← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16451–16490 · переход к 16456.

стр. 16451

ومن حديث الشعبي رفعه: "خير الدواء اللدود والسعوط والمشي والحجامة والعلق" (١). وفي "المصنف" من حديث ليث بن أبي سليم، عن البهزي رفعه: "من احتجم يوم الأربعاء أو يوم السبت فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه" (٢). ومن حديث حفص، عن حجاج رفعه: "من كان محتجمًا فليتحجم يوم السبت" (٣). وسئل مالك عن الحجامة في خمس عشرة وسبع عشرة وثلاث وعشرين فكره أن يكون لذلك يوم محدود، وقال: لا أرى بأسًا بالحجامة يوم السبت ويوم الأربعاء والأيام كلها وكذلك السفر والنكاح وأراه عظيمًا أن يكون يوم من الأيام يجتنب ذلك فيه. وأنكر الحديث في هذا. وقال الليث: إني لأتقي الحجامة يوم السبت والأربعاء لحديث بلغني. وكان ابن سيرين -فيما ذكره ابن أبي شيبة- يعجبه أن يحتجم من السبع عشرة إلى العشرين. قال الطبري: فإن قلت: قوله: "أمثل ما تداويتم به الحجامة" أهو على العموم أو الخصوص؟ فإن قلتَ: على العموم فما أنت قائل فيما رواه ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين أنه قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم. قال ابن عون: فتركت الحجامة وكانت

стр. 16452

نعمة من الله؟ وإن قلت: على الخصوص فما الدليل عليه؟ قلت: أمره ﵇ أمته إنما هو أمر ندب وهو عام فيما ندبهم إليه من معناه. وذلك أنه أمرهم بها حضًا منه لهم على ما فيه نفعهم، ولدفع ما يخاف من الدم على أجسامهم إذا كثر فندبهم إلى استعمال ذلك لقوله في حديث أنس: "إن الدم إذا تبيغ بصاحبه قتله". (١) وغير بعيد ما روي عن ابن سيرين من النهي المذكور، وذلك أنه في انتقاص من عمره، وانحلال من قوى جسده، وفي ذلك غناء له عن معونته عليه بما يزيده وهنا على وهن، نعم محمول على عدم الاحتياج إليها وإذا احتاج إليها فحق عليه حينئذ إخراجه، والآخر ندب إليه (٢). قلتُ: والأطباء على خلاف ما قاله ابن سيرين. قال ابن سينا في أرجوزته المطولة في الفصادة وهي نحو الحجامة: ومن يكن تعود الفصادة … فلا يكن يقطع تلك العادة لكن من بلغ الستينا … وكان ذا ضخامة مبينا فافصده في السنة مرتين … ولا تحد فيه عن الفصلين إن بلغ السبعين فافصده مرة … ولا تزد فيه على ذي الكرة وإن تزد خمسا ففي العامين … في الباسليق افصده مرتين وامنعه بعد ذاك كل فصد … فإن ذاك بالشيوخ مردي

стр. 16453

١٢ - باب الْحَجْمِ فِي السَّفَرِ وَالإِحْرَامِ قَالَهُ ابن بُحَيْنَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ١٨٣٦] ٥٦٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ. [انظر: ١٨٣٥ - مسلم: ١٢٠٢ - فتح ١٠/ ١٥٠] وهذا أسنده بعد بلفظ: احتجم بلحي جمل من طريق مكة، وهو محرم، في وسط رأسه (١). وفي حديث ابن عباس: زيادة: من شقيقة كانت به (٢). وفي رواية: وهو محرم صائم (٣). ثم ساق حديث ابن عباس ﵄ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ. وهو ظاهر في جواز الحجامة له، وقد سلف في الحج (٤)، والله أعلم.

стр. 16454

١٣ - باب الْحِجَامَةِ مِنَ الدَّاءِ ٥٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَجْرِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، وَأَعْطَاهُ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفُوا عَنْهُ، وَقَالَ: «إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ». وَقَالَ: «لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ». [انظر: ٢١٠٢ - مسلم: ١٥٧٧ - فتح ١٠/ ١٥٠] ٥٦٩٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو وَغَيْرُهُ: أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ عَادَ الْمُقَنَّعَ ثُمَّ قَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ فِيهِ شِفَاءً». [انظر: ٥٦٨٣ - مسلم: ٢٢٠٥ - فتح ١٠/ ١٥٠] كذا في الأصول: من الداء، وذكره ابن بطال بلفظ: من الدواء (١). ذكر فيه حديث أنس ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَجْرِ الحَجَّامِ فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، وَأَعْطَاهُ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفُوا عَنْهُ، وَقَالَ: "إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ البَحْرِيُّ". وَقَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ العُذْرَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ". وحديث جابر أنه عاد المقنع، ثم قال: لا أبرح حتى يحتجم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن فيه شفاء". (وسلف قريبا) (٢) (الغمز): العصر باليد.

стр. 16455

وفيه: جواز الأجرة على الحجامة. وقال ابن فارس: يقال: عذرت المرأة الصبي: إذا كانت به العذرة، وهي وجع في الحلق يغمز به (١). قال ابن التين: والقسط: شيء شجرته غريبة، وقد سلف ذلك واضحا.

стр. 16456

١٤ - باب الْحِجَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ ٥٦٩٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ بِلَحْيِ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ، وَهْوَ مُحْرِمٌ، فِي وَسَطِ رَأْسِهِ. [انظر: ١٨٣٦ - مسلم: ١٢٠٣ - فتح ١٠/ ١٥٢] ٥٦٩٩ - وَقَالَ الأَنْصَاريُّ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ. [انظر: ١٨٣٥ - فتح ١٠/ ١٥٢] ذكر فيه حديث ابن بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّ النبي ﷺ احْتَجَمَ بِلَحْيِ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهْوَ مُحْرِمٌ فِي وَسَطِ رَأسِهِ. (سلف في الحج) (١). وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: أَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، ثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّه ﷺ احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ. وهذا أسنده الإسماعيلي في "مستخرجه" عن الحسن بن سفيان ثنا عبد الله بن فضالة، أنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا هشام .. فذكره، (وأخرجه أبو نعيم من حديث يزيد والأنصاري به) (٢). و (لحي جمل) بفتح اللام وكسرها مفردا، وكذا عند ابن عتاب وابن عيسى، وهما لغتان في اللحي، وقد ذكرا، وإن في هذا الحرف عند ابن جعفر بالفتح لا غير. قال أبو علي الحافظ: وهي روايتنا. وكذا وجد بخط الأصيلي في البخاري. قال ابن وضاح: هي عقبة الجحفة.

стр. 16457

وقال غيره: على سبعة أميال من السقيا. واقتصر ابن التين على الفتح، وقال: هو موضع بين مكة والمدينة. وقوله: (احتجم في وسط رأسه)، هو بفتح السين، قال الجوهري: كل موضع صلح فيه بين فهو وسط وإلا حرك، وربما سكن، وليس بالوجه (١). وروى الطبري عن شيبان، عن جابر، عن محمد بن علي، عن عبد الله بن جعفر قال: احتجم رسول الله ﷺ على قرنه بعد ما سم (٢).

стр. 16458

١٥ - باب الحجامة مِنَ الشَّقِيقَةِ وَالصُّدَاعِ ٥٧٠٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَأْسِهِ وَهْوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ: لَحْيُ جَمَلٍ. [انظر: ١٨٣٥ - مسلم: ١٢٠٢ - فتح ١٠/ ١٥٣] ٥٧٠١ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهْوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ. [انظر: ١٨٣٥ - مسلم: ١٢٠٢ - فتح ١٠/ ١٣٥] ٥٧٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِىَ». [انظر: ٥٦٨٣ - مسلم: ٢٢٠٥ - فتح ١٠/ ١٥٣] ذكر فيه حديث ابن أَبِي عَدِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَأْسِهِ وَهْوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ: لَحْيُ جَمَلٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ: ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّه ﷺ احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ وَهْوَ مُحْرِمٌ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ. وحديث جابر ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنْ كَانَ فِي شَيء مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ لَذْعَة نَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ". (الشرح) (١): تعليق محمد بن سواء أسنده الحافظ أبو بكر في "مستخرجه" عن أبي

стр. 16459

يعلى، ثنا محمد بن عبد الله (الأزدي) (١)، ثنا محمد بن سواء .. فذكره. (وحديث ابن عباس الذي قبله أخرجه أبو داود والنسائي (٢)، وأهمله ابن عساكر، وحديث جابر سلف في العسل) (٣). و (الشقيقة): وجع يأخذ نصف الرأس والوجه، وقال الداودي: هو وجع في ناحية من الرأس مع الصدغ، وقال الفراء: هو وجع يأخذ نصف الرأس والوجه، وهذا قدمته. وقال ابن سيده في "المحكم": هو داء يأخذ في نصف الرأس (٤). وفي "النهاية": هو نوع من صداع يعرض في مقدم الرأس وإلى أحد جانبيه (٥). وقال الأطباء: هو وجع مزمن يهيج في أحد جانبي الرأس، وسببه إما أبخرة مرتفعة أو أخلاط حارة أو باردة. وروى أبو نعيم من حديث المسيب بن دارم، حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه: كان ﷺ ربما أخذته الشقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج. ومن حديث ابن عون، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁: كان ﷺ إذا نزل عليه الوحي صدع، فيغلف رأسه بالحناء (٦). قال ابن التين: وفي الحديث أن حجامة الرأس شفاء من كل أوجاع الرأس والنعاس والأضراس. قال الليث: وهي في فاس الرأس التي في

стр. 16460

وسط الرأس وربما أعمت، وذكر عن الأطباء أن حجامة الأخدعين نفعها من داء الصدر والرئة (والكبد) (١)، والحجامة على النقرة لأدواء العينين والرأس والعنق والظهر، والحجامة على الكاهل لأدواء الجسد كله، وحجمه ﷺ في أماكن مختلفة لاختلاف أسباب الحاجة إليها، روي أن حجمه في كاهله كان لوجع أصابه في رأسه من أكله الطعام المسموم بخيبر. قال الموفق البغدادي: الحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد؛ والفصد لأعماق البدن أفضل، وهي تستخرج الدم الرقيق، وتصلح للصبيان، ولمن لا يقوى على الفصد، وفي البلاد الحارة التي لا يصلح فيها الفصد، وتستحب في وسط الشهر وبعده في الربع الثالث من أرابيع الشهر لا في أول الشهر ولا في آخره؛ لأن الأخلاط في أول الشهر لم تكن هاجت، وفي آخره تكون قد سكنت، وأما في وسطه وبُعيده تكون في نهاية التزيد. والحجامة على النقرة تقوم مقام فصد الأكحل، وتنفع من ثقل الحاجبين، وتخفيف الجفنين، وتنفع من جربة وفي البخر. وأما الحجامة على الكاهل تنوب عن فصد الباسليق وتنفع من وجع المنكب والحلق، وعلى الأخدعين تنوب عن فصد القيفال، وتنفع من ارتعاش الرأس، ومن أمراض أجزائه كالوجه والأسنان والأذنين والعينين والأنف والحلق، وتحت الذقن تنفع من أوجاع الأسنان والوجه والحلقوم، وتنفع الرأس والفكين، وعلى البطن تنفع من دماميل الفخذ وجربه، وببوره من النقرس والبواسير وداء الفيل ورياح

стр. 16461

المثانة والرحم وحكة الظهر، ووضع المحاجم على المقعدة يجذب من جميع البدن ومن الرأس، وينفع الأمعاء، ويشفي من فساد الحيض (١). فصل: قوله: (يقال له لحي جمل)، قال عياض: رواه بعض رواة البخاري مثنى، وفسره فيه في حديث محمد بن بشار فقال: ماء يقال له: لحي جمل (٢). فصل: في سند حديث جابر: ابن الغسيل: وهو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حنظلة الغسيل، وأمه أسماء بنت حنظلة بن عبد الله بن حنظلة الغسيل ابن أبي عامر الراهب، واسمه عبد عمرو بن صيفي بن النعمان بن مالك بن أمية بن ضبيعة أخي أمية وعبيد ابني زيد أخي عزيز ومعاوية أولاد مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. فصل: قال الطبري: وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه كان يحتجم على رأسه وبين كتفيه، من حديث أبي كبشة الأنماري وسلمى خادمه ﷺ ، ومن حديث جرير عن قتادة عن أنس ﵁ أنه ﷺ كان يحتجم في الأخدعين وبين الكتفين. وصحة هذا غير مبطلة صحة الخبر عنه أنه احتجم على رأسه، وذلك أن حجم المحتجم من جسده ما يرجو نفعه في بعض أحايينه غير موجب

стр. 16462

علينا حالة احتجامه على هامته ونقرة قفاه وغيرها من أماكن جسده؛ لاختلاف العلل. وقد ذكر عن المتقدمين في العلم بحجامة الأدواء أن حجامة الأخدعين نفعها من داء الصدر والرئة والكبد؛ لأنها تجذب الدم منها، وأن الحجامة على النقرة لأدواء العين والرأس والعنق والظهر، وأن الحجامة على الكاهل نفعها من داء الجسد كله، وأنها فوق القحف نفعها من السدود وقروح الفخذ واحتباس الطمث -وهذا قد سلف- فإذا كانت منافع الحجامة مختلفة لاختلاف أماكنها فمعلوم أن حجمه ﷺ من جسده ما حجم كان لاختلاف أسباب الحاجة إليه. وروي عنه أن حجمه هامته كان لوجع أصابه في رأسه (١)، كما تقدم.

стр. 16463

١٦ - باب الْحَلْقِ مِنَ الأَذَى ٥٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ -هُوَ ابْنُ عُجْرَةَ- قَالَ: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ بُرْمَةٍ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَنْ رَأْسِي، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةً، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً». قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأَ. [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح ١٠/ ١٥٤] ذكر فيه حديث كعب بن عجرة، وقد سلف في الحج (والمغازي) (١). وفيه: أن كل ما يتأذى به المؤمن وإن صغر أذاه فمباح له إزالته وإماطته عنه؛ لأن تناثر القمل على كعب كان من شعث الإحرام، وذلك لا محالة أهون من علة لو كانت بجسده، فكما أمره ﷺ بإماطة أذى القمل عنه كان مداواة أسقام الجسد أولى بإماطتها بالدواء، بخلاف قول الصوفية الذين لا يرون بالمداواة.

стр. 16464

١٧ - باب مَنِ اكْتَوَى أَوْ كَوَى غَيْرَهُ، وَفَضْلِ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ ٥٧٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ شِفَاءٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ». [انظر: ٥٦٨٣ - مسلم: ٢٢٠٥ - فتح ١٠/ ١٥٤] ٥٧٠٥ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ -قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ. فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ. قِيلَ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ. فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا -فِي آفَاقِ السَّمَاءِ- فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ". ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ، فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ فَقَالَ: "هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: «سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ». [انظر: ٣٤١٠ - مسلم: ٢٢٠ - فتح ١٠/ ١٥٥] ذكر فيه حديث جابر السالف قريبًا، وفيه: "وما أحب أن أكتوي" وحديث حصين، ثنا عامر، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ. فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: ثَنَا ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قال

стр. 16465

رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ .. " الحديث. وفيه: "وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ هؤلاء سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ". وفي آخره: "هُمُ الذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". فَقَالَ عُكَاشَةُ بن مِحْصَنٍ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ فقَالَ: "سَبَقَكَ بها عُكَّاشَةُ". وقد سلف الكلام عليه قريبا. فنذكر هنا أمورًا: أحدها: حديث عامر الشعبي منقطع، قال البخاري في بعض نسخه: استفدنا من هذا أن حديث عمران مرسل، وحديث ابن عباس مسند. قلت: وهو مع إرساله موقوف، وإن كان أبو داود لما رواه عن مسدد، ثنا عبد الله بن داود، عن مالك بن مغول، عن حصين، عن الشعبي، عن عمران رفعه به (١)، ورواه الترمذي من طريق سفيان عن حصين، ثم قال: ورواه شعبة، عن حصين، عن الشعبي، عن بريدة (٢) ورواه ابن ماجه عن طريق أبي جعفر الرازي عن حصين، عن الشعبي، عن بريدة به مرفوعا. وأخرجه من حديث هشيم عن حصين موقوفا، ورواه أيضًا من حديث أنس مرفوعا أنه رخص في الرقية من العين والحمة والنملة (٣). ولأبي داود من حديث سهل بن حنيف مرفوعا: "لا رقية إلا من نفس أو حُمَة أو لدغة" (٤).

стр. 16466

فصل: قوله: (فذكرته لسعيد بن جبير)، هو حصين بن عبد الرحمن، جاء مبينا في بعض طرقه عند البخاري، وعنده أيضًا عن عائشة ﵂: أمرني رسول الله ﷺ -أو أمر- أن يسترقى من العين (١). وعنده أيضًا أنه ﷺ رخص لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذي حمة (٢). وعنده أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعا: "العين حق" (٣). ومن حديث أم سلمة أنه ﷺ رأى جارية في بيتها في وجهها سفعة -يعني صفرة- فقال: "بها نظرة، استرقوا لها" (٤). ومن حديث أنس ﵁: أذن رسول الله ﷺ لأهل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة والأذن، قال أنس: كويت من ذات الجنب ورسول الله ﷺ حي، وشهدني أبو طلحة وأنس بن النضر وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني (٥). وعند مسلم عنه: رخص رسول الله ﷺ في الرقية من الحمة والنملة (٦). ولأبي داود "لا رقية إلا من عين أو حُمَة أو دم يرقأ" (٧).

стр. 16467

وعند مسلم عن ابن عباس ﵄ مرفوعا: "العين حق، لو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا" (١). ولأبي داود عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان يأمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين (٢). وللنسائي من حديث عامر بن ربيعة أنه ﷺ قال: "إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه شيئاً يعجبه فليدع بالبركة؛ فإن العين حق" (٣). وللترمذي -وقال صحيح- عن أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إن ولد جعفر تسرع إليهم العين، أفنسترقي لهم؟ قال: "نعم؛ فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" (٤). ولابن أبي عاصم من طريق ضعيفة: "أكثر ما يحفر لأمتي من القبور العين" (٥). وعن حية بن حابس، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا شيء في الهامة، والعين حق". قال الترمذي: غريب (٦). وقال أبو عمر: في سنده اضطراب (٧). وفي "الموطأ" عن أم سلمة أنه ﷺ قال: "لا تسترقوا إلا من عين" (٨).

стр. 16468

وعن عائشة ﵂ أن الصديق قال ليهودية ترقيني: ارقيها بكتاب الله (١). ولأبي داود عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة فقال: "ألا تعلمين هذِه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟ " (٢). ولمسلم عن عوف بن مالك أنه ﷺ قال: "اعرضوا علي رقاكم". ثم قال: "لا بأس ما لم يكن فيه شرك". وعن جابر ﵁ أرخص رسول الله ﷺ في رقية الحية لبنى عمرو بن حزم، وفي لفظ: "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" (٣). فصل: العين: نظر باستحسان ويشوبه شيء من الحسد، ويكون الناظر خبيث الطبع كذوات السموم. نبه عليه ابن الجوزي، ولولا هذا لكان كل عاشق يصيب معشوقه بالعين، يقال: عِنْتَ الرجل: إذا أصبته بعينك، فهو معين ومعيون، والفاعل: عائن. ومعنى قوله: ("العين حق") أي: تصيب بلا شك عاجلا كأنها سابق القدر. وقد أشكلت إصابة العين على قوم، فاعترضوا على هذا الحديث، فقالوا: كيف تعمل العين من بُعْدٍ حتى تمرض؟ والجواب: أن طبائع الناس تختلف كما تختلف طبائع الهوام، وأن ذلك يصل من أعينهما في الهواء حتى يصيبه، وقال رجل عيون: إذا رأيتُ شيئا يعجبني وجدتُ حرارة تخرج من عيني.

стр. 16469

وقد عرف أن في الناس من تلسعه العقرب فيموت العقرب، فلا ينكر أن يكون في الناس ذو طبيعة ذات ضر وسم، فإذا نظر إلى ما يعجبه فُصِلَ من عينه شيء في الهواء من السم فيصل إلى المرئي فيقتله. ومما يشبه هذا أن المرأة الطامث تدنو من إناء اللبن فيفسد اللبن، وليس ذلك إلا لشيء فصل عنها فوصل إلى اللبن، وقد تدخل البستان فتضر بكثير من العروش من غير أن تمسها، ويفسد العجين إذا وضع في البيت الذي فيه البطيخ، وثاقب الحنظل تدمع عيناه، كذا قاطع البصل، والناظر إلى العين المحمرة، وقد يتثاءب الرجل فيتثاءب غيره. فصل: قال أبو عمر: قوله ﷺ أي فيما يأتي: "علام يقتل أحدكم أخاه" دليل على أن العين حق، وربما قتلت وكانت سببًا من أسباب المنية. وقوله: ("لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين") دليل على أن المرء لا يصيبه إلا ما قدر له، وأن العين لا تسبق القدر لكنها من القدر. وقوله: ("ألا بركت؟ ") به دليل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برك العائن، فواجب على كل من أعجبه شيء أن يبرك، وإذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه (١). فصل: ويؤمر العائن بالاغتسال، ويجبر إن أبى؛ لأن الأمر للوجوب، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو، لا سيما إذا كان بسببه وهو الجاني عليه.

стр. 16470

والاغتسال ورد في حديث عامر بن ربيعة (١)، وهو أنه يغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب عليه. وفي رواية: ويديه إلى المرفقين والركبتين (٢). وفي رواية أن عامرا غسل صدره. وفي أخرى: حسى منه حسوات (٣). قال أبو عمر: وأحسن شيء في تفسيره ما وصفه الزهري راوي الحديث الذي عند مسلم: يؤتى بقدح من ماء، فيدخل يده في القدح (ثم يتمضمض في القدح) (٤) ويغسل وجهه في القدح، ثم يصب بيده اليسرى على كفه اليمين، ثم بكفه اليمنى على كفه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصبه بها على مرفق يده اليمنى، ثم بيده اليمنى على مرفق يده اليسرى، ثم يغسل قدمه اليمنى، ويغسل قدمه اليسرى ثم يدخل يده اليمنى فيغسل الركبتين، ثم يأخذ داخلة إزاره فيصب على رأسه صبة واحدة، ولا يضع "القدح به حتى يفرغ. زاد ابن عيينة في روايته عن الزهري: وأن يصبه من خلفه صبة واحدة تجري على جسده، ولا يوضع القدح في الأرض، ويغسل أطرافه وركبتيه وداخلة إزاره في القدح (٥). قال النواوي: ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، وقد سلف في رواية خلافه. قال: وداخلة إزاره هو الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن.

стр. 16471

قال: وظن بعضهم أن داخلة إزاره كناية عن الفرج، وجمهور العلماء على ما قدمناه، وإذا استكمل هذا منه صبه من خلفه على رأسه (١). وقال القرطبي: داخلة الإزار هو إدخاله وغمسه في القدح، ثم يقوم الذي يأخذ القدح فيصبه على رأس المعين من خلفه على جميع جسده، وقيل: يغسله بذلك، ثم يكفأ الإناء على ظهر الأرض (٢). وذكر عياض أن غسل العائن وجهه إنما هو صبة واحدة بيده اليمنى، وكذلك باقي أعضائه، إنما هو صبه على ذلك العضو من القدح ليس على صفة غسل الأعضاء من الوضوء وغيره، وكذلك داخلة إزاره إنما هو غمسه في القدح، أي كما سلف، ويستغفل المعين عند صبه عليه. هذِه رواية ابن أبي ذئب عن الزهري، وفي رواية عقيل عنه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة، ويغسل طرف قدمه اليمنى من أصول أصابعه، واليسرى كذلك. وداخلة الإزار هي المئزر، والمراد بداخلته ما يلي الجسد منه. وقيل: المراد موضعه من الجسد، فقيل: المراد مذاكيره، وقيل: وركه؛ إذ هو معقد الإزار (٣). فصل: قال عياض: وقال بعض العلماء: ينبغي إذا عرف واحد بالإصابة بالعين أن يجتنب ويحترز منه، وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس، ويأمره بلزوم منزله، وإن كان فقيرا رزقه ما يكفيه، فضرره أكثر من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه رسول الله ﷺ من دخول المسجد

стр. 16472

لئلا يؤذي الناس، ومن ضرر المجذومة التي منعها عمر ﵁ الطواف مع الناس (١). وما ذكره ظاهر. فصل: قال أبو عمر: الرجل الصالح قد يكون عائنا، وأن هذا ليس من باب الصلاح ولا من باب الفسق في شيء، وأن العائن لا ينفى كما زعم بعض الناس (٢). قلت: (ذكر) (٣) القاضي حسين أن نبيا عان قومه (٤). فصل: قال القرطبي: لو انتهت إصابة العين إلى أن يعرف ذلك ويعلم من حاله، أنه كلما تكلم بشيء معظما له أو متعجبا منه أصيب ذلك الشيء وتكرر ذلك بحيث يصير ذلك عادة، فما أتلفه بعينه غرمه، وإن قتل أحدا بعينه عامدًا لقتله قتل به، كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرا، وأما عندنا فيقتل على كل حال قتله بسحره أم لا؛ لأنه كالزنديق (٥). فصل: ذهبت الفلاسفة -كما قال ابن العربي- إلى أن ما يصيب العين من جهة العائن إنما هو صادر عن تأثير النفوس بقوتها فيه، فأول ما تؤثر في نفسها، ثم تقوى فتؤثر في غيرها. وقيل: إنما هو سم في عين العائن

стр. 16473

يصيب لفحة المعين عند التحديق إليه كما يصيب لفح سم الأفعى من يتصل به (١). قلت: ومذهب أهل السنة أن العين إنما تفسد وتهلك عند نظر العائن بفعل الله، أجرى العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر بمشيئة الله ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فصل: لما ذكر أبو بكر الكلاباذي حديث الحارث عن علي ﵁ أن جبريل قال لرسول الله ﷺ : صدق بالعين؛ فإن العين حق (قال) (٢): يجوز أن يكون معنى العين التي تجري فيها الأحكام والأمور في الخلق، وهو القضاء القديم (والقدرة السابقة) (٣)، فكأنه قال: صدق بالعين وتحقق أن الذي أصاب منها إنما هو (بقدر) (٤) الله لا أنه حدث في الوقت. فكأنه قال: صدق بالقدر. ويجوز أن يكون الناظر إذا نظر إلى شيء فاستحسنه حتى شغل به عن ذكر الله تعالى فلم يرجع إليه ولا إلى رؤية صنيعه أحدث الله تعالى في المنظور علة، ويكون نظر الناظر سببها، فيؤاخذه الله بجنايته بنظره إليه على غفلة من ذكر الله، كأنه هو الذي فعلها به. وهذا كالضرب من الضارب بالسيف فيحدث الله الجراحة في المضروب وهو يكون الجارح، وإن كان ذلك من فعل الله وليس بفعل

стр. 16474

الضارب، ولكن (لما كان) (١) الضارب منهيًّا عن الضرب بغير حقه لخفة الوعيد الذي أوعده الله به واستحقه بجنايته وهو الضرب، وكذلك الناظر نهي عن نظره إلى شئ من الأشياء على غفلة، ونسيان ذكر الله، فكانت هذِه جنايته، فيجوز أن يحدث الله في المنظور علة (يؤاخذ) (٢) الناظر بجنايتها (٣). قلت: وما فسر به العين بالقدر نظر. فصل: (الحمة) بضم الحاء المهملة ثم ميم مخففة ثم هاء؛ كذا ذكره ثعلب وقال: وهي سم العقرب. وقال الخطابي: هي كل شيء يلدغ أو يلسع (٤). وقال الفراء: هي السم. وقيل: شوكة العقرب. قال صاحب "المطالع": وهو غلط، وأصله حمو أو حمي، والهاء عوض من الواو، ولامه ياء. وقال ابن سيده: والحمة، قال بعضهم: هي الإبرة التي تضرب بها الحية والعقرب والزنبور أو تلدغ بها، والجمع: حماة وحمى (٥). وقال الجاحظ: من سمّى إبرة العقرب حمة فقد أخطأ، وإنما الحمة سموم ذوات الشعر كالدبر، وذوات الأنياب والأسنان كالأفعى وسائر الحيات، وكسموم ذوات الإبر من العقارب، وأما البيش وما أشبهه من السموم فليس يقال له: حمة. وههنا أمور لها سموم، ولم نسمعهم يسمون جميع السموم الحمة، وقلنا مثل ما قالوا، وانتهينا إلى حيث انتهوا.

стр. 16475

وقال المطرز في "يواقيته": حمَّة بالتشديد. وعند كراع: وجمعها حمون وحمات، كما قالوه: برة وبرون وبرات، قال: وكأنها مأخوذة من حميت النار تحمى: إذا اشتد حرارتها. فصل: قوله: ("لا رقية إلا من عين أو حمة")، قال الخطابي: يريد لا رقية أولى وأشفى من رقية العين (١)، وقد أسلفنا عن القزاز: الحمة: السم. وكذلك قال ابن سيرين: يكره الترياق إذا كان فيه الحمى. يعني: سموم الحيات. قال: والذي في الحديث: الحمة كل هامة ذات سم من حية أو عقرب. قال الجوهري: الحمى: حمة العقرب، سمها وحرها، وهي بالتخفيف، وأما حمة الحر -وهو معظمه- فبالتشديد (٢)، وقيل: الحمة: لدغة الحية. وبخط الدمياطي: أي من لدغة ذي حمة وهي السم كالعقرب. فصل: وقوله في حديث ابن عباس: (فأفاض القوم)، أي: في الكلام واندفعوا إليه. فصل: قال ابن بطال: في حديث [جابر] (٣) إباحة الكي والحجامة، وأن الشفاء فيهما؛ لأنه لا يدل أمته على ما فيه الشفاء لهم إلا ومباح لهم الاستشفاء به والتداوي.

стр. 16476

فإن قلت: ما معنى قوله: "وما أحبُّ أن أكتوي" قيل: معناه -والله أعلم- أن الكي إحراق بالنار وتعذيب بها، وقد كان ﷺ يتعوذ كثيرًا من (فتنة النار و) (١) عذاب النار، فلو اكتوى بها لكان قد عجل لنفسه ألم ما قد استعاذ بالله منه. فإن قيل: فهل نجد في الشريعة مثل هذا مما أباحه لأمته ولم يفعله هو؟ قيل: بلى، وذلك أنه ﷺ أباح لأصحابه أكل الضب وامتنع هو، وبين علة امتناعه منه فقال: "لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه". ومثله عدم أكله الثوم والبصل والخضرات المنتنة الريح، وأباحها لأمته وقال: "إني أناجي من لا تناجي". وقال مرة: "إنه يحضرني من الله حاضر". فكذلك أباح الكي وكرهه في خاصة نفسه (٢). فصل: قوله: ("لا يسترقون") قيل: فيه دليل على كراهة التداوي، وقيل: ليس فيه دليل على منع الرقية، ووجهه أن يكون تركها توكلا على الله ورضًا بالبلاء والقضاء، وهذِه أرفع الدرجات، وذهب إلى هذا أبو الدرداء وغيره من الصحابة، وروي ذلك عن الصديق وابن مسعود. ويحتمل أن يكون كره من الرقية ما كان على مذهب التمائم التي كانوا (في الجاهلية) (٣) يعلقونها، والعوذ التي كانوا في الجاهلية يتعاطونها يزعمون أنها تذهب الآفات عنهم، وكانوا يرون معظم السبب في ذلك الجن ومعونتهم، وهذا محظور محرم التصديق به، ويكره أيضًا الرقى بالعجمية؛ لأنه ربما يكون كفرا وقولًا يدخله الشرك.

стр. 16477

وقال أبو الحسن القابسي: معنى "لا يسترقون" يريد به الذي كانوا يسترقون به في الجاهلية مما ليس في كتاب الله، وهو ضرب من السحر، فأما الاسترقاء بكتاب الله فقد فعله ﷺ وأمر به، وليس بمخرج عن التوكل؛ لأن الثقة بالله، والاعتماد في الأمور عليه، وتفويض كل ذلك بعد استفراغ الوسع في السعي فيما بالعبد الحاجة إليه في أمر دينه ودنياه، على ما أمر به لا كما قاله بعض الصوفية أن التوكل حده الاستسلام للسباع، وترك الاحتراز من الأعداء ورفض السعي للمعايش والمكاسب، والإعراض عن علاج العلل تمسكا بقوله: "ولا يكتوون .. " الحديث. ومعناه: معتقدين أن الشفاء (والبرء في) (١) الكي وغيره دون إذن الله بالشفاء، وأما من اكتوى معتقدا إذا شفي أن الله هو الذي شفاه فهو المتوكل على ربه. فصل: وقوله: ("ولا يتطيرون") الطيرة: التطير من الشيء، وهو أن يرى شيئا يتشاءم به، واشتقاقه من الطير كالغراب ونحوه، وفي بعض الحديث: "ثلاث لا يسلم منهن أحد: الظن، والطيرة، والحسد، فإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ" (٢). وقال الطبري: معنى "لا يسترقون ولا يتطيرون" -والله أعلم- الذين لا يفعلون شيئا من ذلك معتقدين أن البرء إن حدث عقب ذلك كان من عند غير الله، وأنه كان بسبب الكي والرقية، وأن الذي يتطير منه لو لم يتضرر

стр. 16478

من أجله ومضى كان مصيبه -إن أصابه مكروه- من قبل مضيه لا من قبل الله، فأما من انصرف ومضى وهو في كلا حاليه معتقدا أنه لا ضار ولا نافع غير الله، وأن الأمور كلها بيده، فإنه غير معني بقوله: "لا يكتوون ولا يتطيرون". فصل: اختلف الناس في التوكل كما قاله الطبري، فقالت طائفة: لا يستحق اسم التوكل حتى لا يخالط قلبه خوف شيء غير الله من سبع عاد وعدو لله كافر (حتى) (١) يترك السعي على نفسه في طلب رزقه؛ لأن الله تعالى قد ضمن أرزاق العباد، والشغل بطلب المعاش شاغل عن الخدمة. واحتجوا بما رواه فضيل، عن هشام، عن الحسن، عن عمران بن حصين رفعه: "من انقطع إلى الله كفاه الله كل مئونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها" (٢). وبما رواه فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعا: "لو فر أحدكم من رزقه لأدركه كما يدركه الموت" (٣). وقالت أخرى: حده الثقة به، والاستسلام لأمره، والإيقان بأن قضاءه عليه ماض، واتباع سنته (وسنة رسوله، ومن اتباع سنته) (٤) سعي العبد فيما لا بد له منه، ومن مطعم ومشرب وملبس؛ لقوله

стр. 16479

تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨]. ومن سببه أن يحترز من عدوه كما فعل الشارع يوم أحد من مظاهرته بين درعين وتغفره بالمغفر؛ ليتقي به سلاح المشركين، وإقعاده الرماة على فم الشعب؛ ليدفعوا من أراد إتيانه، وكصنيعه الخندق حول المدينة تحصينا للمسلمين وأموالهم مع كونه من (الثقة و) (١) التوكل والثقة بربه بمحل لا يبلغه أحد، ثم كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم مرة إلى الحبشة وأخرى إلى المدينة؛ خوفا على أنفسهم من مشركي مكة وهربًا بدينهم أن يثبتوهم عنه بتعذيبهم إياهم. وقد أحسن الحسن البصري حين قال -للمخبر عن عامر بن عبد الله أنه نزل مع أصحابه في طريق الشام على ماء حال الأسد بينهم وبين الماء، فجاء عامر إلى الماء فأخذ منه حاجته، فقيل له: لقد خاطرت بنفسك! وقال: لأن تختلف الأسنة في جوفي أحب إلى أن يعلم الله أني أخاف شيئا سواه-: قد خاف من كان خيرًا من عامر، موسى ﵇ حين قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾ [القصص: ٢٠، ٢١] وقال أيضًا: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨] وقال حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾ [طه: ٦٧، ٦٨] قالوا: فالمخبر عن نفسه بخلاف ما طبع الله عليه نفوس بني آدم كاذب، وقد طبعهم الله على الهرب مما يضرهم، وقد أمر الله عباده بالإنفاق من طيبات ما كسبوا.

стр. 16480

وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] فأحل للمضطر ما كان حرم عليه عند عدمه للغذاء الذي أمر الله باكتسابه والاغتذاء به، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء، ولو ترك السعي في طلب ما يتغذى به حتى هلك كان لنفسه قاتلا، وقد كان سيدنا رسول الله ﷺ يتلوى من الجوع ما يجد ما يأكله، ولم ينزل عليه طعام من السماء، وهو أفضل البشر، وكان يدخر لنفسه قوت سنة حتى فتح الله عليه الفتوح. وقد روى أنس بن مالك ﵁ أن رجلا أتى رسول الله ﷺ ببعير فقال: يا رسول الله، أعقله وأتوكل، أو أطلقه (وأتوكل؟) (١) قال: "اعقله وتوكل" (٢). وأما اعتلالهم بحديث: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب .. " إلى قوله: "وعلى ربهم يتوكلون" فذلك إغفال منهم، فمعنى ذلك: الذين لا يكتوون معتقدين أن الشفاء والبرء بالكي دون إذن الله بالشفاء له به، فأما من اكتوى معتقدًا إذا شفاه الله بعلاجه أن الله هو الذي شفاه به فهو المتوكل على ربه التوكل الصحيح، ولا أحد يتقدم سيد هذِه الأمة في دخول الجنة ولا يسبقه إليها، وقال: "أنا أول من يقرع باب الجنة، فيقال لي: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول الخازن: ما أمرت أن أفتح لأحد قبلك" (٣). قالوا: وقد كوى ﷺ جماعة من أصحابه، كوى أبا أمامة أسعد بن

стр. 16481

زرارة من الذبحة، وكوى سعد بن معاذ من كلمه يوم الخندق، وكوى أبي بن كعب على أكحله حين أصابه السهم يوم أحد، وكوي أبو طلحة في زمن رسول الله ﷺ . وقال جرير بن عبد الله: أقسم علَيَّ عمرُ بن الخطاب لأكتوين. واكتوى خباب بن الأرت سبعا في بطنه، واكتوى من اللوقة ابن عمر ومعاوية وعبد الله بن عمرو، وذلك كله ذكره الطبري بأسانيد صحاح، قال: فبان أن معنى الحديث ما قلناه، وأن الصواب في حد التوكل الثقة بالله والاعتماد عليه كما أسلفناه أولاً (١). فصل: سلف في باب أول الطب من هو المسبوق. وعن "مسند ابن سنجر" من رواية أم قيس عن رسول الله ﷺ أنه انتهى بها إلى البقيع فقال: "يا أم قيس، يبعث من هذِه المقبرة سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، كأن وجوههم القمر ليلة البدر". فقام عكاشة .. الحديث) (٢). فصل: قال الإسماعيلي: في حديث أبي هريرة: كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: "أرأيت لو كان لأحد خيل"؟ وفي حديث ابن عباس هذا أنه لم يعرف أمته؛ فإن فيه: " .. فإذا فيه سواد قد ملأ الأرض، قيل: هذِه أمتك". فكيف (وجه) (٣) خروج الحديثين مع صحة إسنادهما؟

стр. 16482

فنقول: إن السواد الذي في الأفق الثاني غير مدرك الطرف إلا السواد والكثرة، ولا يدرك الأعيان والأشخاص حتى إذا صاروا منهم بحيث يدرك الطرف أشخاصهم عرفهم بالعلامة التي ذكرها، وقد يرى الرجل شخصا ثانيا فيكلمه ولا يعلم أخاه، فإذا صار بالمحل الذي يتبينه عرفه حينئذ.

стр. 16483

١٨ - باب الإِثْمِدِ وَالْكُحْلِ مِنَ الرَّمَدِ فِيهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ. [انظر: ٣١٣] ٥٧٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَاشْتَكَتْ عَيْنَهَا، فَذَكَرُوهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرُوا لَهُ الْكُحْلَ، وَأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى عَيْنِهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي بَيْتِهَا فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا -أَوْ فِي أَحْلَاسِهَا فِي شَرِّ بَيْتِهَا- فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بَعْرَةً، فَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». [انظر: ٥٣٣٦ - مسلم: ١٤٨٨ - فتح ١٠/ ١٥٧] ثم ساق من حديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَاشْتَكَتْ عينها، فَذَكَرُوهَا لرسول الله ﷺ وذَكَرُوا لَهُ الكُحْلَ، وَأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى عَيْنِهَا، فَقَالَ: "لَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي بَيْتِهَا فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا -أَوْ: فِي أَحْلَاسِهَا فِي شَرِّ بَيْتِهَا- فَإِذَا مَرَّ كلْبٌ رَمَتْ ببَعْرَة، فَلَا، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". الشرح: (حديث أم سلمة سلف في الطلاق، و) (١) عني البخاري بحديث أم عطية حديثها السالف في الطلاق أيضًا مسندًا (٢)، وليس فيه ولا في حديث الباب ذكر الإثمد، وكأن البخاري اعتمد على أنه يدخل في غالب الأكحال لا سيما أكحال العرب، وأما ذكره والتنصيص عليه فكأنه لم يصح على شرطه، وقد أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال:

стр. 16484

"إن خير أكحالكم الإثمد: يجلو البصر، وينبت الشعر" (١). وللترمذي أيضًا محسنا: "اكتحلوا بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر"، وكان له ﷺ مكحلة يكتحل منها كل ليلة، ثلاثة في هذِه، وثلاثة في هذِه، وفي رواية: وثنتين في اليسرى (٢). وفي "علل الترمذي" المفردة: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث محفوظ (٣). وفي لفظ ذكره ابن بطال: كان ﷺ يكتحل قبل أن ينام (بالإثمد) (٤) ثلاثة في كل عين ثلاث (٥). وخرج الترمذي في "شمائله" من حديث ابن إسحاق (٦) عن ابن المنكدر عن جابر نحوه "عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر" (٧)، وقال في "علله": سألت محمدًا عنه فلم يعرفه من حديث ابن إسحاق. وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن مسلم عن ابن المنكدر عن جابر. قال: وسألته عن حديث ابن عمر، قال: إنما روى هذا عن سالمٍ عثمانُ بْنُ عبد الملك، ولم يعرفه من حديث غيره، وعن ابن عمر كذلك (٨).

стр. 16485

ولابن أبي عاصم من حديث عون بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده مرفوعا: "عليكم بالإثمد؛ فإنه منبتة للشعر، مذهبة للقذى، مصفاة للبصر". وفي "غرائب الدارقطني" من حديث الزهري عن أنس: كان ﷺ يأمرنا بالإثمد. ثم قال: تفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن مسلم -وكان ضعيفا- عن سعيد بن بزيع، عن ابن إسحاق عنه (١). ولابن أبي عاصم من حديث عقبة أنه ﷺ كان إذا اكتحل اكتحل وترا. ومن حديث صفوان بن سليم، عن أنس أنه ﷺ كان له مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثًا ثلاثا. ولأبي نعيم: اثنتين في كل عين، ويقسم بينهما واحدة (٢). وفي رواية من طريق يحيى بن زهدم، عن أبيه، عن أنس يرفعه: "لا تكرهوا الرمد، فإنه يقطع عروق العمى" (٣). فصل: الإثمد: حجر يكتحل به، قال في "المحكم": الإثمد: حجر يتخذ منه الكحل، وقيل: هو نفس الكحل، وقيل: شبيه به (٤). وذكر الموفق البغدادي وابن البيطار منافع الإثمد، منها أنه يقطع الرعاف.

стр. 16486

فصل: قولها: (شر أحلاسها)، قال الجوهري: أحلاس البيوت: ما يبسط تحت الثياب (١). وقال الداودي: شر أحلاسها: الثياب التي تلبس.

стр. 16487

١٩ - باب الجُذَامِ ٥٧٠٧ - وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ». [٥٧١٧، ٥٧٥٧، ٥٧٧٠، ٥٧٧٣، ٥٧٧٥ - مسلم: ٢٢٢٠ - فتح ١٠/ ١٥٨] وَقَالَ عَفَّانُ: ثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا عَدْوى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ". الشرح: هذا تعليق صحيح، وعفان شيخه، وأخرجه أبو نعيم من حديث عمرو بن مرزوق وأبي داود وقفه عن سليم. ثم قال أبو نعيم: وقفه يوسف القاضي عن عمر. وله طريق ثان أخرجه ابن حبان من حديث الدراوردي، عن العلاء، (عن أبيه) (١)، عن أبي هريرة بزيادة: "ولا نوء" (٢). وقال البخاري في باب لا صفر: ورواه الزهري، أي: من رواية معمر عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة .. " الحديث، قال: وعن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي هريرة ﵁ (٣). وهذا أخرجه مسلم من حديث (الدارمي عبد الله بن عبد الرحمن) (٤)،

стр. 16488

عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري به (١)، وله طريق آخر من حديث جابر أخرجه مسلم عنه مرفوعا: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا غول" (٢). زاد ابن حبان: "ولا صفر" (٣). وله طريق آخر من حديث ابن عباس ﵄ أخرجه أيضًا عنه مرفوعا ("لا طيرة ولا هامة ولا صفر") (٤). ولحديث أبي هريرة طريق آخر أخرجه أبو نعيم من حديث محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: "اتقوا المجذوم كما يتقى الأسد" (٥). ومن حديث وعلة بن وثاب، عن محمد بن علي، عن ابن عباس مرفوعا: "فروا من المجذوم كما تفرون من الأسد". وفي رواية: "لا تديموا النظر إلى المجذومين" (٦). ولابن حبان من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه رسول الله ﷺ : "إنا قد بايعناك فارجع" (٧). ولأبي نعيم من حديث الحسن (٨) بن عمارة، (عن أبيه) (٩)، عن

стр. 16489

ابن أبي أوفى ﵄ أنه ﷺ قال: "كلم المجذوم وبينك وبينه قِيدُ رمح أو رمحين" (١). ولابن ماجه من حديث فاطمة بنت الحسين، عن ابن عباس مرفوعا: "لا تديموا النظر إلى المجذوم" (٢). وفي رواية عن فاطمة عن أبيها عن علي ﵁ يرفعه .. فذكره (٣). فإن قلت: كيف نعمل بحديث أبي داود عن جابر أنه ﷺ أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة ثم قال: "كل بسم الله وثقة بالله وتوكلا عليه" (٤). قال الترمذي فيه: غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد، عن مفضل بن فضالة، والمفضل هذا شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر، وروى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد، عن ابن بريدة أن عمر أخذ بيد مجذوم، وحديث شعبة أثبت عندي وأصح (٥). وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي الزناد أن عمر ﵁ قال لمعيقيب: ادنه، فلو كان غيرك ما قعد منى إلا قِيدَ الرمح، وكان مجذومًا (٦).

стр. 16490

(قلت: وهو المجذوم المذكور في حديث جابر، كما نبه عليه ابن بشكوال عن أبي مسلم صالح بن أحمد بن صالح عن أبيه: لم ينبذ أحد من الصحابة إلا هذا كان به الجذام، وأنس به وضح (١). وقال ابن السكن: لم يكن من أصحابه أحد مجذوما غير معيقيب. قلت: وقيل إنه عالجه عمر بالحنظل حتى برئ، وهو الذي سقط من يده خاتم رسول الله ﷺ ببئر أريس زمن عثمان. وقال المحب في "أحكامه": لم يكن في الصحابة مجذوم غيره) (٢). وروى محمد بن عبد السلام الخشني (٣) بإسناد صحيح إلى ابن بريدة قال: كان سلمان يصنع الطعام الخبز واللحم من عطائه، ويقعد مع المجذومين (٤). قلت: لا معارضة؛ لأمور: أحدها: تقديم الأول؛ لصحتها. ثانيها: أن أخذه بيده وقوله: "كل بسم الله" ليس فيه أنه أكل معه، وإنما أذن له ولم يأكل هو؛ ذكره الكلاباذي.
следующие страницы →