٣٣ - باب التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ
٥٨٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ. [مسلم: ٢١٠١ - فتح ١٠/ ٣٠٤]
ذكر فيه حديث أنس ﵁: نَهَى رسول الله ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ.
هذا النهي خاص بالجسد كما ادعاه ابن بطال (١)، وكذا ابن التين.
وقد روى أبو داود من حديث عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر عن (عمار بن ياسر) (٢) قال: قدمت على أهلي ليلاً وقد تشققت يداي فخلقوني بزعفران فغدوت على رسول الله ﷺ ، فسلمت عليه فلم يرحب بي فقال: "اذهب فاغسل عنك هذا"، فذهبت فغسلته ثم جئت وقد بقي علي منه ردع فسلمت عليه فلم يرد عليّ ولم يرحب بي وقال: "اذهب فاغسل عنك هذا" فذهبت فغسلته ثم جئت (فسلمت) (٣) فرد عليّ ورحب بي وقال: "إن الملائكة لا تحضر جنازة (لكافر بخير) (٤) ولا المتضمخ بالزعفران ولا الجنب" (٥).
وقد رواه عمر بن عطاء بن أبي الجوزاء، عن يحيى بن يعمر، عن رجل، عن عمار فهو حديث معلول
فإن قلت: فنهيه ﵇ عن التزعفر للرجال محمله التحريم، قيل: لا، بدليل حديث أنس أن عبد الرحمن بن عوف قدم على رسول الله ﷺ وبه أثر صفرة، وروي: وضر صفرة.
стр. 16767
وزاد حماد بن سلمة عن ثابت: وبه ردع من زعفران، فقال له: "مهيم .. " الحديث، ولم يقل له ﷺ : إن الملائكة لا تحضر جنازتك بخير، ولا إن هذِه الصفرة التي التصقت بجسمك حرام بقاؤها عليه، ولا أمره بغسلها، فدل أن نهيه عنه لمن [لم] (١) يكن عروسًا إنما هو محمول على الكراهة؛ لأن تزعفر الجسد من الرفاهية التي نهى الشارع عنها بقوله: "البذاذة من الإيمان" (٢)(٣).
قلت: وأعلى من هذا أن عبد الرحمن لم يقصد ذلك، وإنما وقع على وجه المخالطة، والنهي محمول على من قصده.
стр. 16768
٣٤ - باب الثَّوْبِ المُزَعْفَرِ
٥٨٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ المُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ بِزَعْفَرَانٍ. [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح ١٠/ ٣٠٥]
ذكر فيه حديث ابن عمر ﵁: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ المُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ بِزَعْفَرَانٍ.
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فحمل قوم نهيه عنه في حال الإحرام خاصة. وقالوا: ألا ترى قول ابن عمر أنه ﷺ إنما نهى المحرم عن ذلك، وراوي الحديث أعلم بمخرجه وسببه، وأجازوا لباس الثياب المصبوغة بالزعفران في غير حال الإحرام للرجال.
روي ذلك عن ابن عمر، وهو قول مالك وأهل المدينة.
قال مالك ورأيت عطاء بن يسار يلبس الرداء والإزار المصبوغ بالزعفران، ورأيت ابن هرمز ومحمد بن المنكدر يفعلانه، ورأيت في رأس ابن المنكدر الغالية، وحملت طائفة نهيه عنه في حال الإحرام وغيره، وهو قول الكوفيين والشافعي رحمهم الله تعالى (١).
стр. 16769
٣٥ - باب الثَّوْبِ الأَحْمَرِ
٥٨٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعَ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ. [انظر: ٣٥٥١ - مسلم: ٢٣٣٧ - فتح ١٠/ ٣٠٥]
ذكر فيه حديث البراء ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ.
هو مطابق لما ترجم له، وحديث عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه، عن أبي هريرة أن عثمان ﵁، رأى محمد بن عبد الله بن جعفر وعليه ملحفة معصفرة، فقال (علي) (١): تلبس المعصفر وقد نهى رسول الله ﷺ عنه؟! فقال: إنه ﵇ لم ينهه ولا إياك، وإنما نهاني أنا، فسكت عثمان (٢).
لا يعارض حديث البراء، هذا وإن جعله الطبري معارضًا، نعم رُوَيتْ فيه أخبار لو كانت مستقيمة الإسناد.
منها: أن أنسًا روى أنه ﵇ كان يكره الحمرة، وقال: الجنة ليس فيها حمرة.
ومنها: حديث عباد بن كثير عن هشام، عن أبيه أنه ﵇ كان يحب الخضرة ولا يحب الحمرة.
ومنها: حديث خارجة بن مصعب، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه مثله.
وحديث الحسن بن أبي الحسن أنه ﵇ قال: "الحمرة زينة
стр. 16770
الشيطان، والشيطان يحب الحمرة" (١).
قال الطبري: وقد اختلف السلف في ذلك، فمنهم من رخص في لبس ألوان الثياب المصبغة بالحمرة، مشبعة كانت أو غير مشبعة.
ومنهم من كره المشبعة، ورخص فيما لم يكن مشبعًا.
ومنهم من كره لبس جميع الثياب مشبعها وغير مشبعها.
ومنهم من رخص فيه للمهنة، وكرهه للبس.
حجة من رخص في جميع ألوان الثياب المصبغة: روى بريدة عن عليّ أنه نهض بالراية يوم خيبر وعليه حلة أرجوان حمراء.
وقال أبو ظبيان: رأيت على عليّ ﵁ إزارًا أصفر.
وقال الأحنف بن قيس: رأيت على عثمان ملاءة صفراء.
وقال عروة بن الزبير: قال عبد الله بن الزبير: كان على الزبير يوم بدر ملاءة صفراء، ونزلت الملائكة يوم بدر معتمين بعمائم صُفر.
وقال ابن سيرين: كان أبو هريرة يلبس المُمَشَّق.
وقال عمران بن مسلم: رأيت على أنس بن مالك إزارًا مُعَصْفرًا.
وكان ابن المسيب يصلي وعليه برنس أرجوان.
ولبس المعصفر عروة والشعبي وأبو وائل وإبراهيم النخعي والتيمي وأبو قلابة وجماعة (٢).
وقال مالك في "الموطأ" في الملاحف المعصفرة (للرجال في
стр. 16771
البيوت) (١) والأقبية (٢): لا أعلم شيئًا من ذلك حرامًا، وغير ذلك من اللباس أحبّ إليّ (٣).
وقال غير الطبري: أجاز لبس المعصفر البراء وطلحة بن عبيد الله، وهو قول الكوفيين والشافعي (٤).
حجة من رخص فيه فيما امتهن وكره ما لبس: روى عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا بأس بما امتهن من المعصفر ويكره ما لبس فيه.
حجة من كره ما اشتدت حمرته، وإباحة ما خف منها: روِي ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد (٥).
حجة من كره (لبس) (٦) جميع ألوان الحمرة: قد سلف فيه أحاديث، وروى أيوب عن إبراهيم الخزاعي حدثتنا: عجوز لنا قالت: كنت أرى عمر إذا رأى على الرجل الثوب المعصفر ضربه وقال: دعوا هذِه البراقات للنساء (٧).
ورأى ابن محيريز على ابن أبي علية رداءً موردًا فقال: دع ذا عنا.
وروى يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير عن عبد الله بن عمرو قال: رآني رسول الله ﷺ وعليّ ثياب معصفرة فقال: "ألقها فإنها ثياب الكفار" (٨).
стр. 16772
وحجة من أجاز المعصفر والمصبغ بالحمرة للرجال: حديث الباب، والذين كرهوه للرجال اعتمدوا على حديث عبد الله بن عمرو أنه ﵇ أغلظ القول له في الثياب المعصفرات، والذين لم يروا بامتهانه بأسًا وكرهوا لبسه قالوا: إنما ورد الخبر بالنهي عن لبسه دون امتهانه وافتراشه، وقالوا: لا يعدي بالنهي عن ذلك موضعه، وهو عجيب.
والذين رخصوا فيما خفت حمرته احتجوا بحديث قيلة أنها قدمت على رسول الله ﷺ قالت: فرأيته قاعدًا القرفصاء وعليه أسمال (ملائتين) (١) كانتا بزعفران قد نفضتا (٢).
قال الطبري: والصواب عندنا أن لبس المعصفر وشبهه من الثياب المصبغة بالحمرة وغيرها من الأصباغ غير حرام، بل مباح، غير أني أجب للرجال توقي لبس ما كان مشبعًا صبغة، وأكره لهم لبسه ظاهرًا فوق الثياب لمعنيين:
ما روي في ذلك عن رسول الله ﷺ من الكراهة.
ولأنه شهرة، وليس من لباس أهل المروءة في زمننا هذا.
وإن كان قد كان من لباس كثير من أهل الفضل الذين قبلنا، فإن الذي ينبغي للرجل أن يتزَّيا في كل زمان بزي أهله ما لم يكن إثمًا، لأن مخالفة الناس في زيهم ضرب من الشهرة، ويكون الجمع بين الحديثين أن لبسه ﵇ للحمرة؛ ليعلم أمته أن النهي عنه لم يكن للتحريم، وإنما هو للكراهة، إذ كان الله قد ندب أمته إلى الاستنان به (٣).
стр. 16773
فصل:
سلف قريبًا أن الحلة ثوبان، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد، وهي برود اليمن.
وقوله: (مربوعًا) أي: لا طويلًا ولا قصيرًا.
стр. 16774
٣٦ - باب المِيثَرَةِ الحَمْرَاءِ
٥٨٤٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ: عِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَنَهَانَا عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالْقَسِّيِّ، وَالإِسْتَبْرَقِ، وَمَيَاثِرِ الْحُمْرِ. [انظر: ١٢٣٩ - مسلم: ٢٠٦٦ - فتح ١٠/ ٣٠٧]
ذكر فيه حديث أشعث -وهو ابن أبي الشعثاء، سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، مات سنة خمس وعشرين ومائة- عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: أَمَرَنَا رسول الله ﷺ بسَبْعٍ: عِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجنازة، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَنَهَانَا عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالْقَسِّيِّ، وَالإِسْتَبْرَقِ، وَمَيَاثِرِ الحُمْرِ.
وقد سلف الحديث (١) - وأسلفنا أيضًا الكلام على المياثر.
والإستبرق: غليظ الديباج والحرير، وهو بالفارسية: استبرَهْ.
وكان الأصمعي يقول: عربتها العرب، والسندس مَا رَقَّ منه، أي من الديباج.
والديباج ثياب تتخذ من الحرير.
والقسي سلف تفسيره في بابه (٢)، وهي ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر، منسوب إلى قرية على ساحل البحر قريبًا من تنيس يقال لها: القس كما سلف، والدرهم القَسِيِّ على وزن الفَتِيِّ هو الرديء، والجمع قسيان كصبي وصبيان.
стр. 16775
وقول البخاري: (الميثرة) هي بكسر الميم لبدة الفرس غير مهموزة.
قال ابن التين: وفيه كراهية الحمرة في لباس الرجال.
وقال الطبري: هي من الأرجوان الأحمر، قال: وهذا لا يوافق مذهب مالك، لأنه غير ممنوع، والله أعلم.
النعال، سميت بذلك لأن شعرها سبت عنها. أي: حلق وأزيل؛ وقيل: لأنها أسبتت بالدباغ أي: لانت. قال أبو سليمان: قيل: إنما قيل لها ذلك، لأنها سبت ما عليها من الشعر (١).
قال ابن التين: فيحتمل على قوله أن تكون السبت مفتوحة؛ لأن السبت بالفتح الحلق.
ذكر حديث حماد بن زيد، عَنْ سَعِيدٍ أَبِي مَسْلَمَةَ (قَالَ) (٢): سَأَلْتُ أَنَسًا: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وقد سلف في الصلاة (٣)، وأبو مسلمة سعيد بن زيد بن مسلمة الأزدي الطاحي البصري القصير أخرجا له.
وحديث عبيد بن جريج: أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا .. الحديث سلف (٤).
وفيه: (أَمَّا النّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ التِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا).
وحديث ابن عمر: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ المُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ، وَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ النَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ".
وقد سلف أيضًا (٥).
стр. 16778
والورس نبات أصفر، يصبغ به.
وحديث ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِزَارٌ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ".
وقد سلف في الحج أيضًا (١)، ولا شك أن النعال من لباسه ﵇ وخيار السلف، قال مالك: والانتعال من عمل العرب، وفي أبي داود من حديث جابر ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: "أكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل" (٢).
وقال ابن وهب: النعال السبتية: التي لا شعر فيها، وقال الخليل (٣) والأصمعي: السبت فذكرا ما قدمته أول الباب، قال أبو عبيد: إنما ذكرت السبتية، لأن أكثر الجاهلية كان يلبسها غير مدبوغة إلا أهل السعة منهم (٤)، وذهب قوم أنه لا يجوز في المقابر خاصة، لحديث بشير بن الخصاصية، قال: بينا أنا أمشي في المقابر وعليّ نعلان إذا رجل ينادي من خلفي: "يا صاحب السبتيتين" فالتفت فإذا رسول الله ﷺ فقال: "إذا كنت في مثل هذا الموضع فاخلع نعليك" فخلعتهما (٥)، فأخذ أحمد بظاهره، ووثق رجاله، وقال باقي الجماعة: لا بأس بذلك احتجاجًا بلبسه ﵇ لها، وفيه الأسوة
стр. 16779
الحسنة، ولو كان لباسهما في المقابر لا يجوز لبين الشارع ذلك لأمته، وقد يجوز أن يأمره بخلعهما لأذى كان فيهما، ولغير ذلك، يوضحه قوله ﵇: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم" قاله الطحاوي (١)، قال: وثبت عن رسول الله ﷺ أنه صلى في نعليه، فلما كان دخول المسجد بالنعال غير مكروه، وكانت الصلاة بهما غير مكروهة كان المشي بها بين القبور أحرى بعدمها (٢).
فصل:
وأما الصفرة، فقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يصبغ بها لحيته. وروي عنه أنه كان يصبغ بها ثيابه. روى ابن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر: رأيتك تصفر لحيتك، فقال: فإن رسول الله ﷺ كان يصفر بالورس، فأنا أحب أن أصفر به كما كان رسول الله ﷺ يصنع، وهو في الكتاب بلفظ: يصبغ بالصفرة، فأنا أحب أن أصبغ بها (٣).
قال ابن التين: قيل: معناه: يصفر لحيته، وقيل: ثيابه، وقال: من تأوله بصفرة الثياب قال: إن مالكًا قال: لم يصبغ رسول الله ﷺ .
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع أن ابن عمر كان يأمر بشيء من زعفران ومشق فيصبغ به ثوبه فيلبسه، قال عبد الرزاق: وربما رأيت معمرًا يلبسه (٤).
стр. 16780
وروى ابن وهب، أخبرني عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ يصبغ ثيابه كلها بالزعفران، حتى العمامة (١).
قال المهلب: والصفرة أبهج الألوان (إلى النفوس) (٢)، كذلك قال ابن عباس: أحسن الألوان كلها الصفرة، وتلا قوله: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩].
فصل:
قال الخطابي: وقد يمكن أن يستدل بلباسه ﵇ النعال السبتية على أن الدباغ لا تأثير له في شعر الميتة، وأن الشعر ينجس بموت الحيوان، فكذلك اختار لباس ما لا شعر له إذ كانت النعال تكون من جلود الميتات المدبوغة والمذكيات المذبوحة (٣)، ومذهب مالك خلاف هذا، وأن الشعر لا تحل فيه الروح ولا ينجس بالموت.
فصل:
وقوله: (رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانين). يريد: الركن الأسود واليماني، وهذا مذهب الفقهاء (٤)، وكان ابن الزبير يمس سائر الأركان، والأول هو القوي للاتباع، واليمانين بتخفيف الياء.
стр. 16781
قال الهروي: يقال: رجل يمان، والأصل يماني، فخففوا ياء النسبة، كقولهم تهامون، والسعدون، والأشعرون.
فصل:
قيل: التصفير السالف ليس بصباغ، وإنما الصباغ الذي يغير الشيب، نحو ما أمر به ﵇ أبا قحافة حين أتي به النبي ﷺ وعلى رأسه ولحيته كالثغامة فأمر بتغيير شيبة وقال: "جنبوه السواد" (١).
وفي "الموطأ": أن عبد الرحمن بن عبد يغوث كان أبيض الشعر يحمر لحيته ورأسه، (قال) (٢): إن عائشة ﵂ أقسمت عليّ لأصبغن وأخبرتني أن أبا بكر كان يصبغ.
قال مالك: ورسول الله ﷺ لم يصبغ ولو صبغ لأرسلت بذلك عائشة إلى عبد الرحمن، وكل ذلك واسع إن شاء صبغ أو ترك.
وقال مالك: في صبغه بالسواد لم أسمع في ذلك شيئًا (معلوما) (٣) وغيره من الصبغ أحب إليَّ، وبه قال الشافعي.
وقيل: يصبغ به، و (قيل) (٤): لا يغير شعره بسواد ولا غيره، وقيل: إن من كثر شيبة كأبي قحافة غيره، ومن قل لم يغيره، وهذا معنى الخبرين الواردين.
стр. 16782
فصل:
وقوله: (حتى تنبعث به راحلته). هو قول ابن حبيب، وأصح قولي الشافعي.
ومذهب مالك: تهل عند الاستواء قائمة، وقيل: معنى: (حتى تنبعث). أي: تنبعث من الأرض إلى القيام.
стр. 16783
٣٨ - باب يَبْدَأُ بِالنَّعْلِ اليُمْنَ
٥٨٥٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ. [انظر: ١٦٨ - مسلم: ٢٦٨ - فتح ١٠/ ٣٠٩]
ذكر فيه حديث عائشة ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ.
هذا الحديث سلف في الوضوء (١)، وهو من باب: الأدب وتفضيل الميامن على المياسر في كل شيء.
стр. 16784
٣٩ - باب يَنْزِعُ نَعْلَ اليُسْرَى
٥٨٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، لِتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ». [انظر: ٥٨٥٥ مسلم: ٢٠٩٧ - فتح ١٠/ ٣١١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكمْ فَلْيَبْدَأْ باليمنى، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، لِتَكُنِ اليُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ".
وهذا معناه أيضًا تفضيل اليمين على الشمال كالحديث الأول، فإن المنتعلة أفضل، وتوقي (النزع) (١) لتأخذ حظها، وقيل: لأن الميامن قوة في الأفعال وأشد في البطش، فلهذا بدئ بها في الوضوء والانتعال.
وأما الاستنجاء، ومس الذكر، فيكره لفضلها ودناءة ذلك.
وقال ابن وضاح: كلامه ﵇ إلى قوله: "فليبدأ بالشمال" يعني و (الباقي) (٢) من الراوي. ولا يظهر لي ذلك.
стр. 16785
٤٠ - باب لَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدة
٥٨٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا [جَمِيعًا] أَوْ لِيَنْعَلْهُمَا جَمِيعًا». [٥٨٥٦ - مسلم: ٢٠٩٧ - فتح ١٠/ ٣٠٩]
ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنه ﵇ -قَالَ: "لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَنْعَلْهُمَا جَمِيعًا".
النعل: الحذاء، مؤنثة، يقال: نعلت وانتعلت إذا لبست النعل، ونهيه عن المشي في نعل واحدة؛ لأنه معلوم أن المشي قد يشق على هذِه الحال؛ لأن رفع إحدى الرجلين من الماشي على حفاء إنما يكون مع التوقي لأذى نفسه، ويكون وضعه الأخرى على خلاف ذلك من الاعتماد والوضع لها من غير محاشاة وتقية، فيختلف من أجل ذلك مشيه، ويحتاج لذلك أن يتقلل من سجية المشي المعتاد، فلا يأمن مع ذلك من الغبار مع سماجته في الشكل وقبح المنظر، إذ يتقي في مشيه كالأعرج، قاله الخطابي (١).
وقيل: لأنه مأمور بالعدل بين جوارحه وهو من باب المثلة.
وعبارة (الأبهري) (٢): نهى عنه لأنه (يخرج مشيه) (٣) إلى اختلال الرأي وضعف المسير.
وقال الداودي: ويذكر عن عائشة ﵂ أنها كانت تخالف هذا، فإن ثبت عنها فلم ينقلها.
стр. 16786
وروى وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار قال: انقطع شسع نعل ابن عمر فمشى أذرعًا في نعل واحدة (١).
قلت: يرده ما يأتي، قال في "المعونة": ويجوز ذلك في الشيء الخفيف إذا كان هناك عذر، وهو أن يمشي في إحداهما متشاغلا لإصلاح الأخرى، وإن كان الاختيار أن يقف إلى الفراغ منها (٢).
قال الخطابي: ويدخل في النهي عن ذلك كل لباس شفع كالخفين، ولبس الرداء على المنكبين لا يدخل الرداء على أحد الشقين ويخلي (الأخرى) (٣)، وهو فعل العوام، وأبدع العوام في آخر الزمان لبس الخواتيم في اليدين، وليس ذلك من جملة هذا الباب (٤).
قلت: في ابن أبي شيبة: "ولا في خف واحد"، وفي لفظ: "إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشِ في الأخرى حتى يصلحها" (٥).
وكذا قال الطحاوي في "مشكله": النهي فيه صحيح، (ومعناه) (٦) بيّن؛ لأن من لبس نعلًا واحداً أو خفًّا واحدًا كان ذلك عند الناس سخرية، لأنه مما ليس يستحسن من لباس الناس، فمثل هذا لو لم يكن فيه نهي لوجب أن ينهى عنه (٧).
стр. 16787
فصل:
روينا في "الجعديات": أنا زهير عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشي في نعل واحد حتى يصلح شسعه، و (لا يمشي) (١) في الخف الواحد" (٢).
وأما ما رواه ابن شاهين في "ناسخه" من حديث جبارة بن المغلس ثنا مندل -يعني: ابن علي- عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: ربما انقطع شسع نعل رسول الله ﷺ فيمشي في نعل واحدة حتى يصلحها أو تصلح له (٣)، فواهٍ لا يعارضه.
وفي "علل الترمذي" من حديث ليث، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه (عن عائشة رضي عنها قالت: ربما مشى النبي ﷺ في نعل واحدة. وروى ابن عُلية والثوري عن عبد الرحمن عن أبيه) (٤) عنها أنها مشت في خف واحد. قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: الصحيح عن عائشة موقوف (٥).
стр. 16788
وروى ابن أبي شيبة، عن ابن إدريس، (عن ليث) (١) عن نافع أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يمشي في نعل واحدة، إذا انقطع شسعه ما بينه وبين أن يصلح.
قال: وثنا ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها كانت تمشي في خف واحد، وتقول: لأخالفن أبا هريرة.
ومن حديث رجل من مزينة: رأيت عليًّا ﵁ يمشي في نعل واحدة بالمدائن، وعن زيد بن محمد أنه رأى سالما يمشي في نعل واحدة (٢).
فائدة:
الشِّسْع -بكسر الشين المعجمة، ثم مهملة ساكنة، ثم عين مهملة-: أحد سيور النعل الذي يدخل بين الأصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام هو السير الذي يعقد فيه الشسع.
قال عياض: وجمعه شُسُوع (٣).
стр. 16789
٤١ - باب قِبَالَانِ فِي نَعْلٍ، وَمَنْ رَأَى قِبَالاً وَاحِدًا وَاسِعًا
٥٨٥٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ أَنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لَهَا قِبَالَانِ. [٥٨٥٨ - فتح ١٠/ ٣١٢]
٥٨٥٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ بِنَعْلَيْنِ لَهُمَا قِبَالَانِ، فَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: هَذِهِ نَعْلُ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٥٨٥٧ - فتح ١٠/ ٣١٢]
القبال -بكسر القاف-: زمام النعل، وهو: السير الذي يكون بين الأصبعين الوسطي والتي تليها، وقد أقبل نعله وقابلها: (إذا عمل لها قبالًا وفي الحديث: "قابلوا النعال" أي: اعملوا عليها القبال، قال أبو عبيد: وقد فسره بعضهم بأن يثني ذؤابة الشراك إلى العقدة، والأول هو الوجه) (١)(٢).
ذكر فيه حديث همام، عَنْ قَتَادَةَ، عن أَنَس ﵁ أَنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لَهَا قِبَالَانِ.
وحديث عيسى بن طهمان قَالَ: أخَرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ نَعْلَيْنِ لَهُمَا قِبَالَانِ، فَقَالَ ثَابِتٌ: هذِه نَعْلُ النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: (همام) كذا هو في الأصول، قال الجياني: وفي نسخة أبي محمد بن راشد، عن ابن السكن: (هشام) بدل (همام)، وليس بشيء، وقد رواه النسائي في ("سننه") (٣) من طريق همام أيضًا (٤).
стр. 16790
(وروى من طريق حماد بن سلمة، ثنا قتادة، عن أنس) (١).
أما حكم الباب: فهذا كله مباح قبالان وقبال، وليس في ذلك شيء لا يجزئ غيره (٢) ومعنى لها قبالان: مجعول لها ذلك، إذ لا معنى للإضافة إلا ذاك أو نحوه، ولعله يكون مشتقًا من قبال القد، وقبال كل شيء أوله، وقبله أيضًا، ومنه للناصية والعرف القبال، لأنهما يستقبلان الناظر.
وهاتان النقطتان موضع القبالين.
.................
وهذِه صفة نعل سيدنا رسول الله ﷺ -فيما رواه لنا الثقات بالأسانيد إلى الصديقة عائشة ﵂.
وروينا بالإسناد من مشايخنا من مبتدئه إلى منتهاه أن هذا التمثال المشرف كان عند الصديقة عائشة ﵂ وتوارثوه إلى هلم جرا، وبإسنادنا إلى أبي الحسن علي بن إبراهيم البلنسي لنفسه:
стр. 16791
يا مبصرًا تمثال نعل نبيه … قبل مثال النعل لا متكبرا
واعلق به فلطالما علقت به … قدم النبي مروحًا ومبكرا
أو ما ترى أن المحب يقبل … طللا وإن لم يلف فيه مخبرا
زاد الأستاذ أبو أمية إسماعيل بن سعد السعود الإشبيلي:
ولربما ذكر المحب حبيبه … لشبهه فغدا له متصورا
أو ما رأيت الصحف تنقل حكمها … فيوافق المتقدم المتأخرا
والمرء يهوى بالسماع ولم يكن … يخلى الذي قد هام فيه مبصرا
ويظن حين يرى اسمه في رقعة … أن قد رأى فيها الحبيب مصورًا
لا سيما في حق نعل لم يزل … صونًا لأخمص خير من وطِئ الثرى
فعساك تلثم في غد من لثمها … كأس النبي إذا وردت الكوثرا
صلى عليه وسلم تسليمًا كثيراً.
آمين. آمين. آمين) (١)
стр. 16792
٤٢ - باب القُبَّةِ الحَمْرَاءِ مِنْ أَدَمٍ
٥٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ وَضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ يَبْتَدِرُونَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ - فتح ١٠/ ٣١٣]
٥٨٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ح. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الأَنْصَارِ، وَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ. [انظر: ٣١٤٦ - مسلم: ١٠٥٩ - فتح ١٠/ ٣١٣]
ذكر فيه حديث أبي جحيفة: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءًا. الحديث، وقد سلف (١)، والوَضوء بفتح الواو: ما يتوضأ به على الأصح.
ثم قال: حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ، أنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ قَالَ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الأَنْصَارِ، وَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ.
هذا التعليق وصله الإسماعيلي، عن ابن هانئ، ثنا الرمادي، ثنا أبو صالح، ثنا الليث به.
وفيه: أن الأدم يجوز استعماله في القباب والبسط، وما أشبه ذلك للأئمة الصالحين.
٤٤ - باب الْمُزَرَّرِ بِالذَّهَبِ
٥٨٦٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ أَبَاهُ مَخْرَمَةَ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيِّ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَتْ عَلَيْهِ أَقْبِيَةٌ فَهْوَ يَقْسِمُهَا، فَاذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ، فَذَهَبْنَا فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيِّ، ادْعُ لِي النَّبِيَّ ﷺ : فَأَعْظَمْتُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَدْعُو لَكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَيْسَ بِجَبَّارٍ. فَدَعَوْتُهُ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ، فَقَالَ: «يَا مَخْرَمَةُ، هَذَا خَبَأْنَاهُ لَكَ». فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. [انظر: ٢٥٩٩ - مسلم: ١٠٥٨ - فتح ١٠/ ٣١٤]
وقال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ أَبَاهُ مَخْرَمَةَ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيِّ، (انطلق بنا، بَلَغَنِي) (١) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَتْ عَلَيْهِ أَقْبِيَة .. الحديث.
وفي آخره: فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ، فَقَالَ: "يَا مَخْرَمَةُ، هذا خَبَأْنَاهُ لَكَ". فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
هذا التعليق وصله الإسماعيلي عن يوسف القاضي، ثنا كامل بن طلحة، ثنا الليث فذكره.
وأخرجه الحازمي من حديث أبي الشيخ ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا، ثنا ابن خالد (الرملي) (٢)، حدثنا الليث به (٣). وفي بعض النسخ: ثنا قتيبة، حدثنا الليث. كذا ذكره خلف وغيره (٤).
стр. 16795
وأخرجه في الشهادات متصلًا من حديث أيوب عن ابن أبي مليكة به (١).
فإن قلت: قوله: (وعليه قباء) ظاهر في لبسه، أجاب عنه ابن بطال بأن هذا كان في أول الإسلام (٢) -والله أعلم- قبل تحريم الذهب والحرير (٣).
وأما ابن التين فأوله حيث قال: قوله: (وعليه قباء) يريد: في يده؛ لأنه ﵇ لا يخبئ لمخرمة شيئًا ثم يلبسه. وأيضاً فإنه حرير إلا إن كان ذلك قبل تحريمه. قال: وكان مخرمة في خلقه شيء فأعطاه إياه ليكسوه النساء أو يبيعه، قال: وسكت عن أن ينهاه عن لبسه؛ لعلم المعطى بالنهي.
قلت: هذا عجيب.
وأما الحازمي فقال: إنه منسوخ بحديث جابر: لبس رسول الله ﷺ يومًا قباء ديباج أهدي إليه، ثم أوشك أن ينزعه. وبحديث عقبة بن عامر أنه ﵇ صلى في فروج حرير ثم نزعه وقال: "إن هذا ليس من لباس المتقين" (٤).
وفيه: أن الخليفة والعالم إذا زال عن موضع قعوده للناس ونظره بينهم وتعليمه لهم أنه يجوز دعاؤه وإخراجه لما يعن إليه من حاجات الناس، وأن خروجه لمن دعاه من التواضع والفضل.
٤٨ - باب فَصِّ الخَاتَمِ
٥٨٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ: هَلِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا؟ قَالَ: أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ. قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا». [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح ١٠/ ٣٢١]
٥٨٧٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدًا يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٦٥ - مسلم: ٢٠٩٢ - فتح ١٠/ ٣٢٢]
وذكر عن حميد قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ ﵁: هَلِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا؟ قَالَ: أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلى وَبِيصِ خَاتَمِهِ. قَالَ: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا".
وعن حميد عنه أَنه ﵇ كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الشرح:
ابن مسافر هو: عبد الرحمن بن خالد بن مسافر أبو خالد الفهمي المصري (واليها مولى) (١) الليث، من أفراد البخاري (٢). وزياد هو ابن سعد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الخرساني البلخي، سكن مكة وكان شريك ابن جريج، ثم انتقل إلى اليمن ومات به (٣).
стр. 16801
وقد روي حديث أنس من طريق ثالث، (عن شعبة أخرجه ابن منجويه في كتاب "الخاتم" من حديث حجاج بن نصير عنه به بلفظ: نهاني) (١) عن خاتم الذهب. وفي رواية: رأى على رجل خاتمًا من ذهب فأخذه فحذف به. ولابن شاهين في حديث ابن عمر: "هلاك أمتي في الذهب والحرير" (٢).
ولابن منجويه: الذي وقع منه الخاتم رجل من الأنصار اتخذه عثمان على خاتمه (٣).
وفي "علل أبي جعفر": ذهب يوم الدار، فلا ندري أين ذهب.
ولابن منجويه: هلك من يد معيقيب الدوسي.
وقوله: (تابعه إبراهيم) إلى آخره أخرجه أبو داود (٤) من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عنه أنه رأى في يد رسول الله ﷺ خاتمًا من ورق يومًا واحداً، فصنع الناس فلبسوا، وطرح النبي وطرح الناس.
ثم قال: رواه عن الزهري زياد بن سعيد، وشعيب بن أبي حمزة وابن مسافر كلهم قال: من ورق (٥). وقال الإسماعيلي: حدثنا أبو يعلى، ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة وبشر بن الوليد.
قال عبد العزيز: حدثني إبراهيم بن سعد فذكر: من ورق.
стр. 16802
وحديث شعيب رواه عن الفضل بن عبد الله، ثنا عمر بن عثمان، ثنا بشر بن بشر بن شعيب بن أبي (حمزة) (١) وحديث زياد رواه الإسماعيلي أيضًا عن الحسن، حدثنا ابن عبد الله بن نمير وإسحاق بن منصور، ثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن زياد.
وحديث ابن مسافر رواه الإسماعيلي (عن إبراهيم) (٢) عن إبراهيم بن موسى، أنا أبو الأحوص، ثنا ابن عفير، ثنا الليث عنه، وكلهم قال: من ورق.
قال الإسماعيلي: وحديث ابن أبي عتيق وموسى بن عقبة. فإن ابن ناجية وموسى بن العباس أخبراني، عن أبي إسماعيل الترمذي، ثنا أيوب بن سليمان حدثني أبو بكر عن سليمان بن أبي عتيق وموسى عن الزهري.
قال الإسماعيلي: هذا الخبر إن كان محفوظًا، فإن الأخبار عن يونس تدل على أنه ﵇ لبس الخاتم، وكذلك روى ابن عمر. فينبغي أن يكون تأويله أنه اتخذ خاتمًا من ورق على لون من الألوان، وكره أن يتخذ الناس مثله، فلما اتخذوه رمى به حتى رموا به، ثم اتخذ بعد ما اتخذه ونقش عليه لما احتاج إلى الختم، وقوله للمتزوج: "التمس ولو كان خاتمًا من حديد" فيه دليل على استعمالهم خواتيم الفضة إلى أدناها.
قال: وقول البخاري: باب: فص الخاتم. وذكر فيه حديث أنس: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه في أصبعه. ليس في الباب الذي ترجمه.
стр. 16803
قلت: بلى؛ لأنه لا يسمى خاتمًا إلا إذا كان فيه فص، وإلا فهو فتخة.
وروي حديث الباب من طرق أخرى:
أحدها: من حديث ابن مسعود أنه ﵇ نهانا عن خاتم الذهب (١).
ثانيها: حديث ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب (٢).
وثالثها: من حديث عائشة ﵂: أهدى النجاشي إلى رسول الله ﷺ حلية فيها خاتم من ذهب، فأخذه رسول الله ﷺ ، وإنه لمعرض عنه، ثم دعا ابنة ابنته أمامة فقال: "تحلي بهذا يابنية" رواها ابن أبي شيبة (٣).
رابعها: من حديث أنس ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ في يد رجل خاتمًا من ذهب، فضرب يده بقضيب كان معه حتى رمى به (٤). أخرجه ابن منجويه، وفي كتاب "الورع" لأحمد: اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا قال: "شغلني هذا عنكم منذ اليوم، أنظر إليه نظرة وإليكم نظرة" ثم رمى به (٥).
ومن حديث جعفر بن محمد، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يتختم بخاتم من ذهب، فطفق الناس ينظرون إليه، فوضع يده اليمنى
стр. 16804
على خنصره، ثم رجع إلى البيت فرمى به. ولابن منجويه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن. جده، قال: نهاني رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب وخاتم الحديد. ولابن شاهين من حديث ميمون بن (سنباذ) (١) عن عبد الله بن عمرو بن العاصي مرفوعًا: "من لبس الذهب من أمتي فمات وهو يلبسه حرم الله عليه ذهب الجنة ومن لبس الحرير منهم فكذلك" (٢).
ولابن منجويه من حديث عمرو، عن طاوس قال: كان في يد رسول الله ﷺ خاتم من ذهب، فنظر إليه نظرة (وإليهم نظرة) (٣)، ثم ألقاه فلم يلبسه.
ومن حديث حفص الليثي، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ نهى عن التختم بالذهب (٤).
ولابن شاهين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أحب أن يطوق حبيبه طوقًا من نار فليطوقه طوقًا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه (حلقة) (٥) من نار فليسوره سوارًا من ذهب، ومن أحب أن يحلق حبيبه
стр. 16805
حلقة من نار فليحلق حلقة من ذهب، ولكن عليكم بالفضة العبوا بها لعبًا" (١)، ثم قال: كان في أول الإسلام يلبس الرجال خواتيم الذهب وغير ذلك، وكان الحظر قد وقع على الناس كلهم، ثم أباحه للنساء فقط، وصار ما كان على النساء من الحظر مباحًا لهم، فنسخت الإباحة الحظر (٢).
وترجم الحازمي: باب: لبس الخواتيم، وذكر عن محمد بن مالك قال: رأيت على البراء بن عازب خاتمًا من ذهب، فقال: قسم رسول الله ﷺ قسمًا فألبسنيه وقال: "البس ما كساك الله ورسوله" (وقد أخرجه أحمد عن أبي عبد الرحمن، عن أبي رجاء، عن محمد بن مالك) (٣)(٤).
ومن حديث إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عمه أنه رأى على سعد بن أبي وقاص خاتمًا من ذهب وعلى صهيب وعلى طلحة بن عبيد الله.
ثم ذكر أن هذا منسوخ بحديث ابن عمر ﵄ أنه ﵇ لبس خاتمًا من ذهب، ثلاثة أيام ثم رمى به، فلا ندري ما فعل.
ثم قال: وحديث البراء ليس إسناده بذلك، وإن صح فهو منسوخ؛ للأحاديث الثابتة.
فأما استعمال البراء للخاتم بعد رسول الله ﷺ ، فدل على أنه لم يبلغه النهي، وكذلك (العذر) (٥) عن طلحة وسعد وصهيب (٦).