← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16661–16700 · переход к 16666.

стр. 16661

ولأبي داود من حديث جابر: (أتيت) (١) النبي ﷺ -وهو محتب بشملة وقد وقع هدبها على قدمه، وفيه: "وإياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة" (٢). فصل: قولها: (فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير)، هو بفتح الزاي، والجلباب: الملحفة. وقوله: ("لا حتى يذوق عسيلتك") فيه رد واضح على ابن المسيب في دعواه حلها بالعقد، والعسيلة: حلاوة الفرج في الفرج ليس الإنزال، ودخلت الهاء في تصغير العسل؛ لأنه يذكر ويؤنث والغالب التأنيث، وقيل: إنما أنث لأنه أراد به العسيلة، وهي القطعة منه، يقال للقطعة من الذهب: ذهبة، وسمي به الجماع، شبهت لذته بالعسل. فائدة: معاوية هذا قرشي هاشمي مدني (٣)، روى عن رافع بن خديج وأبيه وجمع، وعنه ابنه والزهري وجمع، ثقة عالم، وروى له النسائي حديثًا "لا تمثلوا بالبهائم" (وابن ماجه) (٤) آخر (٥).

стр. 16662

٧ - باب الأَرْدِيَةِ وَقَالَ أَنَسٌ ﵁: جَبَذَ أَعْرَابِيٌّ رِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ . ٥٧٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ: فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُمْ. [انظر: ٢٠٨٩ - مسلم: ١٩٧٩ - فتح ١٠/ ٢٦٥] يريد به ما ذكره بعد في البرود والحبرة. ثم ساق حديث عليّ ﵁ دعا رسول الله ﷺ بِرِدَائِهِ فارتدى، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، حَتَّى جَاءَ البَيْتَ الذِي فِيهِ حَمْزَةُ، (فَاسْتَأْذَنَ) (١) فَأَذِنُوا لَهُمْ. سلف في البيوع والمغازي والخمر والشرب (٢). فيه؛ أن الرداء من لباسه ﷺ ، غير أنه لم يذكر في الحديث صفة لباسه به إن كان مشتملًا به أو متطيلسًا أو على هيئة لباسنا اليوم، وقد روي عن طاوس أنه قال: الشملة من الزينة التي أمر الله بأخذها عند كل مسجد (٣). فصل: وقوله: (جبذ أعرابي) أي: جذبه، وهو مقلوب منه، وأصل الجذب المد، والرداء تثنيته: رداءان أو رداوان، لأن كل اسم ممدود لا تخلو

стр. 16663

همزته أن تكون أصلية فتترك في التثنية على حالها فتقول: خطاءان وجزاءان (١)، أو تكون للتأنيث فتقلب واوًا لا غير مثل: صفراوان وسوداوان، وتكون منقلبة عن واو وياء مثل: كساء ورداء أو ملحقة مثل عِلباء وحرباء ملحقة بسِرْدَاح شِمْلال فأنت في ذلك كله بالخيار بين قلبها واوًا وتركها همزة. قاله في "الصحاح" (٢)، وهو أجود.

стр. 16664

٨ - باب لُبْسِ الْقَمِيصِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٣]. ٥٧٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلاَّ أَنْ لَا يَجِدَ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ مَا هُوَ أَسْفَلُ مِنَ الكَعْبَيْنِ». [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح ١٠/ ٢٦٦] ٥٧٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، وَوُضِعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [انظر: ١٢٧٠ - مسلم: ٢٧٧٣ - فتح ١٠/ ٢٦٦] ٥٧٩٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ. فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَقَالَ: «إِذَا فَرَغْتَ فَآذِنَّا». فَلَمَّا فَرَغَ آذَنَهُ، فَجَاءَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَجَذَبَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تُصَلِّ على أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ. [انظر: ١٢٦٩ - مسلم: ٢٤٠٠ - فتح ١٠/ ٢٦٦] ذكر فيه حديث ابن عمر ﵄ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ: "لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ القَمِيصَ". الحديث.

стр. 16665

وقد سلف (١). وحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، وَوُضِعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، والله أَعْلَمُ. وحديث نافع عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ جَاءَ ابنهُ .. الحديث، وسلف في الجنائز (٢)، وأخرج حديث جابر هنا عن عبدان: عبد الله بن عثمان (٣)، وفي الجهاد عن عبد الله بن محمد، وفي الجنائز عن مالك بن إسماعيل كلهم عن ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر (٤)، وأخرجه مسلم في التوبة عن زهير وأبي بكر وأحمد بن عبدة كلهم عن ابن عيينة، (والنسائي في الجنائز) (٥) (٦): قلت: جاء ذكر القميص في عدة أحاديث أخر.

стр. 16666

منها: حديث عائشة ﵂ (السالف في الجنائز) (١) كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة (٢). ومنها: حديث أم سلمة ﵂ عند الترمذي: كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص. ثم قال: حسن غريب إنما نعرفه من حديث عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريدة، عنها. وروى بعضهم هذا الحديث عن أبي تميلة، (عن عبد المؤمن بن خالد) (٣) عن عبد الله بن بريدة، عن أمه، عنها. وسمعتُ (٤) محمد بن إسماعيل (٥) يقول: حديث ابن بريدة عن أمه، عن أم سلمة أصح (٦). قلت: ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود عن زياد بن أيوب، عن أبي تميلة (٧). ومنها: حديث أسماء بنت يزيد بن السكن (قالت) (٨): كان كُمُّ يد رسول الله ﷺ إلى الرسغ. أخرجه أيضًا الترمذي، وقال: حسن غريب (٩). ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان ﷺ إذا لبس قميصًا بدأ

стр. 16667

بميامنه، أخرجه أيضًا، ثم قال: رواه غير واحد عن شعبة، ولم يرفعه، وإنما رفعه عبد الصمد بن عبد (الوارث) (١)، عن شعبة. ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢). ومنها: حديث أبي سعيد: كان ﷺ إذا استجد ثوبًا سماه باسمه: عمامة أو قميصًا أو رداءً .. الحديث أخرجه أيضًا (٣)، وذكر أبو داود أن حماد بن سلمة وعبد الوهاب أرسلاه (٤)، وفيما ذكرناه رد على قول ابن العربي في "سراجه": ما سمعت للقميص ذكرًا صحيحًا إلا في الآية السالفة، وحديث ابن أُبَي وتكفينه في قميصه، ولم أر لهما ثالثًا فيما يتعلق برسول الله ﷺ في خاصته. وقال ابن بطال: فيه أن لبس القميص من الأمر القديم، وكذا كل ما ذكر في حديث ابن عمر من السراويل والبرانس وغيرهما (٥). فصل: قوله في المحرم، في حديث ابن عمر: ("لا يجد النعلين فليلبس ما أسفل من الكعبين"). قال ابن حبيب: كان هذا في بدء الإسلام والنعال قليلة، فأما الآن فلا يلبس الخفين وإن قطعهما أسفل من الكعبين، وقال غيره: ظاهر قول مالك خلاف ذلك (٦).

стр. 16668

فصل: قال الداودي: في حديث أبي هذا خلاف حديث أنس، وأرى حديث أنس هو المحفوظ؛ لأنه قال هنا: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ وفي آخره: فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ جعل النهي بعد قوله: أليس قد نهاك. هذا هو المحفوظ؛ وإنما أنزل بعد التخيير: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية، وفي حديث ابن أبي نزلت هذِه في حياته، والصحيح ما رواه أنس، وإنما فعل ذلك رجاء التخفيف عنه.

стр. 16669

٩ - باب جَيْبِ الْقَمِيصِ مِنْ عِنْدِ الصَّدْرِ وَغَيْرِهِ ٥٧٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَثَلَ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ المُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تَغْشَى أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ، وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ، فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَوَسَّعُ. تَابَعَهُ ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ فِي الجُبَّتَيْنِ. وَقَالَ حَنْظَلَةُ: سَمِعْتُ طَاوُسًا، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: جُبَّتَانِ. وَقَالَ جَعْفَرٌ، عَنِ الأَعْرَجِ: جُبَّتَانِ. [انظر: ١٤٤٣ - مسلم: ١٠٢١ - فتح ١٠/ ٢٦٧] الجيب بالفتح يقال: جبت القميص، أجيبه وأجوبه، إذا قورت جيبه. ذكر فيه من حديث أبي عامر -واسمه عبد الملك بن عمرو العقدي أخرجا له- ثنا إبراهيم بن شافع -وهو مخزومي مكي، أخرجا له أيضًا- عن الحسن، عن طاوس، عن أبي هريرة ﵁ قال: ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد .. المذكور في الزكاة، وفيه: فقال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعيه هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا توسع. تابعه ابن طاوس عن أبيه، وأبو الزناد عن الأعرج في الجبتين وقال: سمعت حنظلة: سمعت طاوسًا يقول: سمعت أبا هريرة يقول: جبتان. قال جعفر عن الأعرج: جنتان.

стр. 16670

أما متابعة ابن طاوس عن أبيه فسلفت في الزكاة (١). وقوله: (وأبو الزناد) خرجه مسلم (٢) من طريق ابن عيينة عن [ … ] (٣)، وحديث حنظلة أخرجه الإسماعيلي عن الفضل بن سهل، ثنا إسحاق الرازي، ثنا حنظلة به، ثم قال: كأن أبا عبد الله أورد الخبر، فيصير ما يوضع فيه الشيء في الصدر، وليس هو كذلك، وإنما الجيب الذي يحيط بالعنق. جُيِّبَ الثوب أي: جعل فيه ثقب، فإدخاله ﷺ إصبعه في جيبه هو في هذا الموضع الذي وصف، إلا أنه وضع إصبعيه من الجيب حيث يلي الصدر. وقال البخاري في الزكاة: وقال الليث: حدثني جعفر بن هرمز، سمعت أبا هريرة، عن النبي ﷺ : "جبتان". ووقع في نسخة أبي ذر: جعفر بن حيان، فخطأ وصوابه ابن ربيعة وهو شيخ الليث. وقال ابن بطال: في هذا الحديث دلالة أن الجيب في ثياب السلف كان عند الصدر على ما (يصنع عندنا) (٤) اليوم بالأندلس، ووجهه أنه ﷺ شبه البخيل والمتصدق برجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فتبسط على جسد المتصدق، وتشد على يدي البخيل إذا همّ بالصدقة، وتمسكهما في الموضع الذي

стр. 16671

اضطرتهما إليه، وهو الثدي والتراقي، وذلك في صدره وفيه، يروم أن يوسع حلقها ولا تتسع، بينه قول أبي هريرة ﵁: أنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه هكذا في جبته يوسعها ولا تتسع، فبان أن جيبه ﵇ كان في صدره؛ لأنه لو كان في منكبه لم تكن يداه مضطرة إلى ثدييه وتراقيه، وهذا استدلال حسن (١). فصل: قوله: (تراقيهما) جمع: ترقوة بفتح التاء، قال الخليل وغيره: هي فَعْلُوة (٢)، ولا تقله بضم التاء، وهي: العظم الذي بين ثُغْرَةِ النَّحر والعَاتق (٣). وقال ثابت: الترقوتان: العظمان المشرفان في أعلى الصدر إلى طرف ثغرة النحر، وهي الهزمة التي بينهما. فصل: وقوله: (جبتان) بالباء والنون، يصح أن تميل بها، وأفصحها النون، وهو: ما يستتر به الإنسان فيجنه، أي: يغطيه. وقوله: (إلى ثديهما)، هو بضم الثاء جمع ثدي، مثل ظبي وظبى، وحلي وحلى، وثدي أيضًا بكسر الثاء لما بعدها من الكسر، وأصل جمعه فعول، اجتمع حرفا علة وسبق الأول بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وكسرت الدال لتصح الياء، والثدي يذكر ويؤنث، وهي للمرأة والرجل أيضًا، والجمع: أَثْدٍ مثل أطب هكذا

стр. 16672

في "الصحاح" (١)، وقال ابن فارس: الثدي للمرأة يذكر ويؤنث، وثندوة الرجل كثدي المرأة، وهو مهموز إذا ضم أوله، فإن فتحت لم تهمز (٢). وقوله: (حتى تغشى أنامله) الأنامل: رءوس الأصابع، واحدها: أنملة بالفتح، وكذا اقتصر عليه ابن التين، وفيها تسع لغات: تثليث الهمزة مع تثليث الميم، ومعنى قلصت: انقبضت وانضمت. والحلقة بسكون اللام، وكذا حلقة الباب والقوم، وجمعها حلق على غير قياس. وقول أبي هريرة: (فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعيه .. ) إلى آخره، قيل: فيه دليل أن جيبه كان في صدره؛ لأنه لو كان في منكبه لم تكن يداه مضطرتين إلى ثدييه وتراقيه، وهو ما أسلفناه أولاً.

стр. 16673

١٠ - باب مَنْ لَبِسَ جُبَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ فِي السَّفَرِ ٥٧٩٨ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الضُّحَى قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقٌ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ، فَتَلَقَّيْتُهُ بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ، فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ. [انظر: ١٨٢ - مسلم: ٢٧٤ - فتح ١٠/ ٢٦٨] ذكر فيه حديث المغيرة ﵁: وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأمِيَّةٌ، وقد سلف في الطهارة (والصلاة والجهاد، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه) (١) (٢)، وترجم عليه أيضا.

стр. 16674

١١ - باب جُبَّةِ الصُّوفِ فِي الغَزْوِ ٥٧٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ الإِدَاوَةَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ" فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [انظر: ١٨٢ - مسلم: ٢٧٤ - فتح ١٠/ ٢٦٨] وذكره بلفظ: (وعليه جبة من صوف) وهو دال على أن ثياب السلف في الحضر لم تكن أكمامها بضيق أكمام هذِه الجبة التي لبسها ﷺ في سفره؛ لأنه لم يذكر عنه أنه أخرج يديه من تحت ثيابه لضيق كميه إلا في هذِه المرة، ولو فعله في الحضر دائمًا لنقل. وفيه: دلالة أيضًا أن ثياب السفر أخصر من ثياب الحضر، فلباس الأكمام الضيقة والواسعة جائز إذا لم يكن مثل سعة أكمام النساء؛ لأن زي النساء لا يجوز للرجال استعماله على ما سنعلمه في كتاب الزينة، وقد كره مالك للرجل سعة الثوب وطوله، وأما لباس الصوف فجائز في الغزو وغيره إذا لم يرد لابسه به الشهرة. وسئل مالك عن لباس الصوف الغليظ، فقال: لا خير فيه في الشهرة، ولو كان يلبسه تارة وينزعه أخرى لرجوت، وأما المواظبة حتى يعرف به ويشتهر فلا أحبه، ومن غليظ القطن ما هو في ثمنه وأبعد من الشهرة منه، وقد قال ﷺ للرجل:

стр. 16675

"ليرى عليك مالك" (١). وقال مالك أيضًا: لا أكره لباس الصوف لمن لم يجد غيره، وأكرهه لمن يجد غيره؛ ولأن يخفي عمله أحب إليَّ، وكذلك كان شأن من مضى. قيل: إنما يريد التواضع بلبسه، قيل: يجد من القطن بثمن الصوف (٢). فصل: شاميّة -بتشديد الياء وتخفيفها- قال في "الصحاح": مَرْأة شَأَمِيَّةٌ، وَشَآمِيَةٌ مخففة الياء (٣). والإداوة: المَطْهَرة. وقوله: (ثم أهويت لأنزع خفيه)، أي: أومأت. وقوله: ("فإني أدخلتهما طاهرتين")، يريد بالطهر: الوضوء، وهذا مشهور مذهب مالك جواز المسح على الخف في السفر والحضر، وله قول آخر: اختصاصه بالسفر، وثالث: المنع مطلقًا، وعنه غير ذلك (٤).

стр. 16676

١٢ - باب: القَبَاءِ وَفَرُّوجِ حَرِيرٍ وَهْوَ القَبَاءُ، وُيقَالُ: هُوَ الذِي لَهُ شَقٌّ مِنْ خَلْفِهِ. ٥٨٠٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي. قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا فَقَالَ: «خَبَأْتُ هَذَا لَكَ». قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ. [انظر: ٢٥٩٩ - مسلم: ١٠٥٨ - فتح ١٠/ ٢٦٩] ٥٨٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا -كَالْكَارِهِ لَهُ- ثُمَّ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ». تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَرُّوجٌ حَرِيرٌ. [انظر: ٣٧٥ - مسلم: ٢٠٧٥ - فتح ١٠/ ٢٦٩] ذكر فيه حديث المسور بن مخرمة ﵄: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ منها شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي. قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا فَقَالَ: "خَبَأْتُ هذا لَكَ". قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ. (وقد سلف في الهبة والشهادات والخمس) (١) (٢).

стр. 16677

وحديث أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني -أخرجا له- عن عقبة بن عامر أنه قال: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا -كَالْكَارِهِ لَهُ- ثُمَّ قَالَ: "لَا يَنْبَغِي هذا لِلْمُتَّقِينَ". تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَرُّوجٌ حَرِيرٌ. وهذِه المتابعة سلفت مسندة أول الصلاة (١)، (وأخرجه مسلم والنسائي (٢)، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" وقال: فروج الحرير هو الثوب الذي يكون على ذروره حرير دون أن يكون الكل من الحرير، ولو كان الكل حريرًا ما لبسه ولا صلى فيه، وهذا معنى خبر عمر بن الخطاب إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع) (٣) (٤). القباء ممدود، وقال (ابن دريد) (٥): هو مأخوذ من قبوت الشيء، أي: جمعته (٦)، قال غيره: ومنه حرف مقبو إذا كان مضمومًا. قال ابن بطال: القباء من لبس الأعاجم على أن يكون ﵇ نزعه من أجل ذلك ففي أبي داود من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٧) ويمكن أن يكون نزعه من أجل أنه من

стр. 16678

حرير، وقد نهى ﷺ عن لباس الحرير لذكور أمته (١)، وسيأتي ما للعلماء فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى. والفروج بفتح الفاء وضمها. قال ابن فارس: الفُروج وضبط بالفتح، وهو قميص الصغير، قال: ويقال: هو القباء (٢). وقال غيره: فروج حرير وكذلك تقدم له، إلا أن في بعض الروايات. أن أحدهما مشدد الراء، والآخر مخفف، ويحتمل أن يريد أن أحدهما غير مضاف، والآخر مضاف، كثوب (حرير) (٣)، وباب حديد، وفي بعض الكتب ضبط أحدهما بفتح الفاء، والآخر بضمها، والفتح أوجه، لأن فعولًا بالضم ليس إلا في سبوح وقدوس وقروح. (فائدة: مخرمة والد المسور صحابي، وهو ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، أمه: رقيقة بنت أبي صيفي بن هشام بن عبد مناف، وولده المسور أمه عاتكة أخت عبد الرحمن بن عوف) (٤).

стр. 16679

١٣ - باب البَرَانِسِ ٥٨٠٢ - وَقَالَ لِي مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى أَنَسٍ بُرْنُسًا أَصْفَرَ مِنْ خَزٍّ. [فتح ١٠/ ٢٧١] ٥٨٠٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الوَرْسُ». [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح ١٠/ ٢٧١] وقال لِي مُسَدَّدٌ: ثَنَا مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى أَنَسٍ بُرْنُسًا أَصْفَرَ مِنْ خَزٍّ. كذا ذكره عن شيخه، وكأنه أخذه عنه مذاكرة. وروى ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن يحيى بن أبي إسحاق قال: رأيت على أنس بن مالك برنس (خز) (١) (٢). ثم ساق حديث ابن عمر ﵄ السالف: ما يلبس المحرم من الثياب. وفيه: "ولا البرانس". سئل مالك عن لباس البرانس: أتكرهها فإنها تشبه لباس النصارى؟ قال: لا بأس بها، وقد كانت تلبس هنا. وقال عبد الله بن أبي بكر: ما كان أحد من القراء إلا له برنس يغدو فيه وخميصة يروح فيها. وأما لباس الخز -وهو بخاء معجمة، وزاي- حرير خلط بوبر وشبهه وأصله من وبر الأرنب فسمي -وإن خلط بكل وبر- خزًّا من أجل خلطه. وقال ابن العربي في "سراجه": هو ما أحد نوعيه -السدى

стр. 16680

أو اللحمة- حرير، والآخر (سواه) (١) فقد لبسه جماعة من السلف، وكرهه آخرون، فمن لبسه: الصديق وابن عباس وأبو قتادة وابن أبي أوفى وسعد بن أبي وقاص وجابر وأنس، وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن الزبير وعائشة ﵁، ومن التابعين ابن أبي ليلى والأحنف بن قيس وشريح والشعبي وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز أيام إمارته -زاد ابن أبي شيبة في "مصنفه"- القاسم بن محمد وعبيد الله بن عبد الله والحسين بن علي وأبا بكرة وقيس بن أبي حازم وشبيل بن عزرة وأبا عبيدة بن عبد الله ومحمد بن علي بن حسين وسعيد بن المسيب وعلي بن زيد وابن عون، وعن خيثمة أن ثلاثة عشر من أصحاب محمد ﷺ كان يلبسون الخز (٢). قال أبو داود: وقد لبس من الصحابة عشرون نفسًا [أو] أقل أو أكثر (٣). وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يعجبني لبس الخز ولا أحرمه، وروى عنه ابن القاسم كراهته. قال الأبهري: إنما كرهه من أجل السرف، ولم يحرمه لأجل من لبسه من الصحابة، والنهي عنه لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وكرهه ابن عمر وسالم والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير، وكان ابن المسيب لا يلبسه ولا ينهى عنه. وقال علي بن زيد: جلست إلى سعيد بن المسيب وعليه جبة خز فأخذ بكم جبتي وقال: ما أجود جبتك. قلت: وما تغني! قد أفسدوها علي. قال: ومن أفسدها؟ قلت: سالم. قال: إذا صلح

стр. 16681

قلبك فالبس ما شئت، فذكرت قوله للحسن، فقال: إن من صلاح القلب ترك الخز (١). فرع: يحرم المركب من الإبريسم وغيره إن زاد وزن الإبريسم، ويحل عكسه، وكذا إن استويا في الأصح عندنا، وذكر الزاهري من الحنفية أن ما كان من الثياب الغالب عليها القز كالخز وغيره فلا بأس به، ويكره ما كان ظاهره القز. وكذا ما كان خط منه قز وخط منه خز وهو ظاهر فلا خير فيه. وظاهر مذهب أبي حنيفة عدم الجمع في المتفرق إلا إذا كان خط منه خز وخط منه غيره بحيث يرى كله خزًّا فلا يجوز، فأما إذا كان كل واحد مستبينًا كالطرز في العمامة فظاهر المذهب أنه لا يجمع. (وجوزه الشافعي باطنًا غير ظاهر. قال القاضي: والصحيح جوازه؛ لأن الحرير ثبت منعه مع الذهب، بقي غيره على الإباحة لا سيما مع فعل الأعيان من الصحابة. ولأبي داود من حديث عبد الله بن سعد عن أبيه قال: رأيت رجلاً ببخارى على بغلة عليه عمامة خز سوداء، فقال: كسانيها رسول الله ﷺ (٢). قال النسائي: قال بعضهم: إن هذا الرجل عبد الله بن خازم السلمي أمير خراسان (٣).

стр. 16682

ولما ذكره البخاري في "تاريخه" قال: ما أرى أنه أدرك رسول الله ﷺ (١).

стр. 16683

١٤ - باب السَّرَاوِيلِ ٥٨٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ». [انظر: ١٧٤٠ - مسلم: ١١٧٨ - فتح ١٠/ ٢٧٢] ٥٨٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ إِذَا أَحْرَمْنَا؟ قَالَ: «لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَالسَّرَاوِيلَ، وَالْعَمَائِمَ وَالْبَرَانِسَ، وَالْخِفَافَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ». [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح ١٠/ ٢٧٢] ذكر حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ". وحديث ابن عمر السالف في الباب قبله. ثم ترجم:

стр. 16684

١٥ - باب العَمَائِمِ ٥٨٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ، وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمَا فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ». [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح ١٠/ ٢٧٣] و (ذكر) (١) حديث ابن عمر المذكور أيضًا: السراويل غير مصروف، يذكر ويؤنث. قال سيبويه: سراويل واحدة، وهي أعجمية، أعربت لما أشبهت في كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة، وإن سميت بها رجلا لم يصرفها، وكذلك إن حقرتها اسم رجل؛ لأنها مؤنث على أكثر من ثلاثة أحرف مثل عناق، ومن النحويين من لا يصرفه أيضًا في النكرة، ويزعم أنه جمع سِرْوال وسِرْوَالة. قال في "الصحاح": والعمل على القول الأول، والثاني أقوى (وحكى إعجامها) (٢)، والورس: نبت باليمن، يصبغ به، أصفر (٣). فصل: ولبس السراويل من الأمر القديم كما سلف (٤). وروى أحمد من حديث أبي أمامة قلنا: يا رسول الله؛ إن أهل الكتاب يتسرولون

стр. 16685

ولا يتزرون، فقال ﵇: "تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب" (١) وصح أنه ﷺ اشتراه. والظاهر أنه كان قبل الهجرة ولم يبلغنا أنه تسرول بالمدينة. وفي "صحيح ابن حبان" من حديث سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبد بُرًّا من هجر، فأتى رسول الله ﷺ (فساومنا) (٢) بسراويل وعنده وزان يزن بالأجر، فقال ﷺ ، "زن وأرجح". قال ابن حبان: وأراد به من ماله فيقع ثمن السراويل راجحًا (٣). وأخرجه أحمد أيضًا من حديث مالك بن عمير الأسدي قال: قدمت قبل أن يهاجر رسول الله ﷺ فاشترى منى سراويل فأرجح لي (٤). وفي "الطبراني الكبير" من حديث أبي هريرة في شرائه ﷺ -وقال: "زن وأرجح"، قلت: يا رسول الله، وإنك لتلبس السراويل؟ قال: "نعم، في السفر والحضر والليل والنهار، فإني أمرت بالستر، فلم أجد شيئًا أستر منه" (٥)، ثم قال: تفرد به الأفريقي (٦).

стр. 16686

وفيه أيضًا من حديث أبي رهم السمعي مرفوعا: "إن من لبسة الأنبياء: القميص قبل السراويل، وإن مما يستجاب به عند الدعاء العطاس" (١)، وفي إسناده معاوية بن يحيى الأطرابلسي ضعفوه (٢). وفي "معرفة الصحابة" لأبي نعيم من حديث مالك بن العتاهية مرفوعا: "إن الأرض لتستغفر للمصلي في السراويل" (٣). فيه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب) (٤).

стр. 16687

والعمائم: تيجان العرب وهي زيهم؛ وقد روي أن الملائكة الذين نصروا رسول الله ﷺ يوم بدر كانوا بعمائم صفر، وليس ذلك في العجم. وقال مالك: العمة والاحتباء والانتعال من عمل العرب، وليس ذلك في العجم. وكانت العمة في أول الإسلام، ثم لم تزل حتى كان هؤلاء القوم. قال ابن وهب: وحدثني مالك أنه لم ير أحدًا من أهل الفضل مثل يحيى بن سعيد [و] (١) ربيعة وابن هرمز إلا وهم يعتمون ولقد كنت في مجلس ربيعة، وفيهم أحد وثلاثون رجلاً ما منهم رجل إلا هو معتم، وإنه فيهم، ولقد كنت أراهم يعتمون في العشاء والصبح، وكان ربيعة لا يدع العمائم حتى تطلع الثريا وكان يقول: إني لأجد العمة تزيد في العقل (٢). قال: وسئل مالك عن الذي يعتم بالعمامة ولا يجعلها من تحت حلقه فأنكرها. وقال: ذلك من عمل القبط وليست من عمة الناس، إلا أن تكون قصيرة لا تبلغ، أو يفعل ذلك في بيته أو في مرضه فلا بأس به، قيل له: فترخى بين الكتفين؟ قال: لم أر أحدًا ممن أدركت يرخي بين كتفيه إلا عامر بن عبد الله بن الزبير، وليس ذلك بحرام، ولكن يرسلها بين يديه وهو أجمل. وقال ابن ربيعة: رؤي جبريل في صورة دحية الكلبي، وقد سدل عمامته بين كتفيه. وفي "سنن أبي داود" من حديث جعفر بن عمرو بن حريث. وفي حديث عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ على المنبر، وعليه عمامة سوداء

стр. 16688

قد أرخى طرفها بين كتفيه (١). ورواه أبو داود من حديث علي بن حسين أيضًا، وفي الترمذي من حديثٍ عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه. قال نافع: وكان ابن عمر يفعله. قال عبيد الله: ورأيت القاسم وسالمًا يفعلان ذلك. قال الترمذي: حسن غريب (٢). وفي "الجهاد" لابن أبي عاصم: حدثنا أبو موسى، ثنا عثمان بن عمر، عن الزبير بن حوار، عن رجل من الأنصار قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵄ فقال: يا أبا عبد الرحمن العمامة سنة؟ فقال: نعم، قال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: "اذهب فاسدل عليك ثيابك والبس سلاحك" ففعل، ثم أتى رسول الله ﷺ فقبض ما سدل بنفسه ثم عممه، فسدل من بين يديه ومن خلفه. ولأبي داود من حديث شيخ من أهل المدينة. قال عبد الرحمن بن عوف: عممني رسول الله ﷺ فسدلها بين يدي وخلفي (٣). ولابن أبي شيبة من حديث ابن أبي مريم عن رشدين، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ عمم عبد الرحمن بن عوف بعمامة سوداء من قطن، وأفضل له بين يديه مثل هذِه. ومن حديث شهر بن حوشب، عن عائشة ﵂ قالت: رأيت جبريل أتى رسول الله ﷺ وعليه عمامة حرقانية (٤) قد سدلها بين كتفيه.

стр. 16689

ومن حديث المسيب بن واضح ثنا عبد الله بن نافع، عن ابن جريج، عن نافع، عن عبد الله قال: عمم رسول الله ﷺ ابن عوف بعمامة سوداء كرابيس وأرخاها من خلفه قدر أربع أصابع وقال: هكذا فاعتم، فإنه أجمل. قال أبو حاتم في "علله": ابن جريج لم يسمع منه ابن نافع شيئًا والحديث باطل (١). ومن حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عند ابن أبي عاصم أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء (٢). ومن حديث جابر: وعليه عمامة سوداء (٣). ومن حديث أشعث بن سعيد: أخبرني عبد الله بن بسر الحبراني، عن أبي راشد الحبراني: سمعت عليًّا قال: عممني رسول الله ﷺ يوم خيبر (بعمامة سوداء، سدل طرفها على منكبي وقال: "إن الله أمدني يوم بدر ويوم حنين بملائكة معتمين) (٤) بهذِه العمة". وقال: "العمامة حجز بين المسلمين والمشركين" (٥).

стр. 16690

وفي حديث أبي عبيدة الحمصي، عن عبد الله بن بسر: بعث رسول الله ﷺ عليًّا يوم خيبر فعممه بعمامة سوداء أرسلها من ورائه وعن منكبه اليسرى (١). وفي "شمائل الترمذي" من حديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ خطب الناس وعليه عمامة دسماء (٢). ولأبي داود عن ركانة قال ﷺ : "فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس" (٣). وفي "علل الترمذي" من حديث أبي المليح، عن أبيه: قال رسول الله ﷺ : "اعتموا تزدادوا حلمًا" قال: وسألت محمدًا عنه فقال: عبيد الله بن أبي حميد راويه عن أبي المليح ضعيف ذاهب الحديث، لا أروي عنه شيئًا (٤). وذكر الكلبي عن الشرباص بن العظامي أن أول من اعتم من العرب عدي بن نمارة بن لخم بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن زيد بن كهلان بن سبأ، فلقب: عمما.

стр. 16691

قال الجواني: كانوا قبل ذلك يلبسون عصائب الملك وتيجانه. وفي "الكامل" للمبرد: لما طلق خالد بن يزيد بن معاوية آمنة بنت سعيد بن العاصي بن أمية قال فيها: فتاة أبوها ذو العصابة وابنه … أخوها فما أكفاؤها بكثير وزعم الدمياطي أن هذا قاله عمرو بن سعيد حين خطبها عبد الملك. [قال] (١): وزعم بعضهم أن هذا اللقب إنما لزمه للسيادة، وذلك أن العرب تقول: فلان معتم. يريدون أن كل جناية يجنيها الجاني من قبيلته معصوبة برأسه. قال المبرد: يعني بذي العاصبة أباها سعيد بن العاص، وذلك أن قومه يذكرون أنه كان إذا اعتم لم يعتم قرشي إعظامًا له وينشدون: أبو أحيحة من يعتم عمته يُضرب … وإن كان ذا مال وذا ولد (٢) وذكر ابن دريد في "وشاحه" أن ذا العصابة هو أبو أحيحة خالد بن سعيد بن العاصي. قال: ويقال له: ذو العمامة أيضًا. وفي "قطب السرور" للرفيق: كان حرب بن أمية أبو أبي سفيان بن حرب له عمامة سوداء، إذا لبسها لم يعتم ذلك اليوم أحد. فرع: نص الزاهدي من الحنفية أن لف العمائم الطويلة ولبس الثياب الواسعة حسن في حق الفقهاء الذين هم أعلام الهدى دون الناس.

стр. 16692

فائدة: في الأحاديث الموضوعة: صلاة بعمامة خير من سبعين صلاة بغير عمامة (١). وروي: من صلى وجنبه مشدود كان خيرًا ممن صلى سبعين صلاة مكشوف، وهو مثله. (وفي الطبراني من حديث أبي حمزة أيضًا من حديث أبي المليح عن أبيه. وقد سلف من حديث مالك بن مغول، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا: "عليكم بالعمائم فإنها سيماء الملائكة، وأرخوا لها خلف ظهوركم" (٢). وعن ابن عمر مرفوعا أنه كان يدير كور العمامة على رأسه (٣). وعنه مرفوعا: كان يسدل عمامته بين كتفيه) (٤) (٥).

стр. 16693

١٦ - باب التَّقَنُّعِ قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ عِمَامَة دَسْمَاءُ. [انظر: ٣٨٠٠] وَقَالَ أَنَسٌ ﵁: عَصَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ. [انظر: ٣٧٩٩] ٥٨٠٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَ تَرْجُوهُ بِأَبِي أَنْتَ. قَالَ: «نَعَمْ». فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِصُحْبَتِهِ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَقَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقْبِلاً مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدًا لَهُ بِأَبِي وَأُمِّي، وَاللهِ إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلاَّ لأَمْرٍ. فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ حِينَ دَخَلَ لأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ». قَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ». قَالَ: فَالصُّحْبَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟. قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِالثَّمَنِ». قَالَتْ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الجِهَازِ، وَضَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَأَوْكَتْ بِهِ الْجِرَابَ، -وَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقِ- ثُمَّ لَحِقَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ، فَمَكُثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهْوَ غُلَامٌ شَابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ، فَيَرْحَلُ مِنْ عِنْدِهِمَا سَحَرًا، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكَادَانِ بِهِ إِلاَّ وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ -مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلِهَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ

стр. 16694

مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ. [انظر: ٤٧٦ - فتح ١٠/ ٢٧٣] ثم ساق حديث عائشة ﵂: قالت: هاجر إلى الحبشة رجال، وجهز أبو بكر مهاجرًا. الحديث في الهجرة، وقد سلف فيها، وفي البيوع: في باب من اشترى متاعًا، والإجارة ويأتي في الأدب (١). وموضع الحاجة منه (فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا في هذِه الساعة) والتقنع للرجل عند الحاجة مباح. وقال ابن وهب: سألت مالكًا عن التقنع بالثوب فقال: أما الرجل الذي يجد الحر والبرد أو الأمر (الذي له) (٢) فيه عذر فلا بأس به، وأما لغير ذلك فلا، ولقد كان أبو النضر يلزم ذلك لبرد يجده وما بذلك بأس. وذكر ابن أبي زيد عن مالك قال: رأت سكينة أو فاطمة بنت الحسين بعض ولدها متقنعًا رأسه فقالت: اكشف عن رأسك فإن القناع ريبة بالليل ومذلة بالنهار، وما أعلمه حرامًا وأكرهه لغير عذره، ولكن ليس من لباس خيار الناس. وقال الأبهري: إذا تقنع لدفع مضرة فمباح ولغيره مكروه، فإنه من فعل أهل الريب، ويكره أن يفعل شيئًا يظن به الريبة، وليس ذلك من فعل من مضى (٣).

стр. 16695

فصل: سلف تفسير الدسماء في بابه بعد أبواب الجمعة. وقوله: (عصب على رأسه حاشية برد) عصَّب بتشديد الصاد، قال الجوهري: حاشية البرد جانبه (١). وقال القزاز: حاشيتا الثوب: ناحيتاه اللتان في طرفهما الهدب، واعترض الإسماعيلي فقال: ما ذكره من العصابة لا مدخل له في التقنع فإنه تغطية الرأس، وهي شده الخرقة على ما أحاط بالرأس كله. وقوله: ("على رِسْلك") هو بكسر الراء، أي: اتئد فيه، كما يقال: على هينتك، و (السمر) -بضم الميم- من شجر الطلع، وهو شجر العضاه، ذات شوك. وقوله: (متقنعًا)، لعله لأجل الحر (٢) وقول أبي بكر: فداك أبي وأمي، إن كسرت الفاء مددت، وإن فتحت قصرت. قال ابن التين: وهو الذي قرأنا هنا. فصل: قوله: (والله إن جاء في هذِه الساعة إلا لأمر). وفي نسخة: (إلا أمر)، وذكر ابن بطال بلفظ: (الأمر)، ثم قال: (إن) ههنا مؤكدة، واللام في قوله: (لأمر) لام التأكيد، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] في قراءة من فتح اللام، وهو الكسائي وقوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ [القلم: ٥١]، وقوله: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. هذا قول سيبويه والبصريين.

стр. 16696

وأما الكوفيون (فيجعلون) (١) (إن) ههنا نافية بمعنى ما، والمعنى: إلا، والتقدير عنده: ما كان إلا أمر، وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين، وما يكاد الذين كفروا إلا يزلقونك. وهذِه دعوى يحتاج فيها إلى حجة قاطعة، وإخراج الكلام عن موضعه لا يصح إلا إذا أبطل معنى نسقه وموضوعه، وقد صح المعنى في نسقه (٢)، وقوله قبله: (علف راحلتين). قال صاحب "الأفعال" يقال: علفت الدابة وأعلفتها، واللغة الأولى أفصح (٣). فصل: والسُّفْرَة -بالضم- طعام يصنع للمسافر، ومنه سميت السفرة، والجراب بكسر الجيم أفصح من فتحها. قال الجوهري: و (العامة) (٤) تفتحه (٥) وحكاها غيره. وقوله: (فقطعت أسماء قطعة من نطاقها)، فيه جواز عطية ذات الزوج بغير إذنه، وبه قال: ( … ) (٦) قال الجوهري: والنطاق: شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها، ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل ينجر على الأرض، وليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان (٧).

стр. 16697

وقال الهروي نحوه، وزاد: وبه سميت أسماء ذات النطاقين؛ لأنها كانت تطاوق نطاقًا على نطاق (١). قال ابن التين: وهذا مخالف لما في الكتاب، قلت: لا مخالفة فتأمله، ثم نقل عن الشيخ أبي محمد: شقت نصف نطاقها للسفرة وانتطقت بنصفه. قال الداودي: النطاق: المئزر، وقال ابن فارس: هو إزار فيه تكة تلبسه النساء (٢). وفيه: اتخاذ الفضلاء الزاد في أسفارهم وردُّ قول من أنكر ذلك من الصوفية، وزعم: أن من صح توكله ينزل عليه طعام من السماء إذا احتاج. ولا أجد أصح توكلًا من الشارع والصديق. فصل: وقوله: لقِن ثقِف فاللقِن: الفهم -بكسر القاف-، يقال: لقن الشيء لقنًا ولقانة عقلا وذكاء، وقال ابن فارس: سريع الفهم، وكذا قاله الجوهري، ويجوز سكونها (٣)، وقال الهروي: هو الحسن التلقي لما يسمعه، وثقف بكسر القاف، قال ابن التين: كذا قرأناه. قال الجوهري: تقول: ثقُف الرجل إذا صار حاذقًا خفيفًا فهو ثَقْف، مثل ضَخُم فهو ضَخْم، وكذا هو في بعض الروايات بسكون القاف. وقال الجوهري: وثقِف أيضًا مثل تعب تعبا لغة في ثَقُف، أي: صار حاذقًا فطنًا فهو ثَقِف ثَقُف مثل حَذِر وحَذُر (٤).

стр. 16698

وعبارة ابن بطال لما ذكر الملقن قال: والثقف مثله، يقال: ثقفت الحديث: أسرعت فهمه وثقفت الشيء: أخذته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (١) وأكثر كلام العرب: ثَقْف: لقَفْ، وثَقِفَ لقف: أي: راوٍ، شاعر رام وهذا شاع عن الخليل (٢). فصل: قوله: (يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر)، وذكر الهروي (٣) أن اسم ولد أبي بكر هذا عبد الرحمن، وهو غريب. فصل: والرسل بكسر الراء: اللبن، ونعق ينعق (بالغنم) (٤) إذا صاح بها، عن الخليل (٥). فصل: في استخفائهم في الغار عندما أراد المشركون المكر بنبيه وقتله كما وصفه الله بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ﴾ الآية. إلى أن سكن الطلب، ثم هاجر بالإذن، لتكون سنة لأمته، وإلا لو سأله أن يعمي الخلق عنه أو يخسف بهم لكان هينًا عليه، وكذا في هجرتهما خوفًا على مصيرهما رد على من قال: من رأى منكم منكرًا يغيره وإن أدى إلى هلاك نفسه، وإلا كان مضيعًا فرضًا.

стр. 16699

وفيه أيضًا: فساد قول من منع أن يتحيز بيته أويتحيز إلى حصن إذا خشي على نفسه، وقال: قد برئ من التوكل من فعل هذا؛ لأن الضر والنفع بيد الله، والله أمر نبيه بدخول الغار والاختفاء فيه من شرار خلقه، وكان سيد المتوكلين، وبأن أيضًا فساد قول من زعم أن من خاف شيئًا سوى الله لم يؤمن بالقدر، وذلك أن الصديق قال للشارع: لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا حذرا أن يكون ذلك من بعضهم فيلحقهما الضرر، وبذلك أخبر الله في قوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ الآية، فلم يصفه ولا رسوله بذلك من قوله؛ لضعف اليقين (بل كان من اليقين) (١) لقضاء الله وقدره في المحل الأعلى، وكان الذي منه، مثل ما كان من موسى (إذ) (٢) أوجس في نفسه خيفة: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾. فصل: فيه الدليل الواضح على ما خص الله به (صديق نبيه) (٣) من الفضيلة والكرامة ورفيع المنزلة عنده؛ لاختياره إياه دون باقي الأمة (لموضع سره) (٤) وخفي أموره التي كان يخفيها عن سائر أصحابه، ولصحبته في سفره، إذ لم يعلم أحد بكونه في الغار أيام مكثه فيه غيره وحاشيته من ولد له ومولى وأجير، (ولا صحبه في طريقه غيره) (٥)، وخصص له بذلك دون قرابة رسول الله ﷺ ، فتبين بذلك منزلته عنده، ودل به على اختياره إياه لأمانه ولأمانته عليه.

стр. 16700

فصل: وفيه المعنى الذي استحق به اسم الصديق بحبس نفسه عليه بقوله له: إني لأرجو أن يؤذن لي في الهجرة، فبادر إلى صدقه، ولم يرتب عالماً بحالته معه، وتحريه الصدق عليه، وتكلف النفقة على الراحلتين وأعد إحداهما له، وبذل ماله كما بذل نفسه في الهجرة معه، وكذلك قال ﷺ : "ليس أحد أمن علي في نفسه وماله منه". فصل: وفيه: أن المرء (ينبغي) (١) له أن يتحفظ بسره ولا يطلع عليه إلا من تطيب نفسه عليه، لقوله للصديق: "أخرج مَنْ عندك" ليخبره بخروجه مخليًا به، فلما قال له الصديق: إنما هم أهلك، وعلم أن شفقتهم عليه كشفقة أهله، أطلعه حينئذٍ على سره، وأنه قد أذن في الخروج، فبدر الصديق وقال: الصحبة، قبل أن يسأله ذلك، وهذا من أبلغ المشاركة وأعظم الوفاء له. فصل: وقوله للصديق "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" أي: بالحفظ والكلاءة، ولم يرد أنه يعلم مكانهما فقط، كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية، ويدل أنه (أراد) (٢) الله ثالثهما بالحفظ قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ أي: يكلؤنا ويحفظنا، ولو أراد يعلمنا لم يكن (له) (٣) ولا لصاحبه فضيلة على أحد من الناس، لأن
следующие страницы →