← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16521–16560 · переход к 16526.

стр. 16521

فصل: وقولها: (نبردها)، هو ثلاثي من برد يتعدى ولا يتعدى، تقول: بردت الماء وبردته أنا. قاله الجوهري (١). ولا يقال: أبردته إلا في لغة رديئة. فصل: ينعطف على ما مضى: قال الخطابي: غلط في هذا الحديث بعض من ينسب إلى العلم فانغمس في الماء لما أصابته الحمى فاختقنت الحرارة في باطن دمه فأصابته علة صعبة كاد أن يهلك، فلما خرج من علته قال قولا فاحشا لا يحسن ذكره، وذلك لجهله بمعنى الحديث وتدبير الحميات الصفراوية بسقي الماء الصادق البرد ووضع أطراف المحموم فيه أنفع العلاج وأسرعه إلى إطفاء نارها، فإنما أمر بإطفاء الحمى و (تبريدها) (٢) بالماء على هذا الوجه دون الانغماس فيه وغط الرأس فيه. وحديث أسماء يشبه هذا المعنى، وروي: "فأبردوها بماء زمزم". وهذا من ناحية البركة، وبلغني عن ابن الأنباري أن معنى "فأبردوها بالماء" أي: تصدقوا بالماء عن المريض يشفه الله؛ لما روي: أن أفضل الصدقة سقي الماء (٣).

стр. 16522

٢٩ - باب مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا (تُلَايِمُهُ) (١) ٥٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَاسًا -أَوْ رِجَالاً- مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلَامِ وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ. وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَوْدٍ وَبِرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَانْطَلَقُوا حَتَّى كَانُوا نَاحِيَةَ الْحَرَّةِ، كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، وَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ، وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ. [انظر: ٢٣٣ - مسلم: ١٦٧١ - فتح ١٠/ ١٧٨] ذكر فيه حديث أنس في العُرنيين، وقد سلف (٢).

стр. 16523

٣٠ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ ٥٧٢٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا». فَقُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ سَعْدًا وَلَا يُنْكِرُهُ قَالَ: نَعَمْ؟. [انظر: ٣٤٧٣ - مسلم: ٢٢١٨ - فتح ١٠/ ١٧٨] ٥٧٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ -أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ- فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ. فَدَعَاهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ. فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ. فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ. فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ، فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ على ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ: إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا،

стр. 16524

سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ». قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ. [٥٧٣٠، ٦٩٧٣ - مسلم: ٢٢١٩ - فتح ١٠/ ١٧٩] ٥٧٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، فَلَمَّا كَانَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ». [انظر: ٥٧٢٩ - مسلم: ٢٢١٩ - فتح ١٠/ ١٧٩] ٥٧٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ الْمَسِيحُ وَلَا الطَّاعُونُ». [انظر: ١٨٨٠ - مسلم: ١٣٧٩ - فتح ١٠/ ١٧٩] ٥٧٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: يَحْيَى بِمَا مَاتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الطَّاعُونِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». [انظر: ٢٨٣٠ - مسلم: ١٩١٦ - فتح ١٠/ ١٨٠] ٥٧٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ». [انظر: ٦٥٣ - مسلم: ١٩١٤ - فتح ١٠/ ١٨٠] ذكر فيه حديث إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا". وذكر فيه أيضًا حديث ابن عباس، وفيه خروج عمر ﵁ إلى سَرْغَ، وأَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، إلى أن حضر عبد الرحمن بْنُ عَوْفٍ -وكان متغيبا في بعض حاجته- فقال: إن عندي من هذا علما، سمعت رسول

стр. 16525

الله ﷺ يقول: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ". قال: فحمد الله عمر ثم انصرف. (وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي) (١) (٢)، ثم ذكره مختصرا، (وذكره في ترك الحيل) (٣) (٤). وحديث أبي هريرة مرفوعا: "لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ الدجال وَلَا الطَّاعُونُ". (سلف في الحج) (٥) (٦). وحديث أنس: "الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمِ". وقد (سلف) (٧) في الجهاد (٨). وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "المبطون شهيد، والمطعون شهيد" (وسلف في الصلاة والجهاد، وأخرجه الترمذي والنسائي) (٩) (١٠). ثم قال:

стр. 16526

٣١ - باب أَجْرِ الصَّابِرِ فِي الطَّاعُونِ ٥٧٣٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَخْبَرَتْنَا أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ "كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ، إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ". تَابَعَهُ النَّضْرُ، عَنْ دَاوُدَ. [انظر: ٣٤٧٤ - فتح ١٠/ ١٩٢] ذكر فيه حديث عائشة ﵂ أَنَّهَا سَأَلَت النبي ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ: "كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شهيد". (تَابَعَهُ النَّضْرُ، عَنْ دَاوُدَ) (١). رواه عن إِسْحَاق، ثنا حَبَّانُ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (به. سلف في التفسير (٢)، وفي ذكر بني إسرائيل (٣)، ويأتي في (القدر) (٤) رواه النسائي أيضًا) (٥) (٦)، وقال في آخره: تابعه النضر عن داود. يريد

стр. 16527

بذلك ما أخرجه هو في القدر عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شميل، عن داود به، (ويأتي، وفيه بعد "صابرا": "محتسبا") (١). فصل: هذِه الخرجة من عمر سنة سبع عشرة، ذكر خليفة بن خياط أن خروج عمر إلى الشام هذِه المرة كان في السنة المذكورة يتفقد فيها أحوال الرعية وأمرائهم، وكان قد خرج قبل ذلك سنة ست عشرة لما حاصر أبو عبيدة بيت المقدس فقال أهله: يكون الصلح على يد عمر، فخرج لذلك (٢). فصل: (سرغ) بسين مهملة مفتوحة ثم راء مهملة أيضًا ساكنة ثم غين معجمة: مدينة بالشام، كما قاله أبو عبيد البكري (٣). افتتحها أبو عبيدة هي واليرموك والجابية والرمادة متصلة، وقال الحازمي: هي أول الحجاز وآخر الشام، بين المعنية وتبوك من منازل حاج الشام وعبارة ابن التين أنه موضع بأدنى الشام إلى الحجاز. قال أبو عمر: قيل إنه وادٍ بتبوك، وقيل: بقرب تبوك (٤). قال صاحب "المطالع": وعن ابن وضاح بتحريك الراء، وهو من المدينة على ثلاثة عشر مرحلة. وقال ابن مكي: الصواب سكون الراء.

стр. 16528

فصل: في فوائد حديث عمر ﵁: فيه: المشاورة فيما ليس فيه نص ودليل على أن الاختلاف لا يوجب حكماً، وإنما يوجب النظر، وأن الإجماع هو الذي يوجب الحكم والعمل. وفيه: إثبات المناظرة والمجادلة عند الخلاف في النوازل والأحكام. وفيه: الانقياد لحديث رسول الله ﷺ . وفيه: أن الحديث يسمى علما، ويطلق ذلك عليه. وفيه: أن الخلق يجرون في قدر الله وعلمه، وأن أحدا منهم لا يخرج عن حكمه وإرادته. وفيه: أن العالم قد يوجد عند من هو دونه في العلم ما لا يوجد عنده؛ لأن عمر فوق عبد الرحمن في العلم والفقه والدنو من الشارع، وقد وجد عنده في هذا الباب ما لم يكن عند عمر، وقد جهل محمد بن سيرين رجوع عمر من الطاعون ولم يعرفه، وقال: إنما رجع لأنه أخبر أن الصائفة لا تخرج العام. وفيه: أن الحاكم لا ينفذ قضاء ولا يفصل حكما إلا من مشورة من يحضره من علماء موضعه، وبهذا كان يكتب عمر إلى القضاة: وإنه لم يبلغ مِنْ علمٍ عالمٌ أن يجتزئ به حتى يجمع بين علمه وعلم غيره. وتمثل: أشيرا علي اليوم ما تريان … خليلي ليس الرأي في صدر واحد وذكر سيف، عن سهل بن يوسف بن سهل بن مالك الأنصاري، عن أبيه، عن عبيد بن صخر بن لوذان الأنصاري: بعث رسول الله ﷺ معاذا

стр. 16529

معلما لأهل اليمن وحضرموت، فقال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، وإنهم سائلوك .. " الحديث. وفيه: " .. ولا تقضين إلا بعلم، وإن أشكل عليك أمر فسل واستشر، فإن المستشير معان والمستشار مؤتمن، وإن التبس عليك فقف نبين لك أو تكتب إلى، ولا تصرمن قضاء فيما لم تجده في كتاب الله أو سنتي إلا عن ملأ" (١). وفيه: دليل عظيم على ما كان عليه القوم من الإنصاف في العلم والانقياد إليه. وفيه: استعمال خبر الواحد (وقبوله) (٢) وإيجاب العمل به، وهو أصح وأقوى ما يروى جهة الأثر في خبر الواحد؛ لأن ذلك كان بمحضر من الصحابة في أمر قد أشكل عليهم، فلم يقولوا لعبد الرحمن أنت واحد فلا يجب قبوله إنما يجب قبول خبر الكافة. قال أبو عمر: ما أعظم ضلال من قاله، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فلو كان العدل إذا جاء بنبأ يتثبت في خبره ولم ينفذ لاستوى الفاسق والعدل. وهذا خلاف القرآن العظيم، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] (٣) وقد قال القاضي أبو بكر: الصحابة على تقديم خبر الواحد (٤) على قياس الأصول، وما نحن فيه ظاهر.

стр. 16530

قال ابن التين: وإنما رجع عمر إلى رأي المشيخة لأنه ترجح عنده على رأي من خالفهم ممن أمره بالدخول؛ لأنه جمع بين الحزم والأخذ بالحذر، وأما ما يروى من ندمه على الرجوع فلا يصح عنه شيء من ذلك، وكيف يندم وقد ظهر له الحق بحديث ابن عوف؟! فصل: قال ابن عبد البر: وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: الطاعون فتنة على المقيم وعلى الفار، فأما الفار فيقول: فررت ونجوت، وأما المقيم فيقول: أقمت فمت. وكذبا، فر من لم يجيء أجله وأقام من جاء أجله (١). وقال الأصمعي: هرب بعض البصريين من الطاعون، فركب حمارا وسار هاربا نحو سفوان، فسمع حاديا يحدو خلفه: ليس يسبق الله على حمار … ولا على ذي ميعة طيار أو يأتي [الحتف] (٢) على مقدار … قد يصبح الله (أمام) (٣) الساري فرجع. قال المدائني: ويقال: إنه ما فر أحد من الطاعون فسلم من الموت. قال أبو عمر: ولم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فر من الطاعون إلا ما ذكر المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب منه فطعن فمات بالسيالة. قال: وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد بن رباط إلى الرباطية، فقال إبراهيم بن علي (الفقيمي) (٤):

стр. 16531

ولما استفز الموت كل مكذب … صبرت (ولم يصبر رباط ولا عمرو) (١) قال الأصمعي: ولما وقع طاعون الجارف بالبصرة لم يدفن بها الموتى، فجاءت السباع على ريحها، وخلت سكة بني جرير، فلم يبق فيها إلا جارية، فسمعت صوت الذئب في سكتهم فأنشأت تقول: ألا أيها الذئب المنادي سحرة … إلى أنبئك الذي قد بدا ليا بدا لي أني قد نعيت وإنني … بقية قوم ورثوني البواكيا وإني بلا شك سأتبع من مضى … ويتبعني من بعد ما كان باكيا قال المدائني: ولما وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان خرج هاربا، فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها سكر، فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك، فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ قال: طالب بن مدرك. فقال: أوه ما أراني راجعا إلى الفسطاط. فمات في تلك القرية. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال: كانوا أربعين ألفا خرجوا فرارا من الطاعون فماتوا، فدعا اللهَ نبيٌّ من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم الله تعالى (٢). وهذا النبي حزقيل، فيما قاله ابن قتيبة في "معارفه" (٣). فصل: في الفرار منه: في "مسند أحمد" حديث جابر رفعه: "الفار من الطاعون كالفار من

стр. 16532

الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف". وفي رواية له: "ومن صبر كان له أجر شهيد" (١). ورواه ابن خزيمة باللفظين في "كتاب التوكل". وقيل لمطرف: ما تقول في الفرار من الطاعون؟ قال: هو القدر يخافونه وليس منه بُد. فصل: روي عن مالك أنه سئل عن قول عمر ﵁: لبيت بركبة أحب إلى من عشرة أبيات بالشام. فقال: إنما قال ذلك حين وقع الوباء بالشام. وركبة واد من أودية الطائف، يريد لطول الأعمار والبقاء، ولشدة الوباء بالشام (٢). وقال ابن وضاح: ركبة: موضع بين مكة والطائف في طريق العراق. فصل: قال: وللطبري في حديث سعد الدلالة على أن على المرء توقي المكاره قبل نزولها، وتجنب الموجعات قبل هجومها، وإن غلبه الصبر وترك الجزع بعد نزولها. وذلك أنه ﷺ نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه، فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها سبيله في ذلك سبيل الطاعون.

стр. 16533

وهذا المعنى نظير قوله ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، وإذا لقيتموهم فاصبروا" (١). فإن قلت: فشعبة روى عن يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص أن أبا موسى بعث بنيه إلى الأعراب من الطاعون. وروى شعبة أيضًا عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى الأشعري أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون الذي وقع بالشام: إنه قد عرضت لي حاجة لا غناء بي عنك فيها، فإذا أتاك كتابي ليلا فلا تصبح حتى ترد إليَّ، وإن أتاك نهارا فلا تمس حتى ترد إلى، فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين، أراد أن يستبقي من ليس بباق. ثم كتب إليه: إني قد عرفت حاجتك، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين، فإني في (جند) (٢) المسلمين، ولن أرغب بنفسي عنهم. فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقيل له: توفي أبو عبيدة؟ قال: [لا] (٣). وكان قد كتب إليه عمر إن الأردن أرض غميقة، وأن الجابية أرض نزهة، فأظهر بالمسلمين إلى الجابية. فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: هذا نسمع فيه لأمير المؤمنين ونطيعه. فأراد ليركب بالناس فوجد وخزة فطعن، وتوفي أبو عبيدة، وانكشف الطاعون (٤).

стр. 16534

وروى شعبة أيضًا أنه سأل الأشعث: هل فر أبوك من الطاعون؟ قال: كان إذا اشتد الطاعون فر هو والأسود بن هلال. وروى شعبة أيضًا عن الحكم أن مسروقا كان يفر من الطاعون. قيل: قد خالف هؤلاء من القدوة مثلهم، وإذا اختلف في أمر كان أولى بالحق من كان موافقا أمر رسول الله ﷺ . روى شعبة أيضًا، عن يزيد بن خمير، عن شرحبيل بن شفعة قال: وقع الطاعون، فقال عمرو بن العاص: رجز فتفرقوا عنه. فبلغ شرحبيل بن حسنة فقال: سمعت رسول الله ﷺ -وعمرو أضل من بعير أهله- إنه دعوة نبيكم، ورحمة من ربكم، وموت الصالحين قبلكم، فاجتمعوا له ولا تفروا عنه. فبلغ ذلك عَمْرًا فقال: صدق (١). وروى أيوب عن أبي قلابة، عن عمرو بن العاص قال: تفرقوا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورءوس الجبال. فقال معاذ: بل هو شهادة ورحمة ودعوة نبيكم، اللهم أعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك. فطعن في كفه. قال أبو قلابة: قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم، فسألت عنها، فقيل: دعا ﷺ أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حتى دعا أن لا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها، فدعا بهذا (٢).

стр. 16535

كذا هو بلفظ: والطاعون، والصحيح -كما نبه عليه القرطبي- أنه بـ (أو)، أي: لا يجمع ذلك عليهم، وأما الطبري فصححهما. بيانه: أن مراده بأمته المذكورين في الحديث إنما هم أصحابه؛ لأنه ﷺ دعا لجميع أمته أن لا يهلكهم بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم أعداءهم، فأجيب إلى ذلك، فلا تذهب بيضتهم ولا معظمهم بموت عام، ولا يعدو على مقتضى هذا الدعاء أن يكون ما تأولناه- والدعاء المذكور في حديث أبي قلابة يقتضي أن يفنى جميعهم بالقتل والموت العام، فتعين أن يصرف الأول إلى أصحابه؛ لأنهم هم الذين اختار الله تعالى لهم الشهادة بالقتل في سبيله الذي وقع في زمنهم فهلك به بقيتهم. فعلى هذا: فقد جمع الله لهم الأمرين، فتبقى الواو على أصلها في الجمع، أو تحمل على التنويعية والتقسمية (١). وسئلت عائشة عن الفرار منه فقالت: هو كالفرار من الزحف. وقد أسلفناه مرفوعا. وسئل الثوري عن الرجل يخرج أيام الوباء بغير تجارة معروفة، قال: لم يكونوا (ليفعلوا ذلك) (٢)، ولا أحب ذلك. فإن قلت: الأجل لابد من استيفائه، فما حكمة النهي عن الدخول وعن الخروج؟ قلت: حذرا أن يظن أن الهلاك كان من أجل القدوم، والنجاء من الفرار- كما سلف، وهو نظير الدنو من المجذوم والفرار منه مع الإعلام

стр. 16536

بأن لا عدوى ولا طيرة (١). وقال بعض العلماء فيما حكاه ابن الجوزي: إنما نهى عن الخروج؛ لأن الأصحاء إذا خرجوا هلكت المرضى، فلا يبقى من يقوم بحالهم، فخروجهم لا يقطع بنجاتهم، وهو قاطع بهلاك من بقي، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأكثر أهل العلم على منع القدوم عليه ومنع الخروج فرارا منه. وفي قوله: "فرارا منه" جواز الخروج منه لا على (سبيل) (٢) الفرار منه، وكذا الداخل، كما نبه عليه بعض العلماء. وقال عروة بن رويم: بلغنا أن عمر كتب إلى عامله بالشام: إذا سمعت بالطاعون قد وقع عندكم فاكتب لي حتى أخرج إليه (٣). فرع: سئل مالك عن البلد يقع فيه الموت والأمراض هل يكره الخروج إليه؟ فقال: ما أرى بأسا خرج أو أقام. قيل: فهذا يشبه ما جاء به الحديث من الطاعون؟ قال: نعم (٤). فصل: حديث أنس السالف في العرنيين لما استوخموا المدينة أمرهم أن يخرجوا منها، حجة لمن أجاز الفرار من أرض الوباء والطاعون، لكن ليس كما توهم، وذلك أن القوم شكوا إلى رسول الله ﷺ أنهم

стр. 16537

كانوا أهل ضرع ولم تلائمهم المدينة فاستوخموها؛ لمفارقتهم هواء بلادهم، فهم الذين استوخموا المدينة خاصة دون سائر الناس، فأمرهم ﷺ بالخروج منها. وفي هذا من الفقه: أن من قدم إلى بلدة ولم يوافقه هواؤها أنه مباح له الخروج منها والتماس أفضل (هواء) (١) منها، وليس ذلك بفرار من الطاعون، وإنما الفرار منه إذا عم الموت في البلدة الساكنين فيها والطارئين عليها، وفي ذلك جاء النهي (٢). (فائدة: نقل ابن الصلاح في بعض مجاميعه عن الزهري أن من قدم أرضا فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شرب عوفي من وبائها) (٣). فصل: قوله: ("وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه") دليل أنه يجوز الخروج منها لا على قصد الفرار منه -كما سلف أيضًا- إذا اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وكذلك حكم الداخل أيضًا إذا أيقن أن دخوله لا يجلب إليه قدرا لم يكن قدره الله عليه فمباح له الدخول، وقد روي عن عروة بن رويم -كما سلف- أن عمر كتب إلى عامله بالشام: إذا سمعت بالطاعون وقع عندكم فاكتب لي حتى أخرج إليه (٤). وروى القاسم عن عبد الله بن عمر أن عمر قال: اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ (٥).

стр. 16538

فصل: حديث عائشة يفسر قوله ﷺ : "الطاعون شهادة، والمطعون شهيد" يبين أن الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه، ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعله إن مات فيه فهو شهيد، وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس بداخل في معنى الحديث. فصل: سلف أن (الوباء) يمد ويقصر (١)، والثاني عليه الجماعة، وهو مرض عام يفضي إلى الموت غالبا، وعند الأطباء هو (آفة تعرض للهواء) (٢) فتفسد بفساده الأمزجة. وقال أبو زيد: أرض وبئة: إذا كثر مرضها. وقال صاحب "الجامع": الوباء على فعل الطاعون، وقيل: كل مرض عام وباء. قال ابن درستويه: والعامة لا تهمزه، وإن كان ترك الهمز جائزا. والشأم بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفه بحذفها كـ (رأس) وشبهه، وفيه لغة ثالثة: شآم، بالمد وأنكرت، تذكر وتؤنث. وقوله: (ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح). (قال الداودي: فيه دليل أن الفتح فتح مكة؛ لأن أبا سفيان ومن أسلم معه من مهاجرة الفتح) (٣).

стр. 16539

وقوله: (إني مصبح على ظهر)، أي سفر. قال الجوهري: الظهر: طريق البر (١). وفي حديث ابن شهاب عن سالم أن عمر إنما رجع بالناس لحديث عبد الرحمن بن عوف، فلعل معنى قوله: (إني مصبح على ظهر) على معنى الارتياء والاستخارة ثم عزم لحديث عبد الرحمن. وقوله: (نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله). يريد أن القدر بالموت لا بد أن يدرك، فنفر من قدر يقع في أنفسنا منه شيء إلى قدر لا يقع في أنفسنا (منه شيء) (٢). وقوله: (له عدوتان): شاطئان وحافتان. وهي بضم العين وكسرها، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾. وقال أبو عمرو: العدوة بالضم والكسر: المكان المرتفع (٣). وقوله: (إحداهما خصبة). قال ابن التين: ضبط بفتح الخاء، وكسر الصاد في بعض الكتب. وفي بعضها بالسكون. وفي "الصحاح": الخصب بالكسر: نقيض الجدب، (يقال: بلد خصب) (٤)، وجدبة بفتح الجيم وسكون الدال: ضد الخصب. فصل: وقوله قبل: (لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه). قال كراع: كان الشام على خمسة أجناد: الأردن، وحمص، ودمشق، وفلسطين، وقنسرين، على كل ناحية أمير، ولم يمت عمر حتى جمع الشام كله لمعاوية.

стр. 16540

فصل: وقوله: (فقال عمر لما قال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله). فيه قولان: الأول: لعاقبته. الثاني: هلا تركت هذِه الكلمة لمن قل فهمه وروى ابن جرير أن عمر قال لأبي عبيدة في هذا الحديث: أشككت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أشاكا كان يعقوب ﵇ حيث قال (لبنيه) (١): ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧]؟ فقال عمر: والله لأدخلنها. فقال أبو عبيدة: والله لا تدخلها. فرده. فصل: قوله: ("لا يدخل المدينة المسيح ولا الطاعون"). فيه فضل ظاهر للمدينة. قلت: وسبب عدم الدخول أنه في الأصل رجز وعذاب، وإن كان شهادة فببركة مجاورته ﵇ بها دفع عنهم ألمه، وقد دعا بنقل الحمى عنها إلى الجحفة كما سلف، وهي طهور، وسيأتي أن الحرق والغرق شهادة، وقد استعاذ ﷺ منهما. وأما قول عائشة: (قدمنا المدينة وهي وبيئة) (٢). فلعله كان قبل استيطان المدينة، أو المراد به الوخم، وقد ورد أن الطاعون لا يدخل

стр. 16541

مكة أيضًا، وإسناده ضعيف (١). وفي "المعارف" لابن قتيبة أنه لم يقع بالمدينة ولا بمكة طاعون قط (٢). قلت: أما المدينة فنعم، وأما مكة فدخلها سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٣). والمسيح بالحاء المهملة، وروي بالمعجمة، وضبطه ابن التين بكسر الميم وتشديد السين، ثم قال: وقيل: المسّيح. قال الحربي: سمي بذلك لأن فردة عينه ممسوحة عن أن يبصر بها (٤). وقال ابن الأعرابي: المسيح: الأعور، وبه سمي الدجال. وقال ابن فارس: هو الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب. قال: وبذلك سمي دجالا؛ لأنه ممسوح العين (٥). فصل: الطاعون: الموت الشامل، وعبارة الداودي: إنه حبة تنبت في الأرفاغ وكل ما انثنى من الإنسان.

стр. 16542

٣٢ - باب الرُّقَى (بِالْقُرْآنِ) (١) وَالْمُعَوِّذَاتِ ٥٧٣٥ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا. فَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: كَيْفَ يَنْفِثُ؟ قَالَ: كَانَ يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ. [انظر: ٤٤٣٩ - مسلم: ٢١٩٢ - فتح ١٠/ ١٩٥] ذكر فيه حديث عائشة ﵂ أَنَّه ﷺ كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي المَرَضِ الذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا. فَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: كَيْفَ يَنْفِثُ؟ قَالَ: كَانَ يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا على وَجْهَهِ. الشرح: (هذا الحديث كرره في الطب (٢)، وسلف في فضائل القرآن (٣) والمغازي (٤) وزاد خلف: وفي الأدب، وأخرجه مسلم (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧) وابن ماجة) (٨) (٩).

стр. 16543

في الاسترقاء بالمعوذات: استعاذة بالله تعالى من شر كل ما خلق، ومن شر النفاثات في السحر، ومن شر الحاسد، ومن شر الشيطان ووسوسته، وهذِه جوامع من الدعاء تعم أكثر المكروهات، ولذلك كان ﷺ يسترقي بها، وهذا الحديث أصل أن لا يسترقى إلا بكتاب الله وأسمائه وصفاته، وقد روى مالك في "الموطأ" أن الصديق دخل على عائشة ﵂ وهي تشتكي، ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر ﵁: ارقيها بكتاب الله (١). يعني بالتوراة والإنجيل؛ لأن ذلك كلام الله الذي فيه الشفاء، وذكر ابن حبان في "صحيحه" مرفوعا أنه ﷺ دخل .. الحديث، قال ابن حبان: قوله: عالجيها بكتاب الله، أي بما يبيحه كلام الله؛ لأن القوم كانوا يرقون في الجاهلية بأشياء فيها شرك، فزجرهم بهذِه اللفظة عن الرقى إلا بما يبيحه كتاب الله (٢)، وقد روى عن مالك جواز رقية اليهودي والنصراني للمسلم إذا رقى بكتاب الله، وهو قول الشافعي (٣)، وعنه أنه كره رقى أهل الكتاب وقال: لا أحبه، وذلك -والله أعلم- لأنه لا يُدرى هل يرقون بكتاب الله أو الرقى المكروهة التي تضاهي السحر (٤). وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن المرأة التي ترقي بالحديد (٥) والملح، وعن الذي يكتب (الكتاب) (٦) للإنسان ليعلقه عليه من الوجع،

стр. 16544

ويعقد في الخيط الذي يربط به الكتاب سبع عقد، والذي يكتب خاتم سليمان في الكتاب، فكرهه كله وقال: لم يكن ذلك أمر الناس في القديم (١). وفي "جامع مختصر الشيخ أبي محمد" أن مالكا كره ذلك، وأن ابن وهب أجازه، واحتج بفعل أبي بكر السالف. فصل: هذا الحديث ذكره البخاري في باب النفث الآتي قريبًا بلفظ: كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ وبالمعوذتين جميعا ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده، فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به (٢). وروى الترمذي -وقال: حسن- عن أبي سعيد: كان ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما (٣). فصل: ينفث بكسر الفاء وضمها، قال أبو عبيد: هو شبيه بالنفخ، وأما التفل فلابد فيه شيء من الريق (٤)، وقيل: يكون معه شيء أقل من التفل. فصل: فيه: إثبات الرقى كما ذكرناه، والرد على من أنكر ذلك من الإسلاميين.

стр. 16545

فصل: وهو دال على الرقية في صحة الجسم. فائدة: (في) (١) النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء أو النفس المباشر لتلك الرقية والذكر، وقد يكون على وجه التفاؤل بزوال الألم عن المريض وانفصاله عنه كما ينفصل ذلك النفث عن الراقي. فصل: وفيه: إباحة النفث في الرقى، وقد روى الثوري عن الأعمش، عن إبراهيم قال: إذا رقيت بآي القرآن فلا تنفث (٢). وقال الأسود: أكره النفث. وكان لا يرى بالنفخ بأسا. وكرهه أيضًا عكرمة والحكم بن حماد (٣)، وأظن حجة من كرهه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ وذلك نفث سحر، والسحر محرم، وما جاء عن الشارع أولى، وفيه الخير والبركة. وفيه أيضًا: المسح باليد عند الرقية، وفي معناه المسح باليد على كل ما ترجى بركته وشفاؤه وخيره، مثل المسح على رأس اليتيم وشبهه. وفيه: التبرك بالصالحين وأيمانهم كما فعلت عائشة بيده اليمنى دون الشمال (٤). فصل: قيل: وفيه: أن أقل الجمع اثنان، لقوله: بالمعوذات، وهما معوذتان، وهو عجيب، وأغرب من ذلك أنه من باب التغليب، ومعهما (قل هو الله أحد) وغلب، وقد سلف.

стр. 16546

٣٣ - باب الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وُيذْكَرُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٥٧٣٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا على حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً. فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ، وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلُوهُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ». [انظر: ٢٢٧٦ - مسلم: ٢٢٠١ - فتح ١٠/ ١٩٨] ثم ساق بإسناده حديث أبي سعيد الخدري السالف في الإجارة (١) (وفضائل القرآن) (٢) (٣)، ذكره هنا من حديث غندر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن أبي المتوكل عنه، وإليه الإشارة بقوله هناك: وقال شعبة: ثنا أبو بشر، سمعت أبا المتوكل بهذا. وكان ساقه أولا من حديث أبي عوانة، عن أبي بشر به. وأبو بشر اسمه جعفر، وأبو المتوكل الناجي علي بن داود، والناجي أيضًا أبو الصديق بكر بن عمرو، ويقال: ابن قيس، جميعا يرويان عن أبي سعيد سعد بن مالك، متفق عليهما. وحديث ابن عباس كذا ذكره بلفظ (يُذكر) وهو صيغة تمريض، وقد

стр. 16547

ساقه بعد في باب الشرط في الرقية كما ستعلمه (١)، وهو راد على (٢) من يقول إن مثل هذِه صيغة تمريض، فهذا مما ذكره بصيغة التمريض، وهو عنده بسند صحيح، وقد سبق نظيره في الصلاة من حديث أبي موسى. أما فقه الباب فهو ظاهر من جواز الرقى بالفاتحة، ويرد به ما روى شعبة، عن الزكي قال: سمعت القاسم بن حسان يحدث عبد الرحمن بن حرملة عن ابن مسعود أنه ﷺ كان يكره الرقى إلا بالمعوذات (٣). وهو حديث لا يجوز الاحتجاج بمثله، كما نبه عليه الطبري؛ إذ فيه من لا يعرف، ثم لو صح لكان إما غلطا أو منسوخا بقوله ﷺ فيه: "ما أدراك أنها رقية؟ " فأثبت أنها رقية بقوله هذا، وقال: "اضربوا لي معكم بسهم". (قيل: أراد التبرك به، وكذا في شحم العنبر) (٤)، وإذا جازت الرقية بالمعوذتين -هما سورتان من القرآن- كانت الرقية بسائر القرآن مثلهما في الجواز؛ إذ كله قرآن. وقال المهلب: في الحديث معني الرقى شبيه بمعنى ما في المعوذات منه، وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والاستعانة به تعالى في ذلك دعاء في كشف الضر وسؤال الفرج، وقد سلف هذا المعنى في الإجارة.

стр. 16548

فائدة: قولهم: (فلم يقروهم). هو ثلاثي، قريت الضيف: أكرمته، قرى (١) مثل: قليته قلى وقلاء، وقراء أيضًا، إذا كسرت قصرت، وإذا فتحت مددت. والقطيع: الطائفة من الغنم، كما قاله ابن فارس (٢). وقال الجوهري: هي الطائفة من البقر والغنم، والجمع: أقاطيع، على غير قياس، كأنهم جمعوا إقطيعا، وقد قالوا: أقطاع، مثل: شريف وأشراف (٣). وقوله: (من الشاء). هو جمع الكثرة للشاة، وأصله: شاهة؛ لأن جمعها: شياه، فتصغيرها: شويهة، وجمعها: شياه بالهاء في العدد، تقول: ثلاث شياه إلى العشر، فإذا جاوزت فبالتاء، فإذا كثرت قلت: هذِه شاء كثيرة، (وجمع الشاء) (٤) وهو ممدود: شواء؛ لأن أصل جمع شاة شياه، فأبدلوا الهاء همزة كما أبدلوها في ماء البصاق بالصاد والسين (والزاي) (٥)، كصراط وصقر. (ويتفل) بضم الفاء وكسرها، وهو شبيه بالبزاق، وهو أقل منه، أوله البصق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ؛ ذكره في "الصحاح" (٦).

стр. 16549

وقوله في (الباب بعده) (١): لديغ أو سليم. من باب التفاؤل، كقولهم (للقفر): مفازة، وقيل: سليم؛ لما به. ذكره في "الصحاح" (٢)، والخطابي (٣). والله أعلم.

стр. 16550

٣٤ - باب الشَّرْطِ فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ ٥٧٣٧ - حَدَّثَنِي سِيدَانُ بْنُ مُضَارِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ البَصْرِيُّ -هُوَ صَدُوقٌ - يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ الْبَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الأَخْنَسِ أَبُو مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ -أَوْ سَلِيمٌ- فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلاً لَدِيغًا -أَوْ سَلِيمًا- فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا. حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ». [فتح ١٠/ ١٩٨] حَدَّثَنِي سِيدَانُ بْنُ مُضَارِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ البَاهِلِيُّ، ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ البَرَّاءُ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الأَخْنَسِ أَبُو مَالِكٍ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رسول الله ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ -أَوْ سَلِيمٌ- فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ .. الحديث. وسيدان هذا بكسر السين ثم مثناة تحت ثم دال ثم نون، بصري من أفراده، مات سنة أربع وعشرين ومائتين، ثقة. وأبو معشر البراء -كان يبري العود- العطار، (بصري من أفراده، مات سنة أربع وعشرين ومائتين) (١)، أخرجا له، وانفرد مسلم بأبي العالية البراء، كان يبري النبل، واسمه زياد بن فيروز، وقيل: كلثوم، وقيل: أذينة، مولى قريش، بصري أيضًا تابعي.

стр. 16551

وابن أبي مليكة اسمه عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي أبو بكر، وقيل: أبو محمد، أخو أبي بكر، مات سنة سبع عشرة ومائة، الأحول المكفوف التيمي مؤذن ابن الزبير، وقاضيه، روى عن: عائشة وابن عباس ﵁، وعنه: أيوب والليث. قال: بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف، فكنت أسأل ابن عباس. وقوله: (لديغ أو سليم). سلف بيانه. وقوله: ("إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله"). فيه حجة على أبي حنيفة في منعه أخذ الأجرة على تعليمه.

стр. 16552

٣٥ - باب رُقيَةِ العَينِ ٥٧٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ شَدَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَوْ أَمَرَ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ العَيْنِ. [مسلم: ٢١٩٥ - فتح ١٠/ ١٩٩] ٥٧٣٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ: «اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ». وَقَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ. [مسلم: ٢١٩٧ - فتح ١٠/ ١٩٩] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَوْ أَمَرَ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ العَيْنِ. وحديث أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّه ﷺ -رأى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ: "اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ". الشرح: شيخ البخاري في الأول محمد بن كبير، وهو بالباء الموحدة بعد الكاف (١)، (وسفيان -بعده- هو الثوري. وأخرجه مسلم (٢) والنسائي (٣)

стр. 16553

وابن ماجه) (١) (٢)، وروى الثاني عن محمد بن خالد، ثنا محمد بن وهب بن عطية الدمشقي، ثنا محمد بن حرب، ثنا محمد بن الوليد الزبيدي، أنا الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أم سلمة به. ثم قال: تابعه عبد الله بن سالم عن الزبيدي، وقال عُقيل، عن الزهري، أخبرني عروة عن النبي ﷺ . وشيخ البخاري فيه محمد بن خالد، هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهلي، كما صرح به أبو مسعود والجياني وقال: حدث أبو محمد ابن الجارود بحديث أم سلمة هذا عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن وهب بن عطية، (وليس له عنده غيره) (٣). وقد اجتمع في هذا الحديث لطيفة عزيزة وهي سبعة كل واحد منهم اسمه محمد: الفربري عن البخاري عن شيخه، آخرهم الزهري وهو محمد بن شهاب. وعبد الله بن سالم هو أبو يوسف الأشعري، حمصي، مات سنة تسع وأربعين ومائة (٤)، انفرد به البخاري. فصل: والسفعة بفتح السين وضمها: شحوب في سواد في (٥) الوجه، وفي

стр. 16554

"البارع": هو سواد الخدين من المرأة الشاحبة. وقال الأصمعي: هي حمرة يعلوها سواد. وقيل: علامة من الشيطان. وقيل: ضربة واحدة منه، من قوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] سفعت بالناصية وسفعته: لطمته، وسفعته بالعصا: ضربته، وأصل السفع: الأخذ بالناصية، ثم تستعمل في غيرها. وقيل في قوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ لنأخذن بها. وقيل: لنسودن منها وجهه، ولنزرقن عينيه حتى يكون ذلك علامة له، فاكتفى بالناصية عن ذكر الوجه. وقيل: لنذلنه. وعبارة ابن بطال: السفعة: سواد وشحوب في الوجه، وامرأة سفعاء الخدين، والسفع: الأثافي؛ لسوادها (١)؛ من كتاب "العين" (٢). وفي "الصحاح": السفعة في الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة. وضبطه بضم السين. وبه سفعة من الشيطان أي: مس منه، ضبطه بفتح السين (٣). وقال الخطابي: أصل السفع: الأخذ بالناصية، يويد أن بها مسًا من الجن وأخذا منها بالناصية (٤). وقال ابن الجوزي عن ابن ناصر عن الخطيب التبريزي قال: قال أبو العلاء المعري: هو بفتح السين أجود، وقد تضم سينها، من قولهم: رجل أسفع، أي: لونه أسود.

стр. 16555

وقال أبو عبيد: أي: إن الشيطان أصابها، و (قيل) (١) السفع: الأخذ بالناصية. تم ذكر الآية (٢). وقال غيره: السفعة: الصفرة والتغير، وكل أصفر أسفع. فصل: وقوله: ("فإن بها النظرة"). أي: أصابتها عين، يقال: رجل منظور: إذا أصابته العين. وقال صاحب "المطالع": النظرة بفتح النون وسكون الظاء: أي: عين من نظر الجن. قال الخطابي: وعيون الجن أنفذ من (الإسنية) (٣)، ولما مات سعد سمع قائل من الجن يقول: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده … ورميناه (بسهمين) (٤) فلم نخطئ فؤاده (٥) فتأوله بعضهم: أي: أصبناه بعين. فصل: والرقية من العين والنظرة وغير ذلك باسم الله تعالى وكتابه يرجو بركتهما؛ لأمر الشارع به، وقد أمر باغتسال العائن وصب ذلك الماء على المعين، كما سلف. روى مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه قال: رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم

стр. 16556

ولا جلد مخبأة. فلبط سهل -قلت: قال أبو زيد: رجل ملبوط وقد لُبط لبطا، وهو سعال أو زكام- فأخبر رسول الله ﷺ بمرضه، فقال: "هل تتهمون أحدا"؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة. فدعا رسول الله ﷺ عامرا فتغيظ عليه وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟ اغتسل له". فغسل عامر وجهه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس (١). وقال معمر عن ابن شهاب: فصب على رأسه، وكفأ الإناء خلفه، وأمره فحسا منه حسوات. وقال الزهري: هي السنة. فيه من الفقه: أنه إذا عُرف العائن أنه يُقضى عليه بالوضوء؛ لأمر الشارع بذلك، وأنها نشرة ينتفع بها. وفي قوله: ("ألا بركت؟! ") أن من رأى شيئاً فأعجبه فقال: تبارك الله أحسن الخالقين وبرك فيه فإنه لا تضره العين، وهي رقية منه. فصل: قوله: ("استرقوا لها"). هو أمر بالرقية، وهو ساكن الراء، أصله: استرقيوا، فاستثقلت ضمة الياء فحذفت، فاجتمع ساكنان الواو والياء، فحذفت الياء؛ لاجتماعهما، ثم ضمت القاف لتصح الواو. فصل: الرقى المكروهة أمور مشتبهة مركبة من حق وباطل من ذكر الشياطين، والاستعانة بهم، والتعوذ بمردتهم، وإلى هذا ينحو من يرقي بالحية ويستخرج السم من بدن الملسوع، (ويقال إن الحية لما بينها وبين الإنسان من العداوة الظاهرة تؤالف الشياطين)؛ إذ هي

стр. 16557

أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذلك اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء سالت سمومها وجرت من مواضعها من بدن الإنسان. ولذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه وبكتابه الذي يعرف بيانه؛ ليكون (بريئًا من) (١) شوب الشرك. والفرق بين هذِه الرقية والمنهي عنها من رقية المعزمين الذين يدعون تسخير الجن أن الأولى هي الطب الريحاني، وعليه الصالحون، فلما عدموا فزع الناس إلى الطب الجسماني.

стр. 16558

٣٦ - باب العَيْنُ حَقٌّ ٥٧٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَيْنُ حَقٌّ». وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ. [٥٩٤٤ - مسلم: ٢١٨٧ - فتح ١٠/ ٢٠٣] ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "العين حق". ونهى عن الوشم (ويأتي في اللباس (١). وأخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) بدون الوشم) (٤). الشرح: معناه: الإصابة بها حق، ولها تأثير في النفوس إبطالا لمن زعم من الطبائعيين أنه لا شيء إلا ما تدركه الحواس الخمس، وما عداها فلا حقيقة له. وقوله: (ونهى عن الوشم). هو بالمعجمة مصدر وشم: إذا غرز بإبرة ثم ذر عليها (النؤر) (٥) والنيلج والاسم أيضًا: الوشم. فائدة: روى مالك عن حميد بن قيس أنه ﷺ قال لحاضنة ابني جعفر: "ما لي أراهما ضارعين"؟ فقالت: يا رسول الله، تسرع إليهما العين. فقال ﷺ : "استرقوا لهما، فلو سبق شيء القدر لسبقته العين" (٦).

стр. 16559

قال أبو عبد الملك: واختلف المتأخرون: هل يقضى على العائن بالوضوء أم لا؟ والصواب: نعم؛ لأنه ﷺ أمر عامر بن ربيعة أن يغتسل لسهل بن حنيف فاغتسل.

стр. 16560

٣٧ - باب رُقْيَةِ الحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ ٥٧٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ، سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْحُمَةِ، فَقَالَتْ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ الرُّقْيَةَ مِنْ كُلِّ ذِي حُمَةٍ. [مسلم: ٢١٩٣ - فتح ١٠/ ٢٠٥] ذكر فيه حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الرُّقْيَةِ مِنَ الحُمَةِ، فَقَالَتْ: رَخَّصَ رسول الله ﷺ الرُّقْيَةَ مِنْ كُلِّ ذِي حُمَةٍ. (هذا الحديث أخرجه مسلم (١) والنسائي) (٢) (٣)، وقد سلف الكلام على الحمة في باب من اكتوى (٤) واضحا، وهذا الحديث يبين ما روي عن علي وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: الرقى والتمائم والتِوَلة شرك (٥) أن المراد بذلك رقى الجاهلية وما يضاهي السحر من الرقى المكروهة.
следующие страницы →