وأما الكوفيون (فيجعلون) (١) (إن) ههنا نافية بمعنى ما، والمعنى: إلا، والتقدير عنده: ما كان إلا أمر، وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين، وما يكاد الذين كفروا إلا يزلقونك.
وهذِه دعوى يحتاج فيها إلى حجة قاطعة، وإخراج الكلام عن موضعه لا يصح إلا إذا أبطل معنى نسقه وموضوعه، وقد صح المعنى في نسقه (٢)، وقوله قبله: (علف راحلتين). قال صاحب "الأفعال" يقال: علفت الدابة وأعلفتها، واللغة الأولى أفصح (٣).
فصل:
والسُّفْرَة -بالضم- طعام يصنع للمسافر، ومنه سميت السفرة، والجراب بكسر الجيم أفصح من فتحها. قال الجوهري: و (العامة) (٤) تفتحه (٥) وحكاها غيره.
وقوله: (فقطعت أسماء قطعة من نطاقها)، فيه جواز عطية ذات الزوج بغير إذنه، وبه قال: ( … ) (٦) قال الجوهري: والنطاق: شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها، ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل ينجر على الأرض، وليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان (٧).
стр. 16697
وقال الهروي نحوه، وزاد: وبه سميت أسماء ذات النطاقين؛ لأنها كانت تطاوق نطاقًا على نطاق (١).
قال ابن التين: وهذا مخالف لما في الكتاب، قلت: لا مخالفة فتأمله، ثم نقل عن الشيخ أبي محمد: شقت نصف نطاقها للسفرة وانتطقت بنصفه.
قال الداودي: النطاق: المئزر، وقال ابن فارس: هو إزار فيه تكة تلبسه النساء (٢).
وفيه: اتخاذ الفضلاء الزاد في أسفارهم وردُّ قول من أنكر ذلك من الصوفية، وزعم: أن من صح توكله ينزل عليه طعام من السماء إذا احتاج. ولا أجد أصح توكلًا من الشارع والصديق.
فصل:
وقوله: لقِن ثقِف فاللقِن: الفهم -بكسر القاف-، يقال: لقن الشيء لقنًا ولقانة عقلا وذكاء، وقال ابن فارس: سريع الفهم، وكذا قاله الجوهري، ويجوز سكونها (٣)، وقال الهروي: هو الحسن التلقي لما يسمعه، وثقف بكسر القاف، قال ابن التين: كذا قرأناه.
قال الجوهري: تقول: ثقُف الرجل إذا صار حاذقًا خفيفًا فهو ثَقْف، مثل ضَخُم فهو ضَخْم، وكذا هو في بعض الروايات بسكون القاف.
وقال الجوهري: وثقِف أيضًا مثل تعب تعبا لغة في ثَقُف، أي: صار حاذقًا فطنًا فهو ثَقِف ثَقُف مثل حَذِر وحَذُر (٤).
стр. 16698
وعبارة ابن بطال لما ذكر الملقن قال: والثقف مثله، يقال: ثقفت الحديث: أسرعت فهمه وثقفت الشيء: أخذته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (١) وأكثر كلام العرب: ثَقْف: لقَفْ، وثَقِفَ لقف: أي: راوٍ، شاعر رام وهذا شاع عن الخليل (٢).
فصل:
قوله: (يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر)، وذكر الهروي (٣) أن اسم ولد أبي بكر هذا عبد الرحمن، وهو غريب.
فصل:
والرسل بكسر الراء: اللبن، ونعق ينعق (بالغنم) (٤) إذا صاح بها، عن الخليل (٥).
فصل:
في استخفائهم في الغار عندما أراد المشركون المكر بنبيه وقتله كما وصفه الله بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ﴾ الآية. إلى أن سكن الطلب، ثم هاجر بالإذن، لتكون سنة لأمته، وإلا لو سأله أن يعمي الخلق عنه أو يخسف بهم لكان هينًا عليه، وكذا في هجرتهما خوفًا على مصيرهما رد على من قال: من رأى منكم منكرًا يغيره وإن أدى إلى هلاك نفسه، وإلا كان مضيعًا فرضًا.
стр. 16699
وفيه أيضًا: فساد قول من منع أن يتحيز بيته أويتحيز إلى حصن إذا خشي على نفسه، وقال: قد برئ من التوكل من فعل هذا؛ لأن الضر والنفع بيد الله، والله أمر نبيه بدخول الغار والاختفاء فيه من شرار خلقه، وكان سيد المتوكلين، وبأن أيضًا فساد قول من زعم أن من خاف شيئًا سوى الله لم يؤمن بالقدر، وذلك أن الصديق قال للشارع: لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا حذرا أن يكون ذلك من بعضهم فيلحقهما الضرر، وبذلك أخبر الله في قوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ الآية، فلم يصفه ولا رسوله بذلك من قوله؛ لضعف اليقين (بل كان من اليقين) (١) لقضاء الله وقدره في المحل الأعلى، وكان الذي منه، مثل ما كان من موسى (إذ) (٢) أوجس في نفسه خيفة: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾.
فصل:
فيه الدليل الواضح على ما خص الله به (صديق نبيه) (٣) من الفضيلة والكرامة ورفيع المنزلة عنده؛ لاختياره إياه دون باقي الأمة (لموضع سره) (٤) وخفي أموره التي كان يخفيها عن سائر أصحابه، ولصحبته في سفره، إذ لم يعلم أحد بكونه في الغار أيام مكثه فيه غيره وحاشيته من ولد له ومولى وأجير، (ولا صحبه في طريقه غيره) (٥)، وخصص له بذلك دون قرابة رسول الله ﷺ ، فتبين بذلك منزلته عنده، ودل به على اختياره إياه لأمانه ولأمانته عليه.
стр. 16700
فصل:
وفيه المعنى الذي استحق به اسم الصديق بحبس نفسه عليه بقوله له: إني لأرجو أن يؤذن لي في الهجرة، فبادر إلى صدقه، ولم يرتب عالماً بحالته معه، وتحريه الصدق عليه، وتكلف النفقة على الراحلتين وأعد إحداهما له، وبذل ماله كما بذل نفسه في الهجرة معه، وكذلك قال ﷺ : "ليس أحد أمن علي في نفسه وماله منه".
فصل:
وفيه: أن المرء (ينبغي) (١) له أن يتحفظ بسره ولا يطلع عليه إلا من تطيب نفسه عليه، لقوله للصديق: "أخرج مَنْ عندك" ليخبره بخروجه مخليًا به، فلما قال له الصديق: إنما هم أهلك، وعلم أن شفقتهم عليه كشفقة أهله، أطلعه حينئذٍ على سره، وأنه قد أذن في الخروج، فبدر الصديق وقال: الصحبة، قبل أن يسأله ذلك، وهذا من أبلغ المشاركة وأعظم الوفاء له.
فصل:
وقوله للصديق "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" أي: بالحفظ والكلاءة، ولم يرد أنه يعلم مكانهما فقط، كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية، ويدل أنه (أراد) (٢) الله ثالثهما بالحفظ قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ أي: يكلؤنا ويحفظنا، ولو أراد يعلمنا لم يكن (له) (٣) ولا لصاحبه فضيلة على أحد من الناس، لأن
стр. 16701
الله شاهد كل نجوى وعالم بها، وإنما كان فضيلة له ولصاحبه حين كان الله ثالثهما بأن صرف عنهما طلب المشركين، وأعمى أبصارهم، وسيأتي في التمني معنى قوله: لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا في باب ما يجوز من اللو، إن شاء الله.
стр. 16702
١٧ - باب المِغْفَرِ
٥٨٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ [مَكَّةَ] عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ. [انظر: ١٨٤٦ - مسلم: ١٣٥٧ - فتح ١٠/ ٢٧٣]
ذكر فيه حديث مالك، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّه ﵇ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ.
وقد سلف في الحج (١)، والمغفر كما قال الأصمعي: زرد تنسج من الدرع على قدر الرأس تلبس تحت القلنسوة.
وقال الداودي: يعمل على الرأس والكتفين.
وقال ابن بطال: المغفر من حديد وهو من آلات الحرب، ودخوله ﵇ يوم الفتح كان في حال القتال ولم يكن محرمًا كما قال ابن شهاب (٢)، وقد عد هذا الحديث في أفراد مالك عن الزهري وإنما الصحيح أنه دخلها يوم الفتح وعليه عمامة سوداء.
كما أخرجه الترمذي من حديث حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر ثم قال: حسن (٣)، ولم يكن عليه مغفر لكن في حديث الزهري للنسائي: أن الأوزاعي رواه عن الزهري كما رواه مالك (٤) بذكر
стр. 16703
المغفر (١)، وقد يمكن أن يكون ﵇ عليه مغفر وتحته عمامة سوداء لتتفق الروايتان، سواءً دخلها بمغفر أو بعمامة سوداء فحكمهما سواء ولا حرج عليه في ذلك إنما دخلها كذلك في الساعة التي أحلت له، ثم هي حرام إلى يوم القيامة، وإنما اتخذ (الدرع) (٢) وتسلح به في حال الحرب، وقد أخبر الله: أن الله يعصمه من الناس ليسن ذلك لأمته، ليقتدي به الأئمة والصالحون.
٥٨١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَيُّ الثِّيَابِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: الحِبَرَةُ. [انظر: ٥٨١٣ - مسلم: ٢٠٧٩ -
فتح ١٠/ ٢٧٦]
٥٨١٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا ٧/ ١٩٠ مُعَاذٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا الحِبَرَةَ. [انظر: ٥٨١٢ - مسلم: ٢٠٧٩ - فتح ١٠/ ٢٧٦]
٥٨١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ. [مسلم: ٩٤٢ - فتح ١٠/ ٢٧٦]
وقال خباب: شكونا إلى رسول الله ﷺ -وهو متوسد بردة له، وقد سلف في الصلاة (١).
ثم ذكر فيه أحاديث:
أحدها: حديث أنس في جبذ الأعرابي بردائه، وقد سلف قريبًا (٢).
وثانيها: حديث سهل بن سعد: جاءت امرأة (ببردة) (٣)، وقد سلف أيضًا (٤).
وثالثها: حديث أبي هريرة ﵁: "يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ (هِيَ) (٥)
стр. 16706
سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ القَمَرِ". فَقَامَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ .. الحديث، وقد سلف قريبًا.
ورابعها: حديث قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَيُّ الثِّيَابِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رسول الله ﷺ ؟ قَالَ: الحِبَرَةُ.
وفي لفظة: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا الحِبَرَةَ.
وخامسها: حديث عائشة: أَنَّه ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ. وقد سلف أيضًا.
والبردة كساء أسود مرقع فيه صغر تلبسه الأعراب والجمع: برود. قال الجوهري: والبرد من الثياب والجمع برود (١).
وقال الداودي: البرود كالأردية والميازر، (وبعضهم) (٢) أفضل من بعض، وقال ابن بطال: النمرة والبرد سواء (٣).
وفيه: تواضعه ﷺ في لبسه، والشملة: كساء يشتمل به، قاله الجوهري (٤).
قال ابن السكيت: يقال: كم اشتريت شملة تشملني، وقال الداودي: هي البردة. قال: وقوله: منسوج في حاشيتها يقول: [بها] (٥) حاشيتان ثم تشق من برد كبير فيتخذ مئزرًا.
والحبرة بوزن عنبة: برد يمان، قاله الجوهري (٦).
стр. 16707
قال الداودي: هي الخضر؛ لأنها لباس أهل الجنة. قال: ولذلك يستحب في الكفن ولذلك سُجي رسول الله ﷺ بها والبياض خير منها.
وفيه كفن رسول الله ﷺ وقيل: أحد أكفانه حبرة، والأول أكثر. وقال الهروي: وهي الموشية المخططة (١).
ومعنى (سجي ببرد حبرة) أي: مد عليه. يقال: سجيت الميت. إذا مددت عليه ثوبًا.
وقال ابن بطال: البرود هي برود اليمن التي تصنع من قطن وهي الحبرات يشتمل بها، وهي كانت أشرف الثياب عندهم.
ألا ترى أنه (﵇ سجي بها حين توفي ولوكان أفضل من البرود شيء لسجي به.
وفيه: جواز لباس) (٢) رفيع الثياب للصالحين وذلك داخل في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ﴾ الآية.
وفي حديث أنس ما يجبل عليه الشارع من شريف الأخلاق وعظيم الصبر على جفاء الجهال والصفح عنهم والدفع بالتي هي أحسن، ألا ترى أنه ضحك حين جبذه الأعرابي ثم أمر له بعطاء ولم يؤاخذه.
وفي حديث سهل: كرم الشارع وإيثاره على نفسه، وإن كان في حال حاجة آخذًا بـ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
وفيه: أنه ينبغي التبرك بثياب الصالحين ويتوسل بها إلى الله تعالى في الحياة والممات (٣).
стр. 16708
وفيه: جواز أخذ الهدية للرجل الكبير ممن هو دونه إذا علم طيب ما عنده.
وفيه: جواز (لوم من سأل) (١) الإمام والخليفة ما عليه من ثيابه (٢)، وسلف معنى قوله: "سبقك بها عكاشة".
وَأتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ".
وحديث أبي بردة قال: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً وَإِزَارًا غَلِيظًا قال: قُبِضَ رُوحُ الرسول ﷺ فِي هَذَيْنِ. وقد سلفت.
والحديث الأول أخرجه من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وابن عباس. هذا هو الصواب.
ووقع في بعض النسخ زيادة (أبيه) قبل (عائشة وابن عباس) وهو وَهَمٌ كما نبه عليه الجياني (١)، والخمائص: جمع خميصة، أكسية من صوف سود مربعة لها أعلام كانت من لباس السلف.
وقال الأصمعي: إنها ثياب من خز أو صوف معلمة وهي سود (٢)، وقد سلف ذلك وتفسير الأنبجانية وضبطها واضحًا في الصلاة، وعبارة عيسى: الخميصة: كساء من صوف لها علم من حرير، وعبارة ابن فارس: كساء من صوف (٣) معلم. زاد الجوهري: مربع (٤).
وقال (الفراء) (٥): له علمان. قال: ولذلك أمر الشارع أن يذهب بها إلى أبي جهم ويأتوه بأنبجانية -وهي كساء غليظ كثيرة الصوف- فعل ذلك تواضعًا، قالوا كلهم: فإن لم تكن معلمة فلا تسمى خميصة.
وقال الداودي: هي أكسية من صوف رقاق، وربما كانت فيها أعلام قد تكون غلاظًا، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة.
стр. 16711
فصل:
أبو بردة: اسمه (عامر) (١) بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري قاضي الكوفة، عزله الحجاج، وجعل أخاه مكانه، مات سنة ثلاث ومائة (٢)، وأخوه أبو بكر عمرو (٣) مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق، قال ابن نمير: كان أبو بكر أكبر من أبي بردة، وقد [اتفق] (٤) عليهما (٥).
فصل:
أبو جهم: اسمه عامر، وقيل: عبيد أخو أبي خيثمة مؤرق وبنيه، كلهم أسلموا ولهم صحبة. بنو حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج أخي رباح ابني عدي بن كعب بفتح عين عبيد، وعويج أسلم يوم الفتح، وكان مقدمًا في قريش معظمًا فيهم.
وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم علم النسب -كما سيأتي- وأحد الأربعة الذين دفنوا عثمان وهم حكيم (٦) وجبير ونيار، وكان فيه وفي بنيه شدة وعرامة، وكان من المعمرين من قريش، بني في الكعبة مرتين، مرة في الجاهلية (حين بنتها قريش ومرة حين بناها
стр. 16712
ابن الزبير، وقال: عملت فيها مرتين، مرة في الجاهلية) (١) بقوة غلام، ومرة في الإسلام بقوة شيخ. وكان له من الولد عبد الله الأكبر أسلم يوم الفتح وقتل بأجنادين وهو أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه أم كلثوم بنت جرول الخزاعية، وعبد الله الأصغر، ومحمد -ولد على عهد رسول الله وقتل يوم الحرة صبرًا- وحميد وصخر وصخير وسليمان وعبد الرحمن، وكلهم كانت فيهم شراسة وعرامة، ومن أجلهم وقعت الحرب بين بني عدي وسليمان بن أبي حثمة، هاجر صغيرًا مع أمه الشفاء بنت عبد الله إلى المدينة، (وكان) من الفضلاء والصلحاء، استعمله عمر على السوق، وجمع (عليه) (٢) وعلى أبيّ الناس يصليان بهم في شهر رمضان وكان قارئًا (٣).
أبو حثمة: أسلم ومات بمكة قبل الهجرة.
وابن سليمان: أبو بكر من رواة العلم، روى عنه الزهري.
وليلى بنت أبي حثمة: زوج عامر بن ربيعة أم بنته، قدمت المدينة مع زوجها، وقتل ابنها عبد الله الأكبر مع رسول الله بالطائف (٤).
قال ابن عباس: كان في قريش أربعة يتحاكم إليهم ويوقف عند قولهم يعني في النسب: عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وأبو جهم بن حذيفة، وحويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسيل بن عامر بن لؤي.
стр. 16713
٢٠ - باب اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ
٥٨١٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَعَنْ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ. [انظر: ٣٦٨ - مسلم: ٨٢٥، ١٥١١ - فتح ١٠/ ٢٧٨]
٥٨٢٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ، وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ، وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلاَّ بِذَلِكَ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ، وَيَنْبِذَ الآخَرُ ثَوْبَهُ، وَيَكُونَ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا عَنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ، وَاللِّبْسَتَيْنِ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَالصَّمَّاءُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَاللِّبْسَةُ الأُخْرَى احْتِبَاؤُهُ بِثَوْبِهِ وَهْوَ جَالِسٌ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. [انظر: ٣٦٧ - مسلم: ١٥١٢ - فتح ١٠/ ٢٧٨]
ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ السالف في الصلاة (١).
وحديث أبي سعيد ﵁ السالف أيضا.
الصماء: وهو أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب.
واللبسة الأخرى الاحتباء بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء.
وقال مالك: هو أن يشتمل على منكبيه ويخرج يسراه من تحت الثوب ونحوه.
стр. 16714
قال ابن حبيب: فيصير جانبه الأيسر مكشوفًا ليس عليه من الغطاء شيء، فينكشف فرجه إذا لم يكن تحتها ثوب غيره، فإذا خالف لم يكن صماء؛ لأن العورة تكون حينئذ مستورة من كلتا جانبيه.
وقال ابن وهب: هو أن يرمي بطرف الثوب على شقه الأيسر.
وقال القاضي في جامع "معونته": هو أن يلتحف بالثوب ويرفعه على أحد جانبيه، فلا يكون ليده موضع تخرج منه، ولذلك سميت الصماء. وقيل: هو أن يلتف بثوب واحد ويحول طرفه الذي يلتف به على منكبه الأيسر فتبدو عورته.
واختلف قول مالك إذا فعل ذلك من فوق ثوب فكرهه مرة وإن كان (عليه) (١) مئزر وسراويل اتباعًا للنهي، وأجازه مرة؛ لأن المنع من خشية انكشاف العورة، وقد أمنت، والاحتباء على ثوب جائز؛ لأنه ﵇ إنما نهى عنه إذا كان كاشفًا عن فرجه، (والله أعلم) (٢)(٣).
٢٢ - باب الْخَمِيصَةِ السَّوْدَاءِ
٥٨٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ فُلَانٍ -هُوَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ- عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ، فَقَالَ: «مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُو هَذِهِ؟». فَسَكَتَ الْقَوْمُ، قَالَ: «ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ». فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ، فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا وَقَالَ: «أَبْلِي وَأَخْلِقِي». وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ خَالِدٍ، هَذَا سَنَاهْ». وَسَنَاهْ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنٌ. [انظر: ٣٠٧١ - فتح ١٠/ ٢٧١]
٥٨٢٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِي: يَا أَنَسُ، انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُحَنِّكُهُ. فَغَدَوْتُ بِهِ، فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ حُرَيْثِيَّةٌ، وَهْوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ. [انظر: ١٥٠٢ - مسلم: ٢١١٩ - فتح ١٠/ ٢٧٩]
ذكر فيه حديث إسحاق بن سعيد عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ فُلَانٍ -بْن سَعِيدِ بْنِ العَاصي- عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ .. الحديث سلف (١)، وفي آخره "أَبْلِي وَأَخْلِقِي". وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ، فَقَالَ: "يَا أُمَّ خَالِدٍ، هذا سَنَاهْ سناه".
وفلان: هو عمرو (٢)، وإسحاق: أخو خالد ويحيى أولاد سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي، (مات سنة سبعين ومائة وأم خالد بنت خالد بن سعيد بن أمية بن العاصي) (٣) بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
стр. 16717
ثم ساق حديث أنس ﵁ قال: لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لي: يَا أَنسُ، انْظُرْ هذا الغُلَامَ فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إلى رسول الله ﷺ يُحَنِّكُهُ. فَغَدَوْتُ بِهِ، فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ حُرَيْثِيَّةٌ، وَهْوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الفَتْحِ. وقد سلف.
وحريثية: نسبة إلى حريث رجل من قضاعة.
وفي رواية الحذاء: جونية منسوبة إلى بني الجون قبيلة من الأزد، وإلى لونها من السواد أو البياض أو الحمرة؛ لأن العرب تسمي كل لون من (هذه) (١) جونًا. وقيل فيها غير ذلك، وهو تصحيف.
وفقه الباب سلف.
فائدة:
(أخلقي) بالقاف والفاء كما سلف.
وفيه الدعاء بطول العمر، و (سنا) أي: حسن بالحبشية، وروي: "سنه سنة"، و"سنا سنا".
وفيه: الاستشارة. وفيه: رد الأمر إلى الأعلم.
وقال هشام بن عروة: رأيت على عبد الله بن الزبير مطرفًا من خز أخضر ألبسته (١) إياه عائشة (٢).
وروى أبو داود حديثًا عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي إلى رسول الله ﷺ فرأيت (عليه بردين أخضرين) (٣).
وفيه: أن للرجل ضرب زوجته عند نشوزها عليه وإن أثر ضربه في جلدها، ولا حرج عليه في ذلك، ألا ترى أن عائشة ﵂ قالت لرسول الله ﷺ : لجلدها أشد خضرة من ثوبها، ولم ينكر عليها.
وفيه: أن للنساء أن يطالبن أزواجهن عند الإمام بقلة الوطء، وأن يعرضن بذلك تعريضًا بينًا كالصريح، ولا عار عليهن في ذلك.
وفيه: أن للزوج إذا ادعي عليه بذلك أن يخبر بخلاف ويعرب عن نفسه، ألا ترى قوله (لرسول الله) (٤) ﷺ : والله إني لأنفضها نفض الأديم. وهذِه الكناية من الفصاحة العجيبة، وهي أبلغ في المعنى من الحقيقة.
وفيه: الحكم بالدليل لقوله في بنيه: "لهم أشبه به من الغراب بالغراب". فاستدل بشبههما له على كذبها ودعواها.
فصل:
الزَّبير بفتح الزاي: قتل مع قومه يوم بني قريظة كافرًا بعد أن سأل فيه عثمان (٥) فترك، فقال: كيف يعيش المرء دون ولده؟. فذكر ذلك عثمان
стр. 16720
لرسول الله ﷺ فقال: تركت ولده، فأخبره، فقال: كيف يعيش دون ماله؟ فذكره عثمان لرسول الله ﷺ فقال: تركت ماله، فأخبره فقال: ما فعل بفلان وفلان؟ قيل: قتلوا. قال: فعلت الذي إليك، لا خير لي في الحياة. فقتل كافرًا (١).
فصل:
قولها (قالت: والله ما إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذِه، وأخذت هدبة من جلبابها) يحتمل أن تريد: ما ينقم مني إلا أنه أعرض عني. ويحتمل أن تريد ما أنقم عليه ذلك، فإن كان جلدني ما أنقم عليه إلا إعراضه عني. قاله الداودي وزاد: يحتمل تشبيهها بالهدبة انتشاره وأنه لا يتحرك، أو أنه رقيق فشبهته بالهدبة على التقليل والمبالغة، ويحتمل أن يكون رأت من رفاعة من الجماع ما يباعد من فعله هذا فوصفته بهذا؛ ولهذا يستحب نكاح الأبكار، لأنها تظن الرجال سواء، والثيب تعدم من الضعيف ما علمته من القوي وإن كان الثاني أقوى، فقد تقول: ثم من هو أقوى منه.
стр. 16721
فصل:
وقوله: (أنفضها نفض الأديم) فقد يكون بلغ جهده، وهو عندها قليل.
وقوله: ("وإن كان ذلك لم تحلي له -أو- لم تصلحي له") كذا في الأصول. وادعى ابن التين أن في سائر الأمهات "تحلين" وصوابه: تحلي، وأخبرها بذلك لعلها ترضى بالمقام.
وقوله: ("بنوك هؤلاء؟ " قال: نعم). عبر عن التثنية بالجمع، وذلك جائز. قال تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ وهما اثنان.
وقوله: ("لهم أشبه به من الغراب بالغراب") فيه دليل على الحكم بالقافة وهو الدليل كما أسلفناه.
وفيه أنه لم يقتص لها (منه) (١) في الضرب؛ لقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي في شأنها، ولم يذكر أنه قضى في الأعراض بشيء، فلعله علم أن الكاذب منهما يرجع عن قوله إلى الحق.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هذا عِنْدَ المَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ، إِذَا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ. غُفِرَ لَهُ.
الشرح:
الثياب البيض من أفضل الثياب، وهو لباس الملائكة الذين نصروا النبي ﷺ يوم أحد وغيره، والرجلان اللذان كانا يوم أحد عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله كانا ملكين -والله أعلم (١) - وكان ﷺ يلبس البياض ويحض على لباسه، ويأمر بتكفين الأموات فيه، وقد صح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم" أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح. وصححه ابن حبان والحاكم أيضًا (٢).
فصل:
وحديث أبي ذر، وتفسير البخاري عقيبه يحتاج إلى تفسير آخر، وذلك أن التوبة والندم إنما تنفع في الذنب الذي بين العبد وربه، وأما مظالم العباد فلا تسقطها عنه التوبة إلا بشرط ردها له أو غفرها.
ومعنى الحديث: أن من مات على التوحيد يدخل الجنة وإن ارتكب الذنوب ولا يخلد كما تقوله أهل الخوارج والبدع، وقد سلف في حديث معاذ أنه ﷺ قال له: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صادقًا من قلبه، إلا حرمه الله على النار" هذا المعنى مبينًا بأقوال السلف في كتاب: العلم في باب: من خص بالعلم قومًا دون قوم (٣).
стр. 16724
فإن قلت: ظاهر قول البخاري أنه لم يوجب المغفرة إلا لمن تاب، فظاهر هذا يوهم إنفاذ الوعيد لمن لم يتب.
قلت: إنما أراد البخاري ما أراده وهب بن منبه بقوله في مفتاح الجنة في كتاب الجنائز: أن تحقيق ضمان وعده ﷺ لمن مات لا يشرك بالله شيئًا، ولمن قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك أنه إنما يتحصل لهم دون مدافعة من دخول الجنة، ولا عذاب ولا عقاب إذا لقوا الله تائبين عاملين بما أمر به، فأولئك يكونون (أول) (١) الناس دخولًا الجنة، وإن كانوا غير تائبين أو قبلهم تبعات للعباد فلا بد لهم أيضًا لهم من دخول الجنة بعد إنفاذ الله المشيئة فيهم من عذاب أو مغفرة.
وقال ابن التين: قول البخاري هذا خلاف ظاهر الحديث، ولو كان إذا تاب ولم يقل: وإن زنا وإن سرق. والحديث على ظاهره: (من) (٢) مات مسلمًا دخل الجنة قبل النار أو بعدها.
وقوله: (ثم مات على ذلك). ليس في أكثر الروايات هذِه الزيادة، وهي صحيحة، نبه عليه ابن التين.
فصل:
الديلي: ضبط بضم الدال وكسرها وبفتح الهمزة فيها (٣)، وفي بعض الروايات: وبكسر الدال وسكون الياء.
قال أبو نصر في "صحاحه": الدُّئل دويبة شبيهة بابن عرس.
قال أحمد بن يحيى: لا نعلم اسمًا جاء على فُعِل غير هذا.
стр. 16725
قال الأخفش: وإلى هذا نسب أبو الأسود الدؤلي، إلا أنهم فتحوا الهمزة على مذهبهمِ في النسبة استثقالًا لتوالي الكسرتين مع ياء النسب، كما ينسب إلى نَمِر نَمَريٌّ، وربما قالوا: الدُّوَلي، قلبوا الهمزة واوًا؛ لأن الهمزة إذا انفتحت وقبلها ضمة، فتخفيفها أن تقلب واوًا محضة.
وقال (ابن الكلبي) (١): (هو الدِّيلي) (٢)، قلبت الهمزة ياء حين انكسرت، وإذا انقلبت ياء كسرت الدال؛ لتسلم الياء كبِيعَ وقِيلَ.
قال: واسمه ظالم بن عمرو.
قال الأصمعي: أخبرني عيسى بن عمر قال: الديل بن بكر الكناني إنما هو الدُّئل، فترك الهمزة أهل الحجاز (٣).
فصل:
قال الجوهري: يقال: رغَم فلان بالفتح إذا لم يقدر على الانتصاف؛ فقال: رغِم أنفي لله رَغْمًا ورُغْمًا، (وقال أوله الرُّغْم والرَّغْم، وحكي تثليث رائه (٤)) (٥).
ثم ساق من حديث عاصم -وهو ابن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري عن أبي عثمان قال: كَتَبَ عُمَرُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، ووَصَفَّ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ بإصْبَعَيْهِ. وَرَفَعَ زُهَيْرٌ الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ. وأشار أبو عثمان بإصبعيه المسبحة والوسطى.
ثم ساق من حديث التيمي وهو سليمان بن طرخان: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: "لَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ أحدُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لَمْ يَلْبَسْ فِي الآخِرَةِ مِنْهُ".
ثم ساق من حديث مُعْتَمِرٍ، عن أبيه، عن أبي عُثْمَانَ، وَأَشَارَ أَبُو عُثْمَانَ بِإِصْبَعَيْهِ المُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى.
الحديث الثاني:
حديث ابن أبي ليلى: قَالَ: كنا مع حُذَيْفَةَ بالْمَدَايِنِ فَاسْتَسْقَى، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَرَمَاهُ بِهِ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ في الآخِرَةِ".
الحديث الثالث:
حديث شعبة عن عَبْدٍ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ شُعْبَةُ: أَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: شَدِيدًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لم يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ".
الحديث الرابع:
حديث شعبة أيضًا: عَنْ أَبِي ذُبْيَانَ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ".
стр. 16729
وَقَالَ لَنَا أَبُو مَعْمَرٍ: ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ، قَالَتْ مُعَاذَةُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ عَبْدِ اللهِ، قالت: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، سَمِعَ عُمَرَ، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ نحوه.
الحديث الخامس:
حديث عمران بن حطان: قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الحَرِيرِ، فَقَالَتِ: ائْتِ ابن عَبَّاسٍ فَسَألهُ. فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَلِ ابن عُمَرَ. فَسَأَلْتُ ابن عُمَرَ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ -يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ". فَقُلْتُ صَدَقَ وَمَا كَذَبَ أَبُو حَفْصٍ عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: ثَنَا حَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي عِمْرَانُ. وساق الحَدِيثَ.
الشرح:
قوله: (عن أبي ذبيان) كذا روي عن الفربري بذال معجمة ونون في آخره وهو الصواب. قال الأصيلي في كتب بعض أصحابنا عن أبي زيد، عن أبي دينار بالراء، وكذا ذكره البخاري في "تاريخه" (١).
والذي عند مسلم (٢)، وابن الجارود والدارقطني بالنون (٣)، وقاله أيضًا أحمد بن حنبل ولعل الذي في "تاريخ البخاري" تصحيف من
стр. 16730
الكاتب؛ لأنه لم يعقبه البخاري بحرف المعجم وكان في نسخ محمد بن راشد بخطه وروايته عن أبي عليّ بن السكن عن أبي ظبيان بالظاء المعجمة، وهو خطأ فاحش؛ إنما هو بذال معجمة.
وقوله: (عن يزيد قالت معاذة): هو يزيد بن أبي يزيد سنان أبو الأزهر الضبعي مولاهم القسام، يعد في البصريين، ويقال للقسام بالفارسية رشك، كان يقسم الدور ويمسح بمكة قبل أيام الموسم فبلغ كذا ومسح أيام الموسم (١)، مات سنة ثلاثين ومائة (٢).
وقوله: (ثنا حرب) هو ابن شداد أبو الخطاب اليشكري البصري القطان، مات سنة إحدى وستين ومائة، روي له الجماعة إلا ابن ماجه.
وحديث حذيفة أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وأخرج من حديث عمر ﵁: نهى نبي الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع (٤). ولأبي داود: ثلاثة أو أربعة (٥).
ولابن أبي شيبة: أنه كان ينهى عن الحرير الديباج (٦).
وفي حديث زر عنه موقوفًا: لا تلبسوا من الحرير إلا إصبعين أو ثلاثة (٧).
стр. 16731
وفي رواية: قال عمر: لا يصلح من الحرير إلا ما كان في تكفيف أو تزرير (١).
وزعم الدارقطني: أن جماعة وقفوا على هذا اللفظ وفي لفظ: لم يرخص في الديباج إلا موضع أربع أصابع، قال الدارقطني: فنحا به نحو الرفع (٢)، وضعف رواية من روى: "ولا تلبسوا الديباج ولا الحرير فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وصححه من رواية حذيفة (٣).
ولما ذكر ابن أبي حاتم في "علله" عن أبي زرعة حديث قتادة، عن أبي عثمان، عن عثمان بن عفان، أنه كتب إلى عامل الكوفة أن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا قدر إصبعين وثلاثة، قال: هذا خطأ، إنما هو قتادة عن أبي عثمان، عن عمر (٤).
وقوله: (وقال لنا أبو معمر) إلى آخره أخرجه الإسماعيلي عن الحسن، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا أبو معمر فذكره.
وقوله: إثر حديث عمران بن حطان: (وقال عبد الله بن رجاء) يشبه أن يكون أخذه عنه مذاكرة، وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما نهى النبي ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير، أما العلم وسداء الثوب فلا بأس به (٥).
واستدركه الحاكم صحيحًا على شرط الشيخين بلفظ: إنما نهى رسول الله ﷺ عن المصمت إذا كان حريرًا (٦).
стр. 16732
ولابن حزم من طريق فيها ضعف عن الحكم بن عمير، وله صحبة قال: رخص رسول الله ﷺ في لبس الحرير عند القتال. ويأتي حديث أنس الذي فيه الرخصة للزبير وعبد الرحمن وفيه الحكة (١).
فصل:
اختلف العلماء في معنى هذِه الأخبار كما قال الطبري، فقال بعضهم بعموم الأخبار السالفة منها: "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة"، وقال: الحرير كله حرام قليله وكثيره، مصمتًا كان أو غير مصمت في الحرب، وغيرها على الرجال والنساء؛ لأن التحريم بذلك قد جاء عامًّا فليس لأحد أن يخص منه شيئًا؛ لأنه لم يصح بخصوصه خبر.
وقال آخرون: مثل هذِه الأخبار الواردة بالنهي عن لبسه أخبار منسوخة، وقد رخص فيه الشارع بعد النهي عن لبسه وأذن لأمته فيه.
وقال آخرون ممن قال بتحليل لبسه: ليست منسوخة، ولكنها بمعنى الكراهة لا بمعنى التحريم.
وقال آخرون: بل هي وإن كانت واردة بالنهي عن لبسه فإن المراد الخصوص (للرجال فقط دون النساء، وما عني به الرجال من ذلك، فإنما هو ما كان منه حريرًا مصمتًا) (٢)، فأما ما اختلف سداه ولحمته أو كان علمًا في ثوب فهو مباح
стр. 16733
وقال آخرون ممن قال بخصوص هذِه الأخبار: إنما عني بالنهي عن لبسه في غير لقاء العدو، فأما له فلا بأس به؛ مباهاة وفخرًا.
حُجة من عمم: ما رواه مجاهد عن ابن عمر قال: اجتنبوا من الثياب ما خالطه الحرير (١).
وروى عطاء عن عبد الله مولى أسماء قالت: أرسلت أسماء إلى ابن عمر: بلغني أنك تحرم العلم في الثوب، فقال: إن عمر حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٢)، وأخاف أن يكون العلم في الثوب من لبس الحرير.
وقال أبو عمرو الشيباني: رأى عليُّ بن أبي طالب على رجل جبة طيالسة قد جعل على صدره ديباجًا، فقال: ما هذا النتن تحت لحييك؟ قال: لا رأه علي بعدها (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه رأى على رجل لبنة حرير في قميصه فقال: لو كانت برصًا لكانت خيرًا له.
وعن عمرو بن مرة قال: رأى حذيفة على رجل طيلسانًا فيه أزرار ديباج، فقال: تتقلد قلائد الشيطان في عنقك (٤).
وعن الحسن البصري أنه كان يكره قليل الحرير وكثيره للرجال والنساء، حتى الأعلام في الثياب.
стр. 16734
(وكره ابن سيرين العلم في الثوب) (١)(٢)، وقال: الدليل على عموم التحريم قوله ﷺ : "من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
حُجة من قال بالفرق بين الرجال والنساء ورخص في الأعلام وهو قول الجمهور.
روي عن حذيفة أنه رأى صبيانًا عليهم قمص الحرير فنزعها عنهم وتركها على الجواري، وعن ابن عمر أنه قال: كره الحرير للرجال ولا يكره للنساء، وعن عطاء مثله.
وروى أحمد والنسائي والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس أن رسول الله ﷺ قال "أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣).
وخالف ابن حبان في "صحيحه" فقال: لا يصح (٤).
وصح أنه ﵇ أعطى عليًّا حلة وقال: "شققها خمرًا بين نسائك" أخرجه الشيخان من حديثه (٥)، وفي رواية: "بين الفواطم"، ورواها مسلم (٦)، زاد ابن أبي الدنيا: فشققها أربعة أخمرة: خمارًا لزوجته فاطمة، وآخر لأمه، وآخر لابنة حمزة ونسي الراوي الرابعة.
стр. 16735
وكان ابن عباس لا يرى بأسًا بالأعلام (١)، وقال عطاء: إذا كان العلم إصبعين أو ثلاثة مجموعة فلا بأس به، وكان عمر بن عبد العزيز يلبس الثوب سداه كتان ولحمته خز، وأجازه ابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: لا بأس بالخز وإن كان سداه إبريسم، وكذلك لا بأس بالخز؛ وإن كان مبطنًا بثوب حرير؛ لأن الظاهر الخز وليس الظاهر الحرير، ولا بأس بحشو القز (٢).
وقال الشافعي: إن لبس رجل قباء محشوًا قزًا فلا بأس؛ لأن الحشو باطن، وإنما كره إظهار القز للرجال، كان النخعي يكره الثوب سداه حرير (٣).
وقال طاوس: دعه لمن هو أحرص عليه، وسئل الأوزاعي عن السيجان الواسطية التي سداها قز، فقال: لا خير فيها.
قال غير الطبري: وكان مالك يعجبه ورع ابن عمر، فلذلك كره لباس الحرير.
قال مالك: إنما كره الخز؛ لأن سداه حرير (٤).
حُجة من ادعى النسخ بإذنه للزبير في ذلك وأن لباس الحرير جائز في الحرب وغيره.
روى معمر، عن ثابت، عن أنس قال: لقي عُمرُ عبدَ الرحمن بنَ عوف فجعل ينهاه عن لباس الحرير، فجعل عبد الرحمن يضحك وقال: لو أطعتنا لبسته معنا (٥).