وقال صاحب "العين": المعازف: جمع معزفة وهي آلة اللهو (١).
ونقل القرطبي عن الجوهري: أن المعازف: الغناء والذي في "صحاحه" ما قدمته، وعبارة ابن التين: المعازف: الملاهي، والعازف: اللاهي. وبخط الدمياطي: المعازف من الدفوف وغيرها مما يضرب، وقيل: إن كل لعب عزف، وعَزَف: غنى.
فصل:
قوله: ("ولينزلن أقوام") الحديث هو من أعلام نبوته، فإن وقع ما أنذر به فذاك وإلا فيشفع لقوله في حديث عبادة: "ليستحل آخر أمتي الخمر" (٢) فدل أن كل ما أنذر به من ذلك يكون في آخر الإسلام.
(ومعنى "تروح عليهم" أي: بالعشي. تقول: أرحت الماشية وأسمنتها وسرحتها وسرحت بالغداة وراحت بالعشي.
وقوله: "فيبيتهم الله" أي: يهلكهم ليلاً، والبيات إبيات العدو ليلاً، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾ [الأعراف: ٩٧]
وقوله: ("ويضع العلم"): يرمى بالجبل أو يخسف به. قال ابن بطال: إن كان العلم بناء فهدمه وإن كان جبلًا فيدكدكه وهكذا إن كان غيره (٣).
فصل:
والعلم بفتح العين واللام: الجبل أي: بجوار جبل وجمعه: أعلام قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾ [الرحمن: ٢٤].
стр. 16207
[وقال الداودي: مرتفع العلم: رأس الجبال، وكل شيء يعرف أهل الطريق، وأهل اللغة على أنه الجبال، زاد الخطابي: المرتفع) (١).] (٢).
فصل:
وقوله: "ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة": يعني ممن لم يهلكهم في البيات، والمسخ في حكم الجواز في هذِه الأمة إن لم يأت خبر برفع جوازه.
وقد رويت أحاديث لينة الأسانيد: "إنه سيكون في أمتي خسف ومسخ" عن رسول الله ﷺ ولم يأت ما يرفع ذلك (٣).
وقال بعض العلماء: معنى ما روي عن رسول الله ﷺ أنه يكون في هذِه الأمة مسخ، فالمراد به مسخ القلوب حتى لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، وقد جاء عن رسول الله ﷺ أن القرآن يُرفع من صدور الرجال وأن الخشوع والأمانة تُنزع منهم، ولا مسخ أكثر من هذا، وقد يجوز أن يكون الحديث على ظاهره فمسخ الله تعالى من أراد تعجيل عقوبته، كما قد خسف بقوم وأهلكهم بالخسف والزلازل، وقد رأينا هذا عيانًا، فكذلك يكون المسخ. قاله ابن بطال (٤).
стр. 16208
وقال الخطابي: فيه بيان أن المسخ سيكون في هذِه الأمة كسائر الأمم خلافًا لمن زعم أن ذلك لا يكون وإنما مسخها بقلوبها (١).
وقال الداودي في قوله: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين لا يصيبكم ما أصابهم" فيه دليل أن هذِه الأمة لا تأمن أن يصيب بعضهم ما أصاب أولئك إذا عصوا.
قلت: في المسخ قردة وخنازير أحاديث من طرق:
روى سعيد بن منصور من حديث حسان بن أبي سنان، عن رجل، عن أبي هريرة مرفوعًا: "يمسخ قوم من أمتي في آخر الزمان قردة" قالوا: يا رسول الله ويشهدون أنك رسول الله وأن لا إله إلا الله. قال: "نعم، ويصومون ويصلون ويحجون" قالوا: فما بالهم يا رسول الله؟
قال: "اتخذوا المعازف والقينات والدفوف، ويشربون هذِه الأشربة، فباتوا على لهوهم وشرابهم فأصبحوا قردة وخنازير" (٢). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٣)، ورواه أبو عبد الله بن منجويه في كتابه "أشراط الساعة" من حديث أسيد بن زيد: ثنا عمرة عن جابر، عن رميح الحزامي عن أبي هريرة بنحوه.
عن الحارث بن نبهان، حدثثا فرقد السبخي، عن عاصم بن عمر، عن أبي أمامة مرفوعًا: "تبيت طائفة من أمتي على لهو وأكل ولعب، فيصبحوا قردة وخنازير، ويكون فيها خسف وقذف" (٤).
وروينا من طريق ابن أبي الدنيا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن
стр. 16209
أسلم، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعًا: "يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ " قيل: يا رسول الله متى؟ قال: "إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمور" (١).
ومن حديث الأعمش عن هلال بن يساف، عن عمران بن حصين مرفوعًا: "يكون في أمتي قذف ومسخ وخسف" قيل: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: "إذا ظهرت المعازف وكثرت القينات وشربت الخمور" (٢).
ومن حديث فرقد السبخي، عن قتادة، عن ابن المسيب، عن رسول الله ﷺ مثله (٣).
ومن حديث أبي معشر عن محمد بن المنكدر، عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف" قالت: وهم يقولون لا إله إلا الله؟! قال: "إذا ظهرت القينات والزنا، وشربت الخمور، ولبسوا الحرير" (٤).
وفي الترمذي من حديث علي مرفوعًا: "إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء" فذكرها، وفيه: "وشربت الخمور ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، فارتقبوا عند ذلك ثلاثًا: ريحًا حمراء، وخسفًا، ومسخًا". ثم قال: حديث غريب، وفي إسناده فرج بن فضالة، وقد ضعف من قبل حفظه (٥).
стр. 16210
وعند ابن أبي الدنيا (١) وابن منجويه في "أشراط الساعة" من حديث إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن التميمي، عن عباد بن أبي علي، عن علي مرفوعًا: "تمسخ طائفة من أمتي قردة، وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم، بأنهم شربوا الخمور ولبسوا الحرير واتخذوا القينات وضربوا بالدفوف".
