلم بن بشير وعلي بن عياش وغيرهم. قال ابن عساكر: وكان جده صفوان الكلاعي على عمل لعبد الملك بن مروان. وقال ابن الجوزي: الحديث موقوف، ولا يتصل إلى أبي سعيد (١)، قلت: قد عرفته متصلًا بما فيه. ولأحمد بإسناد لا بأس به، عن أبي سعيد مرفوعاً: "نهيتكم عن النبيذ ولا أحل مسكرًا" (٢). الحديث الخامس: حديث أخرجه ابن أبي شيبة، عن ملازم بن عمرو، عن عجيبة بن عبد الحميد، عن عمه قيس بن طلق، عن أبيه طلق، عن رسول الله ﷺ أنه قال لوفد عبد القيس: "اشربوا ما طاب لكم" (٣) قال ابن أبي عاصم: هذا من الأسانيد التي لا تتشاغل بها. وقال ابن حزم: هذا لا حجة فيه؛ لوجوه: أولها: أنه من رواية عجيبة وهو مجهول لا أدري من هو، ثم لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأن ما طاب لنا هو ما حل لنا كما قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (٤) [النساء: ٣].

стр. 16141

قلت: عجيبة مذكور في "الثقات" لابن حبان في أتباع التابعين (١). وقوله ابن عبد الحميد: كذا وقع فيه، والذي في ابن حبان ابنة بدل ابن وأسقط ابن أبي عاصم عن أبيه، وذكر أبو موسى المديني أن العسكري وعبيد بن غنام روياه عن بن أبي شيبة فقالا عن قيس عن أبيه. الحديث السادس: حديث عبد الملك، عن ابن عمر ﵄ أنه ﵇ أتي بشراب فدعا بماء فصبه عليه حتى كسره بالماء ثم شرب، ثم قال: "إن هذِه الأسقية تغتلم فإذا فعلت ذلك فاكسروها بالماء"، أخرجه النسائي، وقال: عبد الملك ليس بالمشهور ولا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته (٢)، وقال أبو حاتم في "علله": هذا حديث منكر وعبد الملك بن نافع راويه عن ابن عمر شيخ مجهول (٣)، وقال في "تجريحه وتعديله" عبد الملك بن نافع بن أخي القعقاع بن شور، روى عن ابن عمر: روى عنه سليمان الشيباني والعوام بن حوشب وإسماعيل بن أبي خالد وحصين وليث بن أبي سليم: سألت أبي عنه، فقال: شيخ مجهول لم يرو إلا حديثًا واحداً فبلغ الشيباني ذلكم الحديث فجعله حديثين، لا يثبت حديثه، منكر الحديث (٤). وعن يحيى بن معين أنه قال: قرة العجلي عن عبد الملك بن أخي القعقاع ضعيف لا شيء (٥).

стр. 16142

وفي رواية يضعفونه، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه (١)، ولما ذكره ابن شاهين في "ثقاته" قال: قال أحمد بن صالح: لا يجوز أن يأتي إلى رجل مثل هذا قد روى عنه الثقات فيضعفه بلا حجة؛ إذ لم يضعفه أحد (٢)، وذكره ابن الجارود في الضعفاء. وقال الدارقطني: ورواه من حديث مالك بن القعقاع، قال: سألت ابن عمر عن النبيذ الشديد، فقال: جلس رسول الله ﷺ في مجلس فوجد من رجل ريح نبيذ .. الحديث، وفيه: "إذا اغتلمت أسقيتكم فاكسروها بالماء" كذا قال مالك بن القعقاع، وقال غيره عبد الملك بن نافع، وهو رجل مجهول ضعيف، والصحيح عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ : "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٣) ولفظ ابن أبي شيبة من حديث قرة العجلي عن عبد الملك بن القعقاع أُتي رسول الله ﷺ بقدح فرده ثم دعا بماء فصبه عليه ثم شرب وقال: "انظروا هذِه الأشربة إذا اغتلمت عليكم فاقطعوا متونها بالماء" (٤). وفي كتاب أحمد: حدثنا حجاج، (عن) (٥) شريك، عن زيد بن جبير: سأل رجل ابن عمر عن الأشربة فقال: اجتنب كل شيء ينشي (٦)، وله من حديث رجل عنه أنه ﵇ مر على نشوان شرب زبيبًا وتمرًا فجلده الحد، ونهى عن الجمع بينهما.

стр. 16143

وفي لفظ سئل عن السكر فقال: "الخمر ليس لها كنية" (١). وقال ابن أبي عاصم: اختلف الشيباني وقرة العجلي في كلامه، وعبد الملك مجهول، ورواه عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ "كل مسكر حرام " طاوس وعبد الله بن دينار ومغيرة بن مجاش وغيرهم، وقد روى ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه أُتي بشراب فقال: "اضرب به الحائط، فإنما هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر" (٢). وذكر الخلال في "الأشربة" حدثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، وسألته عن حديث الشيباني عن عبد الملك في النبيذ فقال: عبد الملك مجهول ويروى عن ابن عمر خلافه، وأخبرنا عيسى بن محمد بن سعيد قال: سمعت أبا بكر يعقوب بن يوسف المطوعي وقد حدث بحديث عبد الملك في النبيذ فقال: قال يحيى بن معين: عبد الملك بن القعقاع كان خمارًا بطيزناباذ (٣). وأما ابن حزم فقال: أسباط بن محمد القرشي وليث بن أبي سليم وقرة العجلي والعوام كلهم ضعيف (٤)، وليس كما ذكر في (الكل) (٥)

стр. 16144

فأسباط حديثه عند الجماعة، ووثقه يحيى بن معين ويعقوب بن شيبة. وفي رواية عنه: ثبت، وقال العجلي: لا بأس به جائز الحديث (١)، فقال ابن وضاح: لا بأس به وذكره ابن خلفون في "ثقاته" وقال: وثقه أبو أحمد المروزي وابن السكري وأبو بكر الحضرمي، وقال ابن سعد: كان ثقة (٢)، وكذا قاله قاسم وذكره ابن حبان (٣) وابن شاهين في "الثقات" (٤). وليث: مختلف فيه، ووثقه خلق، وقرة العجلي: وثقه ابن حبان وغيره (٥). ولأحمد من حديث ليث عن حرب، عن ابن جبير سئل عبد الله عن نبيذ الزبيب الذي يُعَتَّق الشهر والعشر، فقال: الخمر اجتنبوها (٦). الحديث السابع: حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، أنه ﵇ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء، وقال: "كل مسكر حرام" (٧) وفرق بين الكوبة والغبيراء وبين الخمر فليس خمرًا. قال ابن حزم: لا يصح؛ لأنه من طريق الوليد بن عبدة وهو مجهول، ولو صح لكان ﵇ قد ساوى بين كل ذلك في النهي عن

стр. 16145

الخمر وسائر الأشربة سواء في النهي عنها، إذ ليس في التفريق في بعض المواضع في الذكر دليلًا على أنهما متغايران، قال تعالى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فلم يكن هذا موجبًا أنهما ليسا من الملائكة، وكذا إذا صح أن الخمر في كل مسكر لم يكن ذكر الخمر والكوبة والغبيراء مانعًا من أن تكون الكوبة والغبيراء خمرًا، وقد صح أن كل مسكر خمر لا سيما وفي آخره "كل مسكر حرام" وهو خلاف قولهم، فكيف يسوغ الاحتجاج ببعض خبر ويعرض عن بعض (١)؟! قلت: حكمه على الوليد بالجهالة عجيب، فقد ذكره ابن يونس في "تاريخه"، وقال: كان ممن شهد فتح مصر، روى عنه يزيد بن أبي حبيب، والحديث معلول، وكان من أهل الفضل والفقه. قال ابن عفير: مات سنة ثلاث ومائة، وذكره يعقوب بن سفيان الفسوي (٢)، وابن حبان في "ثقاته" (٣) قال الدارقطني: اختلف على يزيد في اسمه، فقيل: عمرو بن الوليد وقيل الوليد بن عبدة، وقال ابن سعد: لما ذكره في الطبقة الثالثة من أهل مصر الوليد بن أبي عبدة مولى عمرو بن العاص، له أحاديث (٤) ولم يسمه بعضهم في الحديث إنما قال مولى لعبد الله بن عمرو، عن ابن عمرو: وسماه أحمد في "الأشربة" عمرو بن عبدة (٥)، ثم قال: حدثنا هشام، ثنا فرج، ثنا

стр. 16146

إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو يرفعه: "إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة وهي كل شيء يكب عليه" (١). ولابن أبي عاصم من حديث أبان بن عبد الله البجلي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه: "كل مسكر حرام" وحدثنا زحمويه، حدثنا الفرج بن فضالة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو يرفعه: "إن الله حرم على أمتي الخمر والمزر والكوبة" (٢). وله (٣) أيضًا: حدثنا (زكريا بن عدي) (٤)، ثنا عبد الله، فذكر حديث ابن عباس بهذا اللفظ إلا الغبيراء وقد سلف (٥). الحديث الثامن: حديث سفيان بن سعيد الثوري، عن أبيه، عن لبيد بن شماس قال: قال عبد الله بن مسعود: إن القوم ليجلسون على الشراب وهو حل لهم فما يزالون حتى يحرم عليهم (٦).

стр. 16147

قال أبو جعفر: لا يصح؛ لأن لبيدًا اختلفوا في اسمه، فقيل ما أسلفناه، وقيل عكسه، وهو لا يعرف، ولم يرو عنه أحد إلا سعيد بن مسروق، ولا روى عنه إلا هذا الحديث، والمجهول لا تقوم به حجة، وروى أيضًا حديث عبد الله من رواية الحجاج بن أرطاة (١)، قلت: شماس بن لبيد ليس مجهولاً؛ لأن ابن حبان ذكره في "ثقاته" (٢). قال ابن حزم: وروي عن لبيد، عن رجل، عن عبد الله، وحديث الحجاج رواه ابن حزم مرفوعًا من حديث علقمة: سألت ابن مسعود عن قوله ﵇: ما المسكر؟ قال: "الشربة الأخيرة" وقال: الأظهر فيه أن قوله: "الشربة الأخيرة" من قول ابن مسعود تأويل منه. قال ابن حزم: قال أبو وائل: كنا ندخل على ابن مسعود فيسقينا نبيذًا شديدًا، ولا يصح؛ لأنه من رواية أبي بكر بن عياش عنه، وهو ضعيف (٣). قلت: في رده به نظر. قال: وتعلقوا بخبر رواه علقمة قال: أكلت مع ابن مسعود فأتينا بنبيذ شديد نبذته سيرين، فشربوا منه، وسيرين هذِه أم عبيدة، وهذا خبر صحيح، وليس في شيء مما أوردوا لقولهم وثاق إلا هذا الخبر وحده إلا أنه يسقط تعلقهم به بثلاثة وجوه. أحدها: أنه لا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ . ثانيها: صح عن ابن مسعود تحريم كل ما قل أو كثر مما يسكر كثيره، وعن غيره من الصحابة، فإذا اختلف قوله وخالفه غيره من الصحابة فليس بعضه أولى من بعض.

стр. 16148

ثالثها: يحتمل أن علقمة عبر بالتشديد عن الخاثر اللفيف الحلو، قال: وروى الضضر بن مطرف وهو مجهول، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه: كان ابن مسعود ينبذ له في جر ويجعل فيه عكرًا، قال: وهذا باطل ومنقطع (١). فصل: قال أبو جعفر: وقد عارض قوم إذ ذكر لهم حديث أبي عثمان الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، رفعته: "كل مسكر حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" (٢)، فإن قالوا: أبو عثمان مجهول، قيل: لا؛ لأن الربيع بن صبيح روى عنه وليث بن أبي سليم ومهدي بن ميمون. ومن روى عنه اثنان فليس بمجهول (٣)، قلت: وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٤) وزاد في الرواة عنه مطرف بن طريف وسماه عمر بن سالم، قال: وقيل عمرو، قال: وكان قاضيًا على مرو، وذكره أيضًا في "ثقاته" ابن شاهين (٥) وابن خلفون لفظه في كتاب أحمد: فالوقية منه حرام. ورواه أيضًا من حديث ابن عقيل عن القاسم عنها (٦)، واعترضوا

стр. 16149

أيضًا حديث الضحاك بن عثمان عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عامر بن سعد، عن أبيه مرفوعًا: "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره" (١) فإن قالوا: الضحاك مجهول قيل: لا، روى عنه عبد العزيز بن محمد وعبد العزيز بن أبي حازم ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وابن أبي فديك والوليد بن كثير. واعترضوا حديث داود بن بكر بن أبي الفرات، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٢) فإن قالوا: داود مجهول، قيل: لا، روى عنه إسماعيل بن جعفر وأنس بن عياض. قلت: الضحاك ومطرف بن طريف، وقيل: وكان على قضاء، ووثقه أبو داود، ويضعفه ابن الزبير وابن حبان وأحمد ويحيى بن معين وغيرهم، وأما داود بن بكر فوثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به (٣)، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٤) وكذا ابن خلفون. فصل: ومن الأحاديث التي تعلق بها من أجاز شربه حديث هريرة مرفوعًا: "اشربوا ما طاب لكم، فإذا خبث فردوه" (٥) مع ما رويناه في كتاب ابن أبي عاصم بإسناد جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: "كل مسكر حرام".

стр. 16150

وما في كتاب أحمد مما سنذكره بعد، قال ابن حزم: فيه عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب وكلاهما ساقط، ثم لو صح لكان حجة قاطعة عليهم؛ لأن معنى خبثه: سكره، لا يحتمل غيره، وإلا فليعرفونا ما معناه (١). قلت: عبد الحميد، وثقه أحمد وغيره، وقال شعبة: صدوق نعم الشيخ. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٢) وكذا ابن شاهين ونقل عن أحمد بن صالح المصري: يعجبني حديثه، حديثه حديث صحيح (٣)، وشهر مختلف فيه لإسقاطه. قال أحمد: ليس به بأس (٤) وأثنى عليه وقال: ما أحسن حديثه ووثقه، وقال ابن القطان: لم أسمع لمضعفه حجة (٥)، وصحح الترمذي حديث عن أم سلمة "اللهم هؤلاء أهل بيتي" (٦)، وقال البخاري: حسن الحديث، وقوى أمره (٧)، وذكره ابن شاهين في "ثقاته" (٨). وقال البرقاني عن أبي الحسن: يخرج حديثه، وقال البزار: تكلم فيه شعبة، ولا نعلم أحدًا ترك الرواية عنه، وقد حدث شعبة عن رجل عنه،

стр. 16151

ونقل الأونبي (١) في "ثقاته" توثيقه عن ابن نمير وغيره. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة وطرق حديثه صالحة رواها الشاميون (٢)، وفي "تاريخ نيسابور: وثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة. فصل: ومنها حديث علي ﵁ أنه ﵇ أُتي بمكة بنبيذ فذاقه فقطب ورده، فقيل له: هذا شراب أهل مكة، فصب عليه الماء حتى رغى وقال: "حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب". قال ابن حزم: هذا لا حجة فيه؛ لأنه من طريق محمد بن الفرات الكوفي وهو ضعيف باتفاق مطرح، ثم عن الحارث وهو كذاب، ومن طريق شعيب بن واقد وهو مجهول عن قيس بن مطر، ولا يدرى من هو (٣). وفي "الأشربة الصغير" لأحمد من حديث أبي إسحاق عن هبيرة عن علي: نهى رسول الله ﷺ عن الجعة شراب يصنع من الشعير والحنطة فيكون شديدًا حتى يسكر (٤)، وفيه أيضًا عن طاوس أنه ﵇ تلى آية الخمر وهو على المنبر فقال رجل: كيف بالمزر يا رسول الله؟ قال: "وما المزر؟ " قال: شراب يصنع من الحب قال: "أيسكر؟ " قال: نعم، قال: "كل مسكر حرام" (٥).

стр. 16152

فصل: ومنها حديث سمرة أنه ﵇ أذن في النبيذ بعد ما نهى عنه، قال أبو بشر الدولابي في كتابه (١): منذر بن حسان أبو حسان، عن سمرة أنه ﵇ فذكره يرمى بالكذب (٢)، وكذا قال أبو العرب في "تاريخه"، وقال ابن حبان: كان حجاجيًا يقول: من خالف الحجاج فقد خالف الإسلام (٣)، وقال ابن حزم: منذر هذا ضعيف وسماه ابن أبي حسان، ثم لو صح لكان معناه: إذن في الانتباذ في الظروف بعد ما نهى عنه لا أنه نهى عن الخمر ثم أذن فيها (٤) فصل: ومنها خبر فيه النهي عن الانتباذ في الجرار الملونة فإذا خشى فليسجه بالماء. قال ابن حزم: لا يصح؛ لأنه من طريق أبان الرقاشي وهو ضعيف عن أبيه، ثم لو صح لكان حجة عليهم؛ لأن فيه إذا خشى فليسجه بالماء ومعناه: إذا خشى أن يسكر بإجماعهم لا يحتمل غير هذا، فإذا أبيح بالماء بطل إسكاره وهذا لا يخالفهم فيه، وليس فيه أن بعد إسكاره يسج، إنما فيه إذا خشى، وهذا بلا شك قبل أن يسكر (٥)، قلت: قال

стр. 16153

محمد بن إسماعيل: أبان والد يزيد لم يصح حديثه (١)، وقال أبو حاتم الرازي، روى حديثًا واحداً ولا يصح (٢). وقال الدارقطني: له حديث واحد (٣)، وقال ابن عدي: لا يحدث عنه إلا أبيه يزيد بحديث مظلم المخرج (٤)، قلت: لعله هذا. فصل: ومنها مرسل سعيد بن المسيب أنه ﵇ قال: "الخمر من العنب والسكر من التمر والمزر من الحنطة والبتع من العسل فكل مسكر حرام". قال ابن حزم: فيه إبراهيم بن أبي يحيى وهو مذكور بالكذب، ولو صح لكان حجة عليهم لأن فيه "كل مسكر حرام"، وليس في قوله: الخمر من العنب مانع أن يكون من غيره إذا صح بذلك نص، وقد صح (٥). فصل: ومنها مرسل مجاهد رواية ابن جريج عن رجل لم يسم عنه: أنه ﵇ شرب من نبيذ سقاية زمزم فقطب وجهه ثم صب عليه الماء مرة بعد مرة ثم شرب منه. ومنها ما رواه سماك وهو ضعيف عن قرصافة امرأة منهم وهي مجهولة، عن عائشة أنها قالت: اشربوا ولا تسكروا (٦).

стр. 16154

ورواه إسرائيل عن سماك بلفظ: "اشربي، ولا تشربي مسكرًا" قال: وسماك عن قرصافة، ومرة [قال] (١): لنا عليهم، ومرة: لا لنا ولا لهم (٢). وقال أحمد (٣): الحديث الذي روته غير ثابت، وقرصافة لا ندري من هي والمشهور عن عائشة ﵂ خلاف ما روت (٤). وقال النسائي بعد أن روى هذا الأثر: حديثها في الأوعية لا يصح ومنها خبر رواه ابن جريج عن (الإسماعيلي) (٥) مرسلاً: (أن رجلاً عب في نبيذ خمر فسكر فضربه عمر الحد لما أفاق، ومنها خبر من حديث ابن أبي مليكة قال) (٦): حدثني وهب بن الأسود ولا ندري من هو كما قال ابن حزم (٧) -وإن ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٨) - قال: أخذنا زبيبًا فأكثرنا منه في (أدواتنا) (٩) وأقللنا الماء فلم يلق عمر حتى عدى طوره فأخبرنا بأنه عدى طوره وأريناه إياه، فوجده شديدًا وكسره بالماء ثم شرب.

стр. 16155

ومنها خبر، رواه ابن شهاب عن عمر -ولم يسمع منه، ولا يمكن- أتى بسطيحة فيها نبيذ قد اشتد بعض الشدة، فذاقه، ثم قال: بخٍ بخٍ، (اكسروا) (١) بالماء، ومنها خبر رواه سعيد بن منصور، ثنا ابن عليه عن الحذاء، عن أبي المعدل، عن ابن عمر ﵄ أن عمر ينبذ له في ذي خمسة عشر قائمة، فجاء فذاقه، فقال: كأنكم أقللتم عكره. قال ابن حزم: أبو المعدل مجهول (٢). قلت: قد عرفه الحاكم أبو أحمد، ووثقه ابن حبان، ومنها خبر رواه شريك عن فراس، عن الشعبي، عن علي. قال ابن حزم: ولم يسمع منه أن رجلاً شرب من إدواة فسكر فجلد الحد، ولو صح لم تكن فيه حجة لهم؛ لأنه ليس (فيه) (٣) أن عليًا شرب من تلك الإدواة بعد ما أسكر ما فيها. وفي رواية مجالد عن الشعبي: أن رجلاً شرب من طلاء فضربه على الحد، فقال الرجل: إنما شربت ما أحللتم، فقال علي: إنما جلدتك؛ لأنك سكرت (٤). قلت: عدم سماعه من علي فيه وقفة؛ لأنه محتمل فإن الشعبي ولد سنة عشرين كما قال ابن السمعاني (٥)، أو سنة إحدى وعشرين كما قال الشمشاطي، وقال ابن البطال: سِنُّهُ محتملة لإدراك علي (٦). وقال الحاكم: رآه، وقال الدارقطني في "علله": سمع منه حرفًا، وقد احتج به ابن حزم نفسه في حديث ذكره في الحيض، ومنها خبر رويناه صحيحًا، كما قال ابن حزم عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا أطعمك

стр. 16156

أخوك المسلم طعامًا فكل وإذا سقاك شرابًا فاشرب، فإن رابك فاسججه بالماء، قال: ولا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه إباحة النبيذ المسكر لابنص ولا بدليل ولا إباحة ما حرم كالخمر وغيره ولا إباحة الخمر، وإنما فيه لا تفتش على أخيك المسلم وأن يسج النبيذ إذا خيف أن يسكر بالماء، وهم لا يقولون بهذا، وهو موافق لقولنا إذا كان يحيله عن الشدة إلى إبطالها، وصح عن أبي هريرة تحريم المسكر جملة (١). ولابن أبي عاصم بإسناد جيد من حديث أبي هريرة ﵁: أتيت رسول الله ﷺ بنبيذ فقال "ادنه" فإذا هو ينش، فقال "اضرب بهذا الحائط فإنه شراب من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر" (٢). ومن حديث مسلم بن خالد، عن زيد بن أسلم، عن شمر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا (٣): "كل مسكر حرام" فإن كان الشراب مسكرًا فقد ثبت تحريمه بجنص حديث أبي صالح أن يكسره بالماء؛ لأنه يسكر أو لعله غير ذلك. ولابن سعد: ثنا وكيع، عن على بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم: سمع أبا هريرة يقول: من رابه من شدة فليشن عليه الماء فيذهب حرامه ويبقى حلاله. ومنها خبر رواه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عثمان بن قيس أن جرير بن عبد الله سقاهم عسلًا وشرب هو الطلاء،

стр. 16157

وقال: هذا يستنكر منكم ولا يستنكر منى، قال: وكانت رائحته توجد من هنالك وأشار إلى أقصى الحلقة (١). قال ابن حزم: عثمان مجهول (٢)، قلت: قد ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٣). ومنها خبر رواه ابن أبي ليلى -وهو سيئ الحفظ- عن أخيه عيسى أنه أبصر عند أنس بن مالك طلاءً شديدًا وهو مع ضعفه يحتمل أن يريد بالتشديد الخاثر وهي صفة الزبيب المطبوخ الذي لا يسكر (٤). قال ابن حزم: ومنها خبر رواه ابن أبي شيبة من حديث سماك عن رجل أنه سأل الحسن بن علي عن النبيذ، فقال: اشرب فإذا رهبت أن تسكر فدعه (٥). قال ابن حزم: لا يصح هذا عن الحسن أصلاً، قال: وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى من طريق أبي فروة أنه شرب معه نبيذ جر فيه دردي. وعن ابن أبي وائل مثله. وعن النخعي والشعبي وعن الحسن أنه كان يجعل في نبيذ عكرًا، وقد خالف هؤلاء ابن سيرين وابن المسيب فصح عنهم المنع من العكر. قال ابن المسيب: هو خمر (٦).

стр. 16158

فصل: وذكر إباحته ابن أبي شيبة في "مصنفه"، عن أبي الدرداء وسويد بن غفلة وزر بن حبيش وابن أبي ليلى عن جماعة من أهل بدر وأبي ذر وعمرو بن شرحبيل وعبد الله بن ذئب وعمارة ومرة الهمذاني وعمرو بن ميمون ومحمد وعلي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن وهبيرة بن يريم والحارث الأعور وعلقمة بن قيس وعبد الرحمن بن يزيد وماهان الحنفي وإبراهيم وبكر بن ماعز والشعبي (١)، وقد أسلفنا عن ابن المبارك لم يصح إباحة النبيذ عن أحد إلا عن إبراهيم النخعي وحده، وقد بسطنا هذا الموضع على خلاف العادة لتدفع هذِه المقالة العجيبة ويتقرر ردها ولله الحمد.

стр. 16159

٢ - باب الْخَمْرُ مِنَ العِنَبِ ٥٥٧٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ -هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ- عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ. [انظر: ٤٦١٦ - فتح ١٠/ ٣٥] ٥٥٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ، وَمَا نَجِدُ -يَعْنِي: بِالْمَدِينَةِ- خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلاَّ قَلِيلاً، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ. [انظر: ٢٤٦٤ - مسلم: ١٩٨٠ - فتح ١٠/ ٣٥] ٥٥٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: قَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. [انظر: ٤٦١٩ - مسلم: ٣٠٣٢ - فتح ١٠/ ٣٥] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ (الْخَمْرُ) (١)، وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ. وحديث أنس ﵄ قَالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الخَمْرُ (حِينَ حُرِّمَتْ) (٢)، وَمَا نَجِدُ -يَعْنِي: بِالْمَدِينَةِ- خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلاً، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا البُسْرُ وَالتَّمْرُ، وهما من أفراده. وحديث أبي حيان حين حرمت واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التيمي ثَنَا (أبو عَامِر) (٣)، قال: قَامَ عُمَرُ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ.

стр. 16160

الشرح: فيه رد على الكوفيين في قولهم: إن الخمر من العنب خاصة وأن كل شراب يتخذ من غيره فغير محرم ما دون السكر منه، وهذا التفسير من عمر مقنع كما قال المهلب: ليس لأحد أن يسود فيقول إن الخمر من العنب وحده؛ فهؤلاء الصحابة فصحاء العرب والفهماء عن الله ورسوله قد فسروا عين ما حرم الله، وقال: إن الخمر من خمسة أشياء، وقد أخبر الفاروق بذلك حكايته عما نزل من القرآن وتفسيرًا للجملة وقال: الخمر ما خامر العقل، وخطب بذلك على منبره ﵇ بحضرة الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم ولم ينكره أحد فصار كالإجماع. وهذا ابن عمر يقول: حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء، يعني: خمر العنب فإنه المشهور باسمها، وكذا قول أنس وما يجد خمر الأعناب إلا قليلاً، وممن روي عنه من الصحابة أن الخمر تكون من غير العنب وإن كان لا يخالف، فيهم عمر وابنه وعلي وأبو موسى وابن عباس وأبو هريرة وسعد وعائشة. ومن التابعين سعيد بن المسيب وعروة وعمر بن عبد العزيز في تابعي أهل المدينة من أهل الكوفة ابن مسعود روى عنه في نقيع التمر أنه خمر، وبه قال الشعبي وابن أبي ليلى والنخعي والحسن البصري وعبد الله بن إدريس الأودي وسعيد بن جبير وطلحة بن مصرف، كلهم قالوا: المسكر خمر، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وعليه أهل الحديث. وروى صفوان بن محرز قال: سمعت أبا موسى على المنبر يقول: ألا أن خمر أهل المدينة البسر والتمر وخمر أهل فارس العنب، وخمر

стр. 16161

أهل اليمن البتع وهو العسل، وخمر الحبشة السكركة وهو الأرز (١). قال إسماعيل بن إسحاق: فإذا تبين أن الخمر تكون من هذا كله وجب أن يجري كله مجرًا واحداً، وأن لا نفرق بين السكر من العنب والسكر من غيره، والمزر يصنع من الشعير وهو الجعة أيضًا. فصل: أسلفنا أن الحكم في التحريم لا يتعلق بعين الخمر وكل ما أسكر فهو ملحق به. وقال أبو حنيفة: المحرم عصير العنب النيِّئ، فمن شرب منها ولو نقطة حد، وما عداها لا يحد إلا مما أسكر منه (٢)، وموضع الرد عليه من الحديث: أنهم كانوا يشربون بالمدينة الفضيخ وهو ما يتخذ من البسر والتمر، فلما جاءهم منادي رسول الله: أن الخمر حرمت امتنعوا وكسروا الجرار ولم ينكروا ولا قالوا: إنما كنا نشرب الفضيخ، بل قبلوا وامتنعوا، فلولا أنهم عندهم خمر ما امتنعوا منه، فإذا ثبت بالسنة وإجماع الصحابة أن هذِه الأشربة تسمى خمرًا فهي داخلة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فهو حرام بنص القرآن وقد سلف. قال الخطابي: وذهب غير واحد من فقهاء الكوفة إلى أن الخمر إنما هي من العنب والرطب. وقول الفاروق: والخمر ما خامر العقل؛ دال على جواز إحداث الاسم بالقياس، أخذه من طريق الاشتقاق، وزعم قوم أن العرب لا تعرف النبيذ المتخذ من التمر خلاً، فقال: إن

стр. 16162

الصحابة الذين سموا الفضيخ خمرًا عرب فصحاء، فلو لم يصلح هذا الاسم لم يطلقوه عليها (١). فرع: قال ابن حبيب: لا تشرب الفضيخ وإن لم تسكر؛ لأنه البسر والرطب جميعاً يهشان لينتبذان، وهما الخليطان اللذان نهى الشارع عنها. قال ابن التين: والذي ذكر أهل اللغة أن الفضيخ شراب يتخذ من بسر وحده من غير أن تمسه النار. فصل: ذكر صاحب "الهداية" من الحنفية أن الأشربة المحرمة أربعة: الخمر وهو عصير العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وهو قول أبي حنيفة، والعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو الطلاء، ونقيع التمر وهو السكر، ونقيع الزبيب إذا اشتد وغلا، فأما الخمر فماهيتها أنها من ماء العنب إذا صار مسكرًا وهذا عندنا وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم. وقال بعض الناس: هو اسم لكل مسكر؛ لقوله ﵇: "كل مسكر خمر" وقوله: "إن الخمر من هاتين الشجرتين" وأشار إلى الكرم والنخلة (٢)؛ ولأنه من مخامرة العقل وهو موجود في كل مسكر قال: ولنا أنه خاص بإطباق أهل اللغة على ما ذكرنا؛ ولهذا اشتهر استعماله فيه وفي غيره، ولأن حرمة الخمر قطعية وهي في غيرها

стр. 16163

ظنية. قال: وإنما سمي الخمر خمرًا لتخمره لا لمخامرته العقل على ما ذكرتم، ولا ينافي كون الاسم خاصًا فيه، فإن النجم منشق من (النجوم) (١)، ثم هو اسم خاص للنجم المعروف، لا بكل ما ظهر، وهذا كثير النظير، قال: والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين، قلت: لا يقبل منه فمن صححه حجة عليه، والثاني أريد لبيان الحكم إذ هو اللائق بمنصب الرسالة، وعند الشيخين: لا يشترط القذف بالزبد والخمر حرام غير معلولة بالسكر ولا موقوفة عليه، ومن الناس من أنكر حرمة عينها، وقال: السكر بها حرام؛ لأن به يحصل الفساد. وهذا لغو؛ لأنه جحود الكتاب لأنه سماه رجسًا، والرجس ما هو محرم العين. وقد جاءت السنة المتواترة بتحريمها، وعليه انعقد إجماع الأئمة؛ ولأن قليله يدعو إلى كثيره وهذا من خواص الخمر ولهذا يزداد لشاربها اللذة بالاستكثار منها بخلاف سائر المطعومات، ثم هو غير (معلول) (٢) عندنا حتى لا يتعدى حكمه إلى سائر المسكرات، والشافعي يعديه إليها قال: وهذا بعيد؛ لأنه خلاف السنة المشهورة. قلت: بل الذي قاله هو البعيد، وما قاله الشافعي موافق للسنة المشهورة كأحاديث الباب وغيره. قال: وتعليله لتعدية الاسم والتعليل في الأحكام لا في الأسماء قال: وهي نجسة نجاسة مغلظة كالبول؛ لثبوتها بالدلائل القطعية، يكفر مستحلها؛ لإنكاره الدليل القطعي، ويسقط عوضها في حق

стр. 16164

المسلم إذا (أتلفها) (١)، قال: والأصح أنه مال؛ لأن الطباع تميل [إليها] (٢) وتضن بها (٣). فرع: قال ابن حزم: ولا يحل كسر أوانيها، ومن كسرها من حاكم أو غيره فعليه ضمانها لكن يهريق ويغسل الفخار والجلود والعيدان والحجر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: يكسر الفخار والعود وتشق الجلود ويغسل ما سوى ذلك. دليل قولنا أن الشارع لما أخبر الرجل بتحريمها فتح المزادة وأهرقها ولم يأمره بخرقها، وقد نهى عن إضاعة المال. حجة المخالف أن عكرمة قال: كسر النبي ﷺ كوزًا فيه شراب وشق المشاعل يوم خيبر. وروى ابن عمر أنه ﵇ شق زقاق الخمر، وكذا رواه أبو هريرة وجابر؛ ولا يصح كل ذلك. حديث ابن عمر [أحد طرقه] (٤) فيه ثابت بن يزيد الخولاني ولا ندري من هو (٥)، والثاني: من رواية ابن لهيعة عن أبي طعمة نسير بن ذعلوق

стр. 16165

وهو لا شيء (١)، والثالث: من رواية عبد الملك بن حبيب الأندلسي وهو هالك عن طلق وهو ضعيف (٢)، وحديث أبي هريرة فيه عمر بن صهبان وهو ضعيف (٣)، ولا يصح في هذا الباب شيء (٤)، قلت: عمر ونسير وثابت وطلق ثقات، وروى ابن أبي عاصم من حديث سفيان عن السدي، عن يحيى بن عباد، عن أنس أن أبا طلحة سأل رسول الله عن أيتام ورثوا خمرًا أيجعله خلًا فكرهه، قال: أبو عمر: هذا صحيح (٥). وأخرجه مسلم في صحيحه أيضًا (٦). فرع: قال في "الهداية": ومن كان له على مسلم دين فأوفاه ثمن خمره لا يحل له أن يأخذه ولا للمديون أن يؤديه؛ لأنه ثمن باطل وهو غصب في يده أو أمانة على حسب ما اختلفوا فيه كما في بيع الميتة ولو كان الدين على ذمي يؤديه من ثمن الخمر، والمسلم هو الطالب يستوفيه؛ لأن بيعها فيما بينهم جائز.

стр. 16166

فرع: يحرم الانتفاع بها؛ لأن الانتفاع بالنجس حرام، ولأنه واجب (الاجتناب) (١) وفي الانتفاع إقرار (٢). قال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على نجاسته وأنه كالدم والميتة ولحم الخنزير إلا ما روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن في لفظ من الخمر شيء (لم أر له ذكرًا) (٣)؛ لأنه خلاف إجماعهم، وقد جاء عنه في مثل؛ رءوس الإبر من لفظ البول نحو ذلك (٤). فرع: يحد شاربها وإن لم يسكر؛ لقوله ﵇: "من شرب الخمر فاجلدوه" وعليه قام الإجماع، والطبخ لا يؤثر فيها لأنها للمنع من شرب الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها، إلا أنه لا حد فيها بما لم يسكر منه على ما قالوا. فرع: لا يجوز تخليلها عندنا خلافًا لهم. وعند مالك فيما حكاه ابن حزم عنه: إن تعمد تخليلها لم يحل أكل ذلك الخل (٥). وقال أبو ثور: لا تؤكل تخللت أو خللت، قال ابن حزم: وقولنا هو قول أبي حنيفة وأبي سليمان رُوي أن عليًا ﵁ كان يصطبغ بخل خمر.

стр. 16167

وعن أبي الدرداء: لا بأس به، وكذا قالت عائشة وابن عمر وابن سيرين وهو قول الحسن وابن جبير (١). قال ابن القاسم فيما حكاه ابن عبد البر، عن مالك: لا يحل لمسلم أن يخلل الخمر لكن يهريقها، وفي رواية أشهب عنه: إذا خللها النصراني فلا بأس وكذا لو خللها مسلم، والصحيح رواية ابن القاسم، وهذِه رواية سوء ولا تصح في هذِه المسألة إلا بما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد (٢). فرع: وأما العصير إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخه ويسمى الباذق والمنصف وهو ما ذهب نصفه بالطبخ، وكل ذلك حرام عندنا إذا غلا واشتد وقذف بالزبد وإذا اشتد، على الاختلاف. وقال الأوزاعي: إنه مباح وهو قول بعض المعتزلة لأنه مشروب طيب وليس بخمر، ولنا أنه رقيق مطرب، ولهذا أن الفساق تجمع عليه فيحرم شربه دفعًا لفساد التعلق به. فصل: وأما نقيع التمر وهو السَّكَرُ وهو النيء (٣) من ماء التمر أي الرطب فهو حرام.

стр. 16168

وقال شريك بن عبد الله: مباح؛ لقوله تعالى ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] ولنا إجماع الصحابة (و) (١) ما رويناه من قبل، والآية محمولة على الابتداء إذ كانت الأشربة مباحة كلها، وقيل: أراد به التوبيخ معناه -والله أعلم- تتخذون منه سكرًا وتدعون رزقًا حسنًا. فصل: وأما نقيع الزبيب فهو حرام إذا اشتد وغلا، ويتأتى فيه خلاف الأوزاعي إلا أن حرمة هذِه الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها؛ لأن حرمتها اجتهادية وحرمة الخمر قطعية، واعترض هذا ابن حزم بأن قال: هذا لا شيء؛ لأنا لو وجدنا إنسانًا غاب عنه تحريم الخمر فلم يبلغه لما كفرناه إلا إذا بلغه وأصر، وكذا النبيذ لا يكفر من جهله إلا بعد بلوغه والإصرار عليه، قال في "الهداية": ولا يجب الحد بشربها حتى يسكر، ويحد شارب قطرة من الخمر، ونجاستها خفيفة في رواية، وغليظة في أخرى، ونجاسة الخمر غليظة رواية واحدة (٢).

стр. 16169

٣ - باب نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهْيَ مِنَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ ٥٥٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مِنْ فَضِيخِ زَهْوٍ وَتَمْرٍ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا. فَأَهْرَقْتُهَا. [انظر: ٢٤٦٤ - مسلم: ١٩٨٠ - فتح ١٠/ ٣٦] ٥٥٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا على الْحَيِّ أَسْقِيهِمْ -عُمُومَتِي وَأَنَا أَصْغَرُهُمُ- الْفَضِيخَ، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ. فَقَالُوا: أَكْفِئْهَا. فَكَفَأْتُهَا. قُلْتُ لأَنَسٍ: مَا شَرَابُهُمْ؟ قَالَ: رُطَبٌ وَبُسْرٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ: وَكَانَتْ خَمْرَهُمْ. فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ. وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ. [انظر: ٢٤٦٤ - مسلم:١٩٨٠ - فتح ١٠/ ٣٧] ٥٥٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ أَبُو مَعْشَرٍ الْبَرَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ، وَالْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ. [انظر: ٢٤٦٤ - مسلم: ١٩٨٠ - فتح ١٠/ ٣٧] ذكر فيه حديث أنس ﵁ قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب من فضيخ وهو بسر وتمر، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة قم يا أنس فأهرقها، فأهرقتها. حدثنا مسدد، ثنا معتمر عن أبيه قال: سمعت أنسًا قال: كنت قائمًا على الحي أسقيهم -عمومتي وأنا أصغرهم- الفضيخ، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: أكفئها، قلت لأنس: ما شرابهم؟ قال: زبيب وبسر، فقال أبو بكر بن أنس: وكانت خمرهم. فلم ينكر أنس، وحدثني

стр. 16170

بعض أصحابي أنه سمع أنسًا يقول: كانت خمرهم يومئذ، وعن أنس: حرمت الخمر يومئذ البسر والتمر. الشرح: هذا الحديث يأتي أيضًا في خبر الواحد (١)، وأخرجه في الوليمة (٢)، ومسلم هنا (٣). والقائل: (وحدثني بعض أصحابنا) هو سليمان التيمي والد معتمر، وقد بينه مسلم؛ إذ رواه عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن أبيه قال: حدثني بعض من كان معي أنه سمع أنسًا يقول: كانت خمرهم يومئذٍ، وعنده أيضًا أنه كان يسقي أبا أيوب وأبا دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء، وعند أحمد بن حنبل: وما نعدها يومئذٍ إلا خمرًا وكانوا أحد عشر رجلاً، قال أنس: وكفأتها وكفأ الناس آنيتهم بما فيها حتى كادت السكك أن تمتنع من ريحها. قال أنس: وما خمرهم يومئذٍ إلا البسر والتمر مخلوطين وإن عامة خمورهم يومئذٍ الفضيخ التمر والبسر (٤)، ولابن أبي عاصم: حتى مالت رءوسهم فدخل داخل فقال: إن الخمر حرمت قال: فما خرج منا خارج ولا دخل داخل حتى كسرنا القلال وأهرقنا الشراب واغتسل بعضنا

стр. 16171

وتوضأ بعضنا وأصبنا من طيب (سليم) (١)، فأتينا النبي ﷺ -وهو يقرأ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، فقال رجل: يا رسول الله فكيف بمن مات من إخواننا وهم يشربونها، فنزلت: ﴿لَيْسَ على الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وفي رواية قال: فما عادوا لشربها حتى لقوا الله تعالى. فصل: الفضيخ عند أكثر أهل العلم فيما نقله أبو عمر: نبيذ التمر (٢) وقال أبو عبيد بن سلام: هو ما افتضخ من البسر من غير أن تمسه النار (٣). وقال ابن سيده في "محكمه": هو عصير العنب، وهو يتخذ من البسر المفضوخ. قال الراجز: بال سهيل في الفضيخ ففسد (٤). يقول: لما طلع سهيل ذهب زمن البسر وأرطب فكأنه بال فيه، وفي "مجمع الغرائب" هو فضيخ أو فضوخ أو لأنه يسكر صاحبه فيفضخه. قال ابن عمر: وسئل عنه ليس بالفضيخ ولكنه الفضوخ. وفي "الصحاح": هو من البسر وحده (٥).

стр. 16172

فصل: في كتاب أحمد بسند جيد عن جابر: حرمت الخمر يوم حرمت وما كان شراب الناس إلا التمر والزبيب (١)، وكذا قاله هلال بن يزيد ومعقل بن يسار وابن عمر وابن عباس، وسئل عكرمة عنه فقال: حرام ما كان خليطًا وما لم يكن، وكان ابن عباس يكرهه وإن كان بسرًا محضًا. فصل: هذا الباب أيضًا كالذي قبله حجة على العراقيين أن الخمر من العنب وحده؛ لأن الصحابة القدوة في علم اللسان ولا يجوز عليهم أن يفهموا أن الخمر إنما هي من العنب خاصة ويهريقوا حرام الفضيخ وهي غير خمر، وقد نهى عن إضاعة المال وإنما هراقها لأنها الخمرة المحرمة عندهم من غير شك، ولو شكوا في ذلك سألوا رسول الله ﷺ عن عيبها وما يقع عليه اسمها، وقد قال أنس: إنهم لم يعودوا فيها حتى لقوا الله، قال إسماعيل بن إسحاق: جاء في الآثار من تفسير الخمر ما هي واللغة المشهورة، والنظر يعرفه ذوو الألباب بعقولهم أن كل شيء أسكر فهو خمر، وأما كتاب الله فقوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] فعلم أن السكر من العنب مثل السكر من النخيل وقال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فنهي عن الصلاة في حال السكر، واستوى في ذلك السكر من ثمرات النخيل، فكما كان السكر من ثمرات الأعناب والسكر من ثمرات النخيل والأعناب منهي

стр. 16173

عن الصلاة فيه، كذلك كانت الخمر من ثمرالت النخيل والأعناب محرمة بهذِه الآية. فصل: وقوله: "قم يا أنس فأهرقها"، الهاء في هرق من الهمزة ولا يجتمع العوض والمعوض منه لكن ذكر سيبويه لغة أهرق الماء يهرقه وإهراقًا. قال سيبويه: أبدلوا من الهمزة الهاء ثم ألزمت فصارت كأنها من نفس الحرف، ثم أدخلت الألف بعد الهاء وتركت الهاء عوضًا من حذفهم العين؛ لأن أصل أهرق أريق (١)، وقوله: اكفأها فكفأتها، (أي: اقلبها) (٢) وهو ثلاثي، وهو اختيار ابن السكيت أنه ثلاثي (٣). فصل: أبو عبيدة اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر (٤). وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عم حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار (٥).

стр. 16174

فصل: قوله في السند الأخر لحديث أنس أبو معشر: البراء هو بتشديد الراء وهو يوسف بن يزيد البصري وشيخه سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية الثقفي البصري، انفرد به البخاري وانفرد أيضًا بجده جبير بن حية بن مسعود بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف تابعي، عنه أبيه زياد وبكر بن عبد الله ولاه زياد اصبهان، وتوفي أيام عبد الملك بن مروان، وأبيه زياد بن جبير بن حية تابعي أيضًا، روى له مسلم أيضًا، ووالده عند البخاري يروي عنه يونس وابن عون عنه، اسمه سعيد بن عبيد الله بن جبير عند البخاري كما سلف.

стр. 16175

٤ - باب الْخَمْرُ مِنَ الْعَسَلِ وَهْوَ الْبِتْعُ وَقَالَ مَعْنٌ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنِ الفُقَّاعِ فَقَالَ: إِذَا لَمْ يُسْكِرْ فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ ابن الدَّرَاوَرْدِيِّ: سَأَلْنَا عَنْهُ فَقَالُوا: لَا يُسْكِرُ، لَا بَأْسَ بِهِ. ٥٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ، فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ». [انظر: ٢٤٢ - مسلم: ٢٠٠١ - فتح ١٠/ ٤١] ٥٥٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ -وَهْوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ». [انظر: ٢٤٢ - مسلم: ٢٠٠١ - فتح ١٠/ ٤١] ٥٥٨٧ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ». [مسلم: ١٩٩٢] وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهَا الْحَنْتَمَ وَالنَّقِيرَ. [مسلم: ١٩٩٣ - فتح ١٠/ ٤١] ثم ساق حديث عائشة ﵂، سئل رسول الله ﷺ عن البتع، فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" ثم قال: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه، فقال ﵇: "كل شراب أسكر فهو حرام". وعن الزهري حدثني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لا" تنتبذوا في الدباء ولا في المزفت" وكان أبو هريرة يلحق معها الحنتم والنقير.
следующие страницы →