أهل مصر ذكره القزاز، قال الهروي عن شمر عن بعضهم: هو القزي أبدلت الزاي سينًا.
وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى بلاد يقال لها: القس، رأيتها. ولم نعرفها، وقال ابن فارس: هي ثياب يؤتى بها من اليمن (١).
وفي البخاري في اللباس عن أبي بردة قلنا لعلي ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير، فيها أمثال الأترج (٢).
والإستبرق: ضرب من الديباج غليظ، قيل: وفيه ذهب، وأصله فارسي معرب أصله استبره فرد استبرق، والمعروف أن الإستبرق غليظ الديباج. وقال الداودي: هو رقيقه.
стр. 16312
٢٩ - باب الشُّرْبِ فِي الأَقْدَاحِ
٥٦٣٦ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ -مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ- عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَبُعِثَ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَهُ. [انظر: ١٦٥٨ - مسلم: ١١٢٣ - فتح ١٠/ ٨٩]
ذكر فيه حديث أم الفضل لبابة الكبرى، وقد سلف قريبًا وفي الحج (١).
عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه فذكره (١).
وذكر فيه أيضًا حديث سهل بن سعد: ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ امْرَأَةٌ مِنَ العَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ: أَعُوذُ باللهِ مِنْكَ … الحديث، سلف في النكاح (٢).
وفيه: فسقيتهم فيه -يعني: في القدح- فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، ثم قال: استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له.
وشيخ شيخ البخاري فيه أبو غسان، وهو محمد بن مطرف مدني نزل عسقلان الشام، وشيخه (٣) سعيد بن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم، أو الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي مولاهم المصري مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وفيه أبو حازم، واسمه سلمة بن دينار، وأبو أسيد اسمه مالك بن ربيعة بن البدن، وأخرجه مسلم أيضًا (٤).
وحديث أبي عوانة الوضاح عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ قَالَ: رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ- قَالَ: وهْوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ. قَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هذا القَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: وَقَالَ ابن سِيرِينَ: كَانَ فِيهِ
стр. 16315
حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَتَرَكَهُ.
والبخاري ساقه عن الحسن بن مدرك، وهو أبو علي، وجده بشر سدوسي بصري حافظ الطحان، روى عنه النسائي وابن ماجه أيضًا.
وقد سلف في الخمس عند البخاري، عن أنس: أن قدح رسول الله ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة (١).
قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه، وهذا هو الذي عليه الحفاظ أن المتخذ له أنس بن مالك.
وللبزار من طريق فيها ضعف، عن ابن عباس أن المقوقس أهدى لرسول الله ﷺ قدح قوارير، فكان يشرب فيه (٢).
وهذا غير ذاك، وإن توهم بعضهم أنهما واحد؛ لأن الأول من نُضار بضم النون وكسرها، كما قاله أبو حنيفة، والأول أعرف، والثاني ذكره غير واحد.
قال شمر: وهي هذِه الأقداح الحمر الحبشانية، وقال ابن الأعرابي: النضار: النبع، وقال -أيضًا-: هو شجر الأثل، والنضار: الخالص من كل شيء (٣). وقال ابن سيده: من التبر والخشب، وقيل: الخلاف.
قال أبو حنيفة: والكرم النضار وأجوده ما صنع من النبع، وكل آنية عند أهل البادية نضار.
стр. 16316
قال: وهو أجود الخشب للآنية ويعمل منه ما رق من الأقداح واتسع وما غلظ ولا يحتمله من الخشب غيره (١).
والقدح: النضار من أثل ورسي اللون.
قال القزاز: العرب تقول: قدح نضار مضاف إلى هذا الخشب، وإنما سمي الأثل: نضارًا؛ لأنه ينبت في الجبل، وهو الخالص من العود وأجوده.
وقال ابن فارس: أثل يكون بالغور، والغور تهامة ومما يلي اليمن، والأثل: الشجر ونحوه في "الصحاح" غير أنه قال: وهو نوع من الطرفاء، والواحدة: أثلة (٢).
وقال أيضًا: يكون القدح ورسي اللون -يريد: أصفر- يضاف ولا يضاف (٣). يريد: أنك تقول: قدح نضارٌ وقدح نضارٍ.
وذكر ابن عياش في "المنتهى" أنه الطويل من الأثل المستقيم الغصون.
وقال صاحب "العين": قدح من نضار يتخذ من أثل ورسي اللون وذهب نضار والنضار الخالص (٤).
وقال ابن الفاسي: النضار عود أصفر يشبه لون الذهب وهو أعتق العود.
فصل:
والأجم: جمع أجمة وهي الغياض قاله ابن بطال (٥).
стр. 16317
وقال الخطابي: الأجم والأطم واحد، وهي الآطام والآجام وهي أبنية عالية تشبه القصور (١).
فصل:
والشرب من قدحه عليه أفضل الصلاة والسلام وآنيته من باب التبرك بآثاره لعلِّي أراهم أو أرى من يراهم.
ومن باب الامتثال بفعله كما كان ابن عمر يصلي في المواضع التي كان يُصلِّي فيها ويدير ناقته حيث أدارها تبركًا بالاقتداء به وحرصًا على اقتفاء آثاره.
ومن هذا ما يفعله الناس إلى اليوم من الدخول في الغار الذي اختفى فيه والصديق على صعوبة الارتقاء إليه والدخول فيه.
وهذا كله وإن كان ليس بواجب ولا لازم وإنما يحمل عليه فرط محبته، والاغتباط بموافقته وقد قال: "والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين" (٢) وهو بشهادة الله كذلك.
فصل:
وقوله: ("اسقنا يا سهل") أراد أن يبسطه بذلك ويستدعي ما عنده من شراب وطعام، وهذا لا خلاف في استحبابه إذا كان الصديق طيب النفس وعلم من حاله ذلك، وفي مثل هذا قال تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
وقال المهلب: قال البخاري: باب شرب البركة لقول جابر: (فعلمت أنه بركة)، وهذا شائع في لسان العرب أن تسمي الشيء المبارك فيه بركة، كما قال أيوب: لا غنى بي عن بركتك، فسمى الذهب بركة.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ﴾ [لقمان: ١١] يعني: مخلوقاته، والخلق: اسم الفعل.
وفيه من الفقه: أن الإسراف في الطعام والشراب مكروه إلاَّ الأشياء التي أرى الله فيها بركة غير معهودة وآية قائمة بينة، فلا بأس بالاستكثار منها.
وليس في ذلك سرف ولا كراهية، ألا ترى قول جابر: (فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه) أي: لا أقتصر على جهدي في الاستكثار من شربه، وفيه علم عظيم من أعلام نبوته، وقد سلف بيان هذا المعنى، وما في نبع الماء من أصابعه من عظيم الآية وشرف الخصوصية في باب: التماس الوضوء إذا حانت الصلاة فراجعه (١).
فصل:
وقوله: ("حي على أهل الوضوء") أي: هلم وأقبل، مثل: حي على الصلاة. وفتحت الياء من حيَّ لسكونها وسكون ما قبلها كليتَ ولعلَّ، وهو اسم لفعل الأمر.
وقوله: (لا آلو) أي: لا أقصر كما سلف.
وحكى الكسائي عن العرب: يَضْرِبُه لا يَأْلُ، فحذفوا الواو كقولهم: لا أَدْرِ (٢).
стр. 16320
فصل:
ينعطف على الباب قبله قوله: (فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها) فيه تقديم الخطبة وهو غير واجب عند أكثر الفقهاء كما سلف، وخالف بعضهم.
وقد سلف تفسير الأجم، قال الجوهري: الأجمة من القصب والجمع: أجماء وآجم وآجام وأُجم، وجمع أجمة: أجم مثل ثمرة وثمر، وأجم وإجام، كجبل وجبال، وجمع إجام: أجم مثل: كتاب وكتب، وجمع أجُم: أجام كعنق وأعناق.
قال: والأجم أيضًا حصن بناه أهل المدينة من حجارة.
قال يعقوب: كل بيت مرتفع مسطح: أجم.
وقال الأصمعي: هو مخفف، ويثقل (١).
وقال ابن فارس: الأجمة معروفة، والأجم: الحصن وجمعه: آجام (٢).
وقال الداودي: الأجم واحد الآجام وهي الأشجار والحوائط.
وفيه -كما قال الخطابي- جواز نظر الخاطب إلى وجه المخطوبة إذا أراد نكاحها (٣). وعارضه ابن التين بأن الحديث ليس دال فيه.
وقولها: (كنت أنا اسقي من ذلك) فيه اعترافها بما متَّعها الله من فضله الجسيم.
стр. 16321
وقوله: (استوهبه عمر بن عبد العزيز من سهل) فيه: أن عمر يعد من التابعين لرؤيته سهلاً، وسهل: أحد من مات بالمدينة من الصحابة، يقال: مات سنة ثنتين وتسعين، ويقال: إحدى وتسعين وكان مولده مولد الحسن.
وقوله: (وكان قدح رسول الله ﷺ عند أنس) فيه: اعتناء أنس به وما أحسنه من اعتناء.
ومعنى (سلسله بفضة): أصلحه بها، يقال: شيء مسلسل أي: متصل بعضه ببعض، ومنه سلسلة الحديث.
وقوله: (فيه حلقة) هي بإسكان اللام كحلقه القوم، والجمع: حِلَق على غير قياس.
وقال الأصمعي: حلقة مثل قصعة وقصع.
وحكى يونس، عن أبي عمرو بن العلاء: حلقة في الواحد بالتحريك، وفي الجمع حلق.
وقال ثعلب: كلهم يجيزه على ضعفه، وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في الكلام حلقة بالتحريك إلاَّ في قولهم: هؤلاء حلقة، الذين يحلقون الشعر، جمع حالق (١).
آخر الأشربة بحمد الله ومنِّه.
ثانيها:
حديث أبي سعيد الخدري سعد بن مالك وأَبِي هُرَيْرَةَ، عَن رسول الله ﷺ قَالَ: "مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ". وأخرجه مسلم والترمذي وحسنه (١).
ثالثها:
حديث سفيان، عن سعد -وهو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف-، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ رسول الله ﷺ قَالَ: "مَثَلُ المُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً، وَمَثَلُ المُنَافِقِ كَالأَرْزَةِ لَا تَزَالُ حَتَّى يَكونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً".
وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ: حَدَّثَنِي سَعْدٌ، ثَنَا ابن كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخرجه مسلم والنسائي (٢)، وأغفله ابن عساكر.
والخامة: الطاقة الغضة اللينة من الزرع، وألفها منقلبة عن واو.
والأرزة: -بسكون الراء وفتحها- شجرة الأرز وهو خشب معروف، وقيل: الصنوبر.
وانجعافها: انقلاعها، يقال: جعفته فانجعف إذا قلعته فانقلع، وهو مطاوع جعفه جعفًا.
قاله ابن سيده (٣).
стр. 16326
وقال الداودي: يريد كسرها من وسطها وانقلاعها. وأهل اللغة على ما سلف لكن يوضحه قوله في الحديث: "حتى يقصمها الله" أي: يكسرها.
رابعها:
حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ خامة الزَّرْعِ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ كَفَأَتْهَا، فَإِذَا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ، وَالْفَاجِرُ كَالأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً، حَتَّى يَقْصِمَهَا اللهُ إِذَا شَاءَ". وأخرجه مسلم والترمذي (١) وقال: حسن صحيح.
خامسها:
حديث أبي هريرة أيضًا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ". وأخرجه النسائي (٢).
الشرح:
حديث أبي هريرة وأبي سعيد لما رواه الترمذي قال: قال ابن الجارود: وسمعت وكيعًا يقول: لم يسمع في الهم أنه كفَّارة إلاَّ في هذا الحديث (٣).
وفي الباب أحاديث مثل أحاديث الباب، أخرجه مسلم من حديث جابر، ثنا أم المسيب: "لا تسبي الحمى فإنها تذهب بخطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد" (٤).
стр. 16327
وأخرجه بن أبي شيبة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يزال البلاء بالعبد المؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة".
قال أبو هريرة: ما من وجعٍ يصيبني أحبُّ إليَّ من الحمى إنها تدخل في كل مفصل من ابن آدم، وإن الله تعالى ليعطي كل مفصل قسطًا من الأجر (١).
وأخرجه الترمذي مصححًا من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا "ما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" (٢).
وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث أنس مرفوعًا "إن الله إذا ابتلى المسلم ببلاء في جسده قال للملك: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه" (٣).
ومن حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "ما من أحد من المسلمين يُبتلى ببلاء في جسده إلاَّ أمر الله الحفظة فقال: اكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح ما دام مشدودًا في وثاقي" (٤).
وسلف في البخاري في الجهاد من حديث أبي موسى مرفوعًا: "إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" (٥).
стр. 16328
وفي لفظ "إذا كان العبد يعمل عملًا صلحًا فيشغله عنه مرض أو سفر كتب له صالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم" (١).
ولابن أبي شيبة أيضًا من حديث أبي عبيدة يرفعه: "من ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو حظه" (٢).
ولابن بنت منيع من حديث خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري، عن جده أسد سمع رسول الله ﷺ يقول: "المريض تحات خطاياه كما يتحات ورق الشجر" (٣).
وروينا في جزء القنطري داود بن علي (٤): حدثنا ابن أبي مريم: ثنا نافع بن زيد: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن السائب، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن أزهر، عن أبيه أنه ﵇ قال: "إنما مثل المؤمن حين يصيبه الوعك أو الحمى كمثل الحديدة المحماة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيِّبها" (٥).
وللطبراني من حديث أبي المليح، عن محمد بن خالد، عن أبيه، عن جده -وكانت له صحبة- قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن
стр. 16329
العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها فعله ابتلاه في جسده وماله وولده ثم صبر على ذلك حتى تبلغه المنزلة التي سبقت له من الله" (١).
وأخرجه أبو داود بمعناه من حديث عبد الله بن أبي إياس الضمري، عن أبيه، عن جده. ومن حديث إبراهيم السلمي، عن أبيه، عن جده، وكانت له صحبة (٢).
ولأبي الليث، عن عليٍّ ﵁ قال: لما نزل ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "لقد أنزلت عليَّ آية هي خير لأمتي من الدنيا وما فيها" ثم قرأها ثم قال: "إن العبد إذا أذنب ذنبًا فتصيبه شدة أو بلاء في الدنيا فالله تعالى أكرم من أن يعذبه ثانيًا". فقلنا: ما أبقت هذِه الآية من شيء، فقال: "إنها لكما أنزلت".
стр. 16330
وهذِه الآية التي استفتح البخاري بها الباب.
وذكر ابن أبي شيبة: أن أبا هريرة ﵁ (قال) (١): لمَّا نزلت هذِه الآية بكينا وحزنَّا، فقال: "إنها لكما أنزلت".
فقال ﵇: "أبشروا وسددوا فإنه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة حتى الشوكة يشاكها إلاَّ كفَّر الله بها عنه" (٢).
زاد ابن التين بعد ("يشاكها"): "في قدمه"، قال: وروي عن ابن عباس ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١٢٣] أي: من يشرك.
وعن الحسن: ذلك لمن أراد الله هوانه، فأمَّا من أراد كرامته فلا. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٦] الآية (٣).
ونقل ابن بطال، عن كثير من أهل التأويل أن معنى الآية: أن المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفَّارة (٤).
روي عن أبي بن كعب وعائشة ومجاهد، وروي عن الحسن وابن زيد: أنه في الكفَّار خاصة (٥).
وفي حديث عائشة ﵂ وأبي سعيد وأبي هريرة [ما] (٦) يشهد بصحة الأول.
قال أبو الليث: وروى الحسن أن رجلاً من الصحابة رأى امرأة كان يعرفها في الجاهلية فجعل يلتفت إليها فضربه حائط في وجهه، فأتى
стр. 16331
رسول الله ﷺ فأخبره فقال: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا يعجل عقوبة ذنبه في الدنيا" (١).
وروى ابن زنجويه حميد في كتابه عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا "ما من مسلم يصيبه أذى مرض فما سواه إلاَّ حطَّ به من سيئاته".
وعن أبي أمامة مرفوعًا: "ما من مسلم يصرع سرعة من مرض إلاَّ بعث منها طاهرًا" (٢).
وعن شهر بن حوشب، عن أبي ريحانة الأنصاري مرفوعًا "الحمى كير من جهنم وهي نصيب المؤمن" (٣).
وعن الحسن أنه قال: إن الله تعالى ليكفَّر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة.
وعن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن أبي عثمان الأصبحي -وله صحبة- قال رسول الله ﷺ لرجل: "لو كان الله يريد به خيرًا لطهَّر جسده بالمرض".
وعن (ابن) (٤) إسحاق، عن رجلٍ من أهل الشام، عن عمه، عن عامر الرامِ أخي الخُضر (٥) قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن المؤمن
стр. 16332
إذا أصابه السقم ثم عافاه منه كان كفَّارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل" (١).
وعن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "عجبًا للمؤمن لو كان يعلم ماله في السقم أحب أن يكون سقيمًا حتى يلقى ربه، وإن عبدًا مرض فقال الله للحفظة: اكتبوا لعبدي الذي كان يعمل في يومه وليلته ولا تنقصوه شيئًا فله أجر ما حبسته وله أجر ما كان يعمل" (٢).
وعن شداد بن أوس مرفوعًا: "قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدًا من عبادي مؤمنًا فحمدني وصبر على ما ابتليته فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا ويقول الله تعالى للحفظة: اجزوا لعبدي بما كنتم تجزون له قبل ذلك من الأجر وهو صحيح" (٣).
ورواه أيضًا من حديث عقبة بن عامر وفيه ابن لهيعة.
وما ذكرناه من حديث ابن مسعود يخالف ما ذكره ابن بطال عنه حيث قال: وروي عن ابن مسعود أنه قال: الوجع لا يكتب به الأجر ولكن تكفرُ به الخطيئة.
ثم قال: فإن قيل: إن ظاهر هذِه الآثار تدل على أن المريض إنما تحط عنه بمرضه السيئات فقط دون الزيادة.
стр. 16333
وقد ذكر البخاري في الجهاد حديث أبي موسى السالف وظاهره مخالف لآثار الباب؛ لأن في حديث أبي موسى يزاد على التكفير.
قيل له: ليس ذلك بخلاف وإنما هو زيادة بيان على آثار الباب التي جاءت بتكفير الخطايا بالوجع لكل مؤمن.
وفي حديث أبي موسى معنًى آخر وهو: أن من كانت له عادة من عمل صالح ومنعه الله منه بالمرض أو السفر وكانت نيته أن لو كان صحيحًا أو مقيمًا أن يدوم عليه فإن الله يتفضل عليه بأن يكتب له ثوابه.
فأما من لم يكن له تنفل ولا عمل صالح فلا يدخل في معنى الحديث؛ لأنه لم يكن يعمل في صحته أو إقامته بما يكتب له في مرضه أو سفره، فحديث أبي موسى المراد به: الخصوص، وأحاديث الباب المراد بها: العموم وكل واحد منها يفيد معنى غير معنى صاحبه فلا يخالف وقد سلف الكلام على حديث أبي موسى في الجهاد (١).
فصل:
وقوله: ("حتى الشوكة يشاكها") أي: يصاب بها. وحقيقة هذا اللفظ: أن تكون الشوكة يدخلها غيره في جسده.
قال الكسائي: شكت الرجلَ الشوكةُ: إذا دخلت في جسده شوكة (٢).
وشِيك هو على ما لم يسم فاعله يشاك شوكًا، وقال الأصمعي: يقال: شاكتني الشوكة تشوكني إذا دخلت في جسده (٣).
стр. 16334
فلو كان أراد أن تصيبه الشوكة لقال: حتى الشوكة تشوكه ولكنه جعلها -أعني الشوكة- مفعولة وجعله هو مفعولًا به، أيضًا، نبه عليه ابن التين.
والنصب والتعب والوصب: المرض. يقال: منه وصب. يوصب فهو موصب.
وقوله: (من همٍّ ولا غم) معناهما واحد، وكرَّر لاختلاف اللفظ. وقيل: الهم المرض من همَّه المرض إذا أذابه فيكون كمثل الوصب.
فصل:
وقوله: (وقال زكريا: حدثني سعد .. ) إلى آخره هذا التعليق أخرجه مسلم عن أبي بكر، ثنا عبد الله بن نمير ومحمد بن بشر قالا: ثنا زكريا به.
ثم رواه من حديث جماعة، عن سفيان، عن سعد به وسمى مرة ابن كعب، فقال: عن عبد الله بن كعب بن مالك (١). كما ساقه أولاً، والنسائي لما ذكر حديث ابن بشَّار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان قال عبد الله بن كعب بن مالك فأسقط سعد بن إبراهيم (٢).
فصل:
والخامة: بالخاء المعجمة وتخفيف الميم أسلفنا تفسيرها وهي ورقة الزَّرع الغضة الرطبة، وقيل: الضعيفة.
стр. 16335
وقال ابن سيده في "محكمه": هي أول ما تنبت على ساق واحدة (١)، وبه جزم صاحب "العين" (٢) وقيل: هي الطاقة الغضة منه. وقيل: الشجرة الغضة الرطبة (٣).
قال القزاز: وروي الخافة بالفاء وهي: الطاقة من الزرع.
وقوله: ("تفيئها") أي: تميلها.
وقال أبو عبد الملك: ترقدها، حكاه ابن التين.
قال: والذي في اللغة أن فاء: إذا رجع وأفاء غيره رجعه، قال صاحب "المطالع": وفي رواية أبي ذر: تَفَيأها بفتح التاء والفاء.
ومعنى ("تعدلها") بفتح التاء وكسر الدال: ترفعها.
والأرزة بفتح الهمزة وسكون الراء وفتحها كما أسلفته. قال صاحب "المطالع": الرواية بالسكون.
وقال أبو عبيدة: إنما هو الآرزة على وزن فاعلة، ومعناها: الثابتة في الأرض، وأنكر هذا أبو عبيد (٤)، وقال أبو حنيفة: راؤه ساكنة وليس هو من نبات العرب ولا السباخ، والأرز مما يطول طولًا شديدًا ويغلظ، وأخبرني الخبير أنه ذكر الصنوبر وأنه لا يحمل شيئًا، ولكن يستخرج من أعجازه وعروقه الزفت (٥).
وقال القزاز: رواها أصحاب الحديث بالسكون على فَعْلَة. (ورواها قوم الآرزة على فاعلة (٦).
стр. 16336
وروى قوم: الأرَزة على فَعَلة محركة العين، قالوا: وهو ضرب من الشجر، يقال له: الأرزن له صلابة.
وفسَّره قوم على لفظ الحديث بالسكون، وقالوا: الأرز شجر معروف، واحده: أرزة وهو الذي يقال له: الصنوبر، (وإنما الصنوبر) (١) ثمر الأرز، سمي صنوبرًا من أصل ثمره.
وقال الخطابي: الأرزة مفتوحة الراء من الشجر، واحده: الأرزة. قال: ويقال: هو شجر الصنوبر (٢).
وقال ابن فارس: هي شجرة بالعراق تسمى: الصنوبر (٣).
وأمَّا قول الداودي: هي شجرة الأرز فلا أعلم له معنى. وفي "المحكم": والأرز: العرعر، وقيل: هو شجر بالشام. يقال لثمره: الصنوبر، والأُرْزَة والأَرَزَة جميعًا (٤).
وقال الجوهري: أبو عمرو: الأَرَزَة بالتحريك: شجر الأرزن. وقال أبو عبيدة: الأَرْزَةُ بالتسكين: شجر الصنوبر، والجمع أَرْز (٥).
وعبارة ابن بطال: الأرز من أجل الخشب (٦).
فصل:
وقوله: ("من حيث أتتها الريح كفأتها") أي: قلبتها مهموز ووقع في بعض النسخ بغير همز وكأنه سهل الهمزة.
стр. 16337
وقوله: ("صماء") أي: صلبة ليست مجوفة.
وقوله: ("حتى يقصمها الله إذا شاء") أي: يكسرها حتى تبين.
ومعنى الحديث: أن المؤمن ملقى بالأمراض وغيرها كالزرع كثير الميلان لضعف ساقه، والمنافق لا يعرض له مرض يؤجر فيه حتى يصرع للموت مرةً واحدةً.
قال المهلب: معنى الحديث أن المؤمن من حيث جاءه أمر الله انطاع له ولان ورضيه، وإن جاءه مكروه رجا فيه الخير والأجر، فإذا سكن البلاء منه اعتدل قائمًا بالشكر له على البلاء والاختبار وعلى المعافاة من الأمر المختبر به، منتظر لاختيار الله له ما شاء مما حكم له بخير به في دنياه أو كريم مجازاته في أخراه.
والكافر كالأرزة صماء معتدلة لا يتفقده الله باختبار، بل يعافيه في دنياه وييسر عليه أموره ليعسر عليه في معاده حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه قصمة الأرزة الصماء فيكون موته أشد عذابًا عليه وأكثر ألمًا في خروج نفسه من ألم النفس المبتلية بالبلاء المأجور عليه (١).
وصححه ابن حبان (١) وحديث ابن مسعود أخرجه مسلم والنسائي (٢)، شيخه فيه محمد بن يوسف هو الفريابي كما نص عليه أبو نعيم وسفيان بعده هو الثوري.
الوعك -بسكون العين-: مغث الحمى.
كذا في الصحاح (٣)، وقال ابن فارس: الحمى (٤).
وقيل: مغثها أي: مَرَثيته (٥) وقد وعك الرجل يوعك فهو موعك.
وقال صاحب "المطالع": الوعك بفتح العين وسكونها، قيل: هو إرعاد الحمى وتحريكها إيَّاه.
وقال الأصمعي: الوعك: شدة الحر، وكأنه أراد: حر الحمى وشدتها. وفي "المحكم": الوعك: الألم يجده الإنسان من شدة التعب (٦). وعن الأزهري: الوعك: مغث المرض (٧).
والمراد بالوجع هنا: المرض، والعرب تسمي كل مرض: وجعًا.
أمَّا حكم الباب فقد خَصَّ الله أنبياءه بشدة الأوجاع والأوصاب لما خصهم به من قوة اليقين وشدة الصبر والاحتساب؛ ليكمل لهم الثواب ويتم لهم الخير.
стр. 16340
وذكر عبد الرزاق من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: أن رجلاً وضع يده على رسول الله ﷺ فقال: والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك. قال ﵇: "إنَّا معشر الأنبياء يُضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر، إن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالقمل حتى يأكله، وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباءة فيجوبها وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء" (١).
وفي البيهقي زيادة قال: يا رسول الله، من أشدُّ الناس بلاءً؟ قال: "الأنبياء". قال: ثم من؟ قال: "العلماء". قال: ثم من؟ قال: "ثم الصالحون" (٢).
وعند الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث مصعب بن سعد، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب ذلك فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة".
قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان وقيل: اسمها خولة بنت اليمان (٣).
وقوله: ("كما يتحات ورق الشجر") أي: يسقط.
وفيه: أن الأجور على قدر المشقة.
стр. 16341
٣ - باب أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ
٥٦٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلْتُ على رَسُولِ اللهِ ﷺ -وَهْوَ يُوعَكُ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا. قَالَ: «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ». قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ. قَالَ: «أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى -شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا- إِلاَّ كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا». [انظر: ٥٦٤٧ - مسلم: ٢٥٧١ - فتح ١٠/ ١١١]
هذِه الترجمة لفظ حديث سقناه إلَّا أنه قال: الأمثل بدل الأول (١). وابن بطال أورد الترجمة بلفظ الحديث (٢).
وأخرجه أحمد أيضًا من حديث (أبي حذيفة، عن حذيفة) (٣)، عن عمته فاطمة فذكرته (٤).
وهو ثابت في بعض النسخ، ثم ساق البخاري فيه حديث عبد الله أيضًا، ساقه عن عبدان واسمه عبد الله بن عثمان، عن أبي حمزة وهو محمد بن ميمون السكري.
وادعى الإسماعيلي أنه ليس في الباب ما ترجم له، وليس كذلك بل قوله: "أوعك كما يوعك رجلان منكم" ظاهر فيه.
стр. 16342
قال ابن الجوزي: والحديث دال على أن القوي يحمل والضعيف يرفق به إلاَّ أنه كلما قويت المعرفة بالمبتلي هان البلاء الشديد، ومنهم من ينظر إلى أجر بلائه فيهون عليه، وأعلى هذين درجة من يرى أن هذا تصرف المبتلي في ملكه، وأرفع منه من تشغله محبة الحق عن دفع البلاء، ونهاية المراتب التلذذ بضرب الحبيب؛ لأنه عن اختياره نشأ.
стр. 16343
٤ - باب وُجُوبِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ
٥٦٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ». [انظر: ٣٠٤٦ - فتح ١٠/ ١١٢]
٥٦٥٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ -قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: نَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ، وَلُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالإِسْتَبْرَقِ، وَعَنِ الْقَسِّيِّ، وَالْمِيثَرَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَتْبَعَ الْجَنَائِزَ، وَنَعُودَ الْمَرِيضَ، وَنُفْشِيَ السَّلَامَ. [انظر: ١٢٣٩ - مسلم: ٢٠٦٦ - فتح ١٠/ ١١٢]
ذكر فيه حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ".
وحديث البراء ﵁ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، وفيه: (ونعود المريض)، وقد سلفا (١).
ويحتمل أن يكون كما قال ابن بطال: من فروض الكفاية: كإطعام الجائع، وفك الأسير، وهو ظاهر الكلام، ويحتمل أن يكون معناه: الندب والحض على المؤاخاة والألفة، كما قال ﵇: "مثل المؤمنين في تواصلهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر جسده" (٢).
стр. 16344
وقال ابن التين: إنها مندوبة، وقد تتأكد في بعض الناس. وقال الداودي: هو فرض يحمله بعض الناس عن بعض.
وقد جاء في عيادة المريض آثار أسلفناها في الجنائز، منها قوله ﵇ "عائد المريض على مخارف الجنة" (١) وروى مالك أنه بلغه عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه ﵇ قال: "إذا عاد الرجل المريض خاض الرحمة حتى إذا قعد عنده قرَّت فيه" (٢).
أسنده ابن معين وابن أبي شيبة، عن هشيم، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن جابر (٣).
فصل:
حديث البراء ظاهر في فضل العيادة للمريض وهو على عمومه في الرجل الصالح وغيره، وفي المسلم وغيره، وقد عاد رسول الله ﷺ كافرًا، كما سلف في الجنائز ويأتي (٤)، وعاد عمَّه أبا طالب (٥).
وكرهها بعض أهل العلم -أعني: عيادة الكافر- لما فيها من الكرامة وقد أمرنا أن لا نبدأهم بالسلام، فالعيادة أولى.
قلت: ولا بأس بها إذا رجا إسلامه كما وقع له ﵇.
стр. 16345
فصل:
ظاهر الحديث وعمومه: طلبها في كل وقت، وقد كرهها طائفة من العلماء في أوقات.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، وقال له شيخ كان يخدمه يجيء إلى رجل سماه يعوده، وذلك عند ارتفاع النهار في الصيف، فقال: ليس هذا وقت عيادة.
وعن الشعبي: عيادة حمقى القراء أشد على أهل المريض من مرض صاحبهم يجيئون في غير حين عيادة ويطيلون الجلوس (١).
ولقد أحسن ابن حدار حيث يقول:
إن العيادة يوم بين يومين … واجلس قليلاً كلحظ العين للعين
لا تبرمنَّ مريضًا في مساءلة … يكفيك من ذاك تسأل بحرفين
وقال ابن بطال: أخف العيادة: أخفها. قال ابن وضاح: هو أن لا يطول الرجل في القعود إذا عاد مريضًا.
وذكر ابن الصلاح في فوائد رحلته عن ابن عبد الله الفزاري أنه يستحب العيادة في الشتاء ليلاً وفي الصيف نهارًا وهي تفرقة غريبة.
فرع:
يستحب للعائد أن يتوضأ لها لحديث فيه (٢).
فصل:
مواساة الجائع والعاجز واجبة.
стр. 16346
والعاني الأسير، أي: خلاصه وتخليصه واجب على المسلمين من أيدي العدو.
واختلف هل يفك من الزكاة أم لا؟ فقال أصبغ: لا تجزئ أن يفدى منها، وخالفه ابن حبيب (١).
فصل:
وقوله: أمرنا بسبع ونهانا عن سبع، وذكر في النهي خمسًا.
وتقدم الشرب في آنية الفضة.
وذكر في الأوامر: اتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإفشاء السلام، ولم يذكر إبرار القسم -والمراد به: في المعروف- ولا إجابة الدعوة، ولا نصر المظلوم، ولا تشميت العاطس، وذكرها فيما سلف.
стр. 16347
٥ - باب عِيَادَةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ
٥٦٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَقْضِى فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِى بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ. [انظر: ١٩٤ - مسلم: ١٦١٦ - فتح ١٠/ ١١٤]
ذكر فيه حديث جابر ﵁: مَرِضْتُ، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي قد أغمي عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ثمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ .. الحديث.
وقد سلف (١)، والإغماء كسائر الأمراض ينبغي العيادة فيه تأسيًا بالشارع والصديق.
وقوله ﵇ يدخل في عمومه جميع الأمراض.
وفيه: رد لما يعتقده عامة الناس أنه لا يجوز عندهم عيادة من مرض من عينيه، وزعموا ذلك لأنهم يرون في بيته ما لا يراه هو، وحالة الإغماء أشد من حالة مرض العين؛ لأن المغمى عليه يزيد عليه بفقد عقله وقد جلس الشارع في بيت جابر في حال إغمائه حتى أفاق وهو الحجة.
وفيه: أن عائد المريض قد يطول في جلوسه عند العليل إذا رأى لذلك وجهًا (٢).
стр. 16348
فائدة:
الوضوء بفتح الواو: الماء، وبالضم: المصدر، وقيل بالضم مطلقًا. وقيل بالفتح مطلقًا: كالولوع والقبول.
وقال أبو عمرو بن العلاء: هو بالفتح: مصدر لم أسمع غيره (١).
стр. 16349
٦ - باب فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ مِنَ الرِّيحِ
٥٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللهَ لِي. قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ». فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ -تِلْكَ امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ سَوْدَاءُ- عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ. [مسلم: ٢٥٧٦ - فتح ١٠/ ١١٤]
ذكر في حديث عطاء بن أبي رباح قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هذِه المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي. قَالَ: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافيك". فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَا.
وعن عَطَاءٍ أَنَّهُ رَأى أُمَّ زُفَرَ -تِلْكَ امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ سَوْدَاءُ- عَلَى سِتْرِ الكَعْبَةِ.
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وأخرجه النسائي في الطب (١)، وأغفله ابن عساكر، والراوي عن عطاء في الأول هو عمران بن مسلم أبو بكر القصير البصري المقرئ.
وأتى البخاري بالثاني لينبه على اسم المرأة.
стр. 16350
وفي الصحابيات أم زفر اثنتان: الأولى كان بها مس من الجنون.
قال ابن الأثير: روى ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: كان النبي ﷺ يؤتى بالمجانين فيضرب صدر أحدهم فيبرأ، فأتي بمجنونة، يقال لها، أم زفر، فضرب صدرها فلم يخرج شيطانها، فقال ﵇: "هو يعيبها في الدنيا ولها في الآخرة خير".
ثم ذكر ما تقدم عن عطاء قال: وذكر عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم، عن الحسن أنه سمعه يقول: كانت امرأة تحمق، فجاء إخوتها فشكوا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إن شئتم دعوت الله فبرأت، وإن شئتم كانت كما هي ولا حساب عليها في الآخرة" فخيَّرها إخوتها، فقالت: دعوني كما أنا. فتركوها.
قال ابن الأثير: أم زفر ماشطة خديجة كانت عجوزًا سوداء تغشاه ﵇ في زمن خديجة.
ثم ذكر حديث عطاء، عن ابن عباس المذكور عند البخاري، وقال: أخرجها هكذا أبو موسى، ويحتمل أن تكون أم زفر التي ذكروها.
قال: كذا ذكرها أبو موسى، ثم ذكر حديث ابن عباس وابن جريج، وقال: هذان الحديثان يدلان أنهما واحدة، والذي ذكره أبو موسى عن ابن جريج في هذِه الترجمة، ذكره أبو عمر في الترجمة الأولى (١)، وقوله في هذِه: إنها العجوز التي كانت تغشى رسول الله ﷺ في حياة خديجة يدل أنها غير الأولى إلاَّ أن يكون الصرع حدث بها (٢).
واسمها سعيرة الأسدية، ويقال: ستيرة. قال: وكانت حبشية. قال: