قال سحيم عبد بني الحسحاس (١):
أشارت بمدراها وقالت لتربها … أعبد بني الحسحاس يزجي القوافيا
وعبارة ابن التين، وهي عبارة الجوهري المدرى: القرن، وكذلك المدراة، وربما تصلح بها الماشطة قرون النساء وهي كالمسلة تكون معها يقال: تدرت المرأة: سرحت شعرها (٢).
وعبارة الداودي: المدرى المشط له الأسنان اليسيرة، وعبارة غيره: أنه شيء يعمل من حديد أو خشب على شكل (سن من) (٣) أسنان المشط وأطول منه يسرح به الشعر الملبد ويستعمله من لا مشط له، وترجم البخاري الباب للامتشاط وهو سنة.
وفي أبي داود: كان ﵇ ينهى عن كثير من الإرفاه (٤)(٥) ويأمر بالامتشاط غبًّا (٦)، وفيه أيضًا: "من كان له شعر فليكرمه" (٧).
стр. 16907
كره ﵇ الإفراط في التنعم والتدلل والترجيل من ذلك، فأمر بالقصد في ذلك وليس معناه ترك الطهارة والتنظيف، فإن الطهارة والنظافة من الدين.
стр. 16908
٧٦ - باب تَرْجِيلِ الحَائِضِ زَوْجَهَا
٥٩٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح ١٠/ ٣٦٨]
ذكر فيه حديث عائشة ﵂: كُنْتُ أُرَجِّلُ (رَأْسَ) (١) رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ.
الترجيل: التسريح، كما سلف، وفيه أن ترجيل الشعر من زي أهل الإيمان والصلاح، وذلك من النظافة- وقد روى مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا قتادة الأنصاري قال لرسول الله ﷺ : إن لي جمة أرجلها؟ فقال ﵇: "نعم وأكرمها" وكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين؛ لما قال رسول الله ﷺ "أكرمها" (٢).
وهذا الحديث قد أسنده البزار عن يحي بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن أبي قتادة فذكره.
وقد روي عن رسول الله ﷺ خلاف تأويل أبي قتادة، فروى علي بن المديني عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل قال: نهى رسول الله ﷺ عن الترجيل إلا غبًّا (٣).
стр. 16909
وروى ابن المبارك عن كهمس بن الحسن، عن ابن بريدة، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الإرفاه، قلت لابن بريدة: ما الإرفاه، قال: الترجيل كل يوم (١).
وروى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي أمامة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أمامة قال: ذكر أصحاب رسول الله ﷺ يومًا عنده الدنيا، فقال: "إن البذاذة (٢) من الإيمان" (٣) والمراد بهذا الحديث -والله أعلم- بعض الأوقات، ولم يأمر بلزوم البذاذة في جميع الأحوال لتتفق الأحاديث.
وقد أمر الله تعالى بأخذ الزينة عند كل مسجد، وأمر نبيه ﷺ باتخاذ الطيب وحسن الهيئة واللباس في (الجمع) (٤) والأعياد وما شاكل ذلك من المحافل.
стр. 16910
٧٧ - باب التَّرْجِيلِ
٥٩٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ مَا اسْتَطَاعَ فِي تَرَجُّلِهِ وَوُضُوئِهِ. [انظر: ١٦٨ - مسلم: ٢٦٨ - فتح ١٠/ ٣٦٨]
ذكر فيه عن عائشة ﵂: أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ مَا اسْتَطَاعَ فِي تَرَجُّلِهِ وَوُضُوئِهِ. سلف (١).
والترجل من باب النظافة والزينة المباحة للرجال، وقد سلف في الباب قبله أنه في بعض الأوقات ومعناه الخصوص.
وروى مالك عن زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن اخرج كأنه يعني: لصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل ثم رجع، فقال رسول الله ﷺ : "أليس هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان" (٢).
стр. 16911
٧٨ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الْمِسْكِ
٥٩٢٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ». [انظر: ١٨٩٤ - مسلم: ١١٥١ - فتح ١٠/ ٣٦٩]
ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁، أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ". وقد سلف (١).
ولا شك أن المسك أطيب الطيب، وقد روي من حديث أبي سعيد مرفوعًا (٢) - وهذا الحديث شاهد له؛ لأنه لو كان الطيب فوق المسك لضرب به المثل في الطيب عنده تعالى.
وقد سلف ما للعلماء في المسك في الذبائح. والخلوف بالضم: التغير.
وقوله: "كل عمل ابن آدم .. " إلى آخره. يريد أنه أمر مخفي عن المخلوقين ولا يطلع عليه إلا الرب جلا جلاله فيعلمه حقيقة ويجازي عليه؛ لأن الحفظة ترى مسكًا عن الطعام، فالنية فيه إلى الله تعالى وبها يصير صائمًا.
стр. 16912
وقد قال بعض العلماء: إن الصوم ربع الإيمان؛ لأنه جاء حديث أن الصبر نصف الإيمان (١)، وفي حديث آخر "الصوم نصف الصبر" (٢).
стр. 16913
٧٩ - باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الطِّيبِ
٥٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ. [انظر: ١٥٣٩ - مسلم: ١١٨٩ - فتح ١٠/ ٣٧٠]
ذكر فيه من حديث هِشَام، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطيَبِ مَا أَجِدُ.
هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث هشام أيضًا عن أخيه عثمان به- ومن حديث ابن عيينة عن عثمان (١).
وليس لعثمان في الصحيحين غير هذا الحديث الواحد، مات عثمان في خلافة أبي جعفر (٢)، قاله الواقدي، وقد سلف فقهه.
стр. 16914
٨٠ - باب مَنْ لَمْ يَرُدَّ الطِّيبَ
٥٩٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَاريُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ. [انظر: ٢٥٨٢ - فتح ١٠/ ٣٧٠]
ذكر فيه حديث أنس ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ.
هذا الحديث سلف في الهبة، وترجم له باب: ما لا يرد من الهدية (١).
ووجهه ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رفعه: "من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه طيب الريح خفيف المحمل" (٢).
(ومن حديث كثير بن عبد الله) (٣) عن أنس مرفوعًا "حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة" (٤)؛ لأنه كان يرى فيها الجنة وما وعد الله فيها، لأوليائه المؤمنين.
قال الداودي: وفيه دليل على أنه ربما رد غيره إذا أهدى إليه، وذلك أنه يتأهب به للوقوف بين يدي الله ولملاقاة الملك فلا يرد شيئًا يتسرر به.
стр. 16915
٨١ - باب الذَّرِيرَةِ
٥٩٣٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ -أَوْ مُحَمَّدٌ عَنْهُ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، سَمِعَ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمَ يُخْبِرَانِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدَىَّ بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ٧/ ٢١٢ لِلْحِلِّ وَالإِحْرَامِ. [انظر: ١٥٣٩ - مسلم: ١١٨٩ - فتح ١٠/ ٣٧١]
ذكر فيه حديث عائشة ﵂: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ للحل والإحرام.
الذريرة من أنواع الطيب مجموع منه يسحق ويذر في الشعر والطوق، وربما دهن الشعر ثم ذرَّ عليه، وكل ما وقع عليه اسم طيب جاز استعماله؛ لعموم قول أنس: كان لا يرد الطيب، فعم أنواعه كلها.
стр. 16916
٨٢ - باب المُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ
٥٩٣١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ تَعَالَى، مَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ فِي كِتَابِ اللهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]. [انظر: ٤٨٨٦ - مسلم: ٢١٢٥ - فتح ١٠/ ٣٧٢]
ذكر فيه حديث عبد الله: لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ تَعَالَى، مَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ النَّبِي ﷺ وَهْوَ فِي كِتَابِ اللهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾.
ترجم له بعد باب: المتنمصات، وقد سلف تفسير ذلك في النكاح. فالواشمة هي التي تَشِمُ يديها وذلك أن تغرز ظهر كفيها أو غيره من جسدها بإبرة حتى يؤثر فيها، ثم تحشوه كحلًا فيخضر وتجعله كالنقش في جسدها تتزين بذلك، يقال منه: وشمت تشم فهي واشمة، والمستوشمة هي التي تسأل أن يفعل ذلك بها، وغلط الداودي فقال: الواشمة هي المفعولة والمستوشمة الفاعلة. والنامصة: الناتفة، والنمص: النتف.
قال أبو حنيفة: ولذلك قيل للمنقاش الذي ينتف به منماص، ويقال: قد أنمص البقل فهو ينمص إذا ارتفع قليلاً -يعني: يمكن أن ينتف بالأظفار. والمتفلجة هي المفرقة بين أسنانها المتلاصقة بالثنايا والرباعيات بالنحت ليتباعد بعضها من بعض، والفلج تباعد ما بين الشيئين، يقال منه: رجل أفلج، وامرأة فلجاء (١).
стр. 16917
وقال ابن دريد: يقال: رجل أفلج الأسنان وامرأة فلجاء الأسنان، لا بد من ذكر الأسنان (١).
وقال الداودي: هو أن يبرد ما بين (الثنيتين) (٢) بمبرد حتى ينفتح ما بينهما فيصير كالفلج.
وقال أبو عبيد: هي التي تفلج أسنانها وتحددها حتى يكون لها أُشُر، والأُشُر: تَحَدُّدٌ ورِقَّةٌ في أطراف أسنان (الأحداث (٣)) (٤) لشبه الكبيرة بهم.
وفيه: البيان عن الشارع أنه لا يجوز لامرأة تغير شيئًا من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة فيه أو نقص منه، التماس التحسن به للزوج أو غيره؛ لأن ذلك نقض من خلقها إلى غير هيئته، وسواء فلجت أسنانها المستوية الثنية ووَشْرتها أو كان لها أسنان طوال (فقطعت) (٥) أطرافها طلبَ التحسين أو أسنان زائدة على المعروف من أسنان بني آدم فقلعت الزوائد من ذلك لغير علة سوى طلب التحسين والتجمل، فإنها في كل ذلك مقدمة على ما نهى الله عنه على لسان نبيه ﷺ إذا كانت عالمة بالنهي عنه.
وكذلك غير جائز لامرأة خلقت لها لحية أو شارب أو عنفقة أن تحلق ذلك منها أو تقصه؛ طلبًا للتجمل كما نص على ذلك الطبري معللًا بأن ذلك كله من باب التغيير لخلق الله تعالى، ومعنى النمص
стр. 16918
الذي لعن رسول الله ﷺ فاعلته (١).
فإن قلت: فإنك تجيز للرجل أن يأخذ من أطراف لحيته وعوارضه إذا كثرت، ومن الشارب وإطاره إذا أوفى، فالمرأة أحق أن يجوز لها إماطة ذلك من الرجل؛ إذ الأغلب من النساء أن ذلك فيهن قليل، وإنما ذلك من خلق الرجال فجعلت أخذ ذلك من النساء تغييرًا لخلق الله وجعلته من الرجال غير تغيير.
قلت: إنا لم نحظر على المرأة إذا كانت ذات شارب فوفى شاربها أن تأخذ من إطاره وأطرافه أو كانت ذا لحية طويلة أن تأخذ منها، وإنما نهيناها عن نمص ذلك وحلقه للعنة الشارع النامصة والمتنمصة، ولا شك أن نمصها لحية أو شاربًا إن كان لها نظير نمصها شعرًا بوجهها أو جبينها، وفي فرق الله على لسان رسوله ﵇ بين حكمها في مالها من أخذ شعر رأسها، وما ليس لها منه، وبين حكم الرجل في ذلك أبين الدليل على افتراق حكمهما في ذلك، وذلك أنه ﵇ أذن للرجال في قص شعر رءوسهم كلما شاءوا، وندبهم إلى حلقه إذا حلوا من إحرامهم، وحظر ذلك على المرأة في الحالين، إلا أن تأخذ من أطرافه، فكذا افتراقهما في الإحفاء وقص النواصي وحلقها.
وإنما أبحنا لها أن تأخذ من أطراف لحيتها وإطار شاربها كما أبحنا لها أن تأخذ من أطراف شعر رأسها إذا طال؛ لما روى شعبة عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة قال: كان أزواج رسول الله ﷺ يأخذن
стр. 16919
من شعورهن حتى يدعنه كهيئة الوفرة (١).
وروى ابن جريج عن صفية بنت شيبة، عن أم عثمان بنت سفيان، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها، وقال: "الحلق مُثْلة" (٢).
وقال مجاهد: لعن رسول الله ﷺ الحالقة.
(ونص أصحابنا على أن المرأة إذا خلقت لها لحية يستحب إزالتها) (٣).
فإن قلت: فما وجه قول من أطلق النمص والوشم وأحله؟ وقد علمت ما روى شعبة عن أبي إسحاق، عن امرأته أنها دخلت على عائشة ﵂ فسألتها -وكانت امرأة شابة يعجبها الجمال- فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟ فقالت: أميطي عنك الأذى ما استطعت (٤).
كذا قال ابن المثنى: تحف، وهو غلط، كما قاله الطبري؛ لأن الحف بالشيء هو الإطافة به، وإنما هو تحفي بمعنى تستأصله حلقًا أو نتفًا. وما حدثك تميم بن (المنتصر) (٥) ثنا يزيد، عن إسماعيل عن قيس قال: دخلت أنا وأبي على أبي بكر فرأيت يد أسماء موشومة (٦).
стр. 16920
قلت: أما عائشة، فإن في الرواية عنها اختلافًا، وذلك أن عمران بن موسى قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، حدثتني أم الحسن، عن معاذة أنها سألت عائشة عن المرأة تقشر وجهها؟ فقالت: إن كنت تشتهين أن تتزيني فلا يحل، وإن كانت امرأة بوجهها كلف شديد فما، كأنها كرهته، ولم تصرح بهذِه الرواية بالنهي عن قشر المرأة وجهها للزينة، وذلك (نظير) (١) إحفائها جبينها للزينة، وإذا اختلفت الرواية عنها كان الأولى أن يضاف إليها أشبهها بالحق.
وأما أسماء فإنها كانت امرأة أدركت الجاهلية، وكانت نساء الجاهلية يفعَلْنَ ذلك ويتزينَّ به، ولعل ذلك منها كان في الجاهلية ولم يخبر قيس عنها أنها وشمت يدها في الإسلام، وقد يجوز أن تكون وشمتها في الجاهلية، أو في الإسلام قبل أن ينهى عنه، فمن زعم أن ذلك كان في الإسلام بعد النهي فعليه البيان ولا سبيل إليه (٢).
قال ابن بطال: أما ما ذكرته من أن المرأة منهية عن حلق رأسها في الإحرام وغيره لحديث ابن عباس ﵄، وقوله ﵇: "إن الحلق مُثْلة"، فإن حديث ابن عباس ليس معناه التحريم، بدليل أن المرأة لو حلقت رأسها في الحج مكان التقصير اللازم لها لم تأت في ذلك حرامًا.
ودل قوله: "إن الحلق مثلة" أن معنى النهي عن ذلك هو خيفة أن تمثل المرأة بنفسها فينتقص جمالها فيكره ذلك بعلها، والمثلة ليست بحرام، وإنما هي مكروهة، وقد قال مالك: حلق الشارب مثلة، وثبت حلقه عن بَشَرٍ كَثِير من السلف، واحتجوا بأمره بإحفاء الشوارب.
стр. 16921
وأما قول مجاهد: لعن رسول الله ﷺ الحالقة. ليس من هذا الباب في شيء، وإنما لعن الحالقة لشعرها عند المصيبة اتباعًا لسنن الجاهلية، وبهذا جاء الحديث كما سلف في الجنائز من حديث أنه ﵇ برئ من الحالقة. الحديث، وترجم له باب ما ينهى عنه من الحلق عند المصيبة (١)، فبان بهذا معنى النهي عن الحلق أنه عند المصيبة كفعل الجاهلية وأما إن احتاجت المرأة إلى حلق رأسها فذلك غير حرام عليها كالرجل سواء (٢).
ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ». قَالَ نَافِعٌ: الوَشْمُ فِي اللِّثَةِ. [٥٩٤٠، ٥٩٤٢، ٥٩٤٧ - مسلم: ٢١٢٤٠ - فتح ١٠/ ٣٧٤]
٥٩٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا، فَخَطَبَنَا فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ الْيَهُودِ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهُ الزُّورَ. يَعْنِي: الْوَاصِلَةَ فِي الشَّعَرِ. [انظر: ٣٤٦٨ - مسلم: ٢١٢٧ - فتح ١٠/ ٣٧٤]
ذكر فيه حديث معاوية وأبي هريرة ﵄ وعائشة وأسماء وابن عمر في ذلك، وقد سلف، وذكر في حديث عائشة متابعًا فقال: تابعه ابن إسحاق عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن صفية، عن عائشة. وذكر حديث أبي هريرة بلفظ: وقال ابن أبي شيبة ثم ساقه.
ثم ترجم:
٨٧ - باب (الموشومة) (١)
٥٩٤٦ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بِامْرَأَةٍ تَشِمُ، فَقَامَ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ مَنْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوَشْمِ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا سَمِعْتُ. قَالَ: مَا سَمِعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَشِمْنَ وَلَا تَسْتَوْشِمْنَ». [فتح ١٠/ ٣٨٠]
٥٩٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. [انظر: ٥٩٣٧ - مسلم: ٢١٢٤ - فتح ١٠/ ٣٨٠]
٥٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁: لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ، مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي كِتَابِ اللهِ. [انظر: ٤٨٨٦ - مسلم: ٢١٢٥ - فتح ١٠/ ٣٨٠]
ثم ذكر حديث أبي هريرة: "لَا تَشِمْنَ وَلَا تَسْتَوْشِمْنَ".
ثم ذكر حديث ابن عمر وابن مسعود.
وفي حديث عائشة أبان بن صالح بن (عمير بن عبيد) (٢)، أبو بكر المكي وقيل: