← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16381–16420 · переход к 16386.

стр. 16381

لزواره: قوموا عنِّي وبأمرهم بالخروج؛ لينفرد بالطاقة ويمرضه من يخف عليه مباشرته له من أهله وذوي رحمه، ولا يعد ذلك جفاء على الزائرين، بل الجفاء منهم هو طول الجلوس عنده إذا اشتدَّ مرضه، والصواب لهم: تخفيف القعود عنده وترك إحراجه بأذاه. (وهلم) هنا قال ابن التين: إنها بمعنى: تعال. قال الخليل: أصلها (لم) من قولهم لمَّ الله شعثه أي: جمعه؛ لأنه أراد لم نفسك إلينا (أي: قرِّب) (١). و (ها) للتنبيه، وحذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسمًا واحداً يستوي فيه المذكر والمؤنث والجماعة في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها فيقولون للاثثين: هلمَّا. وللجماعة: هلمُّوا. وللمؤنث: هلمي. والأول أفصح؛ لقوله تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. قاله الجوهري (٢). وقال ابن فارس: أصلها (هل أم) كلام من يريد (إتيان) (٣) الطعام، ثم كثرت حتى تكلم بها الداعي مثل قوله تعال وحئ كأنه يقولها من كان أسفل لمن فوق. قال: ويحتمل أن يكون معناها: هل لك في الطعام ألم أي: اقصد واذنُ (٤). وذكر صاحب "العين" ثم "البارع" هذِه المادة في باب الهاء واللام والميم (٥).

стр. 16382

قال الزبيدي في "مستدركه": وهو غلط من أبي علي القالي؛ لأن هلم ليس من هذا الباب عند النحويين الحداق، وإنما هي من كلمتين كان الأصل فيها لم وصلت بالهاء وصيرتا بمنزلة كلمة واحدة فليست من هذا الباب في شيء؛ لأن الهاء للتنبيه وهي وليدة. وفي "المحكم" عن اللحياني أن من العرب من يقول: هلم، بنصب (اللام) (١) (٢). فصل: قوله: "ائتوني بكتاب". قال الشيخ أبو الحسن: يحتمل أن يكون على معنى جهة طرح المسائل عليهم لتخييرهم لا على عزيمةٍ وإلزام، فلما طرح عليهم هذا السؤال نظر أهل الفقه والفطنة، فقالوا: حسبنا كتاب الله ربنا فما كان من حادثة لجئوا إليه ليستنبطوا منه حكمها وامتنعوا أن يختاروا أن يكتب لهم حدا لعلمهم بعلة استقرار الناس مع التحذير، وهذا من دقة الفقه، ونظر ﵇ إلى الطائفة الأخرى التي هي دون هذِه في الفقه فعلم مبلغ إدراكها وتركه أن يكتب جوابًا لهم، واختار إلى رأيه والمنع من الكتابة؛ ودليل ذلك أن قوله ﵇: "ائتوني بكتاب" لو كان بجزمه لما ترك أن يكتب ولا منعه اختلافهم. فصل: اللغط بالتحريك: الصوت والجلبة، وقد لغطوا يلغطون لَغْطًا ولَغَطًا ولغاطًا.

стр. 16383

١٨ - باب مَنْ ذَهَبَ بِالصَّبِيِّ الْمَرِيضِ لِيُدْعَى لَهُ ٥٦٧٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنِ الْجُعَيْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ. [انظر: ١٩٠ - مسلم: ٢٣٤٥ - فتح ١٠/ ١٢٧] حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، أي بالحاء والزاي ثنا حَاتِمٌ -هُوَ ابن إِسمَاعِيلَ- عَنِ الجُعَيْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابن أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ. الشرح: هذا الحديث سلف في الطهارة وفي صفة رسول الله ﷺ في موضعين، ويأتي في الدعوات، وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن غريب من هذا الوجه، ورواه النسائي وأغفله ابن عساكر (١). وقد سلف أنه يقال: الجعيد، والجعد. وأنه ليس له في مسلم سوى هذا.

стр. 16384

رواه عن محمد بن عباد، عن حاتم بن إسماعيل. والزر: واحد الأزرار التي تشد بها النعال والستور على ما يكون في حجلة العروس. والحجلة بالتحريك: بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كثار، ويجمع على: حجالة. ومنه الحديث "اعروا النساء يلزمن الحجال" (١)، وقيل: إنما هو بتقديم الراء على الزاى مأخوذ من أرزت الجرادة ورزت إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتلقي فيها بيضها. ويريد بالحجلة: القبحة لهذا الطائر المعروف، والجمع: حجل بالتحريك. ويشهد له ما رواه الترمذي من حديث جابر بن سمرة ﵁ كان خاتم النبي ﷺ الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة (٢). وقال ابن التين: الحجلة بالتحريك: واحدة حجال العروس.

стр. 16385

قال الداودي: هو مثل البندقة، ومن رواه: بضم الحاء يقول: كحجلة العرس وهي الشعر المجتمع في مؤخر الحافر. واعترض ابن التين فقال: هذا لم يذكره أهل اللغة. فصل: لا بأس بالذهاب بالصبيان إلى الصالحين وأهل الفضل رغبة في بركة دعائهم والانتفاع بهم. ألا ترى أن هذا الصبي مسح رسول الله ﷺ رأسه ودعا له وسقاه من وضوئه فبرئ حين قام خلف ظهره، ورأى بين كتفيه خاتم النبوَّة. وفيه أنَّ شرب صاحب الوجع من وضوء الرَّجل الفاضل مما يذهب وجعه.

стр. 16386

١٩ - باب تَمَنِّى الْمَرِيضِ الْمَوْتَ ٥٦٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلاً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي». [٦٣٥١ - ٧٢٣٣ - مسلم: ٢٦٨٠ - فتح ١٠/ ١٢٧] ٥٦٧٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: دَخَلْنَا على خَبَّابٍ نَعُودُهُ -وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ- فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلاَّ التُّرَابَ، وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهْوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ فَقَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيُوجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلاَّ فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ. [٦٣٤٩، ٦٣٥٠، ٦٤٣٠، ٦٤٣١، ٧٢٣٤ - مسلم: ٢٦٨١ - فتح ١٠/ ١٢٧] ٥٦٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدٍ -مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ». قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَا أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ». [انظر: ٣٩ - مسلم: ٢٨١٦ - فتح ١٠/ ١٢٧] ٥٦٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى». [انظر: ٤٤٤٠ - مسلم: ٢٤٤٤ - فتح ١٠/ ١٢٧] ذكر فيه أحاديث:

стр. 16387

أحدها: حديث أنس ﵁ مرفوعًا "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي" وأخرجه مسلم والأربعة، في الدعوات (١). ثانيها: حديث قيس بن أبي حازم، عن خباب، وعن أبيه، عنه: وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرى وَهْوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ فَقَالَ: إِنَّ المُسْلِمَ يُؤجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلَّا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هذا التُّرَابِ. ويأتي في الدعوات والرقاق (٢)، وأخرجه مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه (٣). ثالثها: حديث أبي هريرة ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ".

стр. 16388

رابعها: حديث عائشة ﵂ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى". الشرح: في الباب -أيضًا- عن جابر وأم الفضل، أخرج الأول: ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن كثير بن زيد، عن سلمة بن أبي زيد عنه مرفوعاً: "لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد وإن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة" (١). وأخرج الثاني: بقي بن مخلد، عن ابن رمح: ثنا الليث: ثنا ابن الهادي، عن هند -ابنة الحارث- عنها: أنه ﵇ قال للعبَّاس: "يا عم رسول الله لا تَمَنَّ الموت، فإنك إن كنت محسنًا فإن تؤخر تزدد إحسانًا إلى إحسانك، وإن كنت مسيئًا فإن تؤخر تستعتب خيرًا لك". وروى الترمذي من حديث أبي بكرة ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله، أيُّ الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله"، قال: فأيّ الناس شرّ؟ قال: "من طال عمره وساء عمله"، ثم قال: حديث حسن صحيح (٢). وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلم (٣). وأمَّا حكم الباب: فنهى ﵇ أمته عن تمني الموت عند نزول البلاء بهم وأمرهم أن يدعوا بالموت ما كان الموت خيرًا لهم.

стр. 16389

وقد سلف في حديث أبي هريرة معللاً، قيل: إنه منسوخ. يقول يوسف ﷺ : ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] ويقول سليمان ﷺ : ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. وبحديث الباب: ("وألحقني بالرفيق .. ") قالوا: ودعا عمر بالموت، وعمر بن عبد العزيز وليس كذلك؛ لأن هؤلاء، إنما سألوا ما قارن الموت، فالمراد بذلك ألحقنا بدرجاتهم، قلت: ولعل المراد إذا توفيتني فافعل ذلك، فهو دعاء لا تمن. وكذا قوله: "وألحقني بالرفيق"، لأنه أخبر أن الأنبياء تخير، وقال: ذلك عند التخيير. وتحقق الوفاة في يومه؛ لمجئ الملائكة المبشرين له بلقاء ربه، وبما أعدَّ له. ألا ترى إلى قوله لفاطمة: "لا كرب على أبيك بعد اليوم" (١). فإن قلت: الحديث جاء بلفظ (لعلَّ) وهي موضوعة لغير التحقيق، قلت: هي في كلام الشارع كلفظ الباري تعالى، ثم إن في مسلم بلفظ (إن) التي موضوعة للتحقيق فزال ما توهم، وتمني عمر في إسناده علي بن زيد وهو ضعيف، رواه معمر عنه عن الحسن، عن سعيد بن أبي العاصي قال: رصدت عمر ليلة فخرج إلى البقيع -وذلك في السحر- فاتبعته فصلَّى ثم رفع يديه فقال: اللهمَّ كبرت سنِّي وضعفت قوتي وخشيت الانتشار من رعيتي فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم.

стр. 16390

قال الزهري، عن ابن المسيب: فما انسلخ الشهر حتى مات (١). وتمنَّاه عليٌّ ﵁ أيضًا، أخرجه معمر -أيضًا- عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: سمعت عليًّا ﵁ يخطب، فقال: اللهمَّ إني قد سئمتهم وسئموني، فأرحني منهم وأرحهم منى ما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم وأشار إلى لحيته (٢). وحملها الطبري على أنهما خشيا المصاب في الدين. وحديث (الشارع) (٣) على المصاب في الدنيا، ويشهد لصحة ذلك قوله: وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، فاستعمل عمر هذا المعنى حين خشي عند كبر سنه وضعف قوته أن يعجز عن القيام بما فرض عليه من أمر الأمة أو أن يفعل ما يلام عليه دنيا وأخرى. فأجاب دعاءه. وكذا خشي علي من السآمة من الجهتين أن يحملهم على ما يئول إلى سخط الرب ﷻ فكان ذلك من قبلهم فقتلوه وتقلدوا دمه، وباءوا بإثمه، وهو إمامٌ عدلٌ بر تقي لم يستحق منه ما يستحق عليه التأنيب فضلاً عن غيره، فلذلك سأل الإراحة منهم. فصل: مراد خباب البنيان الذي لا يحتاج إليه وبه صرّح ابن بطال. قال: ومعنى الحديث: أن من بني ما يكفيه ولا غنى به عنه، فلا يدخل في معنى الحديث بل هو مما يؤجر فيه، وإنما أراد خباب من بناء ما يفضل عنه ولا يضطر إليه، فذلك الذي لا يؤجر عليه؛ لأنه

стр. 16391

من التكاثر الملهي لأهله. وسيأتي في الاستئذان في باب: البناء (١) (٢). وكذا قال ابن التين: المراد من يجاوز الكفاية وقصد المباهاة. أي كما قال في حديث أبي هريرة ﵁: "إذا تطاول رعاة رِعاء الإبل البهم في البنيان" (٣). وقوله: (إنَّا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلاَّ التراب). قال الداودي: يعني الموت إشفاقًا أن ينقص ما نالوه من الدنيا حسناتهم، وليس ببين كما قاله ابن التين، بل هو عبارة عن كثرة ما أصابوا من الدنيا. فصل: وقوله: ("إلاَّ أن يتغمدني الله برحمته") أي: يغمرني بها ويلبسني ويغشيني. قال أبو عبيد: ولا أحسبه إلاَّ أخذ من غمد السيف فإنك إذا أغمدته فقد ألبسته الغمد (٤). وقوله: ("فسددوا") أي: استقيموا والزموا الصواب، فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: "لن يُدخل أحدًا عمله الجنة" وبين قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟ قلت: من أوجه - ذكرها ابن الجوزي. أولها: لولا رحمة الله السابقة التي كتب بها الإيمان في القلوب ووفق للطاعات ما نجا أحد ولا وقع عمل تحصل به النجاة، والتوفيق للعمل من رحمة الله تعالى أيضًا.

стр. 16392

ثانيها: أن منافع (العبد) (١) لسيده فعله مستحق لمولاه، فإن أنعم عليه بالجزاء فمن فضله، كالمكاتب مع المولى. ثالثها: روي في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنَّة بالرحمة واغتنام الدرجات بالأعمال. رابعها: أن عمل الطاعات كانت في زمن يسير وثوابها لا ينفد أبدًا. فالمقام الذي لا ينفد في جزاء ما نفد بفضل الله لا بمقابلة الأعمال - وهذا نص -كما قال القرطبي- في الرد على أهل البدع والمعتزلة في قولهم في قاعدة التحسين والتقبيح (٢). وستكون لنا عودة إلى ذلك في باب القصد والمداومة على العمل في كتاب الرقاق. وقوله: فلعله أن يستعتب أن يرجع عن الإساءة إلى الإحسان ويطلب الرضى. يقال: استعتبته فأعتبني أي: عاد إلى مسرتي، فكذلك استرضيته فأرضاني. وقال الخليل: حقيقة العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة، ومنه قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]، وأعتب واستعتب بمعنًى (٣). ويقال: يبقى الرد ما بقى العتاب.

стр. 16393

٢٠ - باب دُعَاءِ الْعَائِدِ لِلْمَرِيضِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهَا قال النبي ﷺ "اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا يعني: ابن أبي وقاص". [انظر: ٥٦٥٩] ٥٦٧٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا -أَوْ أُتِيَ بِهِ- قَالَ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا». قَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَأَبِي الضُّحَى: إِذَا أُتِيَ بِالْمَرِيضِ. وَقَالَ جَرِيرٌ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى وَحْدَهُ، وَقَالَ: إِذَا أَتَى مَرِيضًا. [٥٧٤٣، ٥٧٤٤، ٥٧٥٠ - مسلم: ٢١٩١ - فتح ١٠/ ١٣١] هذا أسلفه مسندًا، ثم ساق عن أبي عوانة، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا -أَوْ أُتِيَ بِهِ- قَالَ: "أَذْهِبِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا". قَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَنْصُورٍ وَأَبِي الضُّحَى: إِذَا أُتِيَ بِالْمَرِيضِ. وَقَالَ جَرِيرٌ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى وَحْدَهُ، وَقَالَ: إِذَا أَتَى مَرِيضًا. ويأتي في الطب وأخرجه مسلم (١). الشرح: تعليق ابن طهمان، أخرجه الإسماعيلي في "صحيحه" عن القاسم، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني: ثنا يحيى بن يعلى الرازي: ثنا محمد بن

стр. 16394

سابق: ثنا إبراهيم به قال: وتابعه سفيان بن سعيد وأبو الأحوص، عن منصور، قال: وثنا عمران: ثنا عثمان، عن جرير، عن منصور، عن أبي الضحى: إذا أتي بالمريض. قال الإسماعيلي: وليس هذا بشك، ولكنه كان ﵇ يقول في الحالتين كذلك إن شاء الله. وقال النسائي: حديث أبي عوانة وسفيان وورقاء، عن منصور، عن إبراهيم وحده، وحديث جرير، عن منصور، عن أبي الضحى (١). قلت: وهذا الحديث روي من طريق ثابت بن قيس بن شماس وعليٍّ ومحمد بن حاطب (٢) وابن مسعود ﵁. أخرج الأول: ابن حبان من حديثه: أنه ﵇ دخل عليه وهو مريض، فقال: "اكشف الباس رب الناس" عن ثابت بن قيس بن شماس (٣). والثاني: ابن أبي عاصم من حديث الحارث عنه، كان رسول الله ﷺ إذا دخل على المريض قال: "أذهب العباس، رب الناس، واشف أنت الشافي لا شافي إلاَّ أنت" (٤). والثالث: ابن أبي عاصم -أيضًا- عن محمد بن حاطب قال: تناولت قدرًا فأحرقت يدي، فذهبت بي أمي إلى رسول الله ﷺ فتكلم

стр. 16395

بكلام لا أدري ما هو، فقالت: قال: "أذهب الباس رب الناس" الحديث (١). والرابع: أبو داود من طريق فيها مجهول عنه، كان رسول الله ﷺ يقول: "إذا أتي بمريض" الحديث. بلفظ البخاري (٢). قال الطبري: في هذِه الآثار من الفقه أن الرغبة إلى الله تعالى في العافية في الجسم أفضل للعبد وأصلح له من الرغبة إليه في البلاء؛ وذلك أنه ﵇ كان يدعو للمرضى بالشفاء من عللهم، فإن قلت: ما وجه دعائه لسعد بالشفاء وقد تظاهرت الأخبار عنه، أنه قال يومًا لأصحابه: "من أحب أن يصح ولا يسقم؟ ". قالوا: نحن يا رسول الله، فقال: "أتحبون أن تكونوا مثل الحمير الصيالة؟ "، وتغيرَّ وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفَّارات؟! ". قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فوالذي نفس أبي القاسم بيده، إن الله ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلاَّ لكرامته عليه، وإلَّا أن له عنده منزلة لا يبلغها بشيء من عمله دون أن يبلغ من البلاء ما يبلغه تلك المنزلة"؟ من حديث أبي عقيل مسلم بن عقيل، عن عبد الله بن أبي إياس بن أبي فاطمة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا (٣). وروى زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل مصحح إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "أصابتك أم ملدم قط؟ ".

стр. 16396

قال: لا. يا رسول الله، فلما ولى قال لهم رسول الله ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا" (١). وروى الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن (يسار) (٢)، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (٣) مع كثرة ما كان يؤثر العلل والأسقام. من السلف قيل: لا تعارض، ولكل وجه، وذلك أن العلل والأمراض كفَّارات لأهل الإيمان وعقوبات يمحص الله بها عمن شاء منهم في الدنيا؛ ليلقوه مُطهرين من دنس الذنوب. كما روى أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ قال: كان الصديق يأكل مع رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة: ٧] الآية. فرفع الصديق يده، وقال: يا رسول الله، إني أجزى بما عملت من مثقال شر؟

стр. 16397

فقال: "يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره نجشًا مثل ذر الشر ويدخر لك مثاقيل الخير حتى توفاهُ يوم القيامة" (١). فإذا كانت العلل والأوجاع إنما هي عقوبات التبعات، ثبت أنه ﵇ إنما دعا بالشفاء من الأمراض لمن لا كبائر له، ومن سلم من الذنوب الموجبة للعقاب، وبرئ من مظالم العباد -لا كبائر له- وكره اختيار الصحة على البلاء. في هذِه الأحاديث: الأجر لأهل الإجرام، ولمن اقترف على نفسه والآثام، فكره له أن يختار لنفسه لقاء ربه بآثامه، وموافاته بإحرامه غير متمحص ولا متطهر من الأدناس، فليس شيء من الأخبار مضاد لصاحبه. فصل: وفيه: جواز السجع في الدعاء والرقى إذا لم يكن مقصودًا ولا متكلفًا. فصل: شفاء: منصوب على المصدر، تقديره: واشف. والشافي: اسم فاعل من ذلك. والألف واللام فيه بمعنى الذي. وليس باسم علم لله تعالى، "ولا يغادر" أي: لا يترك سقمًا، يريد:

стр. 16398

مرضًا. وقال ابن العربي: أي كاملًا ثابتًا. وسقمًا: بضم السين والقاف (١) وبفتحهما، ذكره ابن التين. وقوله: "أذهب الباس رب الناس" فيه إشارة إلى الرقى والدواء، لا ينتسب إليهما من إذهاب الداء شيءٌ، إنما يذهبه الله.

стр. 16399

٢١ - باب وُضُوءِ الْعَائِدِ لِلْمَرِيضِ ٥٦٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ، فَتَوَضَّأَ فَصَبَّ عَلَيَّ -أَوْ قَالَ: "صُبُّوا عَلَيْهِ"- فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: لَا يَرِثُنِى إِلاَّ كَلَالَةٌ، فَكَيْفَ الْمِيرَاثُ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ. [انظر: ١٩٤ - مسلم: ١٦١٦ - فتح ١٠/ ١٣٢] ذكر فيه حديث جابر ﵁ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رسول الله ﷺ وأَنَا مَرِيضٌ، فَتَوَضَّأَ وصبه عَلَيَّ -أَوْ قَالَ: "صُبُّوا عَلَيْهِ"- فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: لَا يَرِثنِي إِلَّا كَلَالَةٌ، فَكَيْفَ المِيرَاثُ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الكلالة. هذا الحديث سلف في الطهارة والتفسير، ويأتي في الفرائض (١)، وأخرجه مسلم في الفرائض (٢). ولا شك أن وضوء العائد للمريض إذا كان إمامًا في الخير، ورئيسًا في الفضل يتبرك به وصبه عليه مما يرجى نفعه، وقد يمكن أن يكون مرض جابر الذي صبّ عليه رسول الله ﷺ الماء مرض الحمى الذي أمر بإبرادها بالماء؛ لأنها من فيح جهنَّم، فتكون صفة من الإبراد. هكذا أن يتوضأ الفاضل، ويصُب ذلك الماء الذي طار من وضوئه عليه.

стр. 16400

٢٢ - باب مَنْ دَعَا بِرَفْعِ الْوَبَاءِ وَالْحُمَّى . ٥٦٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِى هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِى إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ … وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ». [انظر: ١٨٨٩ - مسلم: ١٣٧٦ - فتح ١٠/ ١٣٢] ذكر فيه حديث عائشة ﵂ السالف قريبًا، والحج (١) أيضًا. والوباء يمد ويقصر، وجمع المقصور: أوباء، والممدود: أوبئة، قاله الجوهري (٢). وفيه من الفقه: جواز الدعاء إلى الله في رفع الوباء والحمى والرغبة إليه في الصحة والعافية. وهذا ردٌّ على الصوفية في قولهم: إن الولي لا تتم له الولاية إلاَّ إذا

стр. 16401

رضي بجميع ما نزل به من البلاء، ولا يدعُ الله في كشفه، وهو من العجائب، وقد سلف زيفه. وقوله: (رفع عقيرته) أي: صوته. يقال: إن أصله أن رجلاً قطعت رجله، فكان يرفع المقطوعة على الصحيحة ويصيح من شدة وجعها بأعلى صوته، فقيل لكل من رفع صوته: رفع عقيرته. والعقيرة: فعيلة بمعنى مفعولة. (تمَّ الجزء بحمد الله وعونه، وصلواته على سيدنا محمدٍ وآله، كلما ذكره الذاكرون وسها عن ذكره الغافلون. يتلوه: كتاب الطب) (١)

стр. 16402

٧٦ كتاب الطب

стр. 16403

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٧٦ - كِتابُ الطِّبِّ ١ - باب مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً . ٥٦٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً». [فتح ١٠/ ١٣٤] ذكر فيه حديث أبى هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : "مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً". الشرح: هذا الحديث أخرجه من أفراده، وقال الحاكم: إنه صحيح على شرط مسلم أيضًا (١). الطِّبُّ -مثلث الطاء- اسم الفعل كما ذكره ابن السيد في "مثلثه" (٢). وأما الطَّبُّ -بالفتح- فالرجل العالم بالأمور، وكذلك الطبيب،

стр. 16404

وامرأة طبَّة، والطِّب: السحر، والطِّب: الداء، من الأضداد، والطِّب: الشهوة. هذِه كلها مكسورة (١). وفي "المنتهى" لأبي المعالي: الطب: الحزق بالشيء والرفق، وكل حاذق عند العرب طبيب، وإنما خصوا به المعالج دون غيره من العلماء تخصيصًا وتشريفًا. وجمع القلة: أطبة، والكثرة: أطباء. والطب طرائق ترى في شعاع الشمس إذا طلعت، وحده كما قال ابن سينا في "أرجوزته": الطب حفظ صحة برء مرض … من شيب في بدن فيه عرض وهو ينقسم إلى علمي وإلى عملي، والعلمي طبيعي وخارج عنها، والمرض حرفانية الجسم عن المجرى الطبيعي، والمداواة [رده] إليه وحفظ الصحة بقاؤه عليه، والشيء يداوى بضده، ولكن قد يدق وتغمض حقيقة المرض وحقيقة طبع الداء فتقل الثقة بالمضادة. ومن هنا يقع الخطأ من الطبيب، وطب سيدنا رسول الله حاصل بالوحي وبعادة العرب، والتبرك كالاستشفاء بالقرآن، وحقيقة الطبيب: العالم بالطب، وهو العلم بالشيء الخفي الذي لا يبدو إلا بعد معاناة بفكر صاف ونظر واف. ولما ولي أبو الدرداء القضاء كتب إليه (سليمان) (٢): بلغني أنك جُعلت طبيبا تداوي الناس، فاحذر أن تكون متطببا فتهلكهم (٣). وقد نفى عنه الطب، وإنما هو رفيق خشية النسبة إلى الأدوية، والمزيل الله

стр. 16405

كما سلف. فصل: وفي سند حديث الباب أبو أحمد الزبيري، واسمه محمد بن عبد الله بن الزبير (١). قال الترمذي: وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة وأبي خزامة عن أبيه وابن عباس وعن أسامة بن شريك (٢)، قلت: وأبي سعيد أخرجهن قاسم بن أصبغ (٣). وحديث أسامة أخرجه أصحاب السنن الأربعة، صححه [الترمذي] وابن حبان والحاكم، وفيه: "إلا داءً واحدا وهو الهرم" (وفي الذي قبله

стр. 16406

"إلا السام" وهو الموت، وفي رواية لابن حبان: "إلا السام والهرم" (١) (٢). وأخرجه مسلم من حديث جابر (٣)، وأغرب الحاكم فاستدركه عليه وقال: صحيح على شرطه (٤). وحديث ابن مسعود أخرجه النسائي بزيادة: "فعليكم بألبان (البقر) (٥) فإنها ترم من كل الشجر" وصححه ابن حبان (٦)، ولأبي نعيم: "تأكل" وفي لفظ: "تحيط" (٧). قال ثابت السرقسطي في "دلائله" (٨): و"تريم" و"تقم" و"تقيم"، يقال الشاة ترم بمرمتيها، وهما: شفتاها، والرمرام: حشيش الربيع. وحديث أبي خزامة أخرجه ابن ماجه -وفي نسخة: خزامة عن أبيه-:

стр. 16407

سئل رسول الله ﷺ : أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقيها، هل ترد من قدر الله؟ قال: "هي من قدر الله" (١). قلت: وفي الباب عن بريدة أخرجه ابن أبي عاصم، وأنس أخرجه أيضًا، وأبي الدرداء أخرجه أبو داود (٢). فصل: فيه: إباحة التداوي وجواز الطب، وهو رد على الصوفية أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء ولا يجوز له مداواته. وقد أباح الشارع التداوي وقال للرجلين: "أيكما أطب؟ " فقالا: أو في الطب خير يا رسول الله؟ فقال: "أَنْزل الداء الذي أنزل الأدواء" أخرجه مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم (٣). وروى الأولى منه عاصم بن عمر، عن سهيل، عن أبي هريرة مرفوعًا (٤)، والباقي بأسانيد صحيحة، فلا معنى لقول من أنكر ذلك، وفيه الإعلام أن تلك الأدوية تشفي بإذن الله، وأن البرء ليس في وسعه أن يُعَجِّلَه قبل نزول وقته.

стр. 16408

و (الشفاء) ممدود، قال تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وقد سلف استثناء الهرم والموت، فالحديث ليس على عمومه و (الداء) ممدود مفتوح الدال لا غير، والدواء فتح داله أفصح من كسرها كما قاله القرطبي (١) (٢). فصل: وقد تلافى الشارع بآخر كلامه ما قد يعارض به أوله بأن يقال: إنك قلت "لكل داء دواء"، ونحن نجد كثيراً من المرضى يداوون فلا يبرءون؛ فنبه على أن ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة لا لفقد الدواء، (والناس يلحون الطبيب إصابة المقدار) (٣)، والرب تعالى لو شاء لم يخلق داء، وإذ خلقه فلو شاء لم يخلق له دواء ولا أذن له في استعماله، وإذ أذن فيه فقد ندب إلى تركه. قال ﷺ : "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا لا يسترقون ولا يكتوون" (٤) وفي رواية "سبعمائة ألف" (٥). في رواية لأبي عمر: "دخلت أمة بقضها وقضيضها الجنة كانوا

стр. 16409

لا يسترقون ولا يكتوون" (١). وحديث ابن مسعود: "فأمر الله الملك بثلاثة رزقه وأجله وأين يموت، وإنكم تعلقون التمائم على أبنائكم من العين" ذكره إسماعيل القاضي موقوفًا، وقد روي هذا المعنى مرفوعًا (٢). ثم هذا فيمن استرقى واكتوى قبل حصول مرض يوجبه فإذا وقع ندب إلى التداوي لقوله: "تداووا" هذا أمر مع اعتقاد أن الفاعل الرب ﷻ ، فالدواء لم يحدث شفاء ولا ولَّده كما أن الداء لا يحدث سقمًا. فائدة تتعلق بحديث "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا" ذكرناها استدراكًا: من هو الذي قيل له: "سبقك بها عكاشة؟ ". قال ثعلب: كان منافقًا. وهو مردود بما ذكره الخطيب عن مجاهد أنه سعد بن عبادة (٣) - وهو بعيد منه. ويجاب بأنه لم يبلغ منزلته لشهوده بدرًا، وهو من معاريض الكلام والرفق بالجاهل في الخطاب إذ أنه لم يهتم كما اهتم عكاشة بل سمع فطلب، ولحسم المادة.

стр. 16410

٢ - باب هَلْ يُدَاوِي الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ أَوِ المَرْأَةُ الرَّجُلَ ؟ ٥٦٧٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ رُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَسْقِي الْقَوْمَ، وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى الْمَدِينَةِ. [انظر: ٢٨٨٢ - فتح ١٠/ ١٣٦] ذكر فيه حديث الرُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَسْقِي القَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ القَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى المَدِينَةِ. هذا الحديث سلف في الجهاد (١). قال ابن بطال: وإنما يجوز هذا للنساء اللاتي لا يخشى من قبلهن فتنة، وأما الجواري فلا يباشرن الرجال غير ذوي المحارم منهن (٢). وعندنا إنما تجوز المداواة عند عدم المعالج من كل صنف.

стр. 16411

٣ - باب الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ ٥٦٨٠ - حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، حَدَّثَنَا سَالِمٌ الأَفْطَسُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ -قَالَ: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ». رَفَعَ الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ الْقُمِّيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَسَلِ وَالْحَجْمِ. [٥٦٨١ - فتح ١٠/ ١٣٦] ٥٦٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ أَبُو الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ سَالِمٍ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: في شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ». [انظر: ٥٦٨٠ - فتح ١٠/ ١٣٦] ذكر فيه حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: "الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ". رَفَعَ الحَدِيثَ وَرَوَاهُ القُمِّيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي العَسَلِ وَالْحَجْمِ. ثم ساقه من حديث سَالِمٍ الأَفْطَسِ، عَنْ ابن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ رسول الله ﷺ : "الشِّفَاءُ فِي ثَلَاَثةٍ: في شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ". الشرح: روى البخاري الأول عن الحسين، هو ابن محمد بن زياد أبو علي (النيسابوري) (١) القباني الحافظ. قال الكلاباذي: كان عنده مسند أحمد بن منيع.

стр. 16412

وبلغني أنه كان يلزم البخاري ويهوى هواه. وقال الحاكم: هو الحسين بن أبي جعفر البيكندي، فرواه ابن ماجه عن أحمد بن منيع بغير واسطة (١) وهو عزيز من أفراد الصحيح لا نعرفه إلا من رواية مروان بن شجاع هو الجرزي عن سالم الأفطس، وليس لأحمد بن منيع في صحيح البخاري غير هذا الحديث الواحد، ولا لمروان بن شجاع ولا لسالم الأفطس فيه غير هذا الحديث، وحديث آخر عن سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ (٢). ولا لهما عند ابن ماجه غير هذا الواحد. و (القُمِّيُّ) بقاف مضمومة، ووقع في بعض النسخ: الشعبي، فاحذره. قال الجياني: وهو يعقوب بن عبد الله بن سعد ذكره هنا استشهادًا (٣) وأسنده أبو نعيم في "الطب" من حديث أحمد بن عبد الله بن يوسف (عن) (٤) جبارة بن المغلس، عنه بذلك بلفظ: "احتجموا لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم" (٥). ووقع في الحميدي في أفراد البخاري: رواه مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، وبعض الرواة يقول فيه: عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "في العسل والحجم الشفاء" (٦).

стр. 16413

وقد ذكره بعد -أعني البخاري- من حديث جابر، ومن حديث أبي سعيد أيضًا (١)، وفي الحجامة عن أنس، أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف (٢). ويسير بن عمرو أخرجه ابن سعد، وابن أبي ليلى، وأبي سمرة (٣)، وابن عباس، ورجل من الأنصار، أخرجها ابن سعد. وترجم البخاري على حديث جابر وحديث أبي سعيد، وفي آخره: فسقاه عسلًا فبرأ.

стр. 16414

٤ - باب الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. [النحل: ٦٩] ٥٦٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ. [انظر: ٤٩١٢ - مسلم: ١٤٧٤ - فتح ١٠/ ١٣٩] ٥٦٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ -قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ -أَوْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ- خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ». [٥٦٩٧، ٥٧٠٢، ٥٧٠٤ - مسلم: ٢٢٠٥ - فتح ١٠/ ١٣٩] ٥٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ. فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلاً». ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلاً». ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: فَعَلْتُ. فَقَالَ: «صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلاً». فَسَقَاهُ، فَبَرَأَ. [٥٧١٦ - مسلم: ٢٢١٧ - فتح ١٠/ ١٣٩] ثم ساق فيه من حديث عائشة ﵂ كَانَ ﷺ يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ. وقد اختلف أهل التأويل فيما عادت عليه الهاء التي في قوله ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، فقال بعضهم: على القرآن وهو قول مجاهد وقال آخرون: العسل. روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وهو قول الحسن وقتادة وهو أولى بدليل حديثي الباب (١).

стр. 16415

وقال قتادة من حديث أبي سعيد: "صدق القرآن وكذب بطن أخيك" (١) وفي البخاري عن قتادة: "صدق الله". وقال بعضهم المعنى: فيه شفاء لبعض الناس، وتأولوا الآية وحديثي جابر وأبي سعيد على الخصوص، وقالوا: الحجامة وشرب العسل والكي إنما هو شفاء لبعض الأمراض دون بعض. ألا ترى قوله: "أو لذعة بنار توافق الداء" فشرط ﷺ موافقتها للداء فدل هذا أنها إذا لم توافق الداء فلا دواء فيها. وقد جاء في القرآن ما لفظه لفظ العموم والمراد به الخصوص كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ يريد المؤمن، كقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي: خلقنا. وقال تعالى في بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ولم تؤت ملك سليمان، ومثله كثير. وقال المازري: هذا الكلام من بديع صناعة الطب، وذلك أن سائر الأمراض الامتلائية إما أن تكون دموية أو صفراوية أو سوداوية أو بلغمية، فالأول: شفاؤه إخراج الدم، والباقي: الإسهال بما يليق بالخلط منها فكأنه نبه بالعسل على المسهلات وبالحجامة على الفصد (وضع) (٢) العلق وغيرهما مما في معناهما. وقد قال بعضهم: الفصد يدخل في قوله: "شرطة محجم"، وإذا أعيا الداء فآخر الطب الكي، فذكره في الأدوية؛ لأنه يستعمل عند غلبة الطباع لقوى الأدوية وحيث لا ينفع الدواء المشروب، فيجب أن يُتأمل ما في كلامه من هذِه (الأساليب) (٣) وتعقيبه بقوله: "لا أكتوي" إشارة إلى أن

стр. 16416

يؤخر العلاج به حتى تدفع الضرورة إليه ولا يوجد الشفاء إلا فيه؛ لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي. ثم أجاب عن شبه من ألحد واعترض، وأن هذا الذي أصابه الإسهال حصل من امتلاء وهيضة فدواؤه تركه والإسهال أو تقويته، فلما أمره ﷺ بشرب العسل فزاد منه فزاده فزاد منه إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال، فيكون الخلط الذي كان بالرجل يوافق منه شرب العسل. والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمن والغذاء المتقدم والتدبير المألوف وقوة الطباع. والإسهال يعرض من ضروب كثيرة محلها كتب أهله، منها: الإسهال الحادث من التخم والهيضات، وهم مجمعون في مثل هذا على أن تترك الطبيعة وفعلها وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أُعينت ما دامت القوة باقية فأما حبسها فضررٌ عندهم واستعجال مرض. ولسنا نستظهر على قول رسول الله بأن تصدقه الأطباء؛ بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم وصدقناه حتى يوجدوا المشاهدة لصحة ما قالوه فنفتقر حينئذٍ إلى تأويل كلامه وتخريجه على ما يصح، وكذا القول في الماء للمحموم، فإنهم قالوا عنه مالم يقل، وهو لم يقل أكثر من قوله "أبردوها بالماء" ولم يبين الصفة والحالة فمن أين فهم أنه أراد الانغماس؟ قلت: قد ذكر الانغماس عدة أيام في جرية الماء، والحديث إسناده جيد (١) - والأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية (قدم) (٢)

стр. 16417

صاحبها بسقي الماء البارد الشديد البرد، نعم ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد، فغير بعيد أن يكون ﷺ أراد هذا النوع من الحمى فلا يبقى للملحد إلا أن يتقول الكذب ويعارض كذبه بنفسه، وهذا مما لا يلتفت إليه (١). وقال ابن بطال: قوله "صدق الله وكذب بطن أخيك" يدل أن الكلام لا يحمل على ظاهره، ولو حمل على ظاهره لبرئ المريض عند أول شربة، فلما لم يبرأ دل على أن الألفاظ مفتقرة إلى معرفة معانيها وليست على ظواهرها (٢). وقال ابن الجوزي: يجاب عما اعترض به على قوله لصاحب الإسهال "اسقه عسلًا" من أربعة أوجه. أحدها: أنه تأول الآية وهي: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ ولم يلتفت إلى اختلاف الأمراض. ثانيها: أن ما كان يذكره ﷺ من الطب على مذاهب العرب وعاداتهم كما في حديث إبراد الحمى بالماء. ثالثها: أن العسل كان يوافق ذلك الرجل، فقد قال الخطابي: كان استطلاقه من الامتلاء وسوء الهضم (٣). قلت: عند أبي نعيم أنه كان به هيضة، ومعناها قريب. رابعها: أن يكون أمره بطبخ العسل قبل سقيه وهو لعقد البلغم. وذكر ابن سعد عن علي ﵁: إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها، فتشتري به عسلاً، ويشربه بماء السماء، فيجمع

стр. 16418

الله له الهنيء المريء والماء المبارك والشفاء (١). وقال ابن مسعود: عليكم بالشفائين القرآن والعسل (٢)، وقال الربيع بن خثيم: ما للمريض عندي إلا العسل ولا للنفساء إلا التمر (٣). فصل: ذكر الموفق البغدادي في كتابه "الأربعين الطبية" (٤) منفعة العسل فأوضح، ذكر أنه يمنع من لسع الهوام ومن السموم القاتلة ويحفظ جثث الموتى وكل ما يودع فيه، ولذلك يسمى الحافظ الأمين، ومن

стр. 16419

نهش الهوام ذوات السموم، ومن عضة الكلب الكَلِبِ ولم يخلق لنا شيء فيه معانيه، ولا أفضل منه وأنفع للمشايخ وأرباب العثالة ومضرته للصفراويين ودفع مضرته بالخل ونحوه، وهو في أكثر الأمراض والأحوال أنفع من السكر، وقد كان ﷺ يشرب كل يوم قدح عسل ممزوجًا على الريق، وهي حكمة عجبية في حفظ الصحة، ولا يعقلها إلا العالمون. وروى أبو نعيم من حديث الزبير بن سعيد الهاشمي، عن عبد الحميد بن سالم، عن أبي هريرة مرفوعًا: "من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء" (١). قال الموفق: وقد كان بعد ذلك يفتدي بخبز الشعير مع الملح أو الخل ونحوه، ويصير شظف العيش فلا تضره لما سبق من شربه العسل على الريق، وقد كان يراعى أمورًا في حفظه الصحة، منها هذا، ومنها بتقليل الغذاء وشرب المنقوعات والتطيب والادِّهان والاكتحال، فكان يغذي الدماغ بالمسك والقلب، وروح الكبد والقلب بماء العسل، ويقلل الغذاء الأرضي الجسماني بالنقيع فما (أنفس) (٢) هذا التدبير وأفضله.

стр. 16420

فصل: قد أسلفنا كلام ابن بطال في قوله: "صدق الله وكذب بطن أخيك" وذكر الخطابي فيه احتمالين: أحدهما: أن يكون أخبر عن غيب أطلعه الله عليه وأعلمه بالوحي أن شفاءه في العسل فكرر عليه الأمر بسقيه ليظهر ما وعد به. الثاني: أن يكون قد علم أن ذلك النوع من المرض يشفيه بسقيه العسل. فصل: ذكر ابن الأثير في "جامعه" عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا خرجت به قرحة أو شيء لطخ الموضع بالعسل، ويقرأ الآية، وكان يقول: عليكم بالشفائين القرآن والعسل. وقال شقيق قال ﷺ : "المبطون شهيد ودواء المبطون العسل" (١). فصل: العسل يذكر ويؤنث، ذكره أبو حنيفة في "النبات" ويجمع عُسولًا وأعسلًا وعسلانًا وعسلاً، إذا أردت فرقًا منه وضروبًا، وله أسماء فوق المائة منها: الأري والسلوى والدوب والدواب والشهد والبسل والسيلة والطرم وجنى النحل ولعابُ النحل وريقه ومجاجُه. فصل: ذكر ابن الجوزي أن النهي عن الكي على خمسة أضرب: كي الصحيح لئلا يسقم كفعل الأعاجم، وكثير من العرب يعظمون أمره على الإطلاق، ويقولون: أنه يحسم الداء، وإذا لم يفعل عطب
следующие страницы →