والعاني الأسير، أي: خلاصه وتخليصه واجب على المسلمين من أيدي العدو.
واختلف هل يفك من الزكاة أم لا؟ فقال أصبغ: لا تجزئ أن يفدى منها، وخالفه ابن حبيب (١).
فصل:
وقوله: أمرنا بسبع ونهانا عن سبع، وذكر في النهي خمسًا.
وتقدم الشرب في آنية الفضة.
وذكر في الأوامر: اتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإفشاء السلام، ولم يذكر إبرار القسم -والمراد به: في المعروف- ولا إجابة الدعوة، ولا نصر المظلوم، ولا تشميت العاطس، وذكرها فيما سلف.
стр. 16347
٥ - باب عِيَادَةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ
٥٦٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَقْضِى فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِى بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ. [انظر: ١٩٤ - مسلم: ١٦١٦ - فتح ١٠/ ١١٤]
ذكر فيه حديث جابر ﵁: مَرِضْتُ، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي قد أغمي عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ثمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ .. الحديث.
وقد سلف (١)، والإغماء كسائر الأمراض ينبغي العيادة فيه تأسيًا بالشارع والصديق.
وقوله ﵇ يدخل في عمومه جميع الأمراض.
وفيه: رد لما يعتقده عامة الناس أنه لا يجوز عندهم عيادة من مرض من عينيه، وزعموا ذلك لأنهم يرون في بيته ما لا يراه هو، وحالة الإغماء أشد من حالة مرض العين؛ لأن المغمى عليه يزيد عليه بفقد عقله وقد جلس الشارع في بيت جابر في حال إغمائه حتى أفاق وهو الحجة.
وفيه: أن عائد المريض قد يطول في جلوسه عند العليل إذا رأى لذلك وجهًا (٢).
стр. 16348
فائدة:
الوضوء بفتح الواو: الماء، وبالضم: المصدر، وقيل بالضم مطلقًا. وقيل بالفتح مطلقًا: كالولوع والقبول.
وقال أبو عمرو بن العلاء: هو بالفتح: مصدر لم أسمع غيره (١).
стр. 16349
٦ - باب فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ مِنَ الرِّيحِ
٥٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللهَ لِي. قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ». فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ -تِلْكَ امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ سَوْدَاءُ- عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ. [مسلم: ٢٥٧٦ - فتح ١٠/ ١١٤]
ذكر في حديث عطاء بن أبي رباح قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هذِه المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي. قَالَ: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافيك". فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَا.
وعن عَطَاءٍ أَنَّهُ رَأى أُمَّ زُفَرَ -تِلْكَ امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ سَوْدَاءُ- عَلَى سِتْرِ الكَعْبَةِ.
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وأخرجه النسائي في الطب (١)، وأغفله ابن عساكر، والراوي عن عطاء في الأول هو عمران بن مسلم أبو بكر القصير البصري المقرئ.
وأتى البخاري بالثاني لينبه على اسم المرأة.
стр. 16350
وفي الصحابيات أم زفر اثنتان: الأولى كان بها مس من الجنون.
قال ابن الأثير: روى ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: كان النبي ﷺ يؤتى بالمجانين فيضرب صدر أحدهم فيبرأ، فأتي بمجنونة، يقال لها، أم زفر، فضرب صدرها فلم يخرج شيطانها، فقال ﵇: "هو يعيبها في الدنيا ولها في الآخرة خير".
ثم ذكر ما تقدم عن عطاء قال: وذكر عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم، عن الحسن أنه سمعه يقول: كانت امرأة تحمق، فجاء إخوتها فشكوا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إن شئتم دعوت الله فبرأت، وإن شئتم كانت كما هي ولا حساب عليها في الآخرة" فخيَّرها إخوتها، فقالت: دعوني كما أنا. فتركوها.
قال ابن الأثير: أم زفر ماشطة خديجة كانت عجوزًا سوداء تغشاه ﵇ في زمن خديجة.
ثم ذكر حديث عطاء، عن ابن عباس المذكور عند البخاري، وقال: أخرجها هكذا أبو موسى، ويحتمل أن تكون أم زفر التي ذكروها.
قال: كذا ذكرها أبو موسى، ثم ذكر حديث ابن عباس وابن جريج، وقال: هذان الحديثان يدلان أنهما واحدة، والذي ذكره أبو موسى عن ابن جريج في هذِه الترجمة، ذكره أبو عمر في الترجمة الأولى (١)، وقوله في هذِه: إنها العجوز التي كانت تغشى رسول الله ﷺ في حياة خديجة يدل أنها غير الأولى إلاَّ أن يكون الصرع حدث بها (٢).
واسمها سعيرة الأسدية، ويقال: ستيرة. قال: وكانت حبشية. قال:
стр. 16351
وقال أبو موسى: قال ابن خزيمة: أبرأ إلى الله من عهدة هذا الإسناد (١)، قلت: الذي ذكره أبو موسى (سكيرة) وفيه أيضًا قال جعفر: في إسناد حديثها نظر أوردها أبو عبد الله وغيره في باب الشين (٢).
وقال جعفر: هي بالسين أثبت (٣).
زاد علي بن معبد، عن بشير بن ميمون قال: فأنزل الله في سعيرة ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] قال: وكانت سعيرة تجمع الصوف والشعر والليف فتجمع بها كبة عظيمة، فإذا عظم عليها نقضتها فأنزل الله فيها يا معشر قريش لا تكونوا مثل سعيرة، ولا تنقضوا أيمانكم بعد توكيدها كما فعلت سعيرة نقضت كبتها بعد توكيدها يعني الموتة والجنون.
فصل:
في الحديث: فضل ما يترتب على الصرع، وأن اختيار البلاء والصبر عليه يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه أنه يطيق التمادي على الشدة ولا يضعف عن التزامها.
стр. 16352
٧ - باب فَضْلِ مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ
٥٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَمْرٍو -مَوْلَى الْمُطَّلِبِ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ». يُرِيدُ عَيْنَيْهِ. تَابَعَهُ أَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ وَأَبُو ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [فتح ١٠/ ١١٦]
ذكر فيه حديث عمرو مولى المطلب، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ". يُرِيدُ عَيْنَيْهِ. تَابَعَهُ أَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ وَأَبُو ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الشرح:
عمرو هذا هو ابن أبي عمرو ميسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي مات في خلافة أبي جعفر المنصور وقال فيه ابن معين: ضعيف ليس بالقوي وليس بحجة. علقمة بن أبي علقمة أوثق منه (١)، قلت: لكن أخرج له الجماعة.
وأبو ظلال اسمه: هلال بن أبي مالك زيد الأزدي القسملي الأعمى البصري تابعي، وعنه جماعة. ضعفه يحيى بن معين (٢) أخرج له الترمذي. ومتابعته أخرجها الترمذي عن عبد الله بن معاوية الجمحي ثنا عبد العزيز بن مسلم: ثنا أبو ظلال عن أنس (٣). قال: وتابعه زيد العمي، وواهب بن سلامة وكثير بن سليم وغير واحد عن أنس.
стр. 16353
ورواه ابن حبان الكلبي فقال عن ثابت أو أبي ظلال على الشك قال: أتينا أنسًا، ومعنا أبو ظلال، وكذلك رواه محمد بن عبد الملك، عن عفيرة بنت واقد البصرية، عن حمنة بنت ثابت، عن أبيها (١).
ولفظ أبي ظلال عند البغوي الكبير: أن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ وعنده ابن أم مكتوم فقال: قال ربك -جل وعز-: "إذا أخذت كريمتي عبدي لم أجد له بها أجرًا إلاَّ الجنة"، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي عنه مرفوعاً: "يقول الله تعالى: من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب" الحديث، ثم قال: حسن صحيح (٢).
ومن حديث زيد بن أرقم قال: رمدت فعادني رسول الله ﷺ فلما برأت قال لي: "يا زيدُ أرأيت لو أن عينيك كانتا لما بهما" قال: قلت: كنت أصبر وأحتسب. قال: "إذًا لقيت الله ولا ذنب لك" (٣).
أخرجه حميد بن زنجويه، عن النضر بن شميل، أنا يونس، عن أبي إسحاق، عنه، وهو إسناد جيد، وحينئذٍ فلا ينبغي لابن الجوزي أن يذكره في "علله".
وهذا الحديث حجة أيضًا في أن الصبر على النبلاء ثوابه الجنَّة، ونعمة الصبر على العبد وإن كانت من أجلِّ نعم الله في الدنيا فعوض الله له الجنَّة عليها أعظم من نعيمها في الدنيا لنفاذ مدة الالتذاذ بالبصر في الدنيا، وبقاء مدة الالتذاذ به في الجنَّة، فمن ابتلي من المؤمنين
стр. 16354
بذهاب بصره في الدنيا فلم يفعل ذلك به لسخط عليه، وإنما أراد الإحسان إليه، إمَّا بدفع مكروه عنه يكون سببه نظر عينيه لا صبر على عقابه في الآخرة أو ليكفر عنه ذنوبًا سلفت لا يكفرها عنه إلاَّ بأخذ أعظم جوارحه في الدنيا ليلقى ربه طاهرًا من ذنوبه أو ليبلغه من الأجر إلى درجة لم يكن يبلغها بعمله.
وكذلك جميع أنواع البلاء، فأخبر الشارع كما تقدم: أن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، وجاء عنه ﷺ : "أن أهل العافية في الدنيا يودون لو أن لحومهم قرضت بالمقاريض في الدنيا" (١) لما يرون من ثواب الله لأهل البلاء، فمن ابتُلي بذهاب بصره أو فقد جارحة من جوارحه، فليلق ذلك بالصبر والشكر والاحتساب وليرض باختيار الله له، ذلك ليحصل على أفضل العوضين وأعظم النعمتين وهي الجنَّة التي من صار إليها فقد ربحت تجارته وكرمت صفقته ولم يضره ما لقي من شدة البلاء فيما قاده إليها.
стр. 16355
٨ - باب عِيَادَةِ النِّسَاءِ الرِّجَالَ
وَعَادَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ المَسْجِدِ مِنَ الأَنْصَارِ.
٥٦٥٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ ﵄ قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا قُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَتْ عَنْهُ يَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِى هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بَوَادٍ وَحَوْلِى إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ … وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ». [انظر: ١٨٨٩ - مسلم: ١٣٧٦ - فتح ١٠/ ١١٧]
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ ﵄ قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا .. الحديث.
وفيه: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد .. إلى آخره، وقد سلف في الحج وهو ظاهر فيما ترجم له، وحديثها هذا كان في أول الإسلام عند قدومهم المدينة فوجدوها وبيئة، فدعا لها ﵇ أن يصححها وينقل حماها إلى الجحفة، فأجاب الله دعوته. وعيادة أم الدرداء تحمل على أنها عادته وهي متجالة فلا تزور امرأة رجلاً إلاَّ أن تكون ذات محرم منه أو تكون متجالة يؤمن من مثلها الفتنة أبدًا.
стр. 16356
وقيل: كان ذلك قبل نزول الحجاب.
وفيه: أن الدعاء يرفع الوباء والمرض جائز.
وفيه: ما ترجم له وهو عيادة النساء الرجال، وعيادة السادة الجلة لعبيدهم؛ لأن بلالًا وعامر بن فهيرة أعتقهما الصديق.
فصل:
الوادي. في قوله: بوادٍ يريد: مكة، وأنشده في "الصحاح".
......... بمكةَ حَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ (١).
والإذخر نبت. الواحدة: إذخرة (٢).
والجليل: التمام. وهو نبت ضعيف يحشى به خصاص البيوت، الواحدة: جليلة. والجمع جلائل. فإذا عظم رجل فهو جليل.
ومياه: جمع ماء في الكثرة، وجمعه في القليل: أمواه؛ لأن أصله موه بالتحريك مثل جمل وأجمال في القلَّة، وجمال في الكثرة، وأبدلت في واحدة من الهاء همزة، وتصغيره: مويه، فعادت الهاء في جمعه وتصغيره؛ لأنهما يردان الأشياء إلى أصولها.
ومجنة -بفتح الميم-: موضع على أميال من مكة كان بها سوق للعرب، وبعضهم يكسر ميمها، والفتح أكثر، والميم زائدة.
قال ابن عباس: كانت مجنة وذو المجاز وعكاظ أسواقًا في الجاهلية (٣).
стр. 16357
وشامة وطفيل، بفتح الطاء: جبلان بمكة، وقيل: عينان.
وإنما تمنى الرجوع إلى مكة حين استثقل (حمى) (١) المدينة ووباءها، ولذلك دعا لهم بحب المدينة.
وقوله: "وانقل حمَّاها واجعلها في الجحفة".
قيل: كان أهلها حينئذٍ كفارًا.
وقيل: كان رأى سوادًا تعبد فأنزلها الجحفة فأولها الحمى.
قال ابن حبيب: ولمَّا دعا بذلك لم تزل الجحفة من يومئذٍ أكثر بلاد الله حمى، وإنه ينقى شرب الماء من عينها التي يقال لها: عين حم، وقيل من شرب منها إلاَّ حم، قلت: وكيف لا! ودعاؤه لا يرد.
стр. 16358
٩ - باب عِيَادَةِ الصِّبْيَانِ
٥٦٥٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَاصِمٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّ ابْنَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ -وَهْوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَعْدٍ وَأُبَيٍّ: نَحْسِبُ أَنَّ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَتْ فَاشْهَدْنَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا السَّلَامَ وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَحْتَسِبْ وَلْتَصْبِرْ». فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْنَا، فَرُفِعَ الصَّبِيُّ فِي حَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ إِلاَّ الرُّحَمَاءَ». [انظر: ١٢٨٤ - مسلم: ٩٢٣ - فتح ١٠/ ١١٨]
ذكر فيه حديث أسامة السالف في الجنائز ويأتي في النذور والتوحيد (١)، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٢) وقال: إن ابنا لها قُبض، أي قارب لا جرم. قال ابن ناصر: حُضِرَ، وقال هنا: (أن ابنتي قد حُضرت فاشهدنا (٣). وفي نسخة: أن ابني قد حُضر فاشهدنا (٤) حضرت فاشهدها، وقد أسلفنا المبهم هناك في رواية البنت وأما المرسلة فهي زينب، وابنها في الرواية الأخرى علي، كذا نقل عن خط الدمياطي.
стр. 16359
وادعى ابن بطال أن هذا الحديث لم يضبطه الراوي فمرة قال: إن بنتًا لرسول الله ﷺ أرسلت إليه أن ابنتي قد احتضرت. ومرة قال في آخر الحديث: فرفع الصبي في حجر رسول الله ﷺ ونفسه تقعقع، فأخبرت مرَّة عن صبية ومرَّة عن صبي.
وفيه من الفقه:
عيادة الرؤساء وأهل الفضل للصبيان المرضى، وذلك صلة لآبائهم ولا نعدم من ذلك بركة دعائهم للمرضى وموعظة للآباء وتصبيرهم واحتسابهم لما ينزل بهم من المصائب عند الله (١).
ومعنى: (ونفسه تقعقع): يسمع لها صوت.
وفي حديث آخر: كأنها شن.
وقوله: ("هذِه الرحمة"): قد صح "إِنَّ لله مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" أخرجه مسلم (٢)، وروى البخاري نحوه (٣).
وفي مسلم -أيضًا- عن سلمان مرفوعًا "خَلَقَ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنْهَا في الأَرْضِ رَحْمَةً فَبِهَا تَعْطِفُ الوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بهذِه الرَّحْمَةِ" (٤).
стр. 16360
وجاء: إنَّ الله خَلَقَ مائةَ رحمة، فأمسكَ عنده تسعًا وتسعين وجعل في عباده رحمة واحدةً بها يتراحمون، وتحن الأم على ولدها، فإذا كان يوم القيامة جمع الله تلك الرحمة إلى التسع والتسعين فيظل بها خلقه حتى إن إبليس -رأس الكفرة- يطمع لما رأى من رحمته تعالى.
стр. 16361
١٠ - باب عِيَادَةِ الأَعْرَابِ
٥٦٥٦ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ على أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ فَقَالَ لَهُ: «لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ». قَالَ: قُلْتَ: طَهُورٌ؟ كَلاَّ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ -أَوْ تَثُورُ- عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَنَعَمْ إِذًا». [انظر: ٣٦١٦ - فتح ١٠/ ١١٨]
ذكر فيه حديث ابن عباس السالف في علامات النبوَّة ويأتي في باب ما يقال للمريض وفي التوحيد (١)، ولا شك أن عيادتهم داخلة في عموم قوله: "عودوا المريض" (٢). إذ هم من جملة المؤمنين.
وفائدة هذا الحديث كما قال المهلب: أنه لا نقص على السلطان في عيادة مريض من رعيته أو واحد من باديته، ولا على العالم في عيادة الجاهل؛ لأن الأعراب شأنهم الجهل كما وصفهم الله، ألا ترى رد هذا الأعرابي لقوله ﵇ وتهوينه عليه مرضه بتذكيره ثوابه عليه. فقال: بل هي حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور، وهذا غاية الجهل.
وقد روى معمر، عن زيد بن أسلم في هذا الحديث: أنه ﵇ حين قال للأعرابي: "فنعم إذًا"، أنه مات الأعرابي، وسيأتي زيادة فيه قريبًا.
стр. 16362
وقوله: ("فنعم إذًا") يحمل كما قال ابن التين: أن يكون دعا عليه، ويؤيده ما أوردناه آنفًا أو أخبر بذلك أي على طريق الرجاء لا على الإخبار بالغيب ويحتمل الآخر.
وفيه الدعاء للمريض بتطهير الذنوب عملًا بقوله: ("لا بأس، طهور").
وقوله: (كلَّا بل هي)، يعني: الحمى، وذكره ابن التين بلفظ هو، وقال: يريد المرض.
و (تفور) أي: تهيج، كذلك.
стр. 16363
١١ - باب عِيَادَةِ الْمُشْرِكِ
٥٦٥٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ غُلَامًا لِيَهُودَ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَالَ: «أَسْلِمْ». فَأَسْلَمَ. [انظر: ١٣٥٦ - فتح ١٠/ ١١٩].
ذكر فيه حديث أنس ﵁ أَنَّ غُلَامًا لِيَهُودَ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَالَ: "أَسْلِمْ". فَأَسْلَمَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ: لَمَّا حُضِرَ أَبُو طَالِبٍ جَاءَهُ رسول الله ﷺ .
الشرح:
الحديثان سلفا في الجنائز، والثاني في قصة أبي طالب والتفسير (١). وسلف ذلك قريبًا أيضًا وتكلمنا عليه.
قال ابن بطال: إنما يعاد المشرك؛ ليدعى إلى الإسلام إذا رجا إجابته إليه، ألا ترى أن اليهودي أسلم حين عرض عليه رسول الله ﷺ ؛ وكذلك عرض الإسلام على عمِّه أبي طالب، فلم يقض الله به، فأمَّا إذا لم يطمع بإسلامه ولا رجيت (إنابته) (٢) فلا ينبغي عيادته (٣).
وهذا كنت أسلفته (بحثًا) (٤) فإذا هو منقول.
стр. 16364
١٢ - باب إِذَا عَادَ مَرِيضًا فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً
٥٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ يَعُودُونَهُ فِي مَرَضِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا، فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «إِنَّ الإِمَامَ لَيُؤْتَمُّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِنْ صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا». [انظر: ٦٨٨ - مسلم: ٤١٢ - فتح ١٠/ ١٢٠]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخِرَ مَا صَلَّى صَلَّى قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ.
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ السالف في الصلاة (١). ونقل عن الحميدي نسخه بأنه ﵇ آخر ما صلى قاعدًا والناس خلفه قيام، وهذا قد سلف الكلام عليه واضحًا. ورواه النسائي (٢) وأهمله ابن عساكر.
ومن السنَّة المعروفة: أن صاحب المنزل يتقدم للصلاة بمن جحره من الناس إلاَّ أن يقدم غيره، وصلاته بمن عاده في مرضه هو الواجب لأمرين:
أحدهما: ما قررناه من أن صاحب المنزل أولى من غيره بالإمامة.
ثانيهما: أنه ﵇ ولا يجوز أن يتقدمه أحد في كل مكان.
قال ابن بطال: ولا يجوز اليوم لمن كان مريضًا أن يؤم أحدًا في بيته جالسًا؛ لأن إمامة الجالس منسوخة عند أكثر العلماء (٣).
стр. 16365
قلت: المنسوخ: قعودهم معه فقط، وهذا ذكره على مشهور مذهبه: أعني مذهب مالك أنه لا يؤم المريض الصحاح (١).
كما ذكره ابن التين قال: ودليله قوله ﵇: "لا يؤم أحد بعدي جالسًا" (٢).
قلت: حديث لا يصح، وحمل ابن القاسم حديث الباب أنه كان نافلة وهو غلط، وأخذ أحمد وإسحاق بظاهره، وأن الإمام إذا صلَّى جالسًا تابعوه (٣)، وتبين في حديث جابر أنه فعله تواضعًا ومخالفة لأهل فارس في قيامهم على رءوس ملوكهم.
قيل: ويحتمل أن يكون قاموا في بعض الجلوس تعظيمًا له، فأمرهم باتباعه إذا جلس للتشهد.
وقول الحميدي: أنه منسوخ بفعله الآخر، قال به أبو حنيفة والشافعي.
ويأتي على رواية الوليد، عن مالك خلاف المشهور، كما سلف.
وحديث عبد الله بن مسعود ﵁ في الوعك، وقد سلف قريبًا (١).
والشكو والشكوى والشكاة والشكاية: المرض.
والجُعيد بضم أوله، وجده أوس مدني، قال البخاري: قال مكي: سمعته من الجعيد سنة أربع وأربعين ومائة، ويقال فيه أيضًا: الجعد. أخرج له مسلم حديثًا واحداً وهو حديث السائب الآتي (٢).
أمَّا حكم الباب فوضع اليد على المريض تأنيس له وتعرف لشدة مرضه ليدعو له العائد على حسب ما يبدو منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه، فانتفع به العليل إذا كان عائده صالحًا يتبرك بيده ودعائه كما فعل ﵇، وذلك من حسن الأدب واللطف بالعليل، وينيغي امتثال أفعاله كلها والاقتداء به فيها ما لم تكن خاصة به.
وزاد في حديث سعد هنا: (فأوصي بالثلث وأترك لها الثلثين). قال الداودي: إن يكن هذا محفوظًا فلقد كان قبل أن تنزل الفرائض.
وقوله: ("الثلث والثلث كثير"). قال بعض العلماء: إن الوصية تكون بدون الثلث، وأكثرهم كما قال ابن التين على إجازته.
وقوله: (فما زلت أجد برده على كبدي فيما يخال إليَّ حتى السَّاعة) أي: يظن.
قال ابن التين: وصوابه يخيل من التخيل، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾ [طه: ٦٦].
стр. 16368
١٤ - باب مَا يُقَالُ لِلْمَرِيضِ، وَمَا يُجِيبُ
٥٦٦١ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ فَمَسِسْتُهُ وَهْوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، وَذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ. قَالَ: «أَجَلْ، وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلاَّ حَاتَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ». [انظر: ٥٦٤٧ - مسلم: ٢٥٧١ - فتح ١٠/ ١٢١]
٥٦٦٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ». فَقَالَ: كَلاَّ بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ كَيْمَا تُزِيرَهُ الْقُبُورَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَنَعَمْ إِذًا». [انظر: ٣٦١٦ - فتح ١٠/ ١٢١]
ذكر فيه حديث عبد الله الذي فرغنا منه آنفًا، وحديث ابن عباس السالف في عيادة الأعراب.
فيه: كما قال المهلب: إن من السُّنَّة أن يخاطب العليل بما يسليه من ألمه ويغبطه بأسقامه بتذكيره بالكفارة لذنوبه وتطهيره من آثاره ويطمعه من الإقالة، كقوله: لا بأس عليك مما تجده بل يكفر الله به ذنوبك ثم يفرج عنك فيجمع لك الأجر والعافية لئلا يسخط أقدار الله واختياره له وتفقده إيَّاه بأسباب الرحمة، ولا يتركه إلى نزغات الشيطان والسخط، فربما جازاه الله بالتسخيط سخطًا، وبسوء الظن عقابًا فيوافق قدرًا يكون سببًا إلى أن يحل به ما لفظ من الموت الذي حكم به على نفسه.
وقوله لابن مسعود: ("أجل") فيه: أنه ينبغي للمريض أن يحسن جواب زائره، ويتقبل ما يعده من ثواب مرضه، ومن إقالته، ولا يرد عليه كمثل ما رد الأعرابي على رسول الله ﷺ ، وستأتي له تتمة في
стр. 16369
الاعتصام في باب ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١).
فائدة:
قوله في حديث ابن عباس ﵄: حدثنا إسحاق -هو ابن شاهين الواسطي- كما ذكره الإسماعيلي.
حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ .. القصة بطولها، وقد سلفت في الجهاد والتفسير، وتأتي في اللباس والأدب والاستئذان (١) وأخرجه مسلم والنسائي، -وأهمل ابن عساكر النسائي- والترمذي، وقال: حسن صحيح (٢).
وحديث جابر جَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلَا بِرْذَوْنٍ. وأخرجه أبو داود والنسائي (٣) وأهمله ابن عساكر.
فيه: ما ترجم له، وعيادة المريض راكبًا مفردًا وردفًا وماشيًا كل ذلك سنُّة مرجو بركة العمل بها، وثواب الأعمال على صحة النيَّة وإخلاصها لله، وإن قلَّت المشقة فيها.
(والإكاف): ما يجعل على الحمار، كالبرذعة ويقال: وكاف أيضًا والقطيفة: دثار مخمل، والجمع: قطائف وقطف.
(والفدكية): منسوبة إلى فدك، قرية بخيبر.
و (عجاجة الدابة): غبارها، قال الجوهري: العجاج: الغبار والدخان أيضًا، والعجاجة -أيضًا- أخص منه (٤).
стр. 16372
وقوله: (يتثاورون) أي: يتواثبون، وتثور بينهم الفتنة وتهيج، وفيه شكوى الشارع عبد الله بن أُبَيِّ إلى سعد بن عبادة.
وقوله: ("أبو حُباب")، فيه تكنية الكافر يتلطف بذلك من يحتمي به من المسلمين.
والبحيرة: البلدة، قاله الجوهري: يقول هذِه بحيرتنا أي: بلدتنا (١).
و (يتوجوه): يعصبوه، يقال: عصبت رأسه بالعمامة والتاج تعصيبًا، واعتصب بها.
وقوله: (شرق بذلك) أي: تنحى، وغص بكسر الراء، ومنه شرق بريقه أي غص به.
والبرذون -بكسر الباء- مشتق من برذن الرجل برذونة إذا بعل، والأنثى: برذونه. قاله الكسائي.
٥٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقُلْتُ: بَلَغَ بِي مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا». قُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ قَالَ: «لَا». قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». [انظر: ٥٦ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح ١٠/ ١٢٣]
ذكر فيه أحاديث سلفت:
حديث كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ.
سلف في الحج (١).
وحديث القاسم قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَارَأْسَاهْ .. ، الحديث سلف أيضًا (٢). وحديث ابن مسعود في الوعك سلف قريبًا (٣).
وحديث عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَنَي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الوَدَاعِ.
وقد سلف قريبًا في المغازي والهجرة وفي الجنائز (٤)، اختلف العلماء كما قال الطبري في هذا الباب، فقالت طائفة: لا أحد من بني آدم إلاَّ وهو يألم من الوجع ويشتكي المرض؛ لأن نفوس بني آدم
стр. 16375
مبنية على الجزع من ذلك والألم فغير قادر أحد على تغيرها عما خلقها عليه بارئها، ولا يكلف أحد أن يكون بخلاف الجبلة التي جبل عليها.
وإنما كلف العبد في حال المصيبة أن لا يفعل ما له إلى ترك فعله سبيل، وذلك ترك البكاء على الرزية والتأوه من المرض.
فمن تأوه من مصيبة تحدث عليه أو فعل نظير الشيء من ذلك، فقد خرج من معاني أهل الصبر ودخل في معاني أهل الجزع، وممن روى ذلك مجاهد وطاوس، قال مجاهد: يكتب على المريض كل ما تكلَّم به حتى الأنين (١).
وقال ليث: قلت لطلحة بن مصرف: إن طاوسًا كره الأنين في المرض، فما سُمع لطلحة أنين حتى مات (٢). واعتلوا لقولهم بإجماع الجميع على كراهة شكوى العبد ربه على ضُرٍّ ينزل به أو شدة تحدث به، وشكواه ذلك إنما هو ذكر للناس ما امتحنه به ربه تعالى على وجه الضجر، قالوا: فالمتأوه: المتوجع في معنى ذاكره للناس متضجرًا به وأكثر منه، وقال: آه. وليس (٣) الذي قال: هؤلاء، يسيء.
وقال: إنما الشاكي ربه من أخبر عمَّا أصابه من الضر والبلاء متسخطًا قضاء الله فيه، فأما من أخبر به إخوانه ليدعوا له بالشفاء والعافية وأن استراحته من الأنين والتأوه فليس ذاك بشاكٍ ربَّه، وقد شكا الألم والوجع المؤذي رسولُ الله ﷺ وأصحابه، وجماعة من القدوة ممن ذكرهم البخاري في هذا الباب وغيرهم.
стр. 16376
روي عن الحسن البصري: أنه دخل عليه أصحابه وهو يشتكي ضربةً، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وهذا القول أولى بالصواب؛ لما يشهد له من فعل رسول الله ﷺ وأصحابه وأيضًا، فإن الأنين من ألم العلَّة والتأوه وقد يغلبان الإنسان ولا يطيق كفهما عنه، ولا يجوز إضافة مؤاخذة العبد به إلى الله؛ لأنه تعالى قد أخبر أنه لا يكلف نفسًا إلاَّ وسعها، وليس في وسع ابن آدم ترك الاستراحة إلى الأنين عند الوجع يشتد به والألم ينزل به فيؤمر به
أو يُنهى عن خلافه.
فصل:
قول أيوب ﵊: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] ليس مما يشاكل تبويبه؛ لأن أيوب إنما قال ذلك داعيًا ولم يذكره للمخلوقين، وقد ذكر أنه كان إذا سقطت دودة من بعض جراحه ردها مكانها.
فصل:
المراد بالهوام هنا القمل؛ لأنها تهيم في الرأس أي: تدب، وأمَّا هوام الأرض، فقال الجوهري والهروي: إنها الأحناش وكل ذي سم يقتل (١).
قال الهروي: فأمَّا ما لا يقتل ويسم فهي السوام مثل العقرب والزنبور، وقال ابن فارس: هو حشرات الأرض (٢). قال: وهي دواب الأرض الصغار اليرابيع والضباب.
стр. 16377
فصل:
قوله في حديث عائشة ﵁: ("أو يتمنى المتمنون").
قال ابن التين: ضبط في غير كتاب بفتح النون، وإنما هو بضمها أصله: المتمنيون على زنة المتطهرون.
فاستثقلت الضمة على التاء، فاجتمع ساكنان والواو فحذفت التاء، لذلك وضمت النون لأجل الواو؛ إذ لا يصح واو قبلها كسرة.
وقال النووي: قوله ﵇ لعائشة: "إني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل: أنا أولى".
وفي نسخة "أنا ولا ويأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر" كذا في بعض النسخ المعتمدة أنا ولا، بتخفيف أنا ولا، أي يقول: أنا أحق، وليس كما يقول: "يأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر".
وفي بعضها: أنا أولى، أي: أنا أحق بالخلافة، قال عياض: هذِه أجودها (١).
ورواه بعضهم: أنا ولي بتخفيف النون وكسر اللام، أي: أنا أحق والخلافة لي.
ورواه بعضهم: أنا ولاه، أي: أنا الذي ولَّاه رسول الله ﷺ .
وبعضهم رواه: أنَّى ولاه، بتشديد النون أي: كيف ولاه. وفي الحديث دلالة ظاهرة على فضل الصديق وإخبار منه عمَّا يقع في المستقبل بعد وفاته، وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره وفيه إشارة إلى أنه سيقع نزاع، وقد وقع ذلك.
وأمَّا طلبه لأخيها مع أبيه فالمراد أي يكتب الكتاب.
стр. 16378
وفي رواية: "لقد هممت أن أوجه إلى أبي بكر وابنه وأعهد".
ورواه بعضهم: أو آتيه، بألف ممدودة بعدها تاء مثناة فوق ثم من تحت من الإتيان. وصوبه بعضهم كما قال عياض قال: وليس كما صوب بل الصواب بالباء الموحدة والنون يوضحه ما في مسلم: أخاك؛ ولأن إتيانه ﵇ كان متعذرًا؛ لأنه عجز عن حضور الجماعة (١). قال القرطبي: القادح في خلافة الصديق مقطوع بخطئه وفسقه، وهل يكفر أم لا؟ لا سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك من غير مخالف (٢).
فصل:
وفيه من الفوائد: الغيرة، وقد سلف الكلام على ذلك.
فصل:
والراوي عن ابن مسعود: الحارث بن سويد وهو أبو عائشة التيمي، تيم الرباب كما في تلميذه إبراهيم التيمي.
فصل:
قوله: في (زمن حجة الوداع)، قد سلف غير مرَّة أنه كذا في "الموطأ" (٣)، وأن سفيان قال: كان ذلك يوم الفتح، والصواب الأول.
فصل:
قوله فيه: (أفأتصدق بثلثي مالي. قال: "لا") احتج به أهل الظاهر على أن من أوصى بأكثر من ثلثه لا يجوز، وإن أجازه الورثة، قالوا: ولم يقل: إن أجازه ورثتك جاز.
стр. 16379
وهذا لا دليل فيه؛ لأنه ﵇ لم يتكلم على إجازة الورثة، وإنما يتكلم على ما يفعله الموصي ولا يفتقر إلى غيره فيه.
وقوله: "والثلث كثير". قال به إسحاق، وقال جماعة: الخمس: ومنهم من استحب أقل من الثلث.
وقوله: ("إن تذر ورثتك أغنياء .. ") الحديث.
احتج به لابن مسعود وإسحاق في قولهما أنه إذا لم يترك وارثًا أنه يجوز له أن يوصي بجميع ماله، والفقهاء على خلافه.
قيل: وذلك إذا كان بيت المال بيد عدلٍ.
وذكر عن الشيخ أبي القاسم السيودي أنه أوصى بجميع تركته لعلماء القيروان سوى ميراث زوجته لما كان القيروان بيد العرب، وجعل القاضي حكم بذلك في حياته، وأفتى المتأخرون من الشافعية أنه إذا لم ينتظم أمر بيت المال بالرد على أهل الفرض غير الزوجين ما فضل عن فروضهم بالنسبة فإن لم يكونوا صرف إلى ذوي الأرحام (١).
فصل:
والعالة: الفقراء، ففيه فضل الكفاف على الفقر، ومعنى ("يتكففون"): يمدون أيديهم ليسألوا الناس.
وفيه أن يد المتصدق أفضل من يد المتصدق عليه.
وقوله: ("لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله") فيه أن روح العمل النيِّة، وأنه تعالى لا يثيب إلاَّ بما قصد به وجهه.
وقوله: ("حتى ما تجعل في فِيْ امرأتك ")، فيه دلالة على وجوب نفقة الزوجة.
стр. 16380
١٧ - باب قَوْلِ الْمَرِيضِ: قُومُوا عَنِّي
٥٦٦٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ -قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ».
فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاِخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قُومُوا».
قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ. [انظر: ١١٤ - مسلم:
١٦٣٧ - فتح ١٠/ ١٢٦]
ذكر فيه حديث ابن عباس ﵄ لَمَّا حُضِرَ النبي ﷺ وَفِي البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ ﷺ : "هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا .. " الحديث.
وقد سلف في باب: كتابة العلم من كتاب العلم والمغازي، ويأتي في الاعتصام في باب النهي (على) (١) التحريم إلاَّ ما يعرف إباحته (٢).
وفيه: من الفقه أن المريض إذا اشتدَّ به المرض أنه يجوز أن يقول
стр. 16381
لزواره: قوموا عنِّي وبأمرهم بالخروج؛ لينفرد بالطاقة ويمرضه من يخف عليه مباشرته له من أهله وذوي رحمه، ولا يعد ذلك جفاء على الزائرين، بل الجفاء منهم هو طول الجلوس عنده إذا اشتدَّ مرضه، والصواب لهم: تخفيف القعود عنده وترك إحراجه بأذاه.
(وهلم) هنا قال ابن التين: إنها بمعنى: تعال. قال الخليل: أصلها (لم) من قولهم لمَّ الله شعثه أي: جمعه؛ لأنه أراد لم نفسك إلينا (أي: قرِّب) (١). و (ها) للتنبيه، وحذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسمًا واحداً يستوي فيه المذكر والمؤنث والجماعة في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها فيقولون للاثثين: هلمَّا. وللجماعة: هلمُّوا. وللمؤنث: هلمي.
والأول أفصح؛ لقوله تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. قاله الجوهري (٢).
وقال ابن فارس: أصلها (هل أم) كلام من يريد (إتيان) (٣) الطعام، ثم كثرت حتى تكلم بها الداعي مثل قوله تعال وحئ كأنه يقولها من كان أسفل لمن فوق.
قال: ويحتمل أن يكون معناها: هل لك في الطعام ألم أي: اقصد واذنُ (٤).
وذكر صاحب "العين" ثم "البارع" هذِه المادة في باب الهاء واللام والميم (٥).
стр. 16382
قال الزبيدي في "مستدركه": وهو غلط من أبي علي القالي؛ لأن هلم ليس من هذا الباب عند النحويين الحداق، وإنما هي من كلمتين كان الأصل فيها لم وصلت بالهاء وصيرتا بمنزلة كلمة واحدة فليست من هذا الباب في شيء؛ لأن الهاء للتنبيه وهي وليدة.
وفي "المحكم" عن اللحياني أن من العرب من يقول: هلم، بنصب (اللام) (١)(٢).
فصل:
قوله: "ائتوني بكتاب".
قال الشيخ أبو الحسن: يحتمل أن يكون على معنى جهة طرح المسائل عليهم لتخييرهم لا على عزيمةٍ وإلزام، فلما طرح عليهم هذا السؤال نظر أهل الفقه والفطنة، فقالوا: حسبنا كتاب الله ربنا فما كان من حادثة لجئوا إليه ليستنبطوا منه حكمها وامتنعوا أن يختاروا أن يكتب لهم حدا لعلمهم بعلة استقرار الناس مع التحذير، وهذا من دقة الفقه، ونظر ﵇ إلى الطائفة الأخرى التي هي دون هذِه في الفقه فعلم مبلغ إدراكها وتركه أن يكتب جوابًا لهم، واختار إلى رأيه والمنع من الكتابة؛ ودليل ذلك أن قوله ﵇: "ائتوني بكتاب" لو كان بجزمه لما ترك أن يكتب ولا منعه اختلافهم.
فصل:
اللغط بالتحريك: الصوت والجلبة، وقد لغطوا يلغطون لَغْطًا ولَغَطًا ولغاطًا.
стр. 16383
١٨ - باب مَنْ ذَهَبَ بِالصَّبِيِّ الْمَرِيضِ لِيُدْعَى لَهُ
٥٦٧٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنِ الْجُعَيْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ. [انظر: ١٩٠ - مسلم: ٢٣٤٥ - فتح
١٠/ ١٢٧]
حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، أي بالحاء والزاي ثنا حَاتِمٌ -هُوَ ابن إِسمَاعِيلَ- عَنِ الجُعَيْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابن أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.
الشرح:
هذا الحديث سلف في الطهارة وفي صفة رسول الله ﷺ في موضعين، ويأتي في الدعوات، وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن غريب من هذا الوجه، ورواه النسائي وأغفله ابن عساكر (١).
وقد سلف أنه يقال: الجعيد، والجعد. وأنه ليس له في مسلم سوى هذا.
стр. 16384
رواه عن محمد بن عباد، عن حاتم بن إسماعيل.
والزر: واحد الأزرار التي تشد بها النعال والستور على ما يكون في حجلة العروس.
والحجلة بالتحريك: بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كثار، ويجمع على: حجالة.
ومنه الحديث "اعروا النساء يلزمن الحجال" (١)، وقيل: إنما هو بتقديم الراء على الزاى مأخوذ من أرزت الجرادة ورزت إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتلقي فيها بيضها.
ويريد بالحجلة: القبحة لهذا الطائر المعروف، والجمع: حجل بالتحريك.
ويشهد له ما رواه الترمذي من حديث جابر بن سمرة ﵁ كان خاتم النبي ﷺ الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة (٢).
وقال ابن التين: الحجلة بالتحريك: واحدة حجال العروس.
стр. 16385
قال الداودي: هو مثل البندقة، ومن رواه: بضم الحاء يقول: كحجلة العرس وهي الشعر المجتمع في مؤخر الحافر.
واعترض ابن التين فقال: هذا لم يذكره أهل اللغة.
فصل:
لا بأس بالذهاب بالصبيان إلى الصالحين وأهل الفضل رغبة في بركة دعائهم والانتفاع بهم.
ألا ترى أن هذا الصبي مسح رسول الله ﷺ رأسه ودعا له وسقاه من وضوئه فبرئ حين قام خلف ظهره، ورأى بين كتفيه خاتم النبوَّة.
وفيه أنَّ شرب صاحب الوجع من وضوء الرَّجل الفاضل مما يذهب وجعه.