وعند ابن أبي الدنيا من حديث أبي بكر الهذلي، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا: "ليكونن في هذِه الأمة خسف ومسخ وقذف، وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف". ومن حديث أبان بن تغلب عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن سابط قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ". قالوا: متى ذاك؟ قال: "إذا ظهرت المعازف واستحلوا الخمور" (٢).
ومن حديث أبي العلاء عن عبد الرحمن بن صحاري وكان من عبد القيس يرفعه: "لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من أمتي" (٣) الحديث، ومن حديث إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عتبة، عن أبي العباس الهمداني، عن عمارة بن راشد، عن المغازي بن ربيعة يرفعه: "ليخسفن بقوم وهم على أريكتهم؛ لشربهم الخمور وضربهم بالبرابط والقيان".
ومن حديث عثمان بن عطاء، عن أبيه، ومن حديث المغيرة، عن صالح بن خالد، ومن حديث إسماعيل بن عياش، عن عقيل بن
стр. 16211
مدرك، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير قالوا: قال رسول الله ﷺ ، بنحوه.
وعند أبي نعيم الأصفهاني، عن حذيفة بن اليمان ﵄ مرفوعًا: "من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة" فذكر منها: "واتخذ الحرير لباسًا، وشربت الخمور، واتخذت القينات .. " الحديث "قلترتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء ومسخًا". وقال غريب من حديث عبد الله بن عمير عن حذيفة لم يرفعه، لم يروه عنه فيما أعلم إلا فرج بن فضالة (١).
وفي "نوادر الترمذي" من حديث إسماعيل بن عياش، عن أبيه، عن ابن سابط، عن أبي أمامة يرفعه: "يكون في أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم، فإذا هم قردة وخنازير".
وللترمذي وقال: صحيح عن ابن عمر ﵄ (مرفوعًا) (٢): "يكون في هذِه الأمة خسف ومسخ وقذف في أهل القدر" (٣).
فائدة: في بعض الأخبار عنه عليه أفضل الصلاة والسلام: "يأتي على الناس زمان يستحل فيه الربا بالبيع، والخمر بالنبيذ، والبخس بالزكاة، والسحت بالهدية، والقتل بالموعظة" يريد: بالبخس النقصان ويريد به المكس، وما يأخذه الولاة يتأولون فيه الزكاة وهو مكس.
وقوله: "القتل بالموعظة" أي: يقتل البريء؛ ليتعظ به العامة.
стр. 16212
٧ - باب الانْتِبَاذِ فِي الأَوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ
٥٥٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فَدَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ وَهْيَ الْعَرُوسُ، قَالَتْ: أَتَدْرُونَ مَا سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ أَنْقَعْتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ. [انظر: ٥١٧٦ - مسلم: ٢٠٠٦ - فتح ١٠/ ٥٦]
ذكر فيه (حديث) (١) أبي حازم -واسمه: سلمة بن دينار- قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسيْدٍ السَّاعِدِيُّ -واسمه مالك بن ربيعة- فَدَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي عُرُسِهِ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ وَهْيَ العَرُوسُ، قَالَتْ: أَتَدْرُونَ مَا سَقَيْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ أَنْقَعْتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ.
هذا الحديث سلف في النكاح في باب النقيع (٢)، والتور: إناء يشرب فيه ويتغير أيضًا من حجارة يستنقع فيه الماء، ويتغير أيضًا كالإجان.
قال ابن المنذر: وكان هذا التور الذي ينتبذ فيه لرسول الله ﷺ من حجارة.
قال المهلب: والإنقاع حلال إذا لم يلبث حتى يخشى شدته، والشدة مكروهة للجهل بموقعها من السكر أو غيره، والأشياء المشكوك فيها والمشتبهات قد نص الشارع على تركها. وإنما ينقع له من الليل ويشربه يومًا آخر، وينقع له بالنهار ويشربه من ليلته.
стр. 16213
وفيه أن الحجاب ليس بفرض على سائر نساء المؤمنين، وإنما هو خاص بأمهات المؤمنين، كذلك ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية.
فصل:
وترجم على هذا الحديث بعد باب: نقيع التمر وغيره ما لم يسكر (١). وقام الإجماع على أن نقيع التمر وغيره ما لم يسكر فهو حلال شربه، وقالت عائشة ﵂: كنا ننتبذ لرسول الله ﷺ غدوة ويشربه عشيًا. ننتبذه عشاءً فيشربه غدوة (٢).
وفي حديث ابن عباس أنه ﵇ كان ينبذ له ويشربه من الغد، بعد الغد، فإذا كان يوم الثالث أهريق (٣).
قال ابن المنذر: الشراب في المدة التي ذكرتها عائشة يشرب حلوا (٤).
وفي حديث ابن عباس: أهراقته في الثالث. يعني: إذا غلا. وغير جائز أن يظن أحد أنه كان مسكرًا؛ لأنه حرم المسكر.
[٩ - باب نَقِيعِ التَّمْرِ مَا لَمْ يُسْكِرْ] (١)
٥٥٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِعُرْسِهِ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَهْيَ الْعَرُوسُ. فَقَالَتْ: مَا تَدْرُونَ مَا أَنْقَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ أَنْقَعْتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ. [انظر: ٥١٧٦ - مسلم: ٢٠٠٦ - فتح ١٠/ ٦٢]
ساق فيه خمسة أحاديث:
حديث محمد بن عبد الله أبي أحمد الزبيري: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الظُّرُوفِ، فَقَالَتِ الأَنصَارُ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لنَا مِنْهَا. قَالَ: "فَلَا إِذًا".
وَقَالَ لي خَلِيفَةُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عن جابر بهذا.
حدثنا عليُّ، ثنا سفيان قال: لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأَوْعِيَةِ.
وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي (٢).
ثانيها:
حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن سليمان بن أبي مسلم الأحول، عن مجاهد، عن أبي عياض -واسمه: عمرو بن الأسود. وقيل: قيس بن ثعلبة العبسي الكوفي، كان حيًّا في ولاية معاوية، انفرد به البخاري- عن عبد الله بن عمرو قَالَ: (لَمَّا) (٣) نَهَى النَّبِيُّ ﷺ
стр. 16216
عَنِ الأَسْقِيَةِ، قِيلَ له: لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سِقَاءً. فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الجَرِّ غَيْرِ المُزَفَّتِ.
حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا سفيان بهذا، وقال: لما نهى النبي ﷺ عن الأوعية.
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي (١).
ثالثها:
حديث إبراهيم التيمي -تيم الرباب، وهو إبراهيم بن يزيد- عن الحارث بن سويد -وهو تيمي أيضًا تيم الرباب مات في آخر ولاية عبد الله بن الزبير- عَنْ عَلِيٍّ ﵁: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ بهذا.
وأخرجه مسلم والترمذي من هذا الوجه (٢) وأبو داود والترمذي من حديث مالك (٣) بن عمير عنه.
رابعها:
حديث منصور عَنْ إِبْرَاهِيمَ: قُلْتُ لِلأَسْوَدِ: هَلْ سَأَلْتَ عَائِشَةَ ﵂ أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَمَّا يُكْرَهُ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، عَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ؟ قَالَتْ: نَهَانَا -أَهْلَ البَيْتِ-
стр. 16217
أَنْ نَنْتَبِذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ. قُلْتُ: أَمَا ذَكَرْتِ الحنتم الجَرَّ؟ قَالَ: إِنَّمَا أُحَدِّثُكَ بمَا سَمِعْتُ، أُحَدِّثُ بمَا لَمْ أَسْمَعْ؟!
وأخرجه مسلم والنسائي (١).
خامسها:
حديث الشيباني: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى قَالَ: نَهَى رسول الله ﷺ عَنِ الجَرِّ الأَخْضرِ. قُلْتُ: أَنَشْرَبُ فِي الأَبْيَضِ؟ قَالَ: لَا. وأخرجه الترمذي (٢). والشيباني: هو سليمان بن فيروز أبو إسحاق. أما حكم الباب فقد سلف واضحًا.
وحاصله أقوال:
ذهب مالك إلى إجازة الانتباذ في جميع الظروف غير الدباء والمزفت، فإنه كره الانتباذ فيهما ولم ينسخ عنده وأخذ في ذلك بحديث علي وعائشة ﵄ أنه ﵇ نهى عنهما (٣).
وروي مثله عن ابن عمر (٤).
وذهب الشافعي والثوري إلى كراهية الانتباذ في الدباء والمزفت والحنتم والنقير؛ للنهي عنها كما سلف في باب الخمر من العسل من حديث أنس.
стр. 16218
وقد روى النهي عن الانتباذ في هذِه الأربعة من حديث ابن عباس في حديث وفد عبد القيس كما سلف في الإيمان والعلم (١).
ومعنى النهي عندهم عن الانتباذ فيها؛ لسرعة استحالة ما ينبذ فيها فتصير خمرًا وهم لا يظنون ذلك، فيواقعون ما نهى الله عنه. وذكر الطبري القائلين بتحريم الشراب المتخذ في الأوعية المذكورة المنكرين أن تكون منسوخة عن عمر أنه قال: لأن أشرب من قمقم محمي فيحرق ما أحرق ويبقي ما أبقى أحبُّ إليّ أن أشرب من نبيذ الجر. وعن علي النهي عنه، وعن ابن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة وأنس مثله، وقال ابن عباس لأبي جمرة: لا تشرب نبيذ الجر وإن كان أحلى من العسل. وكرهه ابن المسيب والحسن (٢).
وقال إسماعيل بن إسحاق: قال سليمان بن حرب: كل شيء ذكر عمر كان يشرب نبيذ الجر أو يكرهه، فإنما هو الحلو، فأما المسكر فهو حرام في كل وعاء.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: الانتباذ في جميع الأوعية كلها مباح وأحاديث النهي عن الانتباذ منسوخة بحديث جابر وغيره (٣)، ألا ترى أنه ﵇ أطلق لهم جميع الأوعية والظروف حتى قالت الأنصار: إنه لا بد لنا منها. فقال: "فلا إذا" ولم يستثن منها شيئًا.
واحتجوا بحديث جابر مرفوعًا قال: "إني نهيتكم أن تنتبذوا في
стр. 16219
الدباء والحنتم والمزفت، فانتبذوا ولا أحل مسكرًا" (١)، ورواه أبو سعيد الخدري أيضًا مرفوعًا مثله (٢) فيثبت بهذِه الآثار نسخ ما جاء في النهي عن الانتباذ في الأوعية وثبت إباحة الانتباذ في الأوعية كلها.
وذكر الطبري عن ابن عمر ﵄: الأوعية لا تحل شيئًا ولا تحرمه.
وعن ابن عباس قال: كل حلال في كل ظرف حلال، وكل حرام في كل ظرف حرام (٣).
وهذا القول أولى بالصواب، وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بتحريم كل مسكر وفي ذلك مقنع.
وقال الداودي: النهي عن الأوعية إنما كان قطعًا للذريعة، فلما قالوا لرسول الله ﷺ : إنا لا نجد بدًا من الانتباذ فيها قال: "انتبذوا، وكل مسكر حرام" وكذلك كل نهي كان بمعنى التطرق إلى غيره يسقط بمعنى الضرورة، وذلك كنهيه عن الصلاة بعد الصبح والعصر، ويجوز أن تصلى الجنائز في تلك الساعتين لما بالناس من الضرورة إلى دفن موتاهم، وليس كذلك لصلاة النافلة ولا ضرورة إلى صلاتها حينئذٍ، وكنهيه عن الجلوس في الطرقات، فلما ذكروا أنهم لا يجدون بدًّا من ذلك قال:
стр. 16220
"إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه وذلك غض البصر (١) ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعون الضعيف، وإرشاد الضال" (٢).
وأما الجر الأبيض فهو مثل الأخضر؛ لأنه كله حنتم. وقال أبو عبيد: الحنتم جرار خضر كانت تحمل إليهم (٣).
فصل:
قوله لما نهى عن الأسقية يريد عن الظروف إلا الأسقية يوضحه باقي الحديث، إذ قيل له: ليس كل الناس يجد سقاء، فرخص في الجر غير المزفت أي: غير المطلي بالزفت، وهو حجة لمالك: أن الرخصة لم تدخل في الدباء والحنتم وأخواتها.
والدباء بالمد والقصر جمع: دباءة (٤).
стр. 16221
والحنتم: (الجرار الخضر) (١).
وقال ابن حبيب: هو الفخار كله (٢). وسبق قبل ذلك النقير: وهو ما عمل من خشب. وقد سلف الاختلاف في علة النهي، فقيل: لئلا يبادرهم فيصير خمرًا فيشربونه غير عالمين. وقيل: لأن فيه إضاعة مال. وإباحته ﵇ الانتباذ في الأسقية وهي القرب؛ لقلِّة حرارتها فيؤمن أن تصير خمرًا.
قال ابن السكيت: السقاء يكون للَّبن والماء، والوطب يكون للَّبن خاصة، والنحي للسمن، والقربة للماء، والجمع القليل أسقية وأسقيات والكثير أساق (٣).
وقد اختلف في النهي هل هو باق؟ قال مالك: نعم. وخالفه ابن حبيب، وقال: ما كان بين نهيه عنها ورخصته فيها إلا جُمعة. وروى ابن حبيب عن مالك أنه أرخص في الحنتم (٤)، وروى القاضي أنه مجمع وإذا قلنا (بالنهي) (٥) ففعل قال محمد: يؤدب في الخليطين، وقال عبد الوهاب: إن سلم من السكر فلا بأس (٦)، وهو أحسن كما قال ابن التين.
وهذِه التعاليق سلفت من "المصنف" لابن أبي شيبة (١)، والباذق بفتح الباء (٢) ثم ألف ثم ذال معجمة مفتوحة ثم قاف، وهو الطلاء المطبوخ من عصير العنب وكان أول من صنعه وسماه بنو أمية؛ لينقلوه عن اسم الخمر وكل مسكر فهو حرام؛ لأن الاسم لا ينقله عن معناه الموجود فيه، وما ذكرته من فتح الذال هو ما قال ابن التين أنه ضبط به. ونقل عن الشيخ أبي الحسين عن بعض الحذاق أنه اسم حدث بعد رسول الله لم يكن قديمًا في العرب، وسئل عن فتح الذال فقال: ما وقفناهم عليه، ولكن الذين قرءوا بكسرها، وقال أبو عبد الملك: سمي بالباذق الخمر المطبوخ.
قال ابن التين: وقول ابن عباس: سبق محمد الباذق. يريد أن الباذق لم يعرفه رسول الله؛ لأن هذا الاسم فارسي عربته العرب فردته إلى حد السكر، أي: ليس الاعتبار بالأسماء إنما هو بما أسكر، وذكر القزاز أن ابن عباس نهى عن شربه.
وعند الجواليقي: باذه أي باق، وقال الداودي: وهو يشبه البقاع إلا أنه ربما اشتد، وإنما لم يعرفه ابن عباس؛ لأنه اسم مولد، وعبارة المهلب تعني: سبق محمد ﷺ بتحريم الخمر قبل تسميتهم لها بالباذق وهو من شراب العسل.
وليس تسميتهم بغير اسمها بنافع لها إذا أسكرت، ورأى ابن عباس وأبيّ أن سائله، أراد استحلال الشراب المحرم (٣) بهذا الاسم فحسم منه
стр. 16224
رجاءه وباعد منه أصله، وأخبره أن ما أسكر فهو حرام.
وزعم ابن قرقول أنه طلاء مطبوخ من عصير العنب.
وقال ابن سيده: هو الخمر (١).
وقال القزاز: هو ضرب من الأشربة، ومالك بن أسماء هو شاربه وذكر فيه شعرًا.
وذكر أبو الليث السمرقندي من الحنفية في كتابه "التنبيه": أن شارب المطبوخ أعظم ذنبًا وإثمًا من شارب الخمر؛ لأنه ﵇ قال: "ما أسكر العرق منه فالجرعة منه حرام".
وذلك أن شارب الخمر يكون عاصيًا فاسقًا وشارب المطبوخ يشرب المسكر وسماه حلالًا.
وقام الإجماع على أن قليل الخمر ككثيره، وقال: "كل مسكر خمر حرام" فإذا استحل ما هو حرام بالإجماع صار كافرًا (٢).
فصل:
والطلاء: بالمد وكسر الطاء كما ضبطه ابن ولَّاد، وهو الشراب المطبوخ من عصير العنب وهو الربُّ، وأصله القطران الخاثر الذي تطلى به الإبل.
قال القزاز: هو ضعيف من الخمر، وهو أن يغلي عصير العنب حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، شبه بطلاء الإبل لثخنه وسواده وليس بحرام وإنما سميناه خمرًا؛ لأن بعض الناس يجعل الطلاء الخمر، ومن هذا قول عبيد بن الأبرص:
стр. 16225
هي الخمر تكنى الطلا … كما الذئب يكنى أبا جعدة.
ولو قيل: هي الخمر يكنونها بالطلاء، لصح أيضًا. وقال ابن سيده: هو خاثر المنصف (١). وقال اللحياني: الطلاء مذكر لا غير. وقال الجوهري: تسميه العجم: الميْبَخْتَج (٢). وزعم ابن حبيب أن شربه لا يجوز حتى يذهب ثلثاه في الطبخ ويوقن أن لا يسكر (٣). وسئل عكرمة عن الميبختج؟ فقال: كان بالماء فاختتموه بالماء.
فصل:
شراب الطلاء على الثلث هو ما صنعه عمر لأهل الشام كما قاله ابن بطال: أن يطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه وحدُّهُ أن يتمدد ويشبه طلاء الإبل، وبذلك شبهه عمر بن الخطاب، فهذا الذي يؤمن غائلته، والطلاء هو طبيخ العنب الثخين.
واختلف العلماء في شربه؛ فقال كثير من الصحابة والتابعين: إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فهو جائز شربه، وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي عبيدة ومعاذ وأبي طلحة وأبي الدرداء وأبي أمامة الباهلي. ومن التابعين: الحسن وعكرمة وابن المسيب (٤)، وهو قول مالك والثوري والليث وأحمد، وكلهم (اختار) (٥) شربه إذا ذهب ثلثاه؛ لأنه لا يسكر كثيره (٦). وفيه قول ثان: أن يذهب النصف
стр. 16226
بالطبخ. وروي أنه أجاز شربه البراء وأبو جحيفة وجرير وأنس، ومن التابعين: ابن الحنفية وعبيدة وشريح والحكم بن عتيبة والنخعي وسعيد بن جبير (١)، وأجازه أبو حنيفة وصاحباه (٢) واحتجوا أنه لا يجوز أن يشرب أحد من الصحابة والتابعين ما يسكر؛ لأنهم مجتمعون أن قليل (الخمر) (٣) وكثيرها حرام وأما الذي كرهه فإنه تورع عنه (٤).
فصل:
قوله: (ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث). معناه أن المشتبهات تقع في حيز الحرام وهي الخبائث.
قال إسماعيل بن إسحاق: في قول ابن عباس هذا رد لما روي عنه أنه قال: حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب. والصحيح عنه: المسكر. كما رواه شعبة وسفيان، وقد روي عن ابن عباس من وجوه ما يضعف رواية الكوفيين عن مسعر.
ثم ساق من حديث إسماعيل عن ليث، عن عطاء وطاوس ومجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: قليل ما أسكر كثيره حرام. ومن حديث حماد بن زيد، ثنا أبو حمزة قال: سمعت ابن عباس يقول: لا تشرب نبيذ الجر وإن كان أحلى من العسل (٥). قال إسماعيل: فإذا كان هذا فتيا ابن عباس فكيف يقبل عنه خلافه.
стр. 16227
فصل:
وأما حديث: كان يحب الحلواء والعسل. فهو الحلال الذي لا يشك في طيبه فالحلواء تطبخ حتى تنعقد، والعسل يمتزج بالماء فيشرب من ساعته، فهذا الذي لا شك في طيبه وحله.
فصل:
وفي حديث عمر من الفقه الجلد في ريح الشراب الذي يسكر كثيره، ألا ترى قوله: (وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر حددته)، ولم يخص بذلك السكر من خمر العنب بل أطلق ذلك على ما يسكر من جميع الأشربة.
وروي عن ابن مسعود أنه ورد حمص فشم من رجل ريح خمر فحده، ولا مخالف له من الصحابة. وعن عمر بن عبد العزيز مثله.
قال ابن المنذر: وبه قال مالك، قال: إذا شهد عدلان ممن شرب الخمر في كفره ثم أسلم، أو شربها في إسلامه فحد ثم تاب (منها) (١) وقالا: إنها ريح مسكر جاز الحد، وقال عطاء: لا حد إلا بالنبيذ؛ لأن الريح يكون من الشراب الذي ليس به بأس (٢). وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وقالوا: لا يحد الذي يوجد منه ريح الشراب إلا أن يقول: شربت مسكرًا، أو يشهد عليه بذلك، قالوا: لأن الروائح تتفق فرائحة التفاح الشامي والخمر تتفق ودرء الحد بالشبهة أولى، وحجة مالك: أن رائحة الخمر وإن تشابهت فإنه إذا تأملها من يعرفها لم تختلط مع غيرها وإن تقاربت، وقد تشتبه الألسن والروائح، ثم لا بد من الفرق بينهما كما تقول في شهادة الأعمى على الصوت.
стр. 16228
وقال ابن المنذر: روي عن عطاء: لا يحد في شيء من الشراب حتى يسكر إلا الخمر، وبه قال أبو حنيفة. وعن ابن أبي ليلى والنخعي: لا يجلد السكران من النبيذ حدًّا. وقال أبو ثور: من كان المسكر عنده حرامًا فشرب منه ما يسكر حددته، ومن كان متأولًا مخطئًا في تأويله فشربه على خبر ضعيف قلده واتبع أقوامًا لم يكن عليه حد، وذلك أنَّا لا نحد إلا من فسق، إنما الحد على من علمه، وأما من أتى بشيء ظنه حلالًا فلا حد عليه.
قال ابن المنذر: وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من شرب الخمر فاجلدوه" فالحد على شاربه واجب سكر أم لا على ظاهر الحديث، وكل شرابٍ أسكر كثيره فهو حرام، وقليله حرام للأخبار الثابتة (١).
وقول عمر: (وجدت من عبيد الله ريح الشراب). وفي "الموطأ": رائح (٢) فزعم أنه (شرب) (٣) الطلاء. يعكر عليه ما أسلفناه عن عمر من تجويزه شرب الطلاء إلا أن يكون أراد به المعصفر.
قال ابن التين: وفيه الأخذ بالرائحة إذا لم يشك فيها، وسؤال الإمام عما يشك فيه. قال: وما رآه عمر فمن بعده، يريد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، وإنما أتى به على معنى البيان -أعني قوله على الثلث- لأن الطلاء هو ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، وتسميه العرب أيضًا الميبختج كما سلف، وبعض العرب تسمي الخمر الطلاء يريد تحسين اسمها لا أنها الطلاء نفسه. قيل: وإنما سمي بذلك؛ لأنه ذهب ثلثاه بالطبخ ثخن
стр. 16229
واسود فشبه بطلاء الإبل، وهذا جعله بعض العلماء حدًّا (أنه) (١) إذا ذهب ثلثاه لم يسكر.
قال في "المدونة": ولم يلتفت مالك إلى ثلثين من ثلث، وإنما قال: حلو إذا طبخ فلم يسكر (٢). وقال ابن حبيب: لا يجوز إلا باجتماع وجهين: أن يذهب ثلثاه في الطبخ، ويوقن أنه لا يسكر. وقال محمد: أكثرها يعرف من العصير إذا طبخ فذهب ثلثاه إلا ثخن وحل ولم يسكر. قال مالك: وليس ذلك في كل عصير ولا في كل بلد.
فصل: في بيان كنى وأسماء وقعت في الآثار:
أبو جحيفة اسمه: وهب بن عبد الله بن مسلمة بن جنادة بن جندب بن جحير بن رئاب بن جندب بن سراية بن عامر بن صعصعة.
وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر. ومعاذ: هو ابن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدى أخي سلمة ابني سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج أخي الأوس ابني حارثة.
وأبو الجويرية اسمه: حطان بن خفاف الجرمي، انفرد به البخاري وهم جماعة تكنوا بذلك عبد الرحمن بن مسعود العبدي، سمع ابن الحنفية، وعنه الصلت بن بهرام، وعبد العزيز بن زياد، سمع أم سعد عن عائشة، وعنه نصر بن علي، وعبد الحميد بن مهران كوفي نزل المدينة، عن حماد بن أبي سليمان، وعنه حماد والخياط. من الكنى لمسلم.
ثالثها:
حديث أبي قتادة: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ.
الشرح:
قوله: (وقال عمرو بن الحارث: ثنا قتادة، سمع أنسًا) أراد به -والله أعلم- التصريح بسماع قتادة له من أنس، وهذا التعليق أسنده أبو نعيم الحافظ عن محمد بن عبد الله بن سعد، ثنا عبد الله بن محمد، أخبرنا أبو الطاهر، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو فذكره.
وحديث جابر أخرجه مسلم (١) والنسائي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن ابن جريج فوقفه (٢).
ورواه الإسماعيلي عن الحسن، ثنا حبان بن موسى، ثنا ابن المبارك، عن ابن جريج فرفعه، فترجم لحديث أنس باب خدمة الصغار الكبار (٣).
وحديث أبي قتادة أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٤).
وقوله في الترجمة: من رأى أن لا يخلط التمر والبسر إذا كان مسكرًا، تعقبه المهلب وقال: إنه خطأ منه وليس مما قصد به أنهما
стр. 16232
يسكران حالاً بل مآلًا إلى السكر، والنهي عن الخليطين من جهة الإسكار؛ لأن المسكر مأمور بإهراقه قليله وكثيره.
وأجاب ابن المنير عنه بأنه لا يلزم البخاري ذلك، إما لأنه يرى جواز الخليطين قبل الإسكار، وإما لأنه ترجم على ما يطابق الحديث الأول وهو قول أنس: كنت أسقي أبا طلحة. ولا شك أن الذي كان يسقيه حينئذٍ للقوم مسكرًا، ولهذا دخل عندهم في عموم التحريم. وقد قال أنس: وإنا لنعدها يومئذٍ الخمر دل أنه مسكر.
وقوله في التبويب: وأن لا يجعل إدامين في إدام واحد، يطابقه حديث جابر: نهى عن الزبيب والتمر والبسر والرطب، وحديث أبي قتادة أيضًا (١). ولما ذكر الأثرم حديث أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعًا: نهى عن الخليطين.
وعن ابن عباس مثله مرفوعًا، وعن أبي قتادة مثله، قال: هذا ما صح في هذا عن رسول الله ﷺ . قال (٢): ويكون النهي معللًا بعلل مستقلة، إما تحقق إسكار الكثير، وإما توقع الإسكار بالاختلاط سريعًا، وإما الإسراف الشره والتعليق في ذلك الإسراف فمبين في حديث النهي عن قرآن التمر، وهذا. والتمرتان نوع واحد فكيف بالتعدد؟ (٣).
وروى ابن عبد البر من حديث (معبد بن مالك) (٤)، عن أمه وكانت قد صلت القبلتين: أنه ﵇ نهى عن الخليطين (٥).
стр. 16233
ومن حديث ابن أبي ليلى عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان الرجل يمر على الصحابة وهم متوافرون فيلقونه فيقولون: هذا يشرب الخليطين التمر والزبيب (١).
فصل:
وحكمة النهي إسراع الشدة إليه مع الخلط، قال الداودي: لأن أحدهما لا يصير نبيذًا حلوًا حتى يشتد الآخر فيسرع إلى الشدة.
قلت: فيصير خمرًا وهم لا يظنون
وقد روي هذا عن الليث، واختلف هل ترك ذلك واجب أو مستحب؟
فقال محمد: يعاقب.
وقال القاضي عبد الوهاب وغيره: أساء في خلطه، فإن لم تحدث الشدة المطرية جاز شربه.
واختلف في الخليطين من الخل، وعن بعض العلماء كراهة الشرابين للمريض وأنكر عليه لانتفاء السكر إفرادًا وجمعًا.
فصل
وسئل الشافعي عن رجل شرب خليطين مسكرًا، فقال: هذا بمنزلة أكل لحم خنزير ميت، فهو حرام من وجهين: الخنزير حرام والميتة حرام، والخليطان حرام والسكر حرام.
وجمهور العلماء قائلون بهذِه الأحاديث من الخليطين من جميع الأشربة، وأن ينبذ كل واحد على حدته.
стр. 16234
وممن روي ذلك عنه من الصحابة: أنس، وأبو مسعود الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري. ومن التابعين: عطاء وطاوس.
وبه قال مالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وروي عن الليث بن سعد أنه قال: لا بأس أن يخلط نبيذ الزبيب ونبيذ التمر ثم يشربان جميعًا، وإنما جاء الحديث في النهي أن ينبذا جميعًا؛ لأن أحدهما يشد صاحبه.
وخالف مالك والشافعي فلم يريا أن يخلطا عند شرب ولا انتباذ (١).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا بأس بشرب الخليطين من الأشربة، قالا: وكل ما لو طبخ على الانفراد حل كذلك هو إذا طبخ مع غيره (٢)، قالوا: روي مثل قولنا عن ابن عمر والنخعي.
قال الطحاوي: ومعنى النهي عن الخليطين على وجه السرف لضيق ما كانوا فيه من العين، كما روى جبلة (٣) بن سحيم قال: أصابتنا سنة، فرآنا ابن عمر ونحن نأكل التمر فقال لنا: لا تقرنوا؛ فإن رسول الله ﷺ نهى عن القران (٤).
قال ابن عمر: إلا أن يستأذن الرجل أخاه.
قال: وهذا معنى النهي عن الخليطين عندهم؛ لأن كل واحد على حاله يجوز شربه كما يجوز أكل كل (تمرة) (٥) على حالها (٦).
قال غيره: المعروف عن ابن عمر خلاف ما حكاه الطحاوي عنه؛
стр. 16235
لأنه أشد الناس اتباعًا لآثار رسول الله ﷺ فلم يكن ليخالفه.
وقد روي عن ابن عمر أنه كان ينتبذ التمر فينظر إلى التمرة بعضها بسرة وبعضها رطبة فيقطعها ولا ينتبذ كلها كراهية أن يواقع (١) نهي الشارع عن الخليطين.
وأما قياسهم أن ما حل على الانفراد حل مع غيره فلا قياس لأحد ولا رأي مع مخالفة السنة ومن خالفها فمحجوج بها.
ويقال للكوفيين: إذا جاز نكاح المرأة ونكاح أختها منفردتين فليس بالجمع بينهما بأس فإن قالوا: حرم الله الجمع بين الأختين قيل: وكذلك حرم رسوله الجمع بين ما ذكر، وكذلك الجواب في الجمع بين العمة وبنت أخيها.
قال المهلب: ولا يصح عن رسول الله ﷺ النهي عن خلط الأُدم، وإنما روي ذلك عن عمر ﵁ وذلك من أجل السرف؛ لأنه كان يمكن أن يأتدم بأحدهما ويرفع الآخر إلى مرة أخرى.
وقال أبو عمر: النهي في هذا الباب نهي عبادة واختيار لا للسرف والإكثار ولا لخوف الشدة، كما قاله الليث وغيره (٢).
قال ابن حزم: واحتج لأبي حنيفة بما روينا من طريق مسعر عن موسى بن عبد الله، عن امرأة من بني أسد، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يُنبذ له زبيب فيلقى فيه تمر أو تمر فيلقى فيه زبيب ثم قال: وهذا لا شيء؛ لأنه عن امرأة لم تسم (٣) ومن طريق زياد بن يحيى
стр. 16236
الحسَّاني: حدثنا أبو بحر: ثنا عتّاب بن عبد العزيز الحماني: حدثتني صفية بنت عطية: سمعت عائشة تقول: وقد سئلت عن التمر والزبيب فقالت: كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب وأمرسه ثم أسقيه النبي ﷺ (١) وهو أيضًا مردود؛ لأنه عن أبي بحر ولا يدرى من هو، عن عتّاب وهو مجهول، عن صفية ولا يدرى من هي (٢).
قلت: حكمه بالجهالة في حق أبي بحر عجيب فقد روى عنه جماعة منهم: الفلاس وأبو بكر بن أبي شيبة، قال أحمد: طرح الناس حديثه (٣).
وقال يحيى بن معين والنسائي: ضعيف الحديث (٤)، وقال ابن المديني: ذهب حديثه (٥)، وكان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه وحدث عنه وقال: إنكم تحدثون عمن هو دونه، وفي كتاب يحيى بن سعيد هو صاحب حديث وهو: عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة البكراوي.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به (٦)، وقال أبو داود: صالح تركوا حديثه.
стр. 16237
وقال ابن عدي: مشهور معروف وله أحاديث عن أبيه، عن شعبة وغيره من البصريين وهو ممن يكتب حديثه (١).
وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به (٢).
وقال أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم.
وذكره ابن شاهين وابن حبان (٣) وابن خلفون في ثقاتهم (٤).
وقال البخاري: لم يتبين لي طرحه (٥).
وقال أبو عمر في "الاستيعاب" (٦) والعجلي: هو ثقة بصري (٧)، وخرج حديثه الحاكم فمن هذا حاله كيف يدّعي جهالته؟ وحكمه على عتّاب بالجهالة عجيب أيضًا، فقد روى عنه جماعة منهم: يزيد بن هارون وأحمد بن سعيد الدارمي.
وذكر ابن حبان في "ثقاته" (٨)، وذكر الأثرم في "ناسخه ومنسوخه" أن حميد بن سليمان روى عن مجاهد عن عائشة عن رسول الله ﷺ : أنه رخص في الخليطين.
قال الأثرم: هذا خلاف الأحاديث القوية، ومثل هذا لا يصح به حجة ولو لم يجيء خلافه.
стр. 16238
قال: واحتجوا بأن ابن عباس رخص فيه، وقد صح عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ النهي عنه، أفتراه كان يحدث الناس عن رسول الله ﷺ ثم يعمل بغيره؟ واحتجوا بأن ابن عمر رخص فيه وذلك من وجه ضعيف (١).
قال ابن حزم: فإن قالوا: هذا ندب.
قلنا: لا دليل لكم عليه ثم الأمر كما قلتم فاكرهوه إذًا وانتدبوا إلى تركه.
وقالوا أيضًا: نهى عنه لضيق العيش؛ ولأنه من السرف وهذا نادر؟ لأنه ما كان قط عند ذي عقل رطل تمر ورطل زبيب سرفًا ورطل زهو ورطل بسر سرفًا وهم بالمدينة والطائف وبلاد اليمن، والزبيب والتمر كثير بها أيضًا فإن أكل الدجاج والنقي والسكر أدخل على أموالهم في السرف وأبعد من ضيق العيش، وما نهى عنها رسول الله ﷺ (٢).
وقال القرطبي: أبعد بعض أصحابنا فمنع الخلط وإن لم يكن كذلك حتى منع خلطهما للتخليل، وهذا إنما يليق لمن لم يعلل النهي عن الخليطين بعلة، ويلزم عليه أن يجري النهي عن خلط اللبن والعسل وشراب الورد بالتنقيح، قلت: قد قيل بهذا كما سلف والخل والعسل وغير ذلك، والصواب ما ذهب إليه مالك والجمهور (٣).
وأخرجه مسلم والنسائي (١).
وشيخه فيه عبدان وهو: عبد الله بن عثمان.
ثانيها:
حديث أم الفضل في فطره يوم عرفة بعرفة.
وأم الفضل هي لبابة الكبرى، وشيخه فيه الحميدي وهو عبد الله بن الزبير، وسلف في الحج والصوم (٢).
ثالثها:
حديث الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد اللهِ قَالَ: جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ مِنَ النَّقِيعِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَّا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا".
ثم ساقه من حديث الأعمش أيضًا: قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَذْكُرُ -أُرَاهُ- عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ -رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ- مِنَ النَّقِيعِ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَّا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا" يقول الأعمش. وَحَدَّثَنِي [أبو] سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ بهذا.
وأبو صالح ذكوان أخرجا له (٣).
стр. 16242
وأبو سفيان طلحة بن نافع انفرد به مسلم (١).
وأبو حميد هو الساعدي عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة، ابن عم سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة.
و (النقيع) بالنون: حماه الشارع وعُمر لنعم الفيء وخيل المجاهدين فلا يرعاه غيرها وهو موضع قريب من المدينة، كان ينتقع فيه الماء أي يجتمع، والماء الناقع، المجتمع ومنه حديث أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات (٢).
وقال ابن التين: روي بالباء كبقيع الغرقد، وهي رواية أبي الحسن، والنون موضع تعمل فيه الآنية.
وقال القرطبي: بالنون أكثر الرواة عليه، وهو: وادي العقيق على عشرين فرسخًا من المدينة (٣). وزعم الخطابي: أنه القاع (٤).
وقال بعضهم: أصله كل موضع يستنقع فيه الماء. ورواه أبو بحر سفيان بن العاصي بباء موحدة (٥).
стр. 16243
قال الخليل: هو أرض فيها شجر (١).
وقوله: "ألا خمرته" أي: سترته ومنه خمار المرأة.
وقوله: "يعرضوا عليه عودًا" هو بضم الراء، قاله الأصمعي، ورواه أبو عبيد بكسرها والوجه الأول.
قال الخطابي: ورواه الأصيلي بالتخفيف يعرض، وأعرض بكسر الراء قول عامة الناس إلا الأصمعي قال بالضم خاصة في هذا (٢).
وقال الجوهري: عرض العود على الإناء والسيف على فخذه يعرضه ويعرُضه أيضًا (٣). ومعنى الحديث: إن لم يغطِّ فلا أقل من أن يعرض عليه شيئًا لقوة النهي في تركه. وقوله: (فلا يقدر الشيطان على شيء) لا بد من ذكر الله كما جاء في الحديث وببركة اسمه تندفع المفاسد ويحصل تمام المقاصد.
رابعها:
حديث أبي إسحاق واسمه: عمرو بن عبد الله السَّبيعي قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَرَرْنَا بِرَاعٍ وَقَدْ عَطِشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَحَلَبْتُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ فِي قَدَحٍ، فَشَرِبَ رسول الله ﷺ حَتَّى رَضِيتُ، وَأَتَاه سُرَاقَةُ بْنُ مالك جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ، فَدَعَا عَلَيْهِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ سُرَاقَةُ ألاّ يَدْعُوَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَرْجِعَ، فَفَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ -وهو بعض حديث من الهجرة.
والكثبة من اللبن قدر حلبة، قاله الجوهري قال: وقال أبو زيد: هو
стр. 16244
ملء القدح (١)، وعبارة ابن فارس الكثبة: القطعة من اللبن والتمر سميت بذلك؛ لاجتماعها وجمعها كُثُب (٢).
وقوله: (فجلبت له كثبة). كذا هنا، وفي رواية أخرى: أمرت الراعي فحلب.
وهذا جائز أن ينسب إلى نفسه فعلًا أمر غيره بفعله.
خامسها:
حديث أبي الزناد واسمه عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "نِعْمَ الصَّدَقَةُ، اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، تَغْدُو بِإِنَاءٍ، وَتَرُوحُ بِآخَرَ".
والصفى: الناقة الغزيرة اللبن أو الشاة، وسلف ذلك في العارية.
وعبارة ابن التين: الكثيرة اللبن ويدل على كثرة لبنها قوله: "تغدو بإناء وتروح بآخر".
واللقحة بكسر اللام، كذا ذكر أهل اللغة، وذكر الهروي عن غير الأزهري الفتح أيضًا وهي التي نتجت حديثًا، والمعروف أنها ذات اللبن.
سادسها:
حديث ابن عباس ﵄ أنه ﵇ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ وَقَالَ: "إِنَّ لَهُ دَسَمًا". سلف في الطهارة (٣) وشيخه فيه أبو عاصم عن الأوزاعي، واسم أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، والأوزاعي
стр. 16245
عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ: عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رُفِعْتُ إِلَى السِّدْرَةِ فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ .. " الحديث، وفي آخره:
"فَأُتِيتُ بِثَلَاَثةِ أَقْدَاحٍ: قَدَحٌ فِيهِ لَبَنٌ، وَقَدَحٌ فِيهِ عَسَلٌ، وَقَدَحٌ فِيهِ خَمْرٌ، فَأَخَذْتُ الذِي فِيهِ اللَّبَنُ فَشَرِبْتُ، فَقِيلَ لِي: أَصَبْتَ الفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ".
وقَالَ هِشَامٌ وَسعِيدٌ وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الأَنْهَارِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ثَلَاثَةَ أَقْدَاحٍ.
تعليق إبراهيم وصله الإسماعيلي فقال: أخبرنا أبو حاتم مكي بن عبدان وأبو عمران موسى بن العباس قالا: ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا حفص بن عبد الله، ثنا إبراهيم به.
وقال أبو نعيم: ثنا أبو بكر الآجري، ثنا عبد الله بن العباس الطيالسي، ثنا محمد بن عقيل، ثنا حفص بن عبد الله، حدثنا ابن طهمان، وقوله: وقال هشام .. إلى آخره. يريد: بحديث هشام ما أسلفه مسندًا في بدء الخلق (١).
وكذا حديث همام، وحديث سعيد تقدم عنده مسندًا عن قريب (٢).
وقال الإسماعيلي: حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة أتيت بإناءين أصح إسنادًا من هذا وذاك أولى من هذا، ولما ذكر ابن التين هذِه الرواية قال الذي في غيره: بقدحين، وزاد هنا: قدح العسل وقد سلف.