← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16836–16875 · переход к 16841.

стр. 16836

وفيه: استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على جهة التبرك بها والتيمن (١). وفيه: أن من فعل الصالحين العبث بخواتمهم وبما يكون بأيديهم، وليس ذلك بعائب لهم. وفيه: أن يسير المال إذا ضاع أنه يجب البحث في طلبه والاجتهاد في تفتيشه كما فعل الشارع حين ضاع عقد عائشة، وحبس الجيش على طلبه حتى وجده. وفيه: أن من طلب شيئًا ولم ينجح فيه بعد ثلاثة أيام أن له ترك ذلك، ولا يكون مضيعًا، وأن الثلاث حد يقع بها العذر في تعذر المطلوبات.

стр. 16837

٥٦ - باب الخَاتَمِ لِلنِّسَاءِ وَكَانَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ خَوَاتِيمُ ذَهَبٍ. ٥٨٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ. وَزَادَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: فَأَتَى النِّسَاءَ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح ١٠/ ٣٣٠] ثم ساق من حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ قال: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ. وَزَادَ ابن وَهْبٍ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ: فَأَتَى النِّسَاءَ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بَلَالٍ. هذِه الزيادة أخرجها الإسماعيلى عن المطير، ثنا ابن (إشكاب) (١)، ثنا محمد بن ربيعة، عن ابن جريح، وأنا المنيعي، ثنا ابن زنجويه، ثنا (ابن) (٢) عبد الرزاق، أنا ابن جريح، الحديث بطوله. وفيه: هذا يعني: أن قول البخاري يفهم منه تفرد ابن وهب عن ابن جريج، وليس كذلك والخواتيم للنساء من جملة الحلي المباح لهن والذهب حلال للنساء، والفتخ خواتيم النساء التي تلبسها في أصابع اليد، واحدتها فتخة، وكذلك إن كانت في (يد) (٣) الرجال عن ابن السكيت. وقال غيره: الفتوخ: خواتيم بلا فصوص كأنها حلق، وكل خلخل لا يجرس فهو فتح، كذا قال الجوهري: الفتخة بالتحريك حلقة من فضة

стр. 16838

لا فص لها، فإذا كان فيه فص فهو الخاتم، والجمع فتخ وفتخات، قال: وربما جعلتها المرأة في أصابع رجليها (١). وقال الداودي الفتخ: الخاتم الكبير. وقال ابن السكيت: هو خواتيم للنساء تلبسها في أصابع اليد.

стр. 16839

٥٧ - باب الْقَلَائِدِ وَالسِّخَابِ لِلنِّسَاءِ يَعْنِي: قلائد مِنْ طِيبٍ وَسُكٍّ. ٥٨٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تَصَدَّقُ بِخُرْصِهَا وَسِخَابِهَا. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح ١٠/ ٣٣٠] ذكر حديث ابن عباس ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تَصَدَّقُ بِخُرْصِهَا وَسِخَابِهَا. هذا الحديث سلف (١). والخرص -بضم الخاء- حلقة من الذهب أو الفضة تكون في الأذن. وفي "الصحاح" أنه بالضم والكسر أيضًا (٢)، يقال: ما في أذنها خرص، وتسمى هذِه الحلقة أيضًا الخوق (٣). وفي "البارع" هي القرط يكون فيه حبة واحدة في حلية واحدة. الخرص- (بكسر الخاء) (٤) - اسم الشيء المقدر، وبالفتح اسم الفعل. قيل: هما لغتان في الشيء المخروص، وأما المصدر فبالفتح

стр. 16840

والمستقبل بالضم والكسر في الراء. وأما من الكذب فالخرص بالفتح، يقال: خرص ويخرص واخترص: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ و ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (١). السِّخَاب قلادة من طيب وسك. قال الجوهري: قلادة تتخذ من السك وغيره ليس فيها من الجوهر شيء (٢). قال: والسُّك من طيب، عربي (٣)؛ فيكون قوله على هذا: (من طيب وسك) واحد. وقيل: هو المصنوع من قرنفل. وقال ابن دريد: هو قلادة من قرنفل أو غيره والجمع سُخْب وسُخُب (٤). والقلائد من حلي النساء أيضًا.

стр. 16841

٥٨ - باب اسْتِعَارَةِ القَلَائِدِ ٥٨٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ هَلَكَتْ قِلَادَةٌ لأَسْمَاءَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهَا رِجَالاً، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ. [انظر: ٣٣٤ - مسلم: ٣٦٧ - فتح ١٠/ ٣٣٠] ذكر فيه حديث عائشة ﵂ السالف في التيمم (١): هَلَكَتْ قِلَادَةٌ لأَسْمَاءَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهَا رِجَالاً، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسُواَ عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَصَلَّوْا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. زَادَ ابن نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ. فيه: ما ترجم له وهو استعارة الحلي وكل ما هو من زينة (النساء) (٢)، وأن ذلك من الأمر القديم المعمول به. وقال الإسماعيلي: ذكر الباب للاستعارة، ثم ذكر حديث ابن نمير المعلق عن الحسن، ثنا سفيان، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي، ثنا هشام به الاستعارة.

стр. 16842

٥٩ - باب القُرْطِ لِلنِّسَاء قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَمَرَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ. ٥٨٨٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيٌّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي قُرْطَهَا. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح ١٠/ ٣٣١] ثم ساق حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ أنه ﵇ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يوم العيد، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي قُرْطَهَا. القرْط: بضم القاف هو أيضًا من حلي النساء وهو كل ما علق في شحمة الأذن كان من ذهب أو غيره قاله ابن دريد (١). وقال الداودي إنه الخرص، ويسمى السف والرك وكذا في "الصحاح" أنه ما علق في شحمة الأذن (٢). (ويُهْوِين، بضم الياء، أي: يُومِئْنَ إلى آذانهن وحلوقهن) (٣).

стр. 16843

٦٠ - باب السِّخَابِ لِلصِّبْيَانِ ٥٨٨٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، فَانْصَرَفَ فَانْصَرَفْتُ؛ فَقَالَ: «أَيْنَ لُكَعُ؟ -ثَلَاثًا- ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ». فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي وَفِي عُنُقِهِ السِّخَابُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَقَالَ الحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَالْتَزَمَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَالَ. [انظر: ٢١٢٢ - مسلم: ٢٤٢١ - فتح ١٠/ ٣٣٢] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ المَدِينَةِ، فَانْصَرَفَ وَانْصَرَفْتُ. فَقَالَ: "أَيْنَ لُكَعُ؟ -ثَلَاثًا- ادْعُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ". فَقَامَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي وَفِي عُنُقِهِ السِّخَابُ، فَقَالَ ﵇ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَقَالَ الحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَالْتَزَمَهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ مَا قَالَ النبي ﷺ مَا قَالَ. فيه: جواز جعل السخاب في أعناق الصبيان واتخاذه لهم وهي سخاب القرنفل والسك والطيب وشبهه مما يحل للرجال، وأما الذهب فكرهه مالك للصبيان (الصغار) (١)، وكره لهم لبس الحرير أيضًا، وقال ابن شعبان: يزكى حليهم فلا يجوز اتخاذه، وفي "المدونة": لا بأس أن يحرموا وعليهم الأسورة (٢)، وظاهره:

стр. 16844

الجواز، والمخاطب بذلك وليه والأصح عندنا أن للولي اكتسابه .. وقوله: ("لُكَعُ")، قال أبو عبيد: هو عند العرب العبد أو اللئيم (١). وسئل بلال بن حرب عن لكع فقال: هي في لغتنا: الصغير، وإلى هذا ذهب الحسن إذ قال لإنسان ذلك يريد: يا صغيرًا في العلم، قال الأصمعي: الأصل في اللكع: الملاكيع، وهي التي تخرج مع السلا على الولد، واللكع في الرجال يوصف به الأحمق، وقد سلف زيادة في شرحه في البيوع في باب: ما ذكر في الأسواق (٢). وفيه: أنه ﵇ عانق الحسن وقبله، ويعني بالالتزام: المعانقة، والتقبيل المذكورين هناك، وسيأتي ما للعلماء في المعانقة، فإنه موضعه.

стр. 16845

٦١ - باب المُتَشَبِّهُونَ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتُ بِالرِّجَالِ ٥٨٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ. تَابَعَهُ عَمْرٌو، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ. [٥٨٨٦، ٦٨٣٤ - فتح ١٠/ ٣٣٢] ذكر فيه حديث غُنْدَر، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: لَعَنَ النبي ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ. تَابَعَهُ عَمْرٌو، أنا شُعْبَةُ. الشرح: عمرو هذا هو ابن مرزوق أبو عثمان الباهلي البصري من أفراد البخاري. وفيه من الفقه ما ترجم له، وهو أنه لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي هي للنساء خاصة، ولا يجوز للنساء التشبه بالرجال مما كان من ذلك للرجال خاصة. مما يحرم على الرجال لبسه مما هو من لباس النساء المقانع والقلائد والمخانق (١) والأسورة والخلاخل، وما لا يحل له التشبه بهن من الأفعال التي هن بها مخصوصات كالانخناث في الأجسام والتأنيث في الكلام. ومما يحرم على المرأة لبسه مما هو من لباس الرجال: انتعال الرقاق التي هي نعال الحدو [و] (٢) المشي بها في محافل الرجال: والأردية والطيالسة على نحو لبس الرجال لها في محافل الرجال

стр. 16846

وشبه ذلك من لباسهم، ولا يحل لها التشبه بهم في الأفعال في إعطالها نفسها مما أمرت بلبسه من القلائد والقرطة والخلاخل والأسورة، ونحو ذلك مما ليس للرجل لبسه، وترك تغيير الأيدي والأرجل من الخضاب التي أمرت بتغييرها. روى ابن مزين، عن القعنبي، عن حسين بن عبد الله قال: رأيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ وفي عنقها قلادة وفي يدها مسكة في كل يد، وقالت: كان رسول الله ﷺ يكره تعطيل النساء وتشبههن بالرجال. قلت: ومن هذا ما ذكره أصحابنا أنه ليس للمرأة تحلية آلة الحرب بذهب وفضة جميعًا؛ لأجل التشبه وإن كان يجوز لهن الحرب في الجملة، وقول الشافعي في "الأم" ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا للأدب؛ ولأنه من زي النساء لا للتحريم (١). ليس مخالفًا لما قررناه من حرمة التشبه؛ لأن مراده أنه من جنس زي النساء.

стр. 16847

٦٢ - باب الأمر بإخراجهم ٥٨٨٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ». قَالَ: فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فُلَانًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا. [فتح ١٠/ ٣٣٣] ٥٨٨٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا وَفِي الْبَيْتِ مُخَنَّثٌ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنْ فُتِحَ لَكُمْ غَدًا الطَّائِفُ فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ يَعْنِي: أَرْبَعَ عُكَنِ بَطْنِهَا، فَهْيَ تُقْبِلُ بِهِنَّ، وَقَوْلُهُ: وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. يَعْنِي: أَطْرَافَ هَذِهِ الْعُكَنِ الأَرْبَعِ؛ لأَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالْجَنْبَيْنِ حَتَّى لَحِقَتْ، وَإِنَّمَا قَالَ: بِثَمَانٍ. وَلَمْ يَقُلْ: بِثَمَانِيَةٍ. وَوَاحِدُ الأَطْرَافِ وَهْوَ ذَكَرٌ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ثَمَانِيَةَ أَطْرَافٍ. [انظر: ٤٣٢٤ - مسلم: ٢١٨٠ - فتح ١٠/ ٣٣٣] ذكر فيه: حديث ابن عباس ﵄: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ (المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، وقال: "أخرجوهم من بيوتكم") (١) إلى أن قَالَ: وأَخْرَج النَّبِيُّ ﷺ فُلَانًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا. وحديث أُمِّ سَلَمَةَ أنه ﵇ كَانَ عِنْدَهَا وَفِي البَيْتِ مُخَنَّثٌ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنْ فُتِحَ علَيكُمْ غَدًا الطَّائِفُ فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. فَقَالَ ﵇: "لَا يَدْخُلَنَّ هؤلاء عَلَيْكُنَّ" وقد سلف (٢).

стр. 16848

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ يَعْنِي: أَرْبَعَ عُكَنِ بَطْنِهَا، فَهْيَ تُقْبِلُ بِهِنَّ. وَقَوْلُهُ: وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. يَعْنِي: أَطْرَافَ هذِه العُكَنِ الأَرْبَعِ؛ لأَنَّهَا مُحِيطَةٌ بالْجنينِ حَتَّى لَحِقَتْ، وَإِنَّمَا قَالَ: بِثَمَانٍ. وَلَمْ يَقُلْ: بِثَمَانِيَةٍ. (وَاحِدُ) (١) الأَطْرَافِ وَهْوَ ذَكَرٌ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ثَمَانِيَةَ أَطْرَافٍ. والتخنث: التكسر وهو التعطف، من قوله: خنثت الشيء فتخنث، أي: عطفته فانعطف (٢) فكأنه يمشي مجابه مشبهًا بمشي النساء، ولم يرد من ثوبي، يوضحه: والمترجلات من النساء (تتشبه) (٣) بالرجال إذا حملت سيفًا أو رمحًا، وما كان فوق ذلك فمن السحق فهو كثير. قاله الداودي، وإنما أمر بإخراجها؛ لأنها قد يؤدي فعلها إلى ما يفعله شرار النساء من السحق، وهو أيضًا عظيم، وإنما لعن المخنث وإن كان خلقا له؛ لتشبهه بهن، والله خلقه بخلاف ذلك، فهو يحاول تغيير الهيئة التي خلق عليها، وله سبيل إلى اكتساب خلق الرجال، وقدره على اختلاف منه له إلى نفسه، ولفعله ما يكرهه الله ونهى عنه رسوله من التشبيه بهن في اللباس والزينة، ووصفه أمرهن. وقال ابن عباس: المؤنثون أولاد الجن. قيل له: وكيف؟ قال: إن الله نهى أن يأتي الرجل امرأته وهي حائض، فإذا أتاها حائضًا سبقه الشيطان إليها وحملت منه فأتت بالمؤنث رواه ابن وهب عن ابن جريج، عن عطاء، عنه (٤).

стр. 16849

فصل: وحديث إخراج المخنثين سلف في المغازي (١). وقوله: (فأخرج فلانًا، وأخرج عمر فلانًا) قال ابن التين: هذا هو الصحيح في الروايات، قال: وقد جاء في رواية البخاري: فأخرج ﵇ فلانة. قلت: وعليها مشى ابن بطال (٢). فصل: قال مالك: يريد تعمل بأربع عكنات في سائر الجوف، وإذا أدبرت نظر في كل جانب إلى أربع. وقيل: تقبل بأربع: كشفري فرجها ورجليها. وقيل غير ذلك مما سلف. فصل: قوله: ("لا يدخلن هؤلاء عليكم") اختلف فيه، هل هو على الإيجاب أو الندب؛ لأنه لم ير منه الشهوة، لنفسه وإنما وصف. فصل: وفيه نفي كل من يتأذى به عن موضع معصيته وأذاته، وقد سلف في باب: إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت (٣)، في الخصومات، فإنه يخرج كل من تأذى به جيرانه ويكرى عليه داره ويمنع من السكنى فيها حتى يتوب. فصل: إن قلت: كيف ساغ دخوله على أمهات المؤمنين بعد نزول

стр. 16850

الحجاب؟ قلت: هو من جملة من استثني منهم غير أولي الإربة. وقد تأوله عكرمة على المخنث الذي لا حاجة له في النساء، وبذلك ورد الخبر عن رسول الله ﷺ . وروى معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان مخنث يدخل على أزواج رسول الله ﷺ يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه رسول الله ﷺ -وهو ينعت امرأة، وذكر الحديث، فأمر ﵇ ألا يدخل عليهن (١).

стр. 16851

٦٣ - باب قَصِّ الشَّارِبِ وَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ يُحْفِي شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى بَيَاضِ الجِلْدِ، وَيَأْخُذُ هَذَيْنِ، يَعْنِي: بَيْنَ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ. ٥٨٨٨ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا، عَنِ الْمَكِّيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ». [٥٨٩٠ - فتح ١٠/ ٣٣٤]. ٥٨٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ -أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ- الْخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ». [٥٨٩١، ٦٢٩٧ - مسلم: ٢٥٧ - فتح ١٠/ ٣٣٤] حدثنا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ نَافِعِ، قَالَ أَصْحَابُنَا، عَنِ المَكِّيِّ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنَ الفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ". حَدَّثنَا عَلِيٌّ، ثنا سُفْيَانُ قَالَ: الزُّهْرِيُّ ثَنَا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ -أَوْ- خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ- الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ". الشرح: (معنى قوله: (قال أصحابنا عن المكي) بعد تحديثه عن المكي، عن حنظلة، عن نافع أنه رواه عنه عن ابن عمر موقوفًا على نافع وأصحابه وصلوه عنه، عن ابن عمر مرفوعًا كذا ظهر لي. و (يحفي) بضم أوله رباعي، أي: يستقصي في أخذه.

стр. 16852

قال الداودي: أي يقصه كما في الحديث، وهو أن يظهر حرف الشفة العليا وما قاربه من أعلاه ويأخذ فاسدها فوق ذلك (١) وينزع ما قارب الشفة وجانبي الفم ولا يفعل من القص إلا هذا وقيل: الإحفاء الحلق، وهو قول الكوفيين، ودليل الأول قوله: "قص الشارب". قال: وقد يحتمل الإحفاء الوجهين، وإذا كان أحد الحديثين مفسرًا فغني عن المبهم، وفي الحديث أنه قال في الخوارج: "سيماهم التسبيت" (٢)، وهو حلق الشارب من أصله، واحتج مالك لهذا بأن (عمر) (٣) كان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ (٤). فلو كان الاستئصال لم يجد ما يفتل، وقيل: أطلق الشارع لأمته الوجهين الحلق بقوله: "أحفوا" والقص بقوله: "قص الشارب". قال مالك: حلق الشارب مُثْلَةٌ، ويؤدَّب فاعله (٥). فصل: قوله: ("خمس من الفطرة .. ") إلى آخره، وقد سلف الكلام عليه، وروينا عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس، وخمس في الجسد: السواك والمضمضة والاستنثار (٦).

стр. 16853

(وأَوَّلَهَا) (١) الداودي بالاستنشاق وحلق الشارب، وأبدله الداودي بالقص وفرق الرأس، وجعل الداودي موضعه مسح الأذنين، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء عند الغائط والبول، وروي موضع الفرق غسل البراجم، وموضع الاستنجاء الاستحداد، وجاء فيه في مسلم في النتف والتقليم والقص عن أنس وقت أن لا نترك أكثر من أربعين يومًا (٢)، وذكر أن السرعة به تثير الشهوة، وتركه يقصر منها. فصل: الفطرة: هنا المراد بها السنة. وعند الشافعي: أن الختان فرض؛ لأنه شعار الدين كالكلمة، وبه يتميز المسلم من الكافر، وقاسه مالك بأنه عنده سنة على قطع الغرة، و (يُنَازع فيه بأن قطعها واجب حفظًا لحرمة الطعام) (٣)؛ ولأن المقصود النظافة كقص الظفر.

стр. 16854

٦٤ - باب تَقْلِيمِ الأَظْفَارِ ٥٨٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ حَنْظَلَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مِنَ الْفِطْرَةِ حَلْقُ الْعَانَةِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ». [انظر: ٥٨٨٨ - فتح ١٠/ ٣٤٩] ٥٨٩١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ». [انظر: ٥٨٨٩ - مسلم: ٢٥٧ - فتح ١٠/ ٣٤٩] ٥٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ على لِحْيَتِهِ، فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ. [٥٨٩٣ - مسلم: ٢٥٩ - فتح ١٠/ ٣٤٩] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مِنَ الفِطْرَةِ حَلْقُ العَانَةِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ". (في بعض النسخ وقفه) (١). وحديث أبي هريرة ﵁: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ". الحديث السالف (٢). وحديث ابن عمر ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "خَالِفُوا المُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ". وَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ.

стр. 16855

الشرح: (الحديث الأخير وإن كان مما لم يترجم عليه، ولأنه من الفطرة كالتقليم، فلذا ذكره في آخره) (١)، وتقليم الأظفار تقصيصها، وفيه كيفيتان ذكرتهما في "شرحي للعمدة"، ومنها كيفية مجربة (لدفع) (٢) الرمد فسارع إليها، وقد سلف معنى إحفاء الشارب؛ وعند مالك: يقص إطاره وهو طرف الشعر الذي على حرف الشفة العليا (٣). وقول الأخفش: الإحفاء الاستئصال يؤول بما سلف، وما ذكره عن ابن عمر إنما كان يمسك على ما لم يشذ ويأخذ ما شذ، وليس على أنه يمسك من فوق الذقن إنما يمسك من أسلفها (ويميل) (٤) بأصابعه الأربعة ملتصقة ويأخذ ما سفل عن ذلك، فيكون ذلك طول لحيته. وبمثل مقالة ابن عمر قال والده وأبو هريرة (٥). وقال آخرون: يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش ما أخذه ولم يحدوا حدًّا، غير أن المراد ما لم يخرج عن عرف الناس في ذلك. روي ذلك عن الحسن وعطاء (٦) ومذهب مالك نحوه. وكره آخرون أن يأخذ منها إلا في حج أو عمرة. رواه ابن جريح عن ابن عمر وعطاء، وعن قتادة نحوه إلا أنه يأخذ من عارضه.

стр. 16856

وقيل: لا يأخذ منها شيئًا إلا في حج أو عمرة (١). فصل: قوله: (فما فضل)، هو بفتح الضاد وكسرها، اختلف في مستقبل من كسر، فقيل: بالفتح على الأصل، وقيل: هو بالضم شاذ مثل حضر يحضُر ليس في اللغة غيرهما، وقيل: هو فيهما فعل يفعل بفتح عين ماضيه. فصل: بسط الطبري الكلام على الإحفاء فقال: اختلف السلف في صفة إحفاء الشارب؛ فقال بعضهم: هو الأخذ من الإطار، وروى مالك عن زيد بن أسلم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ إذا غضب فتل شاربه (٢)، وهذا أسلفنا عنه. وقال أبو عاصم: سمعت عبد الله بن أبي عثمان يقول: رأيت ابن عمر يأخذ من شاربه من أعلاه وأسفله. وكان عروة وعمر بن عبد العزيز وأبو سلمة وسالم والقاسم لا يحلق أحد منهم شاربه. وهذا قول مالك والليث. وقال مالك: حلق الشارب مثلة ويؤدب فاعله (٣)، كما أسلفناه عنه. وكان يكره أن يأخذ من أعلاه. وقال آخرون: الإحفاء حلقُه كله.

стр. 16857

روى يحيى بن سعيد عن ابن عجلان قال: رآني عثمان بن عبيد الله بن رافع أخذت من شاربي أكثر ما أخذت منه، إلى أن أشبه الحلق فنظر إلى، فقلت: ما (تنكر) (١) تنكر؟ قال: ما أنكر شيئًا، رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يأخذون شواربهم شبه الحلق. قلت: من هم؟ قال: جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وابن عمر وسلمة بن الأكوع وأنس ﵁. وهو قول الكوفيين (٢)، و (قالوا) (٣): الإحفاء هو الحلق، والحلق أفضل من التقصير في الرأس والشارب، واللغة تساعده. قال الخليل: أحفى شاربه: استأصله واستقصاه، وكذا قال ابن دريد: حفوت شاربي أحفوه حفوًا استأصلته: أخذت شعره (٤). حجة الأولين أن القص لا يقتضي الاستئصال. قال صاحب "الأفعال": يقال: قص الشعر والأظفار: قطع منها بالمقص (٥)، ولما جاء عنه "أحفوا"، وجاء عنه القص، واحتمل احفوا الاستئصال و (القص) (٦)؛ لأن من أحفى بعض شاربه دخل في عموم الحديث إذ لم يرد عن رسول الله ﷺ أن المراد الجميع ولم يحتمل القص الاستئصال علم أن المراد أخذ البعض، ورجح على الاستئصال، وأجابوا عنه بأنا نجوزهما.

стр. 16858

فائدة: قال ابن المسيب: أول من قص الشارب إبراهيم الخليل، قال سعيد: وهو أول من اختتن وجز شاربه (١)، وأضاف: وقص أظفاره، واستحد.

стр. 16859

٦٥ - باب إِعْفَاءِ اللِّحَى ﴿عَفَوا﴾: كثروا وكثرت أموالهم. ٥٨٩٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى». [انظر: ٥٨٩٢ - مسلم: ٢٥٩ - فتح ١٠/ ٣٥١] ثم ذكر حديث ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى". الشرح: معنى ("انهكوا"): بالغوا في الأخذ منها من غير استئصال، وهو ثلاثي من نهك ينهك. ومعناه مثل "أحفوا"، وفي الحديث: "أَشِمِّي ولا تُنْهِكِي" (١). أي لا تبالغي.

стр. 16860

قال صاحب "الأفعال" يقال: نهكته الحمى بالكسر نهكًا: أثرت فيه، وكذلك العبادة (١). والتأثير غير الاستئصال. وقوله: ("وأعفوا") قال الجوهري: عفا الشعر و (النبت) (٢) وغيرهما: كثر. وذكر الآية: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كثروا. قال: وعفوته أنا وأعفيته أيضًا لغتان إذا فعلت ذلك به (٣). فعلى هذا يقرأ: "واعفوا" موصولاً ومقطوعًا، وبالقطع قرأناه. و ("اللحى") جمع لحية بكسر اللام مقصور. وقال الجوهري: وبضم اللام يريد من لُحى مثل ذروة وذرى (٤). فصل: وعلة توفير اللحية أن فيه جمالًا للوجه وزينة للرجال، وجاء في بعض الخبر: إن الله تعالى زين بني آدم باللحى. ولأن الغرض بذلك مخالفة الأعاجم، وهذا ما لم يخرج بطولها عن الحد المعتاد فيقضي لصاحبها إلى أن يسخر به. وسلف أن معنى: "أحفوا الشارب" قصها، وأن حلقها منهي عنه، هذا مذهب أهل المدينة وأكثر العلماء، وهو مروي عن جمهور الصحابة ﵃. وقال أبو حنيفة ﵀: هو مستحب.

стр. 16861

ونقله ابن التين عن الشافعي أيضًا فأغرب؛ قال: ودليلنا قوله ﵇: "ليس منا من حلق" ولأن فيه جمالًا للوجوه وزينة، وفي حلقه مثلة. قال الطبري: فإن قلتَ: ما وجه قوله: "أعفوا اللحى" وقد علمت أن الإعفاء الإكثار، وأن من الناس من إن ترك شعر لحيته اتباعًا منه لظاهر هذا الخبر تفاحش طولًا وعرضًا، وسمج حتى صار للناس حديثا ومثلًا. قيل: قد ثبتت عن رسول الله ﷺ على خصوص هذا الخبر، وأن من اللحية ما هو محظور إعفاؤه، وواجبٌ قصُّهُ على اختلاف في السلف من قدر ذلك وحدِّه؛ فقال بعضهم: حد ذلك أن يزداد على قدر القبضة طولاً، وأن ينتشر عرضًا فيقبح ذلك، فإذا زادت على قدر القبضة كان الأولى جز ما زاد على ذلك من غير تحريم منهم ترك الزيادة على ذلك. وروي عن عمر ﵁ أنه رأى رجلاً قد ترك تحت لحيته حتى كثرت فاتخذ يجذبها ثم قال: ائتوني بحلمتين، ثم أمر رجلاً فجز ما تحت يده ثم قال: اذهب فأصلح شعرك أو أفسده، يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من أسباع، وكان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ ما فضل، وعن ابن عمر مثله. وقال آخرون: يأخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش أخذه، ولم يحدوا في ذلك حدًّا، غير أن معنى ذلك عندي: ما لم يخرج من عرف الناس، وهذا قدمناه، وروي عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا أن يأخذ من (طول) (١) لحيته وعرضها ما لم يفحش الأخذ منها، وكان إذا ذبح أضحيته يوم النحر أخذ منها شيئًا.

стр. 16862

وقال عطاء: لا بأس أن يأخذ من لحيته الشيء القليل من طولها ومن عرضها إذا كثرت، وغلب كراهة الشهرة كالملبس (١). والصواب أن قوله: ("أعفوا اللحى") على عمومه إلا ما خص من ذلك؛ وقد روي عنه حديث في إسناده نظر أن ذلك على الخصوص، وأن من اللحى ما الحق فيه ترك إعفائه، وذلك ما تجاوز طوله أو عرضه عن المعروف من خلق الناس، وخرج عن الغالب فيهم. ألا ترى ما روى مروان بن معاوية، عن سعيد بن أبي راشد المكي، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: كان ﵇ يأخذ اللحية فما طلع على الكف (جزه) (٢)، وهذا الحديث وإن كان في إسناده نظر فهو جميل من الأمر، وحسن من الفعل.

стр. 16863

٦٦ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الشَّيْبِ ٥٨٩٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: أَخَضَبَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: لَمْ يَبْلُغِ الشَّيْبَ إِلاَّ قَلِيلاً. [انظر: ٣٥٥٠ - مسلم: ٢٣٤١ - فتح ١٠/ ٣٥١] ٥٨٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَا يَخْضِبُ، لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِي لِحْيَتِهِ. [انظر: ٣٥٥٠ - مسلم: ٢٣٤١ - فتح ١٠/ ٣٥١] ٥٨٩٦ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ -وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ ثَلَاثَ أَصَابِعَ- مِنْ قُصَّةٍ فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ، فَاطَّلَعْتُ فِي الحُجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا. [٥٨٩٧، ٥٨٩٨ - فتح ١٠/ ٣٥٢] ٥٨٩٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سَلاَّمٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعَرًا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ مَخْضُوبًا. [انظر: ٥٨٩٦ - فتح ١٠/ ٣٥٢] ٥٨٩٨ - وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا نُصَيْرُ بْنُ أَبِي الأَشْعَثِ، عَنِ ابْنِ مَوْهَبٍ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَرَتْهُ شَعَرَ النَّبِيِّ ﷺ أَحْمَرَ. [انظر: ٥٨٩٦ - فتح ١٠/ ٣٥٢] ذكر فيه حديثين: (أحدهما) (١): حديث مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁: أَخَضَبَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ فقَالَ: لَمْ يَبْلُغِ الشَّيْبَ إِلَّا قَلِيلًا.

стр. 16864

وحديث ثابت: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ خِضَابِ رسول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَا يَخْضِبُ، لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِي لِحْيَتِهِ. ثانيهما: حديث عَبْدِ اللهِ بن عثمان بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ -وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ ثَلَاثَ أَصَابعَ- فِيهِ شَعرٌ مِنْ شَعرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَان إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ، فَاطَّلَعْتُ فِي الحُجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا. وعن سَلام، عنه أيضًا قَالَ: دَخَلْتُ على أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعَرات مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ مَخْضُوبًا. وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: ثَنَا نُصَيْرُ بْنُ أَبِي الأَشْعَثِ -وهو من أفراد البخاري- عَنِ (ابْنِ) (١) مَوْهَبٍ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَرَتْهُ شَعَرَ رسول الله ﷺ أَحْمَرَ. الشرح: سلام هذا قال الجيّاني: كذا جاء هنا غير منسوب في نسخة أبي محمد، ونسبه أبو علي ابن السكن: ابن أبي مطيع، وذهب الكلاباذي إلى أنه ابن مسكين، وقول ابن السكن أولى، والحديث محفوظ لابن أبي مطيع (٢).

стр. 16865

ووجه كونه لم يبلغ الشيب إلا قليلاً، لأنه توفي وهو ابن ثلاث وستين والشيب (غالبًا) (١) يكون بعد ذلك قال أنس: توفي على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء (٢). قال أبو جحيفة: كان أكثرها في عنفقته. زاد غيره: وصُدغيه، والعنفقة: الشعر الذي بين الشفة والذقن وشمطاته شيبة. والمخضب (بكسر الميم) (٣) المركن، وهي الإجانة التي تغسل فيها الثياب. والجلجل: قال الداودي: هو الحق، روى النضر بن شميل، عن إسرائيل، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: كان عند أم سلمة جلجل من فضة فيه شعرات من شعر رسول الله ﷺ ، وكان إذا أصاب أحدًا عين أو اشتكى بعث بإناء فحصحص الشعر في الإناء، ثم يشربه ويتوضأ منه، فبعثني أهلي فاطلعت فيه، فإذا شعرات حمر (٤). وإنما حصحصته لتبقى بركة الشعر في ذلك الماء، فيشربه المعين، إذا وصب فيدفع (الله) (٥) عنه ببركة ذلك الشعر ما به من شكوى. وقوله: (مخضوبًا). قال الداودي: إنما رأى حمرة الشعر من الطيب وظن أنه مصبوغ، لكن روى ابن أبي عاصم من هذا الوجه بلفظ: مخضوب بالحناء والكتم. قلت: واختلفت الآثار، هل خضب أم لا؟ فقال أنس -كما مرَّ-: لا، وهو قول مالك وأكثر العلماء، وقال عثمان بن موهب: إن أم سلمة

стр. 16866

أخرجته مخضوبًا. كما مر (١)، وأخرجه الطبري بزيادة: مخضوبًا بالحناء والكتم، وقالت: هذا شعره، (وسلف أيضًا عن غيره) (٢). وزعمت طائفة من أهل الحديث أنه خضب، لهذا الحديث وبما رواه ابن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر: إنك تصفِّرُ لحيتَكَ؛ فقال: إن رسول الله ﷺ كان يصفر بالورس، فأنا أحب أن أصفر به كما كان رسول الله ﷺ يصبغ (٣)، وقد سلف. ورواه القطان وحماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري به، وقال: رأيت رسول الله ﷺ يصفر لحيته (٤)، وروى الطبري من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قدم أنس المدينة وعمر بن العزيز والٍ عليها فأرسلني عمر إليه وقال: سله، هل خضب رسول الله ﷺ ، فإنا نجد ها هنا شعرًا من شعره فيه بياض كأنه قد لون، فقال أنس: إنه ﵇ كان قد متع بسواد الشعر، لو عددت خمس عشرة ما أقبل من رأسه ولحيته ما كنت أدري هل أعد خمس عشرة شيبة، فما أدري ما هذا الذي يجدون إلا من الطيب الذي يطيب به شعره وهو غيَّر لونه (٥).

стр. 16867

٦٧ - باب الخِضَابِ ٥٨٩٩ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ». [انظر: ٣٤٦٢ - مسلم: ٢١٠٣ - فتح ١٠/ ٣٥٤] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ". اختلف السلف في تغيير الشيب، وروى شعبة عن الركين بن الربيع قال: سمعت (القاسم بن حسان) (١) يحدث، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود أنه ﵇ كان يكره تغيير الشيب (٢). وروى ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه ﵇ قال: "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة، إلا أن ينتفها أو يخضبها" (٣) فرأى بعضهم أن أمره ﵇ بصبغه أمر ندب، وأن تغييره أولى من تركه أبيض.

стр. 16868

وروى عن قيس بن أبي حازم قال: كان أبو بكر الصديق يخرج إلينا وكأن لحيته ضرام العرفج من الحناء والكتم (١)، وكان الشعبي وابن أبي مليكة يخضبان كذلك أيضًا. وعن عمر بن الخطاب أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد ويقول: هو تسكين للزوجة وأهيب للعدو. وعن ابن أبي مليكة أن عثمان (كان) (٢) يخضب به. وعن عقبة بن عامر والحسن والحسين أنهم كانوا يخضبون به (٣). ومن التابعين: علي بن عبد الله بن عباس، وعروة بن الزبير وابن سيرين، وأبو بردة. وروى ابن وهب عن مالك قال: لم أسمع في صبغ الشعر بالسواد نهيًا معلومًا، وغيره أحب إليَّ (٤). وممن كان يصبغ بالصفرة: عليٌّ وابن عمر والمغيرة وجرير البجلي وأبو هريرة وأنس ﵃. ومن التابعين: عطاء وأبو وائل والحسن وطاوس وسعيد بن المسيب ﵏ (٥).

стр. 16869

واعتل مغيرو الشيب من حديث أبي هريرة (وغيره) (١) بما رواه مطر الوراق عن أبي رجاء، عن جابر قال: جئ بأبى قحافة ﵁ إلى رسول الله ﷺ ورأسه ولحيته كأنهما ثغامة بيضاء، فأمر رسول الله ﷺ أن يغيروه فحمروه (٢)، والثغامة مثلثة مفتوحة ثم غين معجمة، قال أبو عبيد: هو نبت أبيض الزهر والثمر يشبه بياض الشيب به (٣). وقال ابن الأعرابي: هي شجرة بيضاء كأنها الملح. ورأى آخرون تركه أبيض أولى من تغييره وأن الصحيح عنده نهيه عن تغييره وقالوا: توفي وقد بدا في عنفقته (ورأسه) (٤) الشيب ولم يغيره بشيء ولو كان تغييره الاختيار كان قد آثر الأفضل. قال: أبو إسحاق الهمداني: رأيت عليًّا ﵁ أبيض الرأس واللحية، قاله الشعبي (٥). وكان أبي بن كعب أبيض اللحية. وعن أنس ومالك بن أوس وسلمة بن الأكوع أنهم كانوا لا يغيرون الشيب.

стр. 16870

وعن أبي الطفيل وأبي بردة الأسلمي مثله. وكان أبو مجلز وعكرمة (وسعيد بن جبير) (١) وعطاء بن السائب لا يخضبون، واعتلوا بما روى أبو إسحاق عن أبي جحيفة قال: رأيت النبي ﷺ عنفقته بيضاء (٢). قال المحب الطبري: والصواب عندنا أن الآثار التي رويت عن رسول الله ﷺ بتغييره والنهي عنه صحاح، ولكن بعضها عام وبعضها خاص بقوله: "خالفوا اليهود وغيروا الشيب" المراد منه الخصوص أي: غيروا الشيب الذي هو نظير شيب أبي قحافة، وأما من كان أشمط فهو الذي أمره رسول الله ﷺ أن لا يغيره، وقال: "من شاب شيبة .. " الحديث (٣)؛ لأنه لا يجوز أن يكون من رسول الله ﷺ قول متضاد، ولا نسخ فتعين الجمع، فمن غيره من الصحابة محمول على الأول ومن لم يغيره فالثاني مع أن تغييره ندب لا فرض، ولا أرى بغير ذلك -وإن كان قليلاً- حرجًا بتغيره إذ كان النهي عن ذلك نهي كراهة لا تحريمًا؛ لإجماع سلف الأمة وخلفها على ذلك، وكذلك الأمر فيما أمر به على وجه الندب ولو لم يكن كذلك كان تاركو التغيير قد أنكروا على المغيرين، أو أنكر المغيرون على تاركي التغيير، وبنحو معناه قال (النووي) (٤). فائدة: يصبغ بضم الباء وفتحها حكاها في "المشارق" (٥).

стр. 16871

فصل: روينا في كتاب: "الخضاب" تأليف ابن أبي عاصم من حديث هشام، عن أبيه، عن الزبير بن العوام قال رسول الله ﷺ : "غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود" (١) قال: وفيه: عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن رسول الله ﷺ . ورواه الأوزاعي قال: "اخضبوا فإن اليهود والنصارى لا يخضبون" ثم أسند عن عتبة بن عبد قال: كان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشعر مخالفة الأعاجم (٢). فصل: قد أسلفنا الاختلاف في سببه، وأن أنسًا أنكره وأن أم سلمة أخرجته: أحمر. وروى ابن سعد قال ربيعة: رأيت شعرًا من شعره أحمر فسألت عنه فقالوا: أحمر من الطيب (٣). وهذا يؤيد ما تأولناه فيما مضى من الحديثين السالفين وعن عبد الرحمن اليماني: كان ﵇ يغير لحيته بماء السدر، وعن عبد الرحمن ابن حرملة عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يكره (تغيير لحيته) (٤) (٥).

стр. 16872

قال الطحاوي: وحديث ابن مسعود في العشرة الأشياء التي كان رسول الله ﷺ يكرهها ومنها تغيير الشيب، ما حَضَرَنا فيه أنَّا قد رُوِّينَا أنه ﵇ قال: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" فعقلنا بذلك أنه كان في البداء على مثل ما كانوا عليه؛ لما روي أنه كان فيما لم يؤمر فيه بشيء يحب موافقة أهل الكتاب، فكان على ذلك حتى أحدث الله له شريعته ما يخالف ذلك من الخضاب فأمر به، وبخلاف ما عليه أهل الكتاب من تركه، وعقلنا بذلك أن جميع ما روي عنه في الأمر باستعمال الخضاب متأخر عن ذلك (١). فصل: قال الاسماعيلي في "صحيحه": حديث الشعر الذي أخرجته أم سلمة لم يبين فيه أنه ﵇ هو الذي خضب، ولعله لون بعده أو وضع في طيب فيه صفرة تعلقته، فإن حديث أنس أصح، فإن بعضهم حكى عن أنس أن شعره أحمر ولم يخبر عن أم سلمة أنه ﵇ خضب. فصل: ذكر غير واحد أن عقبة بن عامر كان يخضب بالسواد، فإذا اتصل قال: (تسودُ) (٢) أعلاها وتأبى أصولها (٣). وبه قال مالك وجماعة من أهل المدينة استدلالًا بحديث: "غيروا الشيب " وهو حديث حسن الإسناد -كما قاله أبو عمر- وتغييره عام بالسواد أو بغيره، وأفرده ابن الجوزي بالتأليف، وسنذكر قطعة منه بعد.

стр. 16873

فصل: روى ابن أبي عاصم من حديث الأجلح، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم"، وفي رواية: "أفضل" (١). وعن ابن عباس ﵄ (٢)، وأنس وعبد الله بن بريدة عن أبيه ﵃ مثله. ومن حديث الضحاك بن حُمْرَةَ، عن غَيْلان بن جامِع وإِيَاد بن لقيط، عن أبي رمثة قال: رأيت رسول الله ﷺ وله شعر مخضوب بالحناء والكتم (٣). ومن حديث ابن عباس ﵄ أنه ﵇ رأى رجلاً خضب بالحناء، فقال: "ما أحسن هذا" وآخر خضب بالحناء والكتم فقال: "هذا أحسن من هذا كله" (٤).

стр. 16874

ومن حديث رجاء، عن عائذ (١) بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك، وشعيب بن عمرو، وناجية بن عمرو يقولون: رأينا رسول الله يخضب بالحناء والكتم. ومن حديث عبد الله بن العلاء بن زبر، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: "صفروا أو حمروا" (٢). ومن حديث (حذيفة) (٣) عن أبي يوسف: سمعت حسان بن أبي جابر السلمي قال: كنت مع رسول الله ﷺ في الطواف، فرأى رجالًا من أصحابه قد صفروا؛ فقال: "مرحبًا بالمصفرين" (٤). وفي حديث مطر، عن أبي رجاء، عن (جابر) (٥) أن رسول الله ﷺ قال في أبي قحافة: "اذهبوا به إلى بعض نسائه يغير شيبة" قال: فذهبوا به فحمروه (٦)، وكان ﵇ أمرهم بتجنب السواد.

стр. 16875

وفي حديث عبد الكريم، عن ابن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا: "يكون في آخر الزمان (قوم) (١) يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة" (٢) ومن حديث أنس بن مالك مرفوعًا: "غيروا ولا تغيروا بالسواد" فيه ابن لهيعة (٣). ومن حديث المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ : "من خضب بالسواد لم ينظر الله إليه" (٤). وللطبراني من حديث الوضين، عن جنادة، عن أبي الدرداء مرفوعًا: "من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة" (٥). وذكر ابن أبي عاصم بأسانيده أن حسنًا وحسينًا كانا يخضبان به، وكذلك ابن شهاب، وقال: أحبه إلينا أحلكه (٦)، وكذلك شرحبيل بن السمط، وقال عنبسة بن سعيد: إنما شعرك بمنزلة ثوبك فاصبغه بأي لون شئت، وأحبه إلينا أحلكه.
следующие страницы →