وقول أبي سلمة: فما رأيته نسي حديثا غيره. لعله كان سمع هذا الحديث قبل أن يسمع من رسول الله ﷺ "من بسط ردائه، ثم ضمه إليه عند فراغي من مقالتي لم ينس شيئا سمعه من مقالتي" (١). وقيل: يريد من "مقالتي" تلك: الذي قال اليوم. وقيل: يحتمل أن يكون حديثه الآخر ناسخا للأول فسكت عن المنسوخ.
الْحَقِّ، يَخْطَفُهَا مِنَ الْجِنِّيِّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ». قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُرْسَلٌ "الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ". ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَسْنَدَهُ بَعْدَهُ. [انظر: ٣٢١٠ - مسلم: ٢٢٢٨ - فتح ١٠/ ٢١٦]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث أبي هريرة من طريقين أنه ﷺ قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا، وفي آخره: "إِنَّمَا هذا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ". (وهو من أفراده في الأول، والثاني يأتي في الديات، وأخرجه معه مسلم والنسائي قريبًا في آخر الثاني عن ابن شهاب، عن ابن المسيب أنه ﷺ قضى في الجنين. وهذا مرسل، وأخرجه كذلك النسائي (١)، وأسنده الإسماعيلي من طريق ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة وقال: أسنده ابن أبي ذئب ويونس، وأرسله مالك وفليح) (٢).
ثانيها:
حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ. وقد سلف (في البيوع والإجارة والطلاق، وأخرجه مسلم والأربعة) (٣)(٤).
стр. 16594
ثالثها:
حديث عائشة ﵂ قالت: سأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَاسٌ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: "لَيْسَ بِشَيْءٍ" .. الحديث. وفي آخره: قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُرْسَلٌ "الْكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ". ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَسْنَدَهُ بَعْد. (ويأتي في الأدب والتوحيد، وأخرجه مسلم أيضًا) (١)(٢).
وفي هذِه الأحاديث ذم الكهان، وذم من تشبه بهم في ألفاظهم؛ لأنه ﷺ كره قول ولي المرأة لما أشبه سجع الكهان الذي يستعملونه في الباطل ودفع الحق، ألا ترى أنه أتى بسجعة (سجعها) (٣) على الشارع في دفع شيء قد أوجبه عليه، فاستحق بذلك غاية الذم وشدة العقوبة في الدنيا والآخرة، غير أنه ﷺ جبله الله على الصفح عن الجاهلين وترك الانتقام لنفسه فلم يعاقبه في اعتراضه عليه، كما لم يعاقب الذي قال له: إنك لم تعدل منذ اليوم، ولم يعاقب موالي بريرة في اشتراطهم ما يخالف كتاب الله وأنفذ حكم الله في كل ذلك.
فإن قلت: فالسجع كله مكروه؟
قلنا: لا، قد وقع في كلام الرسول ﷺ حيث يقول: "يقول العبد مالي مالي، ومالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأبقيت" (٤). نبه عليه ابن النحاس.
стр. 16595
فصل:
قوله: (فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصابت بطنها وهي حامل فقتلت ولدها فقضى فيه بالغرة). فصلت المالكية فقالوا: إذا ضربها في بطنها وخرج الجنين بعد حيا ثم مات بعد أن استهل فعليه القود عند ابن القاسم، خلافا لأشهب، وإن ضربها في ظهرها فعليه القود عند ابن القاسم، وإن ضرب رأسها فخلاف بين ابن أبي زيد وأبي موسى بن مياس، فألحقه الأول بالرجل واليد، وألحقه الثاني بالبطن والظهر (١).
فصل:
قوله: (فقتلت جنينها الذي في بطنها). وقال بعد: فطرحت جنينها. يريد ميتا، كما فسره في مسلم.
فصل:
قال كافة العلماء بالغرة، وخالف فيه قوم فقالوا: لا شيء فيه؛ حكاه في "المعونة" (٢)، وهو منابذ للنص فلا يلتفت إليه.
فصل:
الغرة: الخيار، فعبر عن الجسم كله بها، قال مالك: الحمران أحب إلى من السودان. يريد البيض، فإن لم يكن في البلد فالسود؛ قاله الأبهري.
وقال أبو عمرو بن العلاء: لا يؤخذ إلا من البيض؛ لقوله: غرة، وإلا لقال عبدًا أو وليدةً.
стр. 16596
فصل:
قال مالك عن ربيعة: يقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم.
قال أشهب: ولا يؤخذ من أهل الإبل غيرها كالدية وهي خمس فرائض: بنت مخاض، وبنت لبون، وابن لبون، وحقة، وجذعة (١).
وفي "المدونة": لا تؤخذ الإبل (٢).
وقال ابن القاسم: تؤخذ من أهل الإبل، والعين من أهله.
وقال أشهب: كل جنس عليهم كسبهم (٣).
وقال عيسى: القاتل مخير بين إعطاء غرة قيمتها ما سلف، أو يعطي الدراهم أو الدنانير.
ونقل ابن شعبان في "زاهيه" عن بعض أصحابهم أن الغرة أيضًا: الخيل.
فصل:
قوله: (غرة عبد أو أمة). يروى بالتنوين والإضافة، وعزي الأول إلى سائر رواة "الموطأ" (٤)، ورواية ("بغرة عبد أو وليدة") (٥) يحتمل -كما قال ابن التين- أن يكون شكا من الراوي، لكن مالكا قال: أو وليدة، قال: وهذا المعول عليه، زاد الشعبي: أو مائة وعشرين من الشاء. وقال مرة: قيمتها مائة من الغنم. زاد طاوس: أو فرس، وهو يؤيد ما سلف، (وجاء: أو فرس أو بغل.
стр. 16597
قال البيهقي: وهي زيادة غير محفوظة وإن أخذ بها بعض السلف (١).
وقال ابن القطان: صحيحة لضعف الاعتلال (٢).
قلت: وأخرجها ابن حبان في "صحيحه" من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة (٣)(٤).
فصل:
وقوله: (فقال ولي المرأة التي غرمت كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل) .. إلى آخره. يريد من لم يشرب ولم يأكل، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾.
فصل:
هذا دليل على أن الجانية غرمت الغرة وحدها، قال ابن التين: وهو مشهور مذهب مالك، وعنه أنها على العاقلة؛ لأنها دية، وبه قال الشافعي، وحجته رواية البخاري (فقال الذي قضي عليه: كيف أغرم .. ؟) إلى آخره، و (الذي قضي عليه) رجل من العصبة.
فصل:
وقوله: (بطل). روي بالموحدة وبالمثناة تحت، أي يهدر ولا تكون فيه دية.
قال الخطابي: والذي سمعت الأول.
стр. 16598
قال صاحب "الأفعال": طَل الدم وطُل: إذا هدر (١)، قال الشاعر:
وما مات منا ميت في فراشه … ولا طل منا حيث كان قتيل
وقد قيل: أطل الدم، بمعنى طل، ولم يعرفه الأصمعي.
(قال أبو زيد: طُل دمه فهو مطلول، وأطل دمه) (٢) وطله الله وأطله، قال: ولا يقال طل دمه بالفتح، وأبو عبيدة والكسائي يقولانه، قال أبو عبيدة: فيه ثلاث لغات: طُل دمَه وطَل دمُه وأطل دمه (٣).
وقال ابن دريد: أهل الحديث يقولونه بالباء وهو تصحيف، وإنما هو بالياء.
فصل:
معنى استهل: صاح عند الولادة وهو البكاء.
فصل:
قد أسلفنا أنه ﷺ لم يعبه لأجل السجع، إنما كره سجعه بالباطل؛ لأن الكهان يموهون أباطيلهم بالأسجاع فيظن أن تحتها حقا وإلا فقد قال ﷺ : "قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق". وسلف غيره أيضًا (٤).
فصل:
واختلف فيمن يرث الجنين، فقال مالك: هي موزونة على فرائض الله. وقال أيضًا: هو كبضعة من أمه ترثه وحدها. وقال أيضًا: هو بين
стр. 16599
أبويه، الثلثان للأب، وللأم الثلث. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وأيهما خلا به فهو له. كذا في ابن التين، وإنما يخلو به الأب إذا ماتت المرأة من الضرب، ثم خرج الجنين ميتا، على قول أشهب والشافعي، وأما ابن القاسم فيقول: لا شيء فيه؛ لأنه مات بموت أمه، وتخلو به الأم إذا مات الأب قبل أن تطرحه. كذا فيه أيضًا.
فصل:
واحتجاج العلماء بهذا الحديث وهو (سببها قضية في عين معلوم بشخصها) (١) فعدوها، وهو كرجم ماعز لما علم سببها، فالعلم بالسبب كالتعليل، يرد إليه ما شابهه، وهذا فعل من يقول بالقياس في الأحكام على العلل، وهو كثير.
فصل:
استدل أبو سعيد الهروي (٢) بهذا الحديث على صحة قول مالك أن الرجل والمرأة سواء في عقل الجراح حتى تبلغ دية جرح المرأة بثلث دية الرجل، فيكون حينئذ للمرأة نصف ما للرجل، ووجهه أنه ﷺ قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة، ولم يفصل بين الذكر والأنثى؛ لأنه قليل من
стр. 16600
الدية، فكذا ما حل محله في كونه قليلا دون الثلث، فالذكر والأنثى فيه سواء، فإذا بلغ الثلث صار كثيراً؛ لقوله: "الثلث والثلث كثير". وليس ظاهرًا لما استدل له.
فصل:
النهي عن ثمن الكلب عندنا على العموم، وقال ابن التين: قيل: هو على كلب الدور، وقيل: على العموم.
و (البغي): الزانية، سمي ما يعطى لها مهرا من كونه قوبل بالوطء، وإلا فلا مهر لها.
و (حلوان الكاهن): ما يعطاه على كهانته، وقام الإجماع على تحريمه؛ لأنهم يأخذون أجرة ما لا يصلح فيه أخذ عوض، وهو الكذب الذي يخلطونه مع ما يسترقه الجني، فيفسدون تلك الكلمة بمائة كذبة أو أكثر، كما جاء في بعض الروايات، فلا ينبغي أن يلتفت إليهم، ولهذا قال ﷺ : "ليسوا بشيء".
وقد جاء فيمن أتى الكهان آثار شديدة، فروينا من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ من محمد ﷺ " (١).
وأخرجه ابن جرير بلفظ: "فقد كفر" (٢)، بدل: "برئ".
стр. 16601
وروى أيضًا بإسناده من حديث عمر أنه ﷺ قال: "من أتى عرافا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ولم ينظر الله إليه أربعين ليلة" (١).
فصل:
قوله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني". بينه في الخبر الآخر: "إذا قضى الله الأمر تكلم به حملة العرش، فيسمعه الذين يلونهم ثم الذين يلونهم إلى الملائكة، فتسترق الجنة السمع بعضهم فوق بعض، فيقذفون بالشهب، فربما ألقى الأعلى الكلمة إلى من دونه قبل أن يصيبه الشهاب فيلقيها الجني إلى الكاهن، فيخلط معها مائة كذبة أو أكثر". كما ذكرنا (٢).
وقوله: "فيقرها في أذن وليه". ضبط بضم الياء وكسر القاف على أنه رباعي من أقر، قال ابن التين: وكذا قرأناه. وقال الجوهري: قررت على رأسه دلوا من ماء، أي: صببته. قال: وقر الحديث في أذنه يقره كأنه صب فيها (٣). وقال ابن الأعرابي: القر: ترديد الكلام في أذن الأبكم حتى يقضيه (٤)(٥). ومن رواه: "كقر الدجاجة" أراد صوتها إذا قطعته، يقال: قرت الدجاجة تقر قرا وقريرا، فإن رددته قلت: قد قرت قرقرة.
وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ وقوله: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ وقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ والنفاثات: السواحر. وقوله: ﴿تُسْحَرُونَ﴾: يعمون.
قلت: وحكى الثعلبي: ﴿فأنى تسحرون﴾: تخدعون وتصرفون عن توحيده وطاعته.
وقال ابن عطية: السحر هنا مستعار، وهو تشبيه لما وقع منهم من التخليط، ووضع الأفعال والأقوال عن موضعها بما يقع من المسحور، عبر عنه بذلك.
وقالت فرقة: ﴿تسحرون﴾ يمنعون (١).
ثم ساق حديث عِيسَى بْن يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رجُلٌ مِنْ بَنِي زُريقٍ .. الحديث بطوله.
ثم قال: تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو ضَمْرَةَ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ: "في مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ". يُقَالُ: المُشَاطَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الشَّعَرِ إِذَا مُشِطَ، وَالْمُشَاقَةُ مِنْ مُشَاقَةِ الكَتَّانِ.
وذكر الدارقطني في "علله" من هذِه المتابعات متابعة الليث وابن عيينة وأبي أسامة وأبي ضمرة، وأسند البخاري متابعة أبي أسامة قريبًا في باب السحر أيضًا عن عبيد بن إسماعيل عنه (٢)، وأبي ضمرة عن
стр. 16604
إبراهيم بن المثنى عنه، وابن عيينة عن عبد الله بن محمد عنه. والحديث سلف في الجهاد (١) مع الجواب عن اعتراض الملحدين عليه. ثم السحر له حقيقة عندنا وعند مالك وأبي حنيفة، وقد يمرض من يفعل به ويموت خلافا لمن نفاه وقال إنه تخييل وشعوذة، والحجة عليه هذِه الآية؛ لأنه جعلهم كفرة بتعليمه، فثبت أن له حقيقة، فإذا تاب قبلت توبته عندنا، خلافا لمالك، قال: ولا يستتاب، وإن قال: تبت فلا تقبل منه، قالوا: لأنه مستسر فلم تقبل كالزنديق؛ ولأن علمه به وفعله له كفر عملا بالآية السالفة، فلا تكفر (أي: بتعلمه والآلام الحاصلة بفعل الله، واعتقاد أنه من فعله وأنه قادر عليه كفر) (٢). وبقول مالك قال أحمد، وروي قتله عن عمر وعثمان وابن عمر وحذيفة وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين.
وقال الشافعي: لا يقتل إلا أن يقتل بسحره. وروي عنه أيضًا أنه يسأل عن سحره، فإن كان كفرا استتيب منه. وعن مالك: فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبا قبل أن يشهد عليهما بذلك قبلت توبتهما، والحجة لذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ فدل على نفعه قبله، فكذا هذان. وقال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها: تنكل ولا تقتل.
وقرأ الحسن وابن عباس: (وما أنزل على الملِكَين)، بكسر اللام (٣).
стр. 16605
والحديث يدل على أنهما من الملائكة، وأبعد من قال: إن (ما) في ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ نافية، وهو مذهب علي بن سليمان، وقال: المعنى: وما أنزل السحر على الملكين، ويكون ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أن يعلما ولم ينزل عليهما، ولا يصح، كما قاله الزجاج؛ لأن ما جاء في الحديث والتفسير في قصة الملكين أشبه.
وقال غيره: لم يتقدم أحد قال هذا، ولا ما يدل عليه فينفى، والحجة لمن قاله أن تكون الشياطين قالت ذلك.
قال أبو إسحاق: ومن جعل (ما) جحدًا جعل هاروت وماروت من الشياطين وجمعا على الجنس، أو لأن التثنيه جمع.
وقال الحسن: هاروت وماروت علجان من أهل بابل (١).
وقال علي: الملكان يعلمان تعليم إنذار لا تعليم دعاء. وعلى هذا أكثر اللغويين.
فصل:
زريق بتقديم الزاي على الراء.
وقوله: ("أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته"). أي: أجابني فيما دعوته، سمى الدعاء استفتاء لأن الداعي طالب والمجيب مسعف، فاستعير أحدهما للآخر.
وقوله: ("جاءني رجلان"). أي: ملكان في صورة رجلين، وظاهره يقتضي أن يكون يقظة، وإن كان مناما فرؤياه وحي.
وقوله: ("ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ ")
стр. 16606
مطبوب، أي: مسحور، وطبه: سحره، وقيل: كنى عنه كما كنى عن اللديغ بسليم، قاله الفراء، وطبه بفتح الطاء وقد سلف أنه مثلث، وفي "الصحاح": والطَب والطُب لغتان في الطب (١).
وقوله: "في مشط ومشاطة". المشط بضم الميم و (سكون) (٢) الشين المعجمة وضمها وبكسر الميم وسكون الشين وممشط و (مشقأ) بالهمز وتركه ومشقاء ممدود وملد ومرجل وقيلم بفتح القاف؛ ذكره الزاهد في "يواقيته". والمشط: بيت صغير يقال له مشط الذئب، والمشط: سلاميات ظهر القدم، ومشط الكتف: العظم العريض. فله عدة معان على غير الآلة المعروفة.
وقال القرطبي: ويحتمل أنه ﷺ سحر في أحد هؤلاء الأربعة (٣).
وقال ابن سيده في "محكمه": والمشط: سمة من سمات البعير تكون في العين والخد والفخذ، والمشط: سبحة فيها أسنان وفي وسطها هراوة يقبض عليها ويعطى بها الحب (٤).
وأما الجف فبجيم مضمومة ثم فاء، وهذا هو المشهور. وقال أبو عمر: روي بالباء الموحدة. قال الهروي: أي: في جوفه. وقال: وجف البئر: جوانبها، وهو من أعلاها إلى أسفلها.
وقال النووي: أكثر نسخ بلادنا عليه، وفي بعضها بالفاء، وهما بمعنى واحد وهو الغشاء الذي يكون على الطلع، وإذا انشق الجف ظهر، ويطلق على الذكر والأنثى، ولهذا قيد في الحديث بقوله: ("طلعة ذكر")، بإضافة (طلعة) إلى (ذكر) (٥).
стр. 16607
وذكر القرطبي أن الذي بالفاء هو وعاء الطلع هو الغشاء الذي يكون عليه، وبالباء قال شمر: أراد به داخل الطلعة إذا خرج منها (الكُفُرى) (١)، كما يقال: لداخل الرَّكِيَّة (٢) من أسفلها إلى أعلاها جب، وقد قيل فيه: إنه من القطع؛ يعني: ما قطع من قشورها (٣)، وعبارة ابن بطال: قال المهلب: الجف: غشاء الطلع. وقال أبو عمرو الشيباني: شيء يند من جذوع النخل.
فصل:
قوله: ("في بئر ذروان"). كذا في البخاري، وفي بعض نسخه: "ذي أروان"، وهو ما في مسلم (٤).
وقال القتبي عن الأصمعي: إنه الصواب، وهو واد بالمدينة في بني زريق من الخرزج. وفي الدعوات منه: ذروان في بني زريق (٥). وعند الأصيلي عن أبي زيد: ذي أوان، من غير راء، وهو وهم كما قاله في "المطالع"، إنما ذو أوان موضع آخر على ساعة من المدينة، وبه بني مسجد الضرار.
وقال ابن التين: ذروان ضبط في بعض الكتب بفتح الراء، وهو الذي قرأته، وفي بعضها (بسكونها) (٦)، وهو أشبه في العربية؛ لأن حروف العلة إذا تحركت وانفتح ما قبلها قلبت ألفا.
стр. 16608
وفي كتاب البكري: قال القتبي: هي بئر أروان، بالهمز مكان الذال.
وقال الأصمعي: وبعضهم يخطئ فيقول: ذروان.
فصل:
قوله: (كأن ماءها نقاعة الحناء). هو بضم النون ثم قاف. والحناء ممدود جمع حناءة، ونقاعتها حمراء، أخبر ﷺ بلون مائها.
وقال الداودي: هو الماء الذي يكون من غسالة الإناء الذي تعجن فيه الحناء.
وقوله: ("كرهت أن أثور على الناس شرا"). قيل: إن السحر إذا خرج تعلمه من لا يتقي الله. وقيل: إن لبيدا منافق، فربما احتمى له قومه إن هو طولب. وقيل: إنه حليف ليهود، وهو ما في البخاري، وللنسائي: رجل من اليهود.
وقال ابن الجوزي: وهذا يدل على أنه كان أسلم وهو منافق.
قال الداودي: وفيه أنه يخشى من السحر إذا استخرج على سائر الناس، وأن دفنه يذهب مضرته. قال: وقوله: "كأن رءوس نخلها رؤوس الشياطين". يعني: أن السحر عمل في النخل حتى صار أعلاها وأعلا طلعها كأنه رؤوس دابة ذلك وهي الحيات.
وقال الفراء في الآية من العربية ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشبه طلعها في قبحه برؤوس الشياطين؛ لأنها (موصوفة) (١) بالقبح.
стр. 16609
ثانيها: أن العرب تسمي بعض الحيات شيطانا، وهو معروف قبيح الوجه.
ثالثها: يقال إنه نبت قبيح يسمى بذلك (١). قال غيره: وهو باليمن يقال له (الأسربات) (٢).
فإن قلت: كيف شبه بها ونحن لم نرها؟
قلت: على من قال هي نبت أو حيات ظاهر، وعلى الثالث أن المقصود ما وقع عليه التعارف من المعاني، فإذا قيل: فلان شيطان، فقد علم أن المعنى: أنه خبيث قبيح، والعرب إذا قبحت مذكرا شبهته بالشياطين، وإذا قبحت مؤنثا شبهته بالغول، ولم ترها.
والشيطان نونه أصلية، ويقال: زائدة.
فائدة:
قال القرطبي: هذِه الأرض التي فيها النخيل والبئر خراب لا تعمر لرداءتها فبئرها معطلة ونخيلها مهملة.
أخرى:
تغير ماء البئر إما لردائته وطول إقامته وإما لما خالطه ما ألقي فيه (٣).
стр. 16610
٤٨ - باب الشِّرْك وَالسِّحْر مِنَ الْمُوبِقَاتِ
٥٧٦٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ». [انظر: ٢٧٦٦ - مسلم: ٨٩ - فتح ١٠/ ٢٣٢]
ذكر فيه حديث ثَوْرِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ، واسمه: سالم مولى عبد الله بن مطيع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السبع المُوبِقَاتِ، الشِّرْكُ باللهِ، وَالسِّحْرُ".
هذا الباب حذفه ابن بطال وغيره، وحذف الحديث أيضًا لكونه سلف (في الوصايا) (١)، وثور بن زيد هذا أخرج له مسلم، وثور بن زيد الشامي من أفراد البخاري والله أعلم.
الشيطان، وهي ضرب من الرقى والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن، وقال الحسن: إن النشرة من السحر (١)، وقد نشرت عنه تنشيرا، وفي الحديث: هلا تنشرت؟ ويأتي.
و (راعوفة) البئر وأرعوفتها: حجر ناتئ على رأسها لا يستطاع قلعه يقوم عليه المستقي، ويقال هو في أسفلها. قاله ابن سيده (٢)، وقدمه ابن بطال على الأول (٣)، وقال أبو عبيد: هي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت تكون باقية هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي فوقها. وقيل: هو حجر ناتئ في بعض البئر صلبًا لا يمكنهم حفره فيترك على حاله (٤).
وقال الأزهري في "تهذيبه": عن شمر عن خالد: راعوفة البئر: النطَّافة، قال: وهي مثل عين على قدر جحر العقرب يبض في أعلى الركية، فيجاوزونها في الحفر خمس قِيَم فأكثر، فربما وجدوا ماء كثيرا تبجسه، قال شمر: من ذهب بالراعوفة إلى النطَّافة فكأنه أخذه من رعاف الأنف، وهو: سيلانُ دمِه وقطرانُه، ويقال ذلك سيلان الذنين، ومن ذهب بها إلى الحجر الذي يتقدم طي البئر على ما ذكر عن الأصمعي، فهو من رعف الرجل أو الفرس إذا تقدم وسبق، وكذلك استرعف (٥).
وادعى (ابن التين) (٦) أرعوفة، وفي أكثر الروايات: رعوفة، وأن
стр. 16613
عند الأصيلي: راعوفة، وهو ما رأيناه في الأصول، قال: والذي ذكر أهل اللغة أن فيها لغتين: راعوفة وأرعوفة بالضم، ثم حَكى الاختلاف فيها هل هي صخرة في أسفل البئر إذا احتفرت يجلس عليها المنقي، سميت بذلك لتقدمها وبروزها من قولهم: جاء فلان يرعف الخيل أي: يتقدمها، أو في جنبه لا يقدر الحافر قلعها فيتركها؟.
فصل:
قال المهلب وقع هنا: فاستخرج السحر، ووقع في باب السحر: أفلا استخرجته، (فأمر بها) (١)، قال: ("قد عافاني الله") فدفنت، وهو اختلاف من الرواة، ومدار الحديث على هشام بن عروة، وأصحابه مختلفون في استخراجه، فأثبته سفيان في روايته من طريقين في هذا الباب، وأوقف سؤال عائشة رسول الله ﷺ عن النشرة، ونفى الاستخراج عيسى بن يونس، وأوقف سؤالها رسول الله ﷺ عن الاستخراج، ولم يذكر أنه جاوب عن الاستخراج بشيء، وحقق أبو أسامة جوابه ﷺ إذ سألته عائشة عن استخراجه بلا. ولا ذكر النشرة، والزيادة من سفيان مقبولة؛ لأنه أثبتهم، وقوي ثبوت الاستخراج في حديثه لتكرره فيه مرتين، فبَعُد من الوهم فيما حقق من الاستخراج، وفي ذكره النشرة في جوابه ﵇ مكان الاستخراج، وفيه وجه آخر يحتمل أن يحكم بالاستخراج لسفيان ويحكم لأبي أسامة بقوله: لا، على أنه استخرج الجف بالمشاقة، ولم يستخرج صورة ما في الجف من المشط وما ربط به؛ لئلا يراه الناس فيتعلمون إن أرادوا استعمال السحر، فهو عندهم مستخرج من البئر وغير مستخرج من الجف.
стр. 16614
فصل:
اختلف السلف هل يُسأل الساحر عن حل السحر (عن المسحور) (١)، فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري، وكرهه الحسن البصري وقال: لا يعلم ذلك إلا ساحر، ولا يجوز إتيان الساحر؛ لما روى سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة عن ابن مسعود ﵁ قال: من مشي إلى كاهن أو ساحر فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٢).
قال الطبري: وليس ذلك عندي سواء، وذلك أن مسألة الساحر عقد السحر مسألة منه أن يضر من لا يحل ضره، وذلك حرام، وحل السحر عن المسحور نفع له، وقد أذن الله لذوي العلل في العلاج من غير حصر معالجتهم منها على صفة دون صفة، فسواء كان المعالج مسلما تقيا أو مشركًا ساحرًا، بعد أن يكون الذي يتعالج به غير محرم، وقد أذن رسول الله ﷺ في التعالج وأمر به أمته، فقال: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله" (٣) فسواء كان علم ذلك وحله عند ساحر أو غير ساحر، وأما معنى نهيه ﷺ عن إتيان السحرة فإنما ذلك على التصديق لهم فيما يقولون على علم ممن أتاهم بأنهم سحرة أو كهان، فأما من أتاهم لغير ذلك وهو عالم به وبحاله فليس بمنهي عنه ولا عن إتيانه.
стр. 16615
فصل:
اختلفوا في النشرة أيضًا، فذكر عبد الرزاق، عن عقيل بن معقل عن همام بن منبه قال: سئل جابر بن عبد الله ﵄ عن النشرة فقال: من عمل الشيطان.
وقال عبد الرزاق: قال الشعبي: لا بأس بالنشرة العربية التي لا تضر إذا وطئت، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وشماله من كلٍ، ثم يدبغه ويقرأ فيه ثم يغتسل به، وفي كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي وذوات ﴿قُلْ﴾ ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل عاهة إن شاء الله، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله (١)، وقولها لرسول الله ﷺ : (أفلا). أي: تنشرت دال على جوازها كما قال الشعبي، وأنها كانت معروفة عندهم لمداواة السحر وشبهه، ويدل قوله: ("أما الله فقد شفاني") وتركه الإنكار على عائشة على جواز استعمالها لو لم يشفه الله، فلا معنى لقول من أنكرها.
وقال القزاز: النشرة: الرقية، وهي كالتعويذ وهو التنشير، وفي الحديث أنه قال: ("فلعل طبا أصابه")، يعني سحرا، ثم نشره بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ أي رقاه. وقال الداودي: قولها (فهلا تنشرت)، تعني: يغتسل بماء أو يعوذ نفسه.
стр. 16616
٥٠ - باب السِّحْرِ
٥٧٦٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهْوَ عِنْدِي دَعَا اللهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟». قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، اليَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ. قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ». قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: «وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اللهُ وَشَفَانِي، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا». وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ. [انظر: ٣١٧٥ - مسلم: ٢١٨٩ - فتح ١٠/ ٢٣٥]
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ أيضًا، وفيه: "فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ".
وقد سلف الكلام عليه، قال عياض: بئر ذروان، كذا جاء في الدعوات (١). وغيره للبخاري، وعند مسلم (٢) كما في البخاري هنا، وقال القتبي: عن الأصمعي أنه الصواب (٣)، وينظر في سر تكرار البخاري الترجمة المذكورة في موضعين، والله أعلم.
стр. 16617
٥١ - باب مِنَ الْبَيَانِ سِحْر
٥٧٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ المَشْرِقِ، فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" أَوْ: "إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ". [انظر: ٥١٤٦ - فتح ١٠/ ٢٣٧]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قال: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ المَشْرِقِ، فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا" أَوْ: "إِنَّ بَعْضَ البَيَانِ لَسِحْرٌ".
هذا الحديث سلف في النكاح (١)، ولا بأس بإعادة نبذة منه، قال ابن بطال: والرجلان هما: عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر (٢)، وقال ابن التين: أحدهما الأهتم. روى حماد بن زيد عن محمد بن الزبير قال: قدم على رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، فقال رسول الله ﷺ لعمرو: "أخبرني عن الزبرقان" قال: (هو مطاع في ناديه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. قال الزبرقان) (٣): هو والله يا رسول الله يعلم أني أفضل منه، ولكنه حسدني شرفي فقصر بي. قال عمرو: إنه لزمر المروة، لضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال، يا رسول الله صدقت في الأولى وما كذبت في الأخرى، ولكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أسوأ ما علمت. فقال ﷺ : "إن من البيان لسحرا".
стр. 16618
(وقال ابن بشكوال في "غوامضه": رواه أكثر رواة "الموطأ" مرسلا ليس فيه ابن عمر (١). ثم قال: الرجلان: عمرو والزبرقان. ثم استشهد له من طريق الدارقطني من حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: اجتمع عند رسول الله ﷺ قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميون، فقام الزبرقان فقال: يا رسول الله، أنا سيدهم والمطاع فيهم والمجاب منهم، آخذ منهم حقوقهم وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك. يعني: عمرو بن الأهتم. فقال عمرو: إنه لشديد العارضة مانع لجانبه، مطاع في (ناديه) (٢). فقال الزبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو: أنا أحسدك؟ فوالله إنه لئيم الخال حديث المال أحمق الولد مبغض في العشيرة، والله يا رسول الله ما كذبت فيما قلت آخرًا، ولكني رجل رضيت فقلت أحسن ما عملت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت. فقال ﷺ .. الحديث) (٣).
واختلف العلماء في تأويله، فقال قوم من أصحاب مالك: إن هذا الحديث خرج على الذم للبيان، وقالوا: على هذا يدل مذهب مالك) واستدلوا بإدخاله هذا الحديث في باب ما يكره من الكلام، وقالوا: إنه ﷺ شبه البيان بالسحر والسحر مذموم محرم قليله وكثيره، وذلك لما في البيان من التفيهق وتصوير الباطل في صورة الحق، وقد قال
стр. 16619
- ﷺ "أبغضكم إليّ الثرثارون والمتفيهقون" (١) وقد فسره عامر بنحو هذا المعنى، وهو راوي الحديث عن رسول الله ﷺ ، كذا قيل. وليس هو في هذا الإسناد في الباب، وكذلك فسره صعصعة بن صوحان (فقال: أما قوله "إن من البيان سحرا" فالرجل يكون عليه الحق فيسحر القوم) (٢) ببيانه، فيذهب بالحق وهو عليه.
وقال آخرون: هو كلام خرج على مدح البيان، واستدلوا بقوله في الحديث: (فعجب الناس لبيانهما). قالوا: والإعجاب لا يقع إلا بما يحسن ويطيب سماعه. قالوا: وتشبيهه بالسحر مدح له؛ لأن معنى السحر: الاستمالة، وكل من استمالك فقد سحرك، وكان ﷺ أميز الناس بفصل البلاغة لبلاغته، فأعجبه ذلك القول واستحسنه، فلذلك شبهه بالسحر، قالوا: قد تكلم رجل في حاجة عند عمر بن عبد العزيز -وكان في قضائها مشقة- بكلام رقيق موجز، وتأنى لها وتلطف، فقال عمر بن عبد العزيز: هذا السحر الحلال. وكان زيد بن إياس يقول للشعبي: يا مبطل الحاجات. يعني: أنه يشغل جلساءه بحسن حديثه عن حاجتهم.
وأحسن ما يقال في ذلك: أن هذا الحديث ليس بذم للبيان كله ولا بمدح للبيان كله، ألا ترى قوله: ("إن من البيان لسحرا") ومن للتبعيض، وقد شك المحدث إن كان قال: ("إن من البيان")
стр. 16620
أو ("إن بعض البيان") وكيف يذم البيان كله وقد (عدد) (١) الله به النعمة على عباده فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ٣، ٤] ولا يجوز أن يعدد على عباده إلا ما فيه عظيم النعمة عليهم، وما ينبغي إدامة شكره عليه، فإذا ثبت أن بعض البيان هو المذموم، وهو الذي خرج عليه لفظ الحديث، وذلك الاحتجاج للشيء الواحد مرة بالفضل ومرة بالنقص، وتزيينه مرة وعيبه أخرى، ثبت أن ما جاء به من البيان مزينًا الحق ومبينا له فهو ممدوح، وهو الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز: هذا السحر الحلال، ومعنى ذلك أنه يعمل في استمالة النفوس ما يعمل السحر من استهوائها، فهو سحر على معنى التشبيه لا أنه السحر الذي هو الباطل الحرام (٢).
وقال ابن التين: الفصاحة حسنة، وهي منحة من الله، قال ﷺ : (أنا أفصح العرب بيد أني من قريش وربيت في بني سعد) (٣) وبعث عبد الملك بن مروان الشعبي إلى ملك الروم فكتب إليه: رسولك أحق بمكانك منك. فأخبر الشعبي عبد الملك فقال: لم يرك يا أمير المؤمنين. فذهب ما في نفسه وقال: حسدني فيك وأراد أن يغريني بك.
стр. 16621
٥٢ - باب الدَّوَاءِ بِالْعَجْوَةِ لِلسِّحْرِ
٥٧٦٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، أَخْبَرَنَا هَاشِمٌ، أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنِ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرُّهُ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ». وَقَالَ غَيْرُهُ: «سَبْعَ تَمَرَاتٍ». [انظر: ٥٤٤٥ - مسلم: ٢٠٤٧ - فتح ١٠/ ٢٣٨]
٥٧٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ، سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ». [انظر: ٥٤٤٥ - مسلم: ٢٠٤٧ - فتح ١٠/ ٢٣٨]
ذكر فيه حديث عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنِ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرُّهُ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ". وَقَالَ غَيْرُهُ: "سَبْعَ تَمَرَاتٍ".
ثم ساقه إليه أيضًا مرفوعا كذلك.
وقد سلف في الأطعمة، ويأتي قريبًا أيضًا (١).
قال ابن التين: أي: أكلهن في الصباح قبل أن يأكل شيئا. قلت: تؤيده رواية ابن نمير عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها كانت تأمر في الدواء بسبع تمرات عجوة غدوات على الريق.
قال الداودي: والعجوة من وسط التمر. قال القزاز: وهي مما غرس رسول الله ﷺ بالمدينة، وكذا قال ابن الأثير: أنها نوع من تمر المدينة أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد من غرس رسول الله ﷺ .
стр. 16622
وقال الجوهري: إنها ضرب بها من أجود التمر، ونخلها يسمى لينة (١)، وقيل: هذا ما لا يغفل معناه في طريقة علم الطب، ولو صح أن يخرج لمنفعة التمر في السم وجه من جهة الطب لم يقدر على إظهار وجه الاقتصار في العدد على سبع، ولا على الاقتصار على العجوة، ولعل ذلك كان لأهل زمنه ﷺ ، وقيل: يجعل الله الشفاء فيما شاء من عجوة وعدد، وقيل: أراد نخلا بعينه وهو لا يعرف الآن، والسم سينه مثلثة، ولم يذكر ابن التين الكسر، (وحكاها صاحب "المطالع") (٢)، وكونها عوذ من السم تبركا لدعوة سبقت من رسول الله ﷺ ، لا أن طبع التمر ذلك، قاله الخطابي (٣).
وحديثه: "لَا عَدْوى". فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ. سلف في الباب قبله.
وحديث أنس ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَا عَدْوى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ". قَالُوا: وَمَا الفَأَلُ؟ قَالَ: "كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ". وسلف في باب الفأل.
لا جرم أهمل ابن بطال هذا الباب من أصله، قال سحنون: إنما لم يورد الممرض على المصح، خشية أن ينال إبله الداء فيكذب في الحديث فيأثم، وقيل: لما يتأذى به المصح من الرؤية القذرة المنفرة، لا على أن المرض يعدي، قال أبو عبيد: وحمله بعض الناس على خوف الإعداء، وهو من شر ما حمل عليه الحديث؛ لأنه رخص في التطير، وكيف تقول هذا ورسول الله ﷺ ينهى عن الطيرة ويقول: "لا عدوى" ولكن وجه الحديث عندي أن ينزل بهذِه الصحيحة أمر فيظن المصح سبب ذلك الإعداء (١).
ألا تراه يقول في الحديث: ("فمن أجرب الأول؟ ") وقيل: ربما علق ذلك بالصحيحة فكان ذلك سببًا للمرض بقدر الله تعالى، وقد أسلفنا عن عيسى بن دينار أنه منسوخ بحديث "لا عدوى ولا طيرة" وقال يحيى بن يحيى: سمعت أن تفسيره: أن الرجل يكون به الجذام فلا ينبغي له أن يحل محله الصحيح؛ لأنه يؤذيه، وإن كان لا يعدي فالأنفس تكرهه، وإنما نهى عن ذلك للأذى لا للعدوى، وإني لأكره صاحب الإبل أن يحمل على الصحيح من الماشية إلا أن لا يجد عن ذلك غناء فيرد.
стр. 16626
وقد أسلفنا ذلك فيما مضى.
وقوله: (فيأتيه البعير الأجرب فتجرب)، هو بفتح الراء يقال: جرب الجمل -بالكسر- فهو أجرب.
قال ابن بطال (١): ولا أعلم خلافًا فيمن سم طعامًا أو شرابًا لرجل فلم يمت أنه لا قصاص فيه، ولا حد، وفيه العقوبة الشديدة، والأدب البالغ قدر ما يراه الإمام في ذلك.
فإن قلت: كيف فيه العقوبة والشارع لم يعاقب من وضع له فيه السم فيها؟
قلت: كان ﵇ لا ينتقم لنفسه ما لم تنتهك حرمات الله، وكان يصبر على أذى المنافقين واليهود، وقد سحره لبيد بن الأعصم، وناله من ضرر السحر ما لم ينله من ضرر السم في الشاة، ولم يعاقب الذي سحره؛ لأن الله تعالى كان قد ضمن لنبيه أنه لا يناله مكروه، وأن لا يموت حتى يبلغ دينه، ويصدع بتأدية شريعته، وكان معصومًا من ضرر الأعداء، قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وغيره من الناس بخلاف ذلك، (وكذا) (٢).
الفرق بينه وبين غيره، واختلف فيمن سم طعامًا أو شرابًا لرجل فمات منه، فذكر ابن المنذر عن الكوفيين: إذا سقاه سمًا أو جربه به فقتله فلا قصاص عليه وعلى عاقلته الدية، وقال مالك: إذا استكرهه فسقاه سمًا فقتله فعليه القود (٣).
قال الكوفيون: ولو أعطاه إياه فشربه هو لم يكن عليه فيه شيء، ولا على عاقلته من قبل أنه هو شربه، وقال الشافعي: إذا جعل السم في طعام رجل أو شرابه فأطعمه أو سقاه غير مكره له، ففيه قولان:
стр. 16629
أحدهما: أن عليه القود، وهو أشبههما.
وثانيهما: أن لا قود عليه، وهو آثم، لأن الآخر شربه، وإن خلطه فوضعه فأكله الرجل فلا عقل ولا قود ولا كفارة، وقيل: يضمن.
فصل:
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الدليل الواضح على صحة نبوة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام من وجوه منها: إخباره عن الغيب الذي لا يعلمه إلا من أعلمه الله بذلك، وذلك معرفته بأبيهم، وبالسم الذي وضعوه له في الشاة، وفيها تصديق اليهود له حين أخبرهم بأبيهم ومنه قول اليهود له: إن كنت نبيًا لم يضرك، فرأوا أنه لم يقتله السم وتمادوا في غيهم ولم يؤمنوا لما رأوا من برهانه في السم وفي إخباره عن الغيب.
وهذا الحديث يشهد بمباهتة اليهود وعنادهم للحق كما قال عبد الله بن سلام: اليهود قوم بهت (١).
فصل:
قوله: ("هل أنتم صادقوني؟ ") كذا في الأصول، وفي بعضها: "صادقي"، وذكره ابن التين باللفظ الأول وقال: صوابه في العربية الثاني أصله صادقوني؛ لأن النون تحذف للإضافة فيجتمع حرفا علة سبق الأول منهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ وقوله ﷺ لورقة بن نوفل: "أو مخرجي هم" (٢).
стр. 16630
فصل:
قولهم: (صدقت وبررت) هو بكسر الراء الأولى، قلت: وحكي فتحها.
فصل:
وقولهم: (نكون فيها يسيرًا ثم يخلفوننا فيها) أي: يدخلون مكاننا، ومنه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩].
فصل:
ذكر هنا أنه ﷺ علم بالسم ولم يذكر أنه علم به قبل الأكل أو بعده، وفي رواية أخرى: أهدت امرأة شاة مسمومة، فأكل منها هو وبعض أصحابه فمات بعضهم من ذلك السم وأمسك الله نفس نبيه إلى أن قال: "ما زالت أُكلة خيبر تعاهدني فهذا أوان انقطاع أبهري" (١) ويحتمل أن يكون الذي سألهم أهل المرأة أو غيرهم ويحتمل أن يكون في بعض الروايتين وهم.