← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16731–16770 · переход к 16736.

стр. 16731

وفي رواية: قال عمر: لا يصلح من الحرير إلا ما كان في تكفيف أو تزرير (١). وزعم الدارقطني: أن جماعة وقفوا على هذا اللفظ وفي لفظ: لم يرخص في الديباج إلا موضع أربع أصابع، قال الدارقطني: فنحا به نحو الرفع (٢)، وضعف رواية من روى: "ولا تلبسوا الديباج ولا الحرير فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وصححه من رواية حذيفة (٣). ولما ذكر ابن أبي حاتم في "علله" عن أبي زرعة حديث قتادة، عن أبي عثمان، عن عثمان بن عفان، أنه كتب إلى عامل الكوفة أن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا قدر إصبعين وثلاثة، قال: هذا خطأ، إنما هو قتادة عن أبي عثمان، عن عمر (٤). وقوله: (وقال لنا أبو معمر) إلى آخره أخرجه الإسماعيلي عن الحسن، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا أبو معمر فذكره. وقوله: إثر حديث عمران بن حطان: (وقال عبد الله بن رجاء) يشبه أن يكون أخذه عنه مذاكرة، وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما نهى النبي ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير، أما العلم وسداء الثوب فلا بأس به (٥). واستدركه الحاكم صحيحًا على شرط الشيخين بلفظ: إنما نهى رسول الله ﷺ عن المصمت إذا كان حريرًا (٦).

стр. 16732

ولابن حزم من طريق فيها ضعف عن الحكم بن عمير، وله صحبة قال: رخص رسول الله ﷺ في لبس الحرير عند القتال. ويأتي حديث أنس الذي فيه الرخصة للزبير وعبد الرحمن وفيه الحكة (١). فصل: اختلف العلماء في معنى هذِه الأخبار كما قال الطبري، فقال بعضهم بعموم الأخبار السالفة منها: "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة"، وقال: الحرير كله حرام قليله وكثيره، مصمتًا كان أو غير مصمت في الحرب، وغيرها على الرجال والنساء؛ لأن التحريم بذلك قد جاء عامًّا فليس لأحد أن يخص منه شيئًا؛ لأنه لم يصح بخصوصه خبر. وقال آخرون: مثل هذِه الأخبار الواردة بالنهي عن لبسه أخبار منسوخة، وقد رخص فيه الشارع بعد النهي عن لبسه وأذن لأمته فيه. وقال آخرون ممن قال بتحليل لبسه: ليست منسوخة، ولكنها بمعنى الكراهة لا بمعنى التحريم. وقال آخرون: بل هي وإن كانت واردة بالنهي عن لبسه فإن المراد الخصوص (للرجال فقط دون النساء، وما عني به الرجال من ذلك، فإنما هو ما كان منه حريرًا مصمتًا) (٢)، فأما ما اختلف سداه ولحمته أو كان علمًا في ثوب فهو مباح

стр. 16733

وقال آخرون ممن قال بخصوص هذِه الأخبار: إنما عني بالنهي عن لبسه في غير لقاء العدو، فأما له فلا بأس به؛ مباهاة وفخرًا. حُجة من عمم: ما رواه مجاهد عن ابن عمر قال: اجتنبوا من الثياب ما خالطه الحرير (١). وروى عطاء عن عبد الله مولى أسماء قالت: أرسلت أسماء إلى ابن عمر: بلغني أنك تحرم العلم في الثوب، فقال: إن عمر حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٢)، وأخاف أن يكون العلم في الثوب من لبس الحرير. وقال أبو عمرو الشيباني: رأى عليُّ بن أبي طالب على رجل جبة طيالسة قد جعل على صدره ديباجًا، فقال: ما هذا النتن تحت لحييك؟ قال: لا رأه علي بعدها (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أنه رأى على رجل لبنة حرير في قميصه فقال: لو كانت برصًا لكانت خيرًا له. وعن عمرو بن مرة قال: رأى حذيفة على رجل طيلسانًا فيه أزرار ديباج، فقال: تتقلد قلائد الشيطان في عنقك (٤). وعن الحسن البصري أنه كان يكره قليل الحرير وكثيره للرجال والنساء، حتى الأعلام في الثياب.

стр. 16734

(وكره ابن سيرين العلم في الثوب) (١) (٢)، وقال: الدليل على عموم التحريم قوله ﷺ : "من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة". حُجة من قال بالفرق بين الرجال والنساء ورخص في الأعلام وهو قول الجمهور. روي عن حذيفة أنه رأى صبيانًا عليهم قمص الحرير فنزعها عنهم وتركها على الجواري، وعن ابن عمر أنه قال: كره الحرير للرجال ولا يكره للنساء، وعن عطاء مثله. وروى أحمد والنسائي والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس أن رسول الله ﷺ قال "أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣). وخالف ابن حبان في "صحيحه" فقال: لا يصح (٤). وصح أنه ﵇ أعطى عليًّا حلة وقال: "شققها خمرًا بين نسائك" أخرجه الشيخان من حديثه (٥)، وفي رواية: "بين الفواطم"، ورواها مسلم (٦)، زاد ابن أبي الدنيا: فشققها أربعة أخمرة: خمارًا لزوجته فاطمة، وآخر لأمه، وآخر لابنة حمزة ونسي الراوي الرابعة.

стр. 16735

وكان ابن عباس لا يرى بأسًا بالأعلام (١)، وقال عطاء: إذا كان العلم إصبعين أو ثلاثة مجموعة فلا بأس به، وكان عمر بن عبد العزيز يلبس الثوب سداه كتان ولحمته خز، وأجازه ابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة: لا بأس بالخز وإن كان سداه إبريسم، وكذلك لا بأس بالخز؛ وإن كان مبطنًا بثوب حرير؛ لأن الظاهر الخز وليس الظاهر الحرير، ولا بأس بحشو القز (٢). وقال الشافعي: إن لبس رجل قباء محشوًا قزًا فلا بأس؛ لأن الحشو باطن، وإنما كره إظهار القز للرجال، كان النخعي يكره الثوب سداه حرير (٣). وقال طاوس: دعه لمن هو أحرص عليه، وسئل الأوزاعي عن السيجان الواسطية التي سداها قز، فقال: لا خير فيها. قال غير الطبري: وكان مالك يعجبه ورع ابن عمر، فلذلك كره لباس الحرير. قال مالك: إنما كره الخز؛ لأن سداه حرير (٤). حُجة من ادعى النسخ بإذنه للزبير في ذلك وأن لباس الحرير جائز في الحرب وغيره. روى معمر، عن ثابت، عن أنس قال: لقي عُمرُ عبدَ الرحمن بنَ عوف فجعل ينهاه عن لباس الحرير، فجعل عبد الرحمن يضحك وقال: لو أطعتنا لبسته معنا (٥).

стр. 16736

روى شعبة عن أبي بكر بن حفص عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: شهدت عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعليه قميص حرير؛ فقال: يا عبد الرحمن لا تلبس الحرير والديباج، فإنه ذكر لي أن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة (١)؛ فقال عبد الرحمن: والله إني لأرجو أن ألبسه في الدنيا والآخرة. وروى ابن أبي ذئب، عن سفينة مولى ابن عباس قال: دخل المسور بن مخرمة على ابن عباس يعوده وعلى ابن عباس ثوب إستبرق، وبين يديه كانون عليه تماثيل فقال: ما هذا اللباس عليك؟ قال: ما شعرت به، وما أظن رسول الله ﷺ نهى عنه إلا للتكبر والتجبر، ولسنا كذلك (بحمد الله) (٢) قال: فما هذِه التماثيل؟ فقال: أما تراها قد أحرقناها بالنار؟! فلما خرج المسور قال ابن عباس: ألقوا هذا الثوب، واكسروا هذِه التماثيل، وألقوا هذا الكانون (٣).

стр. 16737

وعن جبير بن حية أنه اشترى جارية عليها قباء من ديباج منسوج بذهب فكان يلبسه، وكان أصحابه عابوا عليه ذلك. فقال: إنه يدفئني، وألبسه في الحر. وصوب الطبري أن حديث عمر على الخصوص. فصل: وقوله: "إنما هذِه لباس من لا خلاق له" يعني: من الحرير المصمت من الرجال في غير حال المرض والحرب لغير ضرورة تكبرًا واختيالًا في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ولباس ذلك كذلك لباس من لا خلاق له. وإنما قلنا: عني به من الحرير المصمت؛ لقيام الحجة بالنقل الذي يمتنع منه الكذب أنه لا شيء بلبس الحرير، والخز -لا شك- سداه حرير ولحمته وبر، فإذا كانت الحجة ثابتة بحله، فسبيل كل ما اختلف سداه ولحمته سبيل الخز أنه لا بأس بلبسه في كل حالٍ للرجال والنساء وإنما قلنا: عني به ما كان ثوبًا دون ما كان علمًا في ثوب؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ استثنى قدر إصبعين أو ثلاثة أو أربعة. أما حال الضرورة فلصحة الخبر أيضًا فيه عن رسول الله ﷺ أنه أرخص للزبير وابن عوف لحكة كانت بهما، وألحقنا بها كل علة ترجى بلبسه خفتها، وكذا لدفع السلاح من باب أولى، وفرقنا بين الرجال والنساء؛ لصحة خبر أبي موسى السالف، فبان أن الأخبار لا تضاد فيها ولا نسخ.

стр. 16738

وقد سلف في الجهاد اختلاف العلماء في لبس الحرير في الحرب، واختلفوا كما قال الطبري في قوله: "إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة". فقيل: ما له في الآخرة من جهة، وقيل: من قوام. وقيل: من دين. ومن لبسه لباس اختيال وتكبر دون ضرورة تدعو إليه فهو الذي لا خلاق له فيها. وقال غير الطبري: يعني أنه من لباس المشركين في الدنيا فينبغي أن لا يلبسه المؤمنون (١). فصل: يحل عندنا ما طرز أو طرف بحرير بقدر العادة. وذكر الزاهدي من الحنفية أن العمامة إذا كانت طرتها قدر أربع أصابع من إبريسم بأصابع عمر بن الخطاب، وذلك قيس شبرنا يرخص فيه (٢)، والأصابع لا مضمومة ولا منشورة كل النشر، وقيل: أربع أصابع كما هي على هيئتها لا أصابع السلف. وقيل: أربع أصابع منشورة. وقال بعضهم: التحرز عن مقدار المنشورة أولى، والعلم في العمامة في مواضع، قال بعضهم: تجمع. وقيل: لا تجمع، ولا بأس بالعلم المنسوج بالذهب للنساء. وأما الرجال: فقدر أربع أصابع وما فوقه يكره، فإن كان نظره الدائم إلى الثلج يضره فلا بأس أن يسدل على عينيه خمارًا أسود من إبريسم. قال: ففي العين الرمدة أولى. وقيل: لا يجوز. وعن أبي حنيفة: لا بأس بالعلم من الفضة في العمامة قدر أربع

стр. 16739

أصابع ويكره من الذهب. وقيل: لا يكره. والذهب المنسوج في العلم كذلك. وعن محمد: لا يجوز، ويجوز لبس الثوب والقلنسوة المنسوجة. فصل: أذربيجان في حديث عمر بفتح الهمزة الممدودة. وقال ابن التين: قرأناه بكسرها وفي بعض الكتب ضبط بفتحها، (ورأيت في كتاب عصرينا (١) "غريب الرافعي": أنها بفتح الهمزة والراء) وسكون الذال. قال: ومنهم من مد الهمزة وضم الذال وسكن الراء (٢) (٣). قال ابن فارس: والنسب إليها أذري (٤). وقوله: (وأشار بإصبعيه) يعني: الأعلام. وقال أبو عبد الملك: إنما نهى الشارع عن الحرير المصمت إلا ما كان منه مقدار إصبعين أو ثلاثة أو أربعة، وادعى أن البخاري خرجه، وهو دال على الطوق منه واللبنة ما كان دون أربعة أصابع حلال. وفي "جامع مختصر" الشيخ أبي محمد: قيل لمالك: ملاحف أعلامها حرير قدر إصبعين. قال: لا أحبه، وما أراه حرامًا. وفي رواية أخرى: لا بأس بالخط الرقيق. وكره مالك في المنسوجة لبست للغزو، وأجاب عن حديث الزبير وابن عوف بأنه مخصوص بهما.

стр. 16740

وأجاز عبد الملك لبسه للجهاد عند القتال والصلاة فيه حينئذ. فصل: قال ابن التين: اختلف في إجازة الخز فأجيز وكره، وهو الذي سداه حرير. وقال ابن حبيب: لم يختلف في إجازة لبسه، وقد لبسه خمسة عشر صحابيا وخمسة عشر تابعيًّا، وأما الذي مزج من الحرير بكتان أو صوف، فلبسه للرجال في الصلاة وغيرها مكروه للاختلاف بين السلف، أجازه ابن عباس وكرهه ابن عمر (١). قال مُطَرِّفٌ: ورأيت على مالك ساج إبريسم كساه إياه هارون وكان يفتي هو وأصحابه بكراهته ولم يكن عنده كالخز المحض. قال ابن حبيب: وليس بين ثياب الخز والثياب التي قيامها الحرير فرق إلا الاتباع (٢). فصل: وقوله: ("لم يلبسه في الآخرة") هو على ما تقدم إما أن ينساه أو تزال شهوته من نفسه أو يكون ذلك في وقت دون وقت. فصل: عمران بن حطان هو بكسر الحاء سدوسي من أفراد البخاري تابعي، وكان رجلاً خارجيًّا مدح ابن ملجم قاتله الله (٣).

стр. 16741

قال ابن التين: حطان مر أنه بكسر الحاء وضبط في بعض النسخ بالفتح قبل وهو خارجي، وإنما أدخله البخاري في المتابعة لا في الأصول (١).

стр. 16742

٢٦ - باب مَسِّ الْحَرِيرِ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ وَيُرْوى فِيهِ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٥٨٣٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثَوْبُ حَرِيرٍ، فَجَعَلْنَا نَلْمُسُهُ وَنَتَعَجَّبُ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟». قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «مَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا». [انظر: ٣٢٤٩ - مسلم: ٢٤٦٨ - فتح ١٠/ ٢٩١] ذكر فيه حديث البراء ﵁، قال: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثَوْبُ حَرِيرٍ، فَجَعَلْنَا نَلْمُسُهُ وَنتَعَجَّبُ مِنْهُ، فَقَالَ ﷺ : "أَتَعْجَبُونَ مِنْ هذا؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: "مَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هذا". هذا الحديث سلف (١). والزبيدي هو: محمد بن الوليد، وحديثه هذا ذكره الدارقطني في كتاب "الأفراد والغرائب" أنه ﷺ أهديت له حلة إستبرق. الحديث. قال: تفرد به محمد بن الوليد عن الزهري ولم يروه عنه (غير) (٢) عبد الله بن سالم الحمصي (٣). قال ابن بطال: وليس النهي عن لباس الحرير من أجل نجاسة عينه فيحرم مسه باليد، وإنما نهي عن لبسه من أجل أنه ليس من لباس المتقين وعينه مع ذلك طاهرة، فلذلك جاز لمسه والانتفاع به (٤).

стр. 16743

٢٧ - باب افْتِرَاشِ الحَرِيرِ وَقَالَ عَبِيدَةُ: هُوَ كَلُبْسِهِ. ٥٨٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. [انظر: ٥٤٢٦ - مسلم: ٢٠٦٧ - فتح ١٠/ ٢٩١] ذكر فيه حديث ابن أبي نجيح، وهو عبد الله بن يسار: عَنْ مُجَاهِدٍ، عَن ابن أَبِي لَيْلَى، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. هذا الباب رد على من أجاز افتراش الحرير والارتفاق فيه، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وابنه عبد الملك، وروى وكيع، عن مسعر، عن راشد مولى بني تميم (١) (٢) قال: رأيت في مجلس ابن عباس مرفقة حرير (٣). والجمهور على خلافه، وحجتهم حديث الباب، وهو نص في المسألة لا يعدل عنه، ولو عدمنا هذا النص لاستدللنا على الافتراش والجلوس كما مر من حديث أنس ﵁ في الحصير الذي اسود من

стр. 16744

طول ما لبس (١). وقد روى ابن وهب عن ابن لهيعة، عن أبي النضر أن عبد الله بن (عامر) (٢) صنع صنيعًا، فدعى الناس، وكان فيهم سعد بن أبي وقاص، فلما أتى أمر بمجلس من حرير كان على سريره فنزع، فلما دخل قال له ابن عامر: يا أبا إسحاق، إنه قد كان على السرير مجلس من حرير، فلما سمعنا بك نزعناه، فقال سعد: لأن أقعد على جمر الغضا أحب إليّ من أن أقعد على مجلس من حرير. وقد سلف طرف منه في البيوع. فرع: في افتراشه للنساء عندنا خلاف واختلف في الصحيح، والأصح: الحل. (فرع: قال الزاهدي من الحنفية: لا يجوز استعمال اللحاف من الحرير، لأنه نوع لبس) (٣) ولا يكره الاستناد إلى الوسادة من الديباج. فرع: لا بأس بملاءة حرير توضع في مهد الصبي؛ لأنه ليس بلبس، وكذا الحلة من الحرير للرجال، لأنها كاليسير، ولبس الحرير للدثار لا يكره عند أبي حنيفة، لأنه اعتبر حرمة استعمال الحرير إذا كان يتصل ببدنه.

стр. 16745

وأبو يوسف اعتبر المعنى، يعني: اللبس؛ قال: وهذا تنصيص أن عند أبي حنيفة لا يكره لبس الحرير إذا لم يتصل بجسده حتى إذا لبسه فوق شيء غزل أو نحوه لا يكره عنده (١)، فكيف إذا لبسه فوق قباء أو شيء آخر محشو، أو كانت جبة من حرير وبطانتها ليست من حرير، وقد لبسها فوق قميص عزلي. قال الزاهدي: في هذا رخصة عظيمة في موضع عم فيه البلوى، ولكن طلبت هذا القول عن أبي حنيفة في كثير من الكتب، فلم أجد سوى هذا ومن الناس من يقول: إنما يكره إذا كان الحرير يمس الجسد وما لا فلا. وعن ابن عباس ﵄: أنه كان عليه جبة من حرير، فقيل له في ذلك، فقال: ما نرى إلى ما يلي الجسد وكان تحته ثوب من قطن، إلا أن الصحيح ما ذكرناه أن الكل حرام. وفي "شرح الجامع الصغير" للبَزْدوي: ومن الناس من أباح لبس الحرير والديباج للرجال، ومنهم من قال هو حرام على النساء، وعامة الفقهاء على الفرق حله للنساء دون الرجال، فإن لبس منطقة فيها من الديباج أقل من أربعة أصابع، ولكن جعلها طاقين، كل طاق منها ثلاثة أصابع فلا يجوز.

стр. 16746

٢٨ - باب لُبْسِ القَسِّيِّ وَقَالَ عَاصِمٌ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قُلْتُ لِعَلِيٍّ: مَا القَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنَ الشَّامِ أَوْ مِنْ مِصْرَ، مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ فِيهَا أَمْثَالُ الأُتْرُنْجِ، وَالْمِيثَرَةُ كَانَتِ النِّسَاءُ تصطنعه لِبُعُولَتِهِنَّ مِثْلَ القَطَائِفِ يُصَفِّرْنَهَا. وَقَالَ جَرِيرٌ، عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ: القَسّيَّةُ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ، يُجَاءُ بِهَا مِنْ مِصْرَ، فِيهَا الحَرِيرُ، وَالْمِيثَرَةُ جُلُودُ السِّبَاعِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللهِ: عَاصِمٌ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ فِي المِيثَرَةِ. ٥٨٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ ابْنِ عَازِبٍ قَالَ: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَيَاثِرِ الْحُمْرِ وَالْقَسِّيِّ. [انظر: ١٢٣٩ - مسلم: ٢٠٦٦ - فتح ١٠/ ٢٩٢] ثم ساق حديث البراء بن عازب ﵄ قَالَ: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَيَاثِرِ الحُمْرِ وَالْقَسِّيِّ. (الشرح) (١): عاصم هو ابن كليب بن شهاب الجرمي، انفرد به مسلم، (وعلق البخاري كما ترى، وروى له في رفع اليدين والأدب، مات في خلافة المنصور) (٢)، واسم أبي بردة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري.

стр. 16747

(والقطائف واحدها قطيفة وهي كساء له خمل، وشيخ جرير بُريد -بضم الباء- وهو ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، كذا ضبطه الدمياطي على "الحاشية" بخطه. وأما المزي في "تهذيبه" فذكره في حرف الياء المثناة تحت؛ وقال: إنه يزيد بن أبي زياد القرشي، أخو برد، وعين أن البخاري روى له ذلك في هذا الباب معلقًا فذكره، وأنه روى له في "رفع اليدين" و"الأدب" وروى له مسلم مقرونًا بغيره، وأن أحمد ويحيى بن معين في "جامعه" ضعفوه، وأن العجلي قال: هو جائز الحديث، وأنه كان بِأَخَرَةٍ يُلقَّن (١). وقال ابن المبارك: (أكرم به) (٢)، الذي حكاه عنه (ارم به) (٣)) (٤). والتعليق عن عاصم وصله أبو عبيد في "غريبه" (٥)، وبين أنه عاصم بن كليب - كما ذكرناه. فصل: سلف بيان القسية؛ قال الطبري: القسط ثياب تعمل من الحرير بقرية بمصر يقال لها: القسي.

стр. 16748

وقال أبو عبيد: وأصحاب الحديث يقولون: القسي -بكسر القاف- وأهل مصر يفتحونها- ينسب إلى بلاد يقال لها: القس، رأيتها ولم يعرفها الأصمعي (١). قال ابن سيده في "المحكم": قس، والقس موضع ينسب إليه ثياب تجلب من نحو مصر (٢)، وقال القزاز: قس بالفتح، موضع تنسب إليه الثياب وأصحاب الحديث يقولون: القِسي بكسر القاف. والصحيح أنه لأنه منسوب إلى هذا البلد المذكور، وذكر الحسن بن محمد المهلبي المصري أن القس لسان خارج في البحر عنده حصن يسكنه الناس، بينه وبين القرناء عشرة فراسخ من جهة الشام، وقال الحازمي: هي من بلاد الساحل. وقال الهروي في "الغريبين": قال شمر: القسي، قال بعضهم: وهو القزي، أبدلت الزاي سينًا. وعبارة النووي: هو بفتح القاف وكسر السين المشددة، وبعض أهل الحديث: يكسر القاف. قال: والأول هو الصحيح المشهور، والقس: قرية من تنيس، وقيل: هي ثياب كتان مخلوطة بالحرير، وقيل: هي ثياب من الخز وهو رديء الحرير (٣). وقد سلف تفسيرها في البخاري، وفي "سنن أبي داود". والقس: قرية بالصعيد (٤).

стр. 16749

فصل: والمياثر بالثاء المثلثة جمع مثيرة بكسر الميم. قال أبو عبيد: المياثر الحمر المنهي عنها، كانت مراكب من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير (١). قال ابن بطال: كلامه يدل أنها [إذا] (٢) لم تكن من حرير أو ديباج وكانت من صوف أحمر، فأنه يجوز الركوب عليها، وليس النهي عنها كالنهي عنها إذا كانت منها، وهذا يشبه قول مالك. قال ابن وهب: سئل مالك عن ميثرة أرجوان أيركب عليها؟ قال: ما أعلم حرامًا، ثم قرأ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] (٣). وقال الطبري: الميثرة: وطاء كان النساء يوطئنه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر على سروج خيلهم أو من الديباج والحرير، وكان ذلك من مراكب العجم. وعند الهروي: نهي عن ميثرة الأرجوان، قال: وهي مرفقة، تتخذ لصفة السرج، وكانوا يحمرونها، والأرجوان صبغ أحمر. وفي "المحكم": الميثرة: الثوب تجلل به الثياب فيعلوها، والمثيرة: هنة كهيئة المرفقة تتخذ للسرج كالصفة، وهي المواثر والمياثر على المعاقبة (٤). وفي "مجمع الغرائب " للفارسي: الميثرة: النقرة.

стр. 16750

وقال الخطابي -وذكر قوله ﷺ : "لا أركب الأرجوان"- قال: الأرجوان: الأحمر، وأراه أراد به المياثر الحمر، وقد تتخذ من ديباج وحرير، وقد ورد فيها النهي، لما في ذلك من الشقة، وليست من لباس الرجال، وإنما سميت هذِه المراكب مياثر، لوثارتها ولينها، وكانت مراكبهم اللبود أمروا أن يقتصروا عليها (١). وقال النووي: هي وطاء كانت النساء تصنعه لأزواجهن على السروج وتكون من الحرير، وتكون من الصوف وغيره، وقيل: هي أغشية للسروج تتخذ من الحرير، وقيل: هي سروج من الديباج، وقيل: هي كالفراش الصغير يتخذ من الحرير ويحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب على البعير تحته فوق الرحل، وهي مفعلة من الوثار، يقال: وثر وثارة فهو وثير، أي: وطيء لين، وأصلها موثرة، فقلبت الواو بالكسرة قبلها كما في ميراث وميقات، وأصله موراث وموقات (٢). وفي بعض نسخ البخاري: والميثرة: جلود السباع، يؤيده ما في النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب (٣)، وجلود النمور. فصل: حديث الباب روي من غير طريق البراء، فلأبي داود من حديث أبي هريرة: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر" (٤). وللنسائي عن علي: نهاني رسول الله ﷺ ولا أقول نهاهم عن القسي (٥).

стр. 16751

وفي كتاب "الخاتم" لابن منجويه من حديث ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ عن مياثر الأرجوان والتختم بالذهب. ولأبي داود عن معاوية مرفوعا: "لا تركبوا الخز ولا النمار" (١).

стр. 16752

٢٩ - باب مَا يُرَخَّصُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْحَرِيرِ لِلْحِكَّةِ ٥٨٣٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا. [انظر: ٢٩١٩ - مسلم: ٢٠٧٦ - فتح ١٠/ ٢٩٥] ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف فِي لُبْسِ الحَرِيرِ لِحِكَّةٍ كانت بِهِمَا. هو ظاهر فيما ترجم له، وقد أسلفنا أن هذا الحديث (دالٌّ على) (١) أن النهي عن لبس الحرير في حق من لم تكن له علة تضطره إلى لبسه، وإن من المعلوم من ترخيصه للحكة إلحاق من كان به علة ترجى بلبسه خفتها، وكذا ما فوق ذلك كنبل العدو وأسلحتهم. ووقع في "الوسيط" للغزالي أنه ﷺ أرخص لحمزة (٢)، وهو غلط فاجتنبه. ومن الغريب حكايته صاحب "التنبيه" وجهًا أنه (لا) (٣) يجوز لبسه للحاجة المذكورة (٤). ولم يحكه الرافعي وصاحب "البيان" إلا عنه. وقد تعلل على بعده باختصاص الرخصة بالمذكورين.

стр. 16753

وفرق بعض أصحابنا فجوزه بالسفر دون الحضر لرواية مسلم أن ذلك كان في السفر، وهذا الوجه خصه في "الروضة" القمل (١)، وليس كذلك؛ فقد نقله الرافعي في الحكة. وفي الصحيحين أيضًا أنه ﷺ أرخص لهما لما شكيا بالقمل في غزاة لهما (٢). والأصح: جوازه سفرًا وحضرًا، وأبعد من قال باختصاصه بالسفر؛ لأنه شاغل عن التفقد والمعالجة، وإن اختاره ابن الصلاح لظاهر الحديث المذكور.

стр. 16754

٣٠ - باب لبس الحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ ٥٨٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةٌ سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. [انظر: ٢٦١٤ - مسلم: ٢٠٧١ - فتح ١٠/ ٢٩٦] ٥٨٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ ﵁ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ تُبَاعُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ ابْتَعْتَهَا، تَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ إِذَا أَتَوْكَ وَالْجُمُعَةِ. قَالَ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ حُلَّةَ سِيَرَاءَ حَرِيرٍ، كَسَاهَا إِيَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَقُولُ فِيهَا مَا قُلْتَ! فَقَالَ: «إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوَهَا». [انظر: ٨٨٦ - مسلم: ٢٠٦٨ - فتح ١٠/ ٢٩٦] ٥٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ ﵍ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بُرْدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ. [فتح ١٠/ ٢٩٦] ذكر فيه من حديث شعبة عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: كَسَانِي رسول الله ﷺ حُلَّةً حرير سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. وحديث ابن عمر أَنَّ عُمَرَ ﵁ رَأى حُلَّةَ سِيَرَاءَ تُبَاعُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْتَعْتَهَا. . الحديث. وسلف في العيد (١).

стр. 16755

وحديث أنس بن مَالِكٍ أَنَّهُ رَأى عَلَى أُمِّ كلثوم بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بُرْدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ. الشرح: قال الجياني: كذا إسناد الحديث الأول عند رواة الفربري وغيرهم من رواة البخاري إلا ابن السكن، فإن في روايته: شعبة، عن عبد الملك، عن النزال، عن عليّ، والأول (١) هو المحفوظ. وقد ذكره البخاري أيضًا في غير موضع كما قلناه، وكذلك مسلم وغيرهما (٢). وكذلك (هو) (٣) عند ابن السكن في غير هذا الموضع. وروينا في "مسند يعقوب بن شيبة" أنه قال: هو حديث ثابت حسن الإسناد، رواه نافع وسالم وابن سيرين وعبد الله بن دينار عن ابن عمر، وهذِه الحلة قد سلف أنها كانت لعطارد. وفي "مشكل الطحاوي": كانت مع لبيد بن ربيعة (٤). فصل: والعلماء متفقون أن الحرير مباح للنساء إلا ما روي عن الحسن كما

стр. 16756

سلف، قال يونس بن عبيد: كان الحسن يكره قليل الحرير وكثيره (١) للرجال والنساء حتى الأعلام في الثياب وأحاديث الباب خلاف قوله، ولو كان الحرير لا يجوز للنساء ماجهل ذلك عليٌ ولا شق الحلة بين نسائه ولا جاز لأم كلثوم بنت رسول الله ﷺ لباسه. وروى معمر، عن الزهري، عن أنس قال: رأيت على زينب بنت رسول الله ﷺ بردة سيراء من حرير (٢). وسيراء بكسر السين وفتح الراء برد فيه خطوط صفر. وقال الأصمعي: السيراء ثياب فيها خطوط من حرير ويقال من قز، وإنما يقال سيراء لتسير الخطوط فيها. وقال الزهري: السير المضلع بالقزى (٣)، وعن الخليل مثله (٤). وهذا مذهب من لم يجز للرجال لباس الثوب إذا خالطه حرير أو كان منه فيه سدى أو لحمة، والآثار تدل على أن الحلة من حرير محض، وروى حماد بن زيد (عن أيوب) (٥) عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال عمر: يا رسول الله إني مررت بعطارد وهو يعرض حلة حرير للبيع فلو اشتريتها للجمعة والوفد، وذكر الحديث (٦).

стр. 16757

وقال الزهري، عن سالم، عن أبيه: حلة من إستبرق (١)، وهو غليظ الحرير، وعلى هذا تدل الآثار أنها كانت من حرير محض. وفي هذا الحديث، وحديث معاوية: نهى رسول الله ﷺ عن ثياب الحرير (٢). النهي عن لبسه مطلقًا للرجال والنساء، وروي عن ابن الزبير (٣)، ويؤيده حديث عقبة بن عامر أنه ﷺ كان منع أهله الحلية والحرير، أخرجه ابن حبان (٤) ويقول: "إن كنتن تحببن حلية الجنة وحريرها فلا تلبسنها في الدنيا" (٥) ومن حمل النهي على عمومه هو في القياس صحيح، كما في الأواني، لكن النص (ورد) (٦) بالتفرقة -كما أسلفناه- وعند ذلك تقف الآراء. وحديث أنس في الباب، قال الطحاوي: إن كان ذلك في زمن رسول الله ﷺ ففيه ما يعارض حديث عقبة، وإن كان بعده كان دليلًا على نسخه، وهذا عجيب منه، فأم كلثوم توفيت سنة (تسع) (٧) قطعًا،

стр. 16758

وغسلتها أم عطية، فلا وجه لقوله: وإن كان بعده، لعله كان قبل بلوغ أنس مبلغ الرجال وقبل الحجاب، وفي (رواية) (١) ابن أبي شيبة عن أنس أيضًا أنه رأى على زينب بنت رسول الله ﷺ قميص حرير سيراء (٢). وروى ابن أبي حاتم في "علله" من حديث بقية عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه ﵇ لم يكن يرى بالقز والحرير للنساء بأسًا، قال أبو زرعة: هذا حديث منكر، قلت: تعرف له علة، قال: لا (٣).

стр. 16759

٣١ - باب مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَّخِذُ مِنَ اللِّبَاسِ وَالْبُسْطِ ٥٨٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَبِثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلْتُ أَهَابُهُ، فَنَزَلَ يَوْمًا مَنْزِلاً فَدَخَلَ الأَرَاكَ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُهُ، فَقَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ثُمَّ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا نَعُدُّ النِّسَاءَ شَيْئًا، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ وَذَكَرَهُنَّ اللهُ، رَأَيْنَا لَهُنَّ بِذَلِكَ عَلَيْنَا حَقًّا، مِنْ غَيْرِ أَنْ نُدْخِلَهُنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِنَا، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي كَلَامٌ، فَأَغْلَظَتْ لِي، فَقُلْتُ لَهَا: وَإِنَّكِ لَهُنَاكِ؟. قَالَتْ: تَقُولُ هَذَا لِي وَابْنَتُكَ تُؤْذِى النَّبِيَّ ﷺ ! فَأَتَيْتُ حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا: إِنِّي أُحَذِّرُكِ أَنْ تَعْصِي اللهَ وَرَسُولَهُ. وَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهَا فِي أَذَاهُ، فَأَتَيْتُ أُمَّ سَلَمَةَ فَقُلْتُ لَهَا. فَقَالَتْ أَعْجَبُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، قَدْ دَخَلْتَ فِي أُمُورِنَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ، فَرَدَّدَتْ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِذَا غَابَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَشَهِدْتُهُ أَتَيْتُهُ بِمَا يَكُونُ، وَإِذَا غِبْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَشَهِدَ أَتَانِي بِمَا يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ مَنْ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدِ اسْتَقَامَ لَهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَلِكُ غَسَّانَ بِالشَّأْمِ، كُنَّا نَخَافُ أَنْ يَأْتِيَنَا، فَمَا شَعَرْتُ إِلاَّ بِالأَنْصَارِيِّ وَهْوَ يَقُولُ: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ. قُلْتُ لَهُ: وَمَا هُوَ؟ أَجَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ قَالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَاكَ، طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ. فَجِئْتُ فَإِذَا الْبُكَاءُ مِنْ حُجَرِهَا كُلِّهَا، وَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ قَدْ صَعِدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، وَعَلَى بَابِ الْمَشْرُبَةِ وَصِيفٌ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِي. فَدَخَلْتُ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ مِرْفَقَةٌ مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِذَا أُهُبٌ مُعَلَّقَةٌ وَقَرَظٌ، فَذَكَرْتُ الذِي قُلْتُ لِحَفْصَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَالَّذِي رَدَّتْ عَلَيَّ أُمُّ سَلَمَةَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَلَبِثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ. [انظر: ٨٩ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح ١٠/ ٣٠١] ٥٨٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ

стр. 16760

يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ، كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَتْ هِنْدٌ لَهَا أَزْرَارٌ فِي كُمَّيْهَا بَيْنَ أَصَابِعِهَا. [انظر: ١١٥ - فتح ١٠/ ٣٠٢] ذكر فيه حديث ابن عباس ﵄ قال: لَبِثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَن أَسْأَلَ عُمَرَ ﵁ عَنِ المَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رسول الله ﷺ .. وقد سلف في النكاح واضحًا في باب موعظة الرجل ابنته (١)، وفي آخره: فدخلت فإذا النبي ﷺ على حصير قد أثر في جنبه وتحت رأسه مرفقة من أدم حشوها ليف وإذا أهب معلقة وقرظ. وحديث هِنْدِ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ يَقُولُ: "لَا إله إِلَّا اللهُ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ (الْفِتْنَةِ) (٢)، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ، كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ يَوْمَ القِيَامَةِ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَتْ هِنْدٌ لَهَا أَزْرَارٌ فِي كميها بَيْنَ أَصَابِعِهَا. وسلف أيضًا (٣)، والمرفقة كالوسادة وأصله من المرفق كأنه استعمل في مرفقته واتكأ عليها. وكان ﵇ ينام على الحصير حتى تؤثر في جنبه، ويتخذ من الثياب ما يشبه تواضعه وزهده في الدنيا؛ توفيرًا لحظه في الآخرة، وقد خيره الله بين أن يكون نبيًّا ملكًا، وبين أن يكون عبدًا (ملكًا) (٤) فاختار الثاني إيثارًا للآخرة على الدنيا وتزهيدًا لأمته فيها، ليقتدوا به في أخذ البلغة من الدنيا إذ هي أسلم من الفتنة التي تخشى على من فتحت عليه زهرة الدنيا،

стр. 16761

ألا ترى قوله: "ماذا أنزل الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخزائن"، وقرن عليه الفتنة بنزول الخزائن، فدل أن الكفاف في الأمور، عن الدنيا خير من الإكثار وأسلم من الغناء. فإن قلت: حديث أم سلمة لا يوافق معنى الترجمة، قيل: بلى، وذلك أنه ﵇ حذر أهله وجميع المؤمنات من لباس دقيق الثياب والواصفة لأجسامهن؛ لقوله: "كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة". وفهم منه عقوبة لابسه أن يعرى يوم القيامة على رءوس الأشهاد وقام الدليل، من ذلك أنه ﵇ حض أزواجه على استعمال خشن الثياب الساترة لهن حذرًا أن يعرين في الآخرة، ألا ترى قول الزهري: (وكانت هند)، إلى آخره، وإنما فعلت ذلك؛ لئلا يبدو من سعة كمها شيء من جسدها فيكون، وإن كانت ثيابها غير واصلة لجسدها داخلة في معنى كاسية عارية، ولم يتخذ الشارع ولا أزواجه من اللباس إلا الساتر لهن غير الواصف يوصف كان يعلم السلف، وهو موافق للترجمة. فصل: والأهب: جمع إهاب، عن سيبويه (١). قال الجوهري: الإهاب الجلد ما لم يدبغ، والجمع: أَهَب على غير قياس مثل: أَدَم وأَفَق وعَمَد، قال: وقد قالوا: أهُب بالضم، وهو قياس (٢).

стр. 16762

وقال القزاز في "جامعه": الإهاب الجلد مدبوغًا وغير مدبوغ. قال: وفي الحديث وفي السير: أيضًا عطنة، فسماها أهبا، وهي قد غطيت، وفيه إذا دُبغ الإهاب فقد طهر، فسماه إهابًا قبل الدباغ، والقَرَظ بفتح القاف والراء، ورق السلَم يدبغ به الأدم. والأراك المذكور في أوله شجر الحمص، الواحدة: أراكة. والوصيف: الخادم غلامًا كان أو جارية، كما قاله الجوهري، يقال: وصف الغلام إذا بلغ الخدمة، فهو وصيف بيِّن الوصافة. قال ثعلب: وربما قالوا للجارية: وصيفة (١). وقوله: (وتقدمت إليها في أذاه) قال ابن التين: هو بالياء عند أبي الحسن على أنه ممدود. وصوابه: قصره، وكذلك عند أبي ذر. والمشربة: الغرفة. والأدم -بفتح الدال- جمع أديم، مثل: أفيق وأفق. فصل: وقوله: ("ماذا أنزل الليلة من الفتنة") (يريد) (٢) ماذا قُدر أن يكون بها. وقوله: ("من يوقظ صواحب الحجرات") قال سحنون: أي أيقظوا النساء كي يسمعن الموعظة، وقيل: كي يصلين عند نزول الآفات وخوف الفتن، كقوله في الكسوف: "فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة" (٣).

стр. 16763

وقوله: ("كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة")، قيل: كاسيات من نعم الله لا يشكرن الله تعالى فهن عاريات من جزاء الشكر يوم القيامة، وقيل: يلبسن ثيابًا رقاقًا تصف ما تحتها فهن كاسيات في الظاهر عاريات في الحقيقة، ومعنى عارية: أي من الأجر. وقال الداودي: كاسيات يلبسن ما لا يحل (لهن) (١)، وعاريات: تحشر عريانة فإن رحمت كسيت وإلا بقيت عريانة في النار.

стр. 16764

٣٢ - باب مَا يُدْعَى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا ٥٨٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدٍ قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ قَالَ: «مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ؟». فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ. قَالَ: «ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ». فَأُتِيَ بِي النَّبِيُّ ﷺ فَأَلْبَسَهَا بِيَدِهِ وَقَالَ: «أَبْلِي وَأَخْلِقِي». مَرَّتَيْنِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ: «يَا أُمَّ خَالِدٍ، هَذَا سَنَا». وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشِيَّةِ: الحَسَنُ. قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِي أَنَّهَا رَأَتْهُ عَلَى أُمِّ خَالِدٍ. [انظر: ٣٠٧١ - فتح ١٠/ ٣٠٣] ذكر فيه حديث أم خالد بنت خالد فذكر حديث "سنا" و"أخلقي"، وقد سلف (١). قال ابن بطال: من روى "أخلقي" بالقاف فهو تصحيف، و (المعروف) (٢) في كلام العرب بالفاء، يقال: خلفت الثوب إذا أخرجت باليه ولفقته، يقال: أبل وأخلف أي: عش فخرق ثيابك وارقعها، هذا كلام العرب (٣). قال ابن التين: وقرأنا "أخلفي" بفتح الهمزة رباعيًّا. وقد روى أبو داود عن عمر بن عوف، عن ابن المبارك، عن الجريري، عن أبي نضرة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا لبس أحدهم ثوبًا جديدًا، قيل له: تبلي ويخلف الله (٤).

стр. 16765

وقوله: (فأُسكت القوم)، هو بضم الهمزة، وقال الأصمعي: سكت القوم: صمتوا، وأسكتوا بمعنى أطرقوا، وقيل: سكت وأسكت بمعنى: صمت. وعبارة صاحب "الأفعال": يقال: سكت سكوتًا وأسكت: صمت، ويقال: بل معنى (أسكت) (١): أطرق (٢).

стр. 16766

٣٣ - باب التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ ٥٨٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ. [مسلم: ٢١٠١ - فتح ١٠/ ٣٠٤] ذكر فيه حديث أنس ﵁: نَهَى رسول الله ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ. هذا النهي خاص بالجسد كما ادعاه ابن بطال (١)، وكذا ابن التين. وقد روى أبو داود من حديث عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر عن (عمار بن ياسر) (٢) قال: قدمت على أهلي ليلاً وقد تشققت يداي فخلقوني بزعفران فغدوت على رسول الله ﷺ ، فسلمت عليه فلم يرحب بي فقال: "اذهب فاغسل عنك هذا"، فذهبت فغسلته ثم جئت وقد بقي علي منه ردع فسلمت عليه فلم يرد عليّ ولم يرحب بي وقال: "اذهب فاغسل عنك هذا" فذهبت فغسلته ثم جئت (فسلمت) (٣) فرد عليّ ورحب بي وقال: "إن الملائكة لا تحضر جنازة (لكافر بخير) (٤) ولا المتضمخ بالزعفران ولا الجنب" (٥). وقد رواه عمر بن عطاء بن أبي الجوزاء، عن يحيى بن يعمر، عن رجل، عن عمار فهو حديث معلول فإن قلت: فنهيه ﵇ عن التزعفر للرجال محمله التحريم، قيل: لا، بدليل حديث أنس أن عبد الرحمن بن عوف قدم على رسول الله ﷺ وبه أثر صفرة، وروي: وضر صفرة.

стр. 16767

وزاد حماد بن سلمة عن ثابت: وبه ردع من زعفران، فقال له: "مهيم .. " الحديث، ولم يقل له ﷺ : إن الملائكة لا تحضر جنازتك بخير، ولا إن هذِه الصفرة التي التصقت بجسمك حرام بقاؤها عليه، ولا أمره بغسلها، فدل أن نهيه عنه لمن [لم] (١) يكن عروسًا إنما هو محمول على الكراهة؛ لأن تزعفر الجسد من الرفاهية التي نهى الشارع عنها بقوله: "البذاذة من الإيمان" (٢) (٣). قلت: وأعلى من هذا أن عبد الرحمن لم يقصد ذلك، وإنما وقع على وجه المخالطة، والنهي محمول على من قصده.

стр. 16768

٣٤ - باب الثَّوْبِ المُزَعْفَرِ ٥٨٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ المُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ بِزَعْفَرَانٍ. [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح ١٠/ ٣٠٥] ذكر فيه حديث ابن عمر ﵁: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ المُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ بِزَعْفَرَانٍ. اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فحمل قوم نهيه عنه في حال الإحرام خاصة. وقالوا: ألا ترى قول ابن عمر أنه ﷺ إنما نهى المحرم عن ذلك، وراوي الحديث أعلم بمخرجه وسببه، وأجازوا لباس الثياب المصبوغة بالزعفران في غير حال الإحرام للرجال. روي ذلك عن ابن عمر، وهو قول مالك وأهل المدينة. قال مالك ورأيت عطاء بن يسار يلبس الرداء والإزار المصبوغ بالزعفران، ورأيت ابن هرمز ومحمد بن المنكدر يفعلانه، ورأيت في رأس ابن المنكدر الغالية، وحملت طائفة نهيه عنه في حال الإحرام وغيره، وهو قول الكوفيين والشافعي رحمهم الله تعالى (١).

стр. 16769

٣٥ - باب الثَّوْبِ الأَحْمَرِ ٥٨٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعَ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ. [انظر: ٣٥٥١ - مسلم: ٢٣٣٧ - فتح ١٠/ ٣٠٥] ذكر فيه حديث البراء ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ. هو مطابق لما ترجم له، وحديث عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه، عن أبي هريرة أن عثمان ﵁، رأى محمد بن عبد الله بن جعفر وعليه ملحفة معصفرة، فقال (علي) (١): تلبس المعصفر وقد نهى رسول الله ﷺ عنه؟! فقال: إنه ﵇ لم ينهه ولا إياك، وإنما نهاني أنا، فسكت عثمان (٢). لا يعارض حديث البراء، هذا وإن جعله الطبري معارضًا، نعم رُوَيتْ فيه أخبار لو كانت مستقيمة الإسناد. منها: أن أنسًا روى أنه ﵇ كان يكره الحمرة، وقال: الجنة ليس فيها حمرة. ومنها: حديث عباد بن كثير عن هشام، عن أبيه أنه ﵇ كان يحب الخضرة ولا يحب الحمرة. ومنها: حديث خارجة بن مصعب، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه مثله. وحديث الحسن بن أبي الحسن أنه ﵇ قال: "الحمرة زينة

стр. 16770

الشيطان، والشيطان يحب الحمرة" (١). قال الطبري: وقد اختلف السلف في ذلك، فمنهم من رخص في لبس ألوان الثياب المصبغة بالحمرة، مشبعة كانت أو غير مشبعة. ومنهم من كره المشبعة، ورخص فيما لم يكن مشبعًا. ومنهم من كره لبس جميع الثياب مشبعها وغير مشبعها. ومنهم من رخص فيه للمهنة، وكرهه للبس. حجة من رخص في جميع ألوان الثياب المصبغة: روى بريدة عن عليّ أنه نهض بالراية يوم خيبر وعليه حلة أرجوان حمراء. وقال أبو ظبيان: رأيت على عليّ ﵁ إزارًا أصفر. وقال الأحنف بن قيس: رأيت على عثمان ملاءة صفراء. وقال عروة بن الزبير: قال عبد الله بن الزبير: كان على الزبير يوم بدر ملاءة صفراء، ونزلت الملائكة يوم بدر معتمين بعمائم صُفر. وقال ابن سيرين: كان أبو هريرة يلبس المُمَشَّق. وقال عمران بن مسلم: رأيت على أنس بن مالك إزارًا مُعَصْفرًا. وكان ابن المسيب يصلي وعليه برنس أرجوان. ولبس المعصفر عروة والشعبي وأبو وائل وإبراهيم النخعي والتيمي وأبو قلابة وجماعة (٢). وقال مالك في "الموطأ" في الملاحف المعصفرة (للرجال في
следующие страницы →