← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16171–16210 · переход к 16176.

стр. 16171

وتوضأ بعضنا وأصبنا من طيب (سليم) (١)، فأتينا النبي ﷺ -وهو يقرأ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، فقال رجل: يا رسول الله فكيف بمن مات من إخواننا وهم يشربونها، فنزلت: ﴿لَيْسَ على الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وفي رواية قال: فما عادوا لشربها حتى لقوا الله تعالى. فصل: الفضيخ عند أكثر أهل العلم فيما نقله أبو عمر: نبيذ التمر (٢) وقال أبو عبيد بن سلام: هو ما افتضخ من البسر من غير أن تمسه النار (٣). وقال ابن سيده في "محكمه": هو عصير العنب، وهو يتخذ من البسر المفضوخ. قال الراجز: بال سهيل في الفضيخ ففسد (٤). يقول: لما طلع سهيل ذهب زمن البسر وأرطب فكأنه بال فيه، وفي "مجمع الغرائب" هو فضيخ أو فضوخ أو لأنه يسكر صاحبه فيفضخه. قال ابن عمر: وسئل عنه ليس بالفضيخ ولكنه الفضوخ. وفي "الصحاح": هو من البسر وحده (٥).

стр. 16172

فصل: في كتاب أحمد بسند جيد عن جابر: حرمت الخمر يوم حرمت وما كان شراب الناس إلا التمر والزبيب (١)، وكذا قاله هلال بن يزيد ومعقل بن يسار وابن عمر وابن عباس، وسئل عكرمة عنه فقال: حرام ما كان خليطًا وما لم يكن، وكان ابن عباس يكرهه وإن كان بسرًا محضًا. فصل: هذا الباب أيضًا كالذي قبله حجة على العراقيين أن الخمر من العنب وحده؛ لأن الصحابة القدوة في علم اللسان ولا يجوز عليهم أن يفهموا أن الخمر إنما هي من العنب خاصة ويهريقوا حرام الفضيخ وهي غير خمر، وقد نهى عن إضاعة المال وإنما هراقها لأنها الخمرة المحرمة عندهم من غير شك، ولو شكوا في ذلك سألوا رسول الله ﷺ عن عيبها وما يقع عليه اسمها، وقد قال أنس: إنهم لم يعودوا فيها حتى لقوا الله، قال إسماعيل بن إسحاق: جاء في الآثار من تفسير الخمر ما هي واللغة المشهورة، والنظر يعرفه ذوو الألباب بعقولهم أن كل شيء أسكر فهو خمر، وأما كتاب الله فقوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] فعلم أن السكر من العنب مثل السكر من النخيل وقال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فنهي عن الصلاة في حال السكر، واستوى في ذلك السكر من ثمرات النخيل، فكما كان السكر من ثمرات الأعناب والسكر من ثمرات النخيل والأعناب منهي

стр. 16173

عن الصلاة فيه، كذلك كانت الخمر من ثمرالت النخيل والأعناب محرمة بهذِه الآية. فصل: وقوله: "قم يا أنس فأهرقها"، الهاء في هرق من الهمزة ولا يجتمع العوض والمعوض منه لكن ذكر سيبويه لغة أهرق الماء يهرقه وإهراقًا. قال سيبويه: أبدلوا من الهمزة الهاء ثم ألزمت فصارت كأنها من نفس الحرف، ثم أدخلت الألف بعد الهاء وتركت الهاء عوضًا من حذفهم العين؛ لأن أصل أهرق أريق (١)، وقوله: اكفأها فكفأتها، (أي: اقلبها) (٢) وهو ثلاثي، وهو اختيار ابن السكيت أنه ثلاثي (٣). فصل: أبو عبيدة اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر (٤). وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عم حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار (٥).

стр. 16174

فصل: قوله في السند الأخر لحديث أنس أبو معشر: البراء هو بتشديد الراء وهو يوسف بن يزيد البصري وشيخه سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية الثقفي البصري، انفرد به البخاري وانفرد أيضًا بجده جبير بن حية بن مسعود بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف تابعي، عنه أبيه زياد وبكر بن عبد الله ولاه زياد اصبهان، وتوفي أيام عبد الملك بن مروان، وأبيه زياد بن جبير بن حية تابعي أيضًا، روى له مسلم أيضًا، ووالده عند البخاري يروي عنه يونس وابن عون عنه، اسمه سعيد بن عبيد الله بن جبير عند البخاري كما سلف.

стр. 16175

٤ - باب الْخَمْرُ مِنَ الْعَسَلِ وَهْوَ الْبِتْعُ وَقَالَ مَعْنٌ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنِ الفُقَّاعِ فَقَالَ: إِذَا لَمْ يُسْكِرْ فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ ابن الدَّرَاوَرْدِيِّ: سَأَلْنَا عَنْهُ فَقَالُوا: لَا يُسْكِرُ، لَا بَأْسَ بِهِ. ٥٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ، فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ». [انظر: ٢٤٢ - مسلم: ٢٠٠١ - فتح ١٠/ ٤١] ٥٥٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ -وَهْوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ». [انظر: ٢٤٢ - مسلم: ٢٠٠١ - فتح ١٠/ ٤١] ٥٥٨٧ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ». [مسلم: ١٩٩٢] وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهَا الْحَنْتَمَ وَالنَّقِيرَ. [مسلم: ١٩٩٣ - فتح ١٠/ ٤١] ثم ساق حديث عائشة ﵂، سئل رسول الله ﷺ عن البتع، فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" ثم قال: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه، فقال ﵇: "كل شراب أسكر فهو حرام". وعن الزهري حدثني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لا" تنتبذوا في الدباء ولا في المزفت" وكان أبو هريرة يلحق معها الحنتم والنقير.

стр. 16176

الشرح: التعليق الأول أخذه البخاري عن (معن) (١) مذاكرة (٢)، ورواية أنس هذِه معطوفة على شعيب وهو القائل، وعن الزهري، ولذلك ساغ لأبي نعيم الحافظ وأصحاب الأطراف أن يقولوا: رواه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب، وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم (٣) والأربعة (٤) وسلف في الطهارة (٥). وقوله: (وكان أبو هريرة يلحق معهما الحنتم والنقير) رواه ابن سعد عن محمد بن بشير ومحمد بن عبيد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عنه بلفظ: نهى رسول الله ﷺ أن ننتبذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير. وفي كتاب أحمد من حديث سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى فذكر حديثًا، فقلت: يا رسول الله، إن شرابنا يصنع بأرضنا من

стр. 16177

العسل يقال له البتع، فقال: "كل مسكر حرام" (١). وفي حديث علي: نهى عن الدباء والحنتم والنقير والجعة (٢). وروى النهي عن مجموع هذِه الأوعية أو بعضها ابن سعد عن رسول الله ﷺ من طريق ابن عباس وغيره كما ستعلمه. قال ابن حزم: وصح عنه، ولفظه: نهى عن الانتباذ والشرب من الحنتم والنقير والمقير والدباء، والمراد المجبوبة وكل شيء يصنع من مدر، وصح عن ابن عمر ﵄ أيضًا مثله من غير ذكر المزادة. وصح عن أبي هريرة ﵁ من غير ذكر المدر قال: وحديث أبي سعيد صحيح وكذا حديث علي وأنس وعبد الرحمن بن يعمر، وكذا حديث عائشة وصفية وحديثها: نهى عن نبيذ الجر، وابن أبي أوفى وحديثه نهى عن الجر الأخضر والأبيض، وعبد الله بن الزبير، فهؤلاء أحد عشر من الصحابة رووا النهي ورواه عنهم أعدادهم من التابعين وهذا نقل متواتر (٣). قلت: وفي الباب عن سويد بن مقرن، أخرجه ابن أبي عاصم من حديث شعبة، عن أبي حمزة، عن هلال المازني عنه، ولأحمد من حديث مكحول عن بلال أنه كره نبيذ الجر، وعن ابن معقل مثله مرفوعًا، وقال أبو العالية: نهى عنه رسول الله ﷺ في غزوة خيبر، وعبد الله بن جابر العبدي أن رسول الله ﷺ نهاهم عن الدباء والمزفت والحنتم والنقير.

стр. 16178

وحديث أبي أيوب الأنصاري وحديث عمران بن الحصين ذكره الحازمي (١). وحديث أشعث بن عمير العبدي عن أبيه ذكره ابن سعد، وحديث عابد بن عمرو، وحديث زينب بنت أم سلمة، وفي الباب أيضًا سمرة بن جندب، وجابر، وابن عمر، وقد سلف، وعمير العبدي، وثمامة بن عمرو، وزينب بنت أم سلمة، وعمران بن حصين، وفي كتاب أحمد: وميمونة، وعبيد الله بن جابر العبدي، وأبو قتادة. وعند ابن أبي عاصم: وعبد الله بن عمرو بن العاص. وفي كتاب أحمد عن أبي (موسى) (٢). قلت: يا رسول الله إن شرابًا يصنع بأرضنا يقال له المزر من الشعير وشرابًا من العسل يقال له البتع فقال: "كل مسكر حرام" (٣). قال ابن محيريز: وسمعت أبا موسى يخطب على منبر البصرة يقول: ألا أن خمر أهل المدينة البسر والتمر، وخمر أهل فارس العنب، وخمر أهل اليمن البتع، وخمر الحبشة السكركة وهي الأرز، وقد سلف. فصل: البتع بكسر بائه، وتاؤه تسكن وتفتح: قمع وقمع: وهو نبيذ العسل كما فسر في الأصل. وذكر أبو حنيفة الدينوري أن البتع خمر متخذة من العسل، والبتع أيضًا الخمر يمانية.

стр. 16179

قال ابن سيده: بتعها: خمرها، والبتاع: الخمار (١)، وعند القزاز هو أيضًا مكسور الباء ساكن التاء يتخذ من عسل الخل صلب يكره شربه لدخوله في جملة ما يكره من الأشربة لفعله وصلابته، وفي "الواعي": صلابته كصلابة الخمر. فصل: وذكر ابن حزم أن الانتباذ في هذِه الحنتم والنقير والمزفت والمقير والدباء والجرار البيض والحمر والسود والأسقية وكل ظرف حلال، وكذلك الشرب منها؛ لأنه ﵇ روى عنه بريدة قال: "كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في (الظروف) (٢) فانتبذوا في كل وعاء غير أن تشربوا مسكرًا" وعند مسلم: فإن الأوعية لا تحل شيئًا ولا تحرمه (٣). وعن جابر: نهى رسول الله عن الظروف، فقال فتية من الأنصار: أنه لا بد لنا منها قال: "فلا إذًا" (٤)، فصح إباحة ما نهى عنه من الظروف وأن النهي نسخ (٥). وقال: ولم يأت النهي إلا من هاتين الطريقين فقط، قلت: أخرجه ابن أبي عاصم من حديث علي وعبد الله بن عمر وأبي بردة وأبي سعيد وعمران بن حيان الأنصاري عن أبيه، قال: وروي عن جابر وأبي سعيد وأنس وعن عثمان بن عطاء عن أبيه، ثم روي عن الزهري أنه كان يدعو على من زعم أن النبي ﷺ أحل نبيذ الجر بعد أن حرمه.

стр. 16180

وفي كتاب ابن أبي شيبة، عن رافع بن خديج: أنه كره نبيذ الجر، وكذا ذكره عن علي وأبي موسى وأبي هريرة وسعيد بن جبير وجابر بن زيد والحسن وابن عباس وعائشة وعمر بن عبد العزيز (١). وقال الأثرم: هذِه المسألة قل ما يوجد في السنن مثلها، وذلك أنه جاء عن رسول الله ﷺ النهي عن الظروف التي ينبذ فيها والرخصة في الأسقية التي تلاث على أفواهها، ثم جاءت الرخصة فيها إذا لم يكن الشراب فيها مسكرًا، ثم جاء النهي عنها أيضًا بعد الرخصة فرجع الأمر فيها إلى النهي (٢). وقال ابن عبد البر في حديث أبي سعيد يرفعه: "نهى عن الجر الأخضر" وهو عندي كلام جرى على جواب السائل، كأنه قال له: الجر الأخضر؟ فقال: "لا تنتبذوا فيه" فقال الراوي: نهى؛ الدليل على ذلك أن عائشة وابن الزبير وعليًا وأبا بردة وأبا هريرة وابن عمر وابن عباس رووا النهي عن النبيذ في الجر مطلقًا لم يذكروا الأخضر ولا غيره (٣). ولابن أبي عاصم من حديث عبد الله: "إني نهيتكم عن هذِه الأوعية فإنها لا تحل شيئًا ولا تحرمه فأشربوا فيها"، ولأحمد: "نهيتكم عن هذِه الظروف فانتبذوا فيها" (٤). ولابن أبي شيبة بإسناد جيد عن أنس: نهى رسول الله ﷺ عن النبيذ في هذِه الظروف ثم قال:

стр. 16181

"نهيتكم عن النبيذ فيها فاشربوا فيما شئتم" (١). ومن حديث يحيى بن غسان التميمي عن ابن الرسيم وكان فقيهًا من أهل هجر، أنه حدث عن أبيه أنه ﵇ نهاهم عن النبيذ في هذِه الظروف، فرجعوا إليه فقالوا: يا رسول الله، إنك نهيتنا عن هذِه الأوعية فتركناها فشق ذلك علينا، فقال ﵇: "اشربوا فيما شئتم" (٢). ومن حديث بشر بن صفوان، عن عمران بن أبي وقاص المكي وهو أبو عبد الرحمن، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة رفعته: "كنت نهيتكم أن تنتبذوا في هذِه الأوعية الدباء والنقير" (٣). الحديث. ومن حديث الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره، عن عبد الله بن مغفل قال: شهدت رسول الله ﷺ حين نهى عن نبيذ الجر وأنا شهدته حين رخص فيه (٤). ولابن أبي شيبة، عن صحار العبدي، قلت: يا رسول الله أتأذن لي في جرة أنتبذ لها؟ فأذن له (٥). وعن عاصم قال: سأل عبد الملك عكرمة عن نبيذ جرة رصاص، فقال: حرام، فوهبها عبد الملك لرجل فانحدر بها إلى البصرة، قال: وكان عكرمة يسأل عن الزجاج فيقول: (الدباء) (٦) أهون وأضعف

стр. 16182

فكرهه أو نهى عنه، وقال سفيان بن حسين سألت الحسن وابن سيرين عن النبيذ في الرصاص فكرهاه ونهياني عنه (١)، ورخص فيه ابن عباس وإبراهيم وخيثمة والمسيب بن رافع وأبو قلابة وعبد الله بن عمر والحكم (٢). وقال حميد: كان بكر بن عبد الله ينبذ له في القوارير، ورخص فيه الحسن وابن عمر وابن سيرين وأنس بن مالك وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، وكره ذلك أبو برزة الأسلمي (٣). وروينا عن الحازمي أنه قال: إنما كان نهى عن هذِه الأوعية؛ لأن لها ضراوة يشتد فيها النبيذ ولا يشعر بذلك صاحبها فيكون على غرر من شربها، وقد اختلف الناس في هذا الباب، فذهب بعضهم إلى أن الحظر باق، وكرهوا أن ينبذ في هذِه الأوعية، وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق (٤). قال الخطابي: وقد يروى ذلك عن عمر وابن عباس (٥)، وذكره أحمد أيضًا عن عمر بن عبد العزيز، وأنه كتب بذلك إلى عدي بن أرطاة بالبصرة (٦). قلت: أخرجه ابن أبي شيبة، عن عمر بإسناد جيد عن البراء قال: أمرني عمر أن أنادي يوم القادسية: لا ينبذ في دباء ولا حنتم ولا مزفت (٧).

стр. 16183

وروي أيضًا من حديث عبد الملك بن نافع أن ابن عمر سئل في الطلاء فقال: لا بأس به، قلت: إنه في مزفت: قال: لا تشربه في مزفت (١)، وقاله أيضًا أنس بن مالك بإسناد جيد، وفيه -أعني "المصنف"- أيضًا أن معاذًا وزيد بن أرقم وأبا مسعود البدري وابن مسعود وأبا برزة وعلي بن أبي طالب ومعقل بن يسار وقيس بن عباد وأنس بن مالك وأسامة بن زيد وأبا وائل وعبد الرحمن بن أبي ليلى وابن عباس وابن الحنفية وعمران بن حصين ومسروقًا وسعد بن عبيدة والشعبي وهلال بن يساف والأسود وأبا رافع والضحاك وأبا عبيدة بن عبد الله وسعدًا كانوا يشربون بنبيذ الجر (٢). ولأحمد بن منيع البغوي، عن أبي معاوية: ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا عاصم بن عمر العنبري: سألت أنس بن مالك: أحرم النبي ﷺ نبيذ الجر؟ قال: كيف يحرمه والله ما رآه قط (٣). قال الحازمي: وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحظر كان في مبدأ الأمر ثم رفع وصار منسوخًا، ودلت الأحاديث الثابتة أن النهي كان مطلقًا عن الظروف كلها، ودل بعضها أيضًا على السبب الذي لأجله رخص فيها وهو أنهم شكوا إليه الحاجة إليها فرخص لهم في ظروف الأدم لا غير، ثم أنهم شكوا إليه أن ليس كل أحد يجد سقاء، فرخص لهم في الظروف كلها، ليكون جمعًا بين الأحاديث كلها سيما بين قول بريدة: "نهيتكم عن الظروف وإنها لا تحرم شيئًا ولا تحله" وفي لفظ: "نهيناكم عن الشرب في الأوعية فاشربوا في أي سقاء

стр. 16184

شئتم" (١)، وبين حديث ابن عمر: نهى عن الحنتم والدباء والمزفت وقال: "انتبذوا في الأسقية" (٢) (٣). فصل: في حد السكر: قال ابن حزم: سئل أحمد بن صالح عن السكران؟ فقال: أنا آخذ بما رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن يعلي بن منبه، عن أبيه قال: سألت عمر بن الخطاب عن حد السكران؟ فقال: هو الذي إذا استُقْرِئَ سورةً لم يقرَأْها، وإذا خلط ثوبه في ثياب لم يخرجه. قال ابن حزم: وهو نحو قولنا: لا يدري ما يقول (٤). وقال أبو حنيفة: لا يكون سكرانًا حتى لا يميز الأرض من السماء (٥). وأباح كل سكر دون هذا وهذا عجيب. وقال ابن المنذر: قال مالك: هو أن يتغير في طباعه التي هو عليها، وهو قول أبي ثور، وقال الثوري: لا يجلد إلا في اختلاط العقل، فإن استقرئ فقرأ أو سئل فتكلم بما يعرف لم يحدوا ولا حد. وقال أبو حنيفة: هو أن لا يعرف الرجل من المرأة، وقال مرة: لا يعرف قليلاً ولا كثيراً. وقال أبو يوسف: لا يكون هذا ولا يحد سكرانًا إلا وهو يعرف شيئًا، فإذا كان الغالب عليه اختلاط العقل واستقرئ سورة فلم يفهمها وجب عليه الحد (٦).

стр. 16185

وقال الشافعي: أقل السكر أن يغلب على عقله في بعض ما لم يكن عليه قبل (الشراب) (١). قال ابن المنذر: وهذا أولى بالصواب لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وقد كان الذين خوطبوا بهذِه الآية قبل نزول تحريم الخمر يقربون الصلاة قاصدين لها في حال سكرهم عالمين بالصلاة التي لها يقصدون، وسموا ﴿سُكَارَى﴾ لأن في الحديث أن أحدهم أمهم فخلط في القراءة فأنزل الله الآية (٢). فقصدهم إلى الصلاة دلالة أن اسم السكران قد يستحق من عرف شيئًا، وذهب عليه غيره ولو كان السكران لا يكون إلا من لا يعرف شيئًا ما اهتدى سكران بمنزله أبدًا؛ لأنه معروف أن السكران يأتي منزله، ويقال: جاءنا وهو سكران. فصل: هذا الباب حجة لقول مالك وأهل الحجاز أن المسكر كله من أي نوع كان من غير العنب فهو الخمر المحرم في الكتاب والسنة، ألا ترى أنه ﵇ سئل عن البتع فقال: "كل شراب أسكر حرام" فعلمنا أن المسألة إنما وقعت على ذلك الجنس من الشراب ودخل فيه كل ما كان (في معناه) (٣) مما يسمى شرابًا مسكرًا من أي نوع كان. فإن قال الكوفي: إن قوله: "كل شراب أسكر" يعني به: الجر الذي يحدث بعقبه السكر فهو حرام.

стр. 16186

فجوابه: أن الشراب اسم جنس فيقتضي أن يرجع التحريم إلى الجنس وهذا كما نقول: هذا الطعام مشبع والماء مرو ويريد به الجنس وكل جزء منه يفعل ذلك الفعل، فاللقمة تشبع العصفور، وما هو أكبر منها يشبع ما هو أكبر من العصفور، وعلى هذا حتى تشبع الكبير، وكذا جنس الماء يروي الحيوان على هذا الحد، فكذلك النبيذ. قال الطبري: يقال لهم: أخبرونا عن الشربة التي كان يعقبها السكر أهي التي أسكرت شاربها دون ما تقدمها أو من الاجتماع معها وأخذت كل شربة بحظها من الإسكار؟ فإن قالوا بالأول قيل لهم: وهل هذِه التي حدث له ذلك عن شربها إلا لبعض ما تقدم من الشربات قبلها في أنها لو انفردت دون ما تقدم قبلها كانت غير مسكرة وحدها، وإنها إنما أسكرت باجتماعها واجتماع عملها، فحدث عن جميعها السكر، يوضحه لو أن رطلًا من ماء العنب ألقيت فيه قطرة من خل فلم يتغير طعمه إلى الحموضة ثم تابعنا ذلك بقطرات كثيرة كل ذلك لا يتغير لها طعم الماء، ثم ألقينا آخر ذلك قطرة منه فتغير طعمه وحمض أترونه حمض من الآخرة أم حمض منها وغيرها؟ فإن قالوا: من الأخير، فقد قالوا ما يعلم العقلاء خلافه، فكابروا العقول؛ لأن أمثالها قد ألقيت فيه ولم يحدث ذلك فيه، فكان معلومًا بذلك أن الحموضة حدثت عن جميع ما ألقى من الخل، وأنه لولا قوة عمل ما تقدم من قطرات الخل المتقدمة مع عمل الآخرة فيه لم يحدث ذلك فيه، وإن قالوا حمض بالكل ولكنه ظهرت بالآخرة، قيل لهم: فهلا قلتم ذلك في الشراب الذي أسكر كثيره إنما أسكر باجتماع قوة الكل، ولكن السكر إنما ظهر فيه عند الأخيرة مع سائرها، كما

стр. 16187

قلتم في الماء الذي ظهرت فيه حموضة الخل، فتعلموا بذلك أن كل شراب أسكر كثيره يستحق بذلك قليله اسم سكر، وكذلك الزعفران والكافور المغير في أن قليل ذلك مستحق من الاسم والصفة فيما عمل فيه من التغيير مثل الذي هو مستحق كثيره. قال المهلب: وإنما دخل الوهم على الكوفيين من حديث رووه عن ابن عباس: "حرمت الخمر بعينها والمسكر من غيرها"، وكذلك رواه شعبة وسفيان عن مسعر، عن أبي عون الثقفي عن عبد الله بن شداد، وعن ابن عباس و (السكر) (١) من غيرها (٢)، هكذا رواية أبو نعيم عن مسعر، وإنما الحديث كما رواه ابن شبرمة، عن ابن شداد: السكر بغير ميم أيضًا على الوهم، وهذا قد أسلفناه واضحًا. قال الأصيلي: وشعبة وسفيان أضبط ممن أسقط الميم على أن الحديث لم يسمعه ابن شداد من ابن عباس، قاله أحمد وقد بينه هشيم فقال عن الثقة، عن ابن عباس، وقال مرة أخرى عمن حدثه، عن ابن عباس: فهذا كله يدل على الوهم (٣).

стр. 16188

وقال النسائي: لم يسمعه ابن شبرمة من ابن شداد (١)، قلت: وقد سلف حديث نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام " وأن مالكًا وغيره أوقفه (٢). وعن نافع، عن ابن عمر وقيل: هو أقعد وأولى ممن أسنده عن نافع، وقد روى: "كل مسكر حرام" عن رسول الله ﷺ جماعة منهم: أبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وبريد الأسلمي، ووائل بن حجر، وعبد الله بن مغفل، وعبد الله بن عمرو، وأبو سعيد الخدري، ومعاوية، وأم سلمة، وعائشة، وابن مسعود، ذكرها الطبري في "تهذيبه". وإن قال الكوفي: الدليل على صحة قولنا في التفريق بين عصير العنب وبين سائر الأشربة أن الآية كفرت مستحل عصير العنب دون نقيع التمر، فاعتلالهم بالتكفير ليس بشيء؛ لأنه إنما يقع فيما ثبت بالإجماع لا فيما ثبت من جهة الآحاد، ألا ترى أنه لا يكفر القائل بأن الصلاة تجوز بغير أم القرآن، ولا يكفر من أجاز النكاح بغير ولي، ولا من قال: الوضوء جائز بغير نية وأمثاله، وكذا من قال: لا يقطع سارق ربع دينار مع ثبوته عن رسول الله في أخبار الآحاد، ولا يسع أحد من العلماء أن يحرم ما قام له الدليل على تحريمه من الكتاب والسنة، وإن كان غيره يخالفه فيه لدليل استدل به ووجه من العلم أداه إليه وليس في شيء من هنا خروج من الدين ولا يكفر بما فيه الخطأ والصواب.

стр. 16189

فصل: إن قلت ما وجه إدخال حديث أنس في الباب، وليس فيه إلا النهي عن الانتباذ؟ أجاب عنه المهلب قال: هو موافق للتبويب، وذلك أن الخمر من العسل لا يكون إلا منبذًا في الأواني بالماء الأيام حتى يصير خمرًا، فأنه ﵇ إنما نهى عن الانتباذ في الظروف المذكورة؛ لسرعة كون ما ينبذ فيها خمرًا من كل ما ينبذ فيها. فصل: أوضح ابن التين أيضًا الرد على المخالف، فقال: فيه رد على من قال: إن الإشارة بالمسكر في قوله: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" إنما وقعت الشربة الأخيرة أو إلى الجر الذي يظهر السكر على شاربه عند شربه، وذلك أنه معلوم من طريق العادة أن الإسكار لا يختص بجزء من الشراب دون جزء، وإنما يؤخذ آخر السكر في آخر المشروب على سبيل التعاون كالشبع بالمأكول وكل أمر يؤدي إلى نقص المتعارف فهو منقوص وليس في المتعارف أن يكون فعل الجر من الشيء أكثر من فعله كله، هذا محال وليس يخلو الشراب الذي يسكر كثيره إذا كان في الإناء أن يكون حلالًا أو حرامًا، فإن كان حرامًا لم يجز أن يشرب منه قليل، فإن كان حلالًا لم يجز أن يحرم منه شيء. فإن قلت: الشراب حلال في نفسه ونهى الله أن يشرب منه ما يزيل العقل، قيل: ينبغي أن تكون الشربة التي تزيله ويسكر معلومة يعرفها كل شارب، إذ غير جائز أن يحرم الله تعالى على خلقه شيئًا ويتعبد به ولا يحصل لهم السبيل إلى معرفة ما حرم الله.

стр. 16190

ومعلوم أن طباع الناس مختلفة في مقدار ما يسكرهم منه، والتعبد لا يقع إلا بمعلوم. فإن قيل: لما اختلف الناس في الأشربة وأجمعوا على تحريم خمر العنب، حرمنا ما أجمعوا على تحريمه وأبحنا ما سواه. قيل: أمر الله المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، وكل مختلف فيه من الأشربة مردود إلى تحريم الله ورسوله الخمر، وقد ثبت عنه ﵇: "كل شراب أسكر فهو حرام" وأشار إلى الجنس بالاسم العام والنعت الخاص الذي هو علة الحكم، فكان ذلك حجة على المختلفين، ولو لزم ما قاله هذا القائل للزم منه في الربا والصرف ونكاح المتعة؛ لأن الأمة قد اختلفت فيه، فلو كان كما سلف، كان الربا محرمًا قبل تحريمه فلما حرم نظرنا إلى ما أجمعوا عليه فحرمناه وأبحنا ما اختلفوا فيه، ولا بأس بالدرهم بالدرهمين يدًا بيد، وإنما يحرم منه ما كان غائبًا بناجز، وكذلك المتعة فلما لم يلزم هذا وكان الحكم لما ورد به التحريم الفضة بالفضة إلا مثلًا بمثل يدًا بيد، ولما ثبت من تحريم المتعة ولم يلتفت إلى الاختلاف ولم يعتد به وليس الاختلاف حجة وبيان السنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين. وقال الزجاج: قياس كل ما عمل من الخمر المجمع عليها أن يقال له: خمر وأن يكون بمنزلتها في التحريم؛ لأن إجماعهم أن يقال للقمار: كله حرام وإنما ذكر الميسر من بينه فجعله كله قياسًا على الميسر، وهو إنما كان قمارًا خاصة، فلذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلتها.

стр. 16191

٥ - باب مَا جَاءَ فِي أَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ ٥٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا. قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، فَشَيْءٌ يُصْنَعُ بِالسِّنْدِ مِنَ الرُّزِّ؟ قَالَ: ذَاكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . أَوْ قَالَ: عَلَى عَهْدِ عُمَرَ. وَقَالَ حَجَّاجُ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ: مَكَانَ الْعِنَبِ: الزَّبِيبَ. [انظر: ٤٦١٩ - مسلم: ٣٠٣٢ - فتح ١٠/ ٤٥] ٥٥٨٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: الْخَمْرُ يُصْنَعُ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ. [انظر: ٤٦١٩ - مسلم: ٣٠٣٢ - فتح ١٠/ ٤٦] ذكر فيه حديثين: أحدهما: حدثنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ، وَثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا: الجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا. قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، شيء يُصْنَعُ بِالسِّنْدِ مِنَ الرُّزِّ؟ قَالَ: ذَاكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . أَوْ قَالَ: عَلَى عَهْدِ عُمَرَ. وَقَالَ حَجَّاجُ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ: مَكَانَ العِنَبِ: الزَّبِيبَ.

стр. 16192

وصدر هذا الحديث إلى قوله: ما خامر العقل، سلف في أواخر تفسير سورة المائدة (١)، ويحيى هذا هو ابن سعيد القطان الحافظ. وأبو حيان التيمي هو يحيى بن سعيد بن حيان. الحديث الثاني: حديث الشعبي عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ ﵄ قَالَ: الخَمْرُ يُصْنَعُ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الزَّبِيب إلى آخر ما تقدم تعداده، والمراد بقوله: (قلت: يا أبا عمرو). هو أَبو حيان التيمي، وأبو عمرو هو الشعبي، وفي "الأشربة" لأحمد من حديث أبي بردة عنه: ما خمرته فعتقته فهو خمر، وإنما كانت لنا الخمر خمر العنب (٢). وله أيضًا بإسناد جيد عن ابن سيرين أن رجلاً قال لابن عمر: آخذ التمر فأجعله في التنور؟ فقال: لا أدري ما تقول يتخذ أهل أرض كذا وكذا خمرًا، ويتخذ أهل أرض كذا وكذا خمرًا يسمونها كذا وكذا، حتى عدَّ خمسة أشربة. قال محمد: لا أحفظ منها إلا العسل والشعير واللبن. قال أيوب: فكنت أهاب أن أُحدِّث باللبن حتى حدثني رجل أنه يصنع منه بأرمينية شراب لا يلبث صاحبه (٣). ومن حديث ابن عمر أيضًا: الخمر من خمسة. فعدَّها كما سلف (٤)، وفي رواية: والمزر من الذرة، والجعة من الشعير (٥).

стр. 16193

ومن حديث إبراهيم بن مهاجر، عن عامر عن النعمان بن بشير مرفوعًا: "من الزبيب خمر، ومن الحنطة خمر، ومن الشعير خمر، ومن العسل خمر" (١). ومن حديث أنس: "الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والذرة والشعير فما خمرت من ذلك فهو خمر" (٢). ومن حديث أبي الجويرية الحرمي قال: سُئل ابن عباس عن الباذق فقال: سبق محمد ﷺ الباذق (٣). يعني: المطبوخ (٤). فصل: وممن رخص في الطلاء الذي ذهب ثلثاه: أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ وعمر، وأمر بذلك عمارًا ومن قبله من المسلمين، وأبو أمامة، وجرير بن عبد الله، وأبو الدرداء، وخالد بن الوليد، وعلي، وأنس، وإبراهيم النخعي، والحسن، وسعيد بن المسيب، ومسروق، وشريح، وأبو عبيدة بن عبد الله، وعبد الرحمن بن بشر الأنصاري، وعمر بن عبد العزيز، وطاوس، وعكرمة. ذكره ابن أبي شيبة، وذكر أن البراء بن عازب كان يشربه على النصف، وكذا أبو جحيفة (وجرير بن عبد الله، وأنس، وابن أبزى،

стр. 16194

ومحمد ابن الحنفية، وشريح، وأبو عبيدة بن عبد الله، وإبراهيم) (١) وقيس ابن أبي حازم وسعيد بن جبير ويحيى والشعبي وعبيدة (٢)، وأجازه أبو حنيفة وصاحباه محتجين أنه لا يشرب أحد من الصحابة والتابعين ما يسكر؛ لأنهم مجمعون أن قليل الخمر وكثيرها حرام. قال ابن عبد البر: وممن كره النصف ابن المسيب والحسن وعكرمة (٣). فصل: قال المهلب: قوله: (نزل تحريم الخمر وهي من خمسة) ففسر ما نزل، وهذا يجري مجرى المسندات، وإذا لم يجد مخالفًا له في الصحابة وجب أن يكون هذا التفسير لكتاب الله ولما حرم فيه مجتمعًا عليه في الصحابة، ويرتفع الإشكال عمن يلتبس عليه أمره إن أراد الله هدايته، قال: ومن الدليل القاطع لهم إجماعنا وإياهم على تحريم قليل الخمر من العنب، ولا يخلو تحريمها أن يكون لمعنى أم لا؟ الثاني ممتنع؛ لامتناع العبث فتعين الأول، والمعنى فيهما واحد كما سلف؛ لأن كل نقطة من الخمر تأخذ بنصيب من الإسكار. إيضاحه: لو أن سفينة رمي فيها عشرة أقفزة فلم تغرق، فرمي فيها قفيز زائد فغرقت لم يكن غرقها بالقفيز ولا بثقله وحده بل الكل وهذا عقلي واضح، ولا شك أن القليل يدعو إلى الكثير كما أن البيع وقت النداء يُخشى منه فوت الجمعة، وكذا الهدي إذا عطب لا يأكل منه ولا يطعم أحدًا؛ خيفة أن يتطرق إلى نحره ويدعي عطبه، وكذا

стр. 16195

الخاطب في العدة منع من التصريح لما يدعو إليه من الدواعي، (وكذا كل ما) (١) يقع عليه اسم خمر فحكمه واحد في التحريم مع أن القدر الذي يحدث عنه السكر غير معلوم، فلا يجوز أن يتعلق به التحريم كما سلف، وقد ألزم الشافعي الكوفيين إلزامًا صحيحًا قال: ما تقولون فيمن شرب القدر الذي لا يسكر؟ قالوا: مباح. قال لهم: إن خرج فهبت عليه الريح فسكر مما شربه؟ فقالوا: حرام. فقال لهم: هل رأيتم شيئًا يدخل الجوف وهو حلال ثم يصير محرمًا (٢)؟ فصل: وقوله: (والخمر ما خامر العقل). قال إسماعيل: هو أن يصير على القلب من ذلك شيء يغطيه ومن ذلك سُمي الخمار وغيره. فصل: وقوله: (وثلاث وددت) إلى آخره يريد: حتى يبينها لنا، وقد اختلف الصحابة والفقهاء في الجد اختلافًا كثيراً: فروي عن عبيدة أنه قال: حفظت عن عمر في الجد سبعين قضية كلها يخالف بعضها بعضًا (٣). وعن عمر أنه جمع الصحابة، ليجتمعوا في الجد على قولٍ فسقطت حية من السقف فتفرقوا، فقال عمر: أبى الله إلا أن تختلفوا في الجد (٤).

стр. 16196

وقال علي: من أراد أن (يقتحم) (١) جراثيم جهنم فليقض في الجد (٢)، يريد أصولها والجرثومة: الأصل. وقال أبو بكر وابن الزبير وابن عباس وعائشة وأبو موسى: هو يحجب الإخوة، وبه قال أبو حنيفة (٣). وقال زيد: هو كأحد الإخوة ما لم تنقصه المقاسمة فإذا نقصته أعطي الثلث وقسموا الأخوة ما بقي (٤). وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعي (٥). وروي عن علي: هو أخ منهم ما لم تنقص المقاسمة من السدس (٦). وروى عنه: أنه أخ (منكم) (٧) وإن فاته السبع. وأما الكلالة فهو من لا ولد له ولا والد، قاله أبو بكر وعمر وعلي وزيد وابن مسعود والمدنيون والبصريون والكوفيون (٨)، وروي عن ابن عباس: هو من لا ولد له (٩).

стр. 16197

واختلف في الكلالة؛ فقال البصريون: هو اسم الميت، وهو قول ابن عباس (١)، وقال المدنيون: هو اسم للورثة لا ولد فيهم ولا والد (٢)، وقيل: هو اسم الفريضة التي لا يرث فيها ولد ولا والد. وقال أيوب القرطبي في أبوين وأختين لأم: إن الذين رووا عن ابن عباس في الكلالة أنه من لا ولد له يقولون: للأم الثلث؛ لأنه سهم من تسعة، والأختين للأم الثلث مما بقي، وللأب ما بقي وهو أربعة، وقد سلف أيضًا إيضاح ذلك في آخر تفسير سورة النساء. وأما أبواب الربا فكثيرة غير محصورة. وقوله: (فشيء يصنع بالسند من الرز) (وفي أخرى: (من الأرز) (٣). قال الجوهري: الأرز حب، وفيه لست لغات: أرُزّ وأُرُزّ باتباع الضمة الضمة والزاي مشددة فيهما، وأُرْز بضمِّها مع تخفيف الزاي، وأُرُز مثل رُسْل ورسُل، ورز ورنز وهي لغة لعبد القيس (٤)، وفيه لغة سابعة: أرز بفتح الهمزة مع تخفيف الراء مع تخفيف الزاي.

стр. 16198

٦ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ (الْخَمْرَ) (١) وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ٥٥٩٠ - وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ -أَوْ أَبُو مَالِكٍ - الأَشْعَرِيُّ -وَاللهِ مَا كَذَبَنِي- سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي: الْفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ فَيَقُولُوا: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا. فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». [فتح ١٠/ ٥١] وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: ثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، ثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الكِلَابِيُّ، حدثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ (الأَشْعَرِيُّ) (٢) قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ -أَوْ أَبُو مَالِكٍ- الأَشْعَرِيُّ -والله مَا كَذَبَنِي- سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ تَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ الفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُون: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا. فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". الشرح: هذا الحديث وصله الإسماعيلي. فقال: حدثنا الحسن بن سفيان: ثنا هشام، فذكره، ثم قال: وحدثنا الحسن أيضًا قال: أنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا بشر ثنا عبد الرحمن

стр. 16199

ابن يزيد بن جابر، وقال أبو عامر: ولم يشك ووصله أيضًا أبو نعيم الحافظ، فقال: أخبرنا أبو إسحاق بن حمزة، ثنا عبدان، ثنا هشام قال: وحدثنا الحسن بن محمد، ثنا محمد بن محمد بن سليمان، ثنا هشام بن عمار، فذكره. ووصله أيضًا أبو داود فقال: حدثنا (عبد الواحد بن نجدة) (١) عن بشر بن بكر، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهذا أيضًا على شرط الصحيح (٢)، وكأن البخاري أخذه عن هشام مذاكرةً، ولما جوَّز ابن حزم سماع الغناء عند ذكر حديث: "دعهن فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا" وشبه ذلك قال: لم يأت حديث فيه النهي عن سماعه صحيحًا. ثم قال: فإن قيل: إن البخاري روى في "صحيحه" يعني: هذا الحديث، قال: هذا منقطع فيما بين البخاري وصدقة بن خالد، والمنقطع لا تقوم به حجة، ولا يصح في هذا الباب شيء أبدًا، وكل ما فيه موضوع، ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله لما ترددت في الأخذ به (٣). هذا كلامه، وقد علمت أنه اتصل على شرط الصحيح فلا وجه (له) (٤) إذًا عن الأخذ به لا جرم. قال ابن الصلاح في "علومه": لا التفات إلى ما قاله،

стр. 16200

والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح (١). ووقع في كلام ابن حزم أن البخاري، وقال مرة: البخاري علقه عن هشام. ولا حجة فيه، قال: وأبو عامر لا يدري قال: وقال صدقة. وهو وَهمٌ، وإنما قال: وقال هشام ثنا صدقة وليته أعلَّه بصدقة، فإن يحيى قال فيه: ليس بشيء، رواه ابن الجنيد عنه (٢). وروى المروذي (عن) (٣) أحمد: ليس بمستقيم ولم يرضه لكن تابعه بشر بن بكر كما قدمناه. وأغرب المهلب فضعفه من وجه آخر غير جيد فقال: هذا الحديث لم يسنده البخاري من أجل شك المحدث في الصاحب، فقال: أبو عامر أو أبو مالك أو بمعنى آخر لا أعلمه، واعتل أن الاختلاف في الصحابي لا يضر، فإن قلت: فما وجه

стр. 16201

إدخاله في الترجمة وهو ترجم بشيئين استحلال الخمر، وتسميته بغير اسمه؟ فأما الأول فظاهر، وأما الثاني فقد جاء مبينًا من طريق آخر سأذكره، وإنما أدخله البخاري على أنه جائز وقوعه من الله في المسرفين على أنفسهم من أهل هذِه الملة، وأنه مروي بحيث أن يتوقع ما روي فيه من العقوبة. قال ابن أبي شيبة: حدثنا زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، ثنا حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يشرب ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها يضرب على رءوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير" (١). ورواه ابن أبي عاصم: حدثنا دحيم: ثنا محمد بن شعيب عن أبي حفص القاص، عن معاوية بن حاتم، عن ابن غنم، عن أبي مسلم الأشعري، عن النبي ﷺ قال: "سيكون قوم يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها". وقال ابن وهب في "مسنده": حدثني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن عبد الله أن أبا مسلم الخولاني حج فدخل على عائشة زوج النبي ﷺ فجعلت تسأله على الشأم وعن بردها، فقال: يا أم المؤمنين، إنهم يشربون شرابًا لهم يقال له: الطلاء. فقالت: صدق الله وبلغ حبيبي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن ناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها".

стр. 16202

وروى ابن أبي شيبة من حديث ابن محيريز، عن ثابت بن السمط، عن عبادة [مرفوعًا] (١): "ليستحلن آخر أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" (٢) فهذِه ثلاث طرق. وأخرجه النسائي من حديث ابن محيريز عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فذكره (٣). ولحديث عائشة طريق ثان أخرجه ابن أبي عاصم من حديث بقية عن عتبة بن أبي حكيم، ثنا سليمان بن موسى، عن القاسم عنها أنه ﵇ قال: " (إن) (٤) أول ما يكفأ الإيمان كما يكفأ الإناء -يعني الخمر- يسمونها بغير اسمها" (٥). وفي رواية له: سألتها عن الطلاء. الحديث. وثالث أخرجه أيضًا من حديث جعفر بن برقان، عن فرات بن سليمان، عن رجل من جلساء القاسم، عن عائشة أنه ﷺ قال: "إن أول ما يكفأ الإسلام لشراب يقال له الطلاء" (٦). وله طريق رابع من حديث ابن عمر أخرجه أيضًا من حديث بقية عن

стр. 16203

عتبة: حدثني أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد عنه مرفوعًا: "إن ناسًا من أمتي يستحلون الخمر يشربونها يسمونها -يدعونها- بغير اسمها" (١). وخامس من حديث أبي أمامة أخرجه ابن ماجه من حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، عنه مرفوعًا: "لا تذهب الأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها" (٢). وفي "مسند ابن قانع" من حديث يونس بن خبَّاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن سابط، عن سعيد بن أبي راشد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يكون في أمتي خسف ومسخ" (٣). الحديث. وقال ابن المنير: قنع البخاري في الاستدلال على مراده في الترجمة بقوله: "من أمتي" فإن كونهم من الأمة يبعد معه أن يستحلوها بغير تأويل ولا تحريف، فإن ذلك مجاهرة بالخروج عن الأمة، إذ تحريم الخمر معلوم ضرورة، فهذا سر مطابقة الترجمة لهذِه الزيادة (٤). وقال ابن التين عن الداودي: يحتمل أن يريد بـ "أمتي" من يسمى بهم ويستحل ما لا يحل فهو كافر إن أظهر ذلك ومنافق إن أسرَّه، أو يكون يرتكب المحارم تهاونًا واستخفافًا فهو يقارب الكفر والذي يصح في

стр. 16204

النظر أن هذا لا يكون إلا ممن يعتقد الكفر ويتسمَّى بالإسلام؛ لأن الله لا يخسف من تعود عليه رحمته في المعاد. فصل: قوله: "الحر": هو مما اختلف الحفاظ في ضبطه، فأما أبو داود فأدخله في "سننه" في باب: ما جاء في الحر، من كتاب اللباس، وأما ابن ناصر الحافظ فزعم أن صوابه كما رواه الحفاظ بالحاء المهملة المكسورة والراء والتخفيف. وحكى المحب الطبري وغيره كما ستعلمه التشديد أيضًا، وقال الشيخ تقي الدين القشيري: في كتاب أبي داود والبيهقي ما يقتضي الأول، قال بعضهم: وهو تصحيفهم، والصواب الثاني مخففًا. وقال ابن بطال: الحر: الفرج، وليس لمن تأوله من صحيفة، فقال الخز من أجل مقارنته للحرير فاستحل التصحيف بالمقارنة مع أنه ليس في الخز تحريم وقد جاء في الحر التحريم (١). وأما ابن الجوزي فقال: إنه الخز بالخاء والزاي معروف، وقد جاء في حديث يرويه أبو ثعلبة عن النبي ﷺ : "يستحل الحر والحرير" (٢) يراد به استحلال الحرام من الفروج، فهذا بالحاء والراء المهملتين وهو مخفف فذكرنا هذا، لئلا يتوهم أنهما شيء واحد. وقال ابن التين: يريد -والله أعلم- ارتكاب الفرج بغير حله وهو الزنا، وإن كان أهل اللغة لم يذكروا هذِه اللفظة لهذا المعنى، وكذلك العامة تستعمله بكسر الحاء، وكذا روي. وقال الداودي: أحسب أن قوله "الخز" ليس بمحفوظ؛ لأن كثيراً من الصحابة لبسوه،

стр. 16205

قال: ويحتمل إن كان محفوظُا أن يريد جمع الحر والحرير، لعله يريد الحر جمع حرير مثل: حمير وحمر. قال: ورواه بعضهم بالحاء. وقال القاضي، وصاحب "المطالع" مخفف الراء: فرج المرأة. ورواه بعضهم بشد الراء، والأول أصوب، وقيل: أصله بالياء بعد الراء فحذف. وقال ابن الأثير: ذكره أبو موسى في حرف الحاء والراء، وقال: الحر بتخفيف الراء: الفرج، وأصله حِرْحٌ بكسر الحاء وسكون الراء، وجمعه أحراح، ومنهم من شدد الراء، وليس بجيد، فعلى التخفيف يكون في حرح لا في حرر، والمشهور في رواية هذا الحديث بالخاء والزاي وهو ضرب من ثياب الإبريسم معروف (١). وقال المنذري: أورد أبو داود هذا الحديث في باب ما جاء في الخز كذا الرواية، فدل على أنه عنده كذلك، وكذا وقع في البخاري، وهي ثياب معروفة لبسها غير واحد من الصحابة والتابعين، فيكون النهي عنه لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين. فصل: معنى قوله: "يستحلون الحرير" أي: يستحلون النهي عنه، والنهي في كتاب الله من الشارع يتوعد عليه بقوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]. فصل: والمعازف بالزاي المعجمة: آلات اللهو، قاله في "الصحاح" (٢). وعبارة الصاغاني في "عبابه": المعازف: الملاهي.

стр. 16206

وقال صاحب "العين": المعازف: جمع معزفة وهي آلة اللهو (١). ونقل القرطبي عن الجوهري: أن المعازف: الغناء والذي في "صحاحه" ما قدمته، وعبارة ابن التين: المعازف: الملاهي، والعازف: اللاهي. وبخط الدمياطي: المعازف من الدفوف وغيرها مما يضرب، وقيل: إن كل لعب عزف، وعَزَف: غنى. فصل: قوله: ("ولينزلن أقوام") الحديث هو من أعلام نبوته، فإن وقع ما أنذر به فذاك وإلا فيشفع لقوله في حديث عبادة: "ليستحل آخر أمتي الخمر" (٢) فدل أن كل ما أنذر به من ذلك يكون في آخر الإسلام. (ومعنى "تروح عليهم" أي: بالعشي. تقول: أرحت الماشية وأسمنتها وسرحتها وسرحت بالغداة وراحت بالعشي. وقوله: "فيبيتهم الله" أي: يهلكهم ليلاً، والبيات إبيات العدو ليلاً، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾ [الأعراف: ٩٧] وقوله: ("ويضع العلم"): يرمى بالجبل أو يخسف به. قال ابن بطال: إن كان العلم بناء فهدمه وإن كان جبلًا فيدكدكه وهكذا إن كان غيره (٣). فصل: والعلم بفتح العين واللام: الجبل أي: بجوار جبل وجمعه: أعلام قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾ [الرحمن: ٢٤].

стр. 16207

[وقال الداودي: مرتفع العلم: رأس الجبال، وكل شيء يعرف أهل الطريق، وأهل اللغة على أنه الجبال، زاد الخطابي: المرتفع) (١).] (٢). فصل: وقوله: "ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة": يعني ممن لم يهلكهم في البيات، والمسخ في حكم الجواز في هذِه الأمة إن لم يأت خبر برفع جوازه. وقد رويت أحاديث لينة الأسانيد: "إنه سيكون في أمتي خسف ومسخ" عن رسول الله ﷺ ولم يأت ما يرفع ذلك (٣). وقال بعض العلماء: معنى ما روي عن رسول الله ﷺ أنه يكون في هذِه الأمة مسخ، فالمراد به مسخ القلوب حتى لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، وقد جاء عن رسول الله ﷺ أن القرآن يُرفع من صدور الرجال وأن الخشوع والأمانة تُنزع منهم، ولا مسخ أكثر من هذا، وقد يجوز أن يكون الحديث على ظاهره فمسخ الله تعالى من أراد تعجيل عقوبته، كما قد خسف بقوم وأهلكهم بالخسف والزلازل، وقد رأينا هذا عيانًا، فكذلك يكون المسخ. قاله ابن بطال (٤).

стр. 16208

وقال الخطابي: فيه بيان أن المسخ سيكون في هذِه الأمة كسائر الأمم خلافًا لمن زعم أن ذلك لا يكون وإنما مسخها بقلوبها (١). وقال الداودي في قوله: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين لا يصيبكم ما أصابهم" فيه دليل أن هذِه الأمة لا تأمن أن يصيب بعضهم ما أصاب أولئك إذا عصوا. قلت: في المسخ قردة وخنازير أحاديث من طرق: روى سعيد بن منصور من حديث حسان بن أبي سنان، عن رجل، عن أبي هريرة مرفوعًا: "يمسخ قوم من أمتي في آخر الزمان قردة" قالوا: يا رسول الله ويشهدون أنك رسول الله وأن لا إله إلا الله. قال: "نعم، ويصومون ويصلون ويحجون" قالوا: فما بالهم يا رسول الله؟ قال: "اتخذوا المعازف والقينات والدفوف، ويشربون هذِه الأشربة، فباتوا على لهوهم وشرابهم فأصبحوا قردة وخنازير" (٢). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٣)، ورواه أبو عبد الله بن منجويه في كتابه "أشراط الساعة" من حديث أسيد بن زيد: ثنا عمرة عن جابر، عن رميح الحزامي عن أبي هريرة بنحوه. عن الحارث بن نبهان، حدثثا فرقد السبخي، عن عاصم بن عمر، عن أبي أمامة مرفوعًا: "تبيت طائفة من أمتي على لهو وأكل ولعب، فيصبحوا قردة وخنازير، ويكون فيها خسف وقذف" (٤). وروينا من طريق ابن أبي الدنيا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن

стр. 16209

أسلم، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعًا: "يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ " قيل: يا رسول الله متى؟ قال: "إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمور" (١). ومن حديث الأعمش عن هلال بن يساف، عن عمران بن حصين مرفوعًا: "يكون في أمتي قذف ومسخ وخسف" قيل: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: "إذا ظهرت المعازف وكثرت القينات وشربت الخمور" (٢). ومن حديث فرقد السبخي، عن قتادة، عن ابن المسيب، عن رسول الله ﷺ مثله (٣). ومن حديث أبي معشر عن محمد بن المنكدر، عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف" قالت: وهم يقولون لا إله إلا الله؟! قال: "إذا ظهرت القينات والزنا، وشربت الخمور، ولبسوا الحرير" (٤). وفي الترمذي من حديث علي مرفوعًا: "إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء" فذكرها، وفيه: "وشربت الخمور ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، فارتقبوا عند ذلك ثلاثًا: ريحًا حمراء، وخسفًا، ومسخًا". ثم قال: حديث غريب، وفي إسناده فرج بن فضالة، وقد ضعف من قبل حفظه (٥).

стр. 16210

وعند ابن أبي الدنيا (١) وابن منجويه في "أشراط الساعة" من حديث إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن التميمي، عن عباد بن أبي علي، عن علي مرفوعًا: "تمسخ طائفة من أمتي قردة، وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم، بأنهم شربوا الخمور ولبسوا الحرير واتخذوا القينات وضربوا بالدفوف". وعند ابن أبي الدنيا من حديث أبي بكر الهذلي، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا: "ليكونن في هذِه الأمة خسف ومسخ وقذف، وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف". ومن حديث أبان بن تغلب عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن سابط قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ". قالوا: متى ذاك؟ قال: "إذا ظهرت المعازف واستحلوا الخمور" (٢). ومن حديث أبي العلاء عن عبد الرحمن بن صحاري وكان من عبد القيس يرفعه: "لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من أمتي" (٣) الحديث، ومن حديث إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عتبة، عن أبي العباس الهمداني، عن عمارة بن راشد، عن المغازي بن ربيعة يرفعه: "ليخسفن بقوم وهم على أريكتهم؛ لشربهم الخمور وضربهم بالبرابط والقيان". ومن حديث عثمان بن عطاء، عن أبيه، ومن حديث المغيرة، عن صالح بن خالد، ومن حديث إسماعيل بن عياش، عن عقيل بن
следующие страницы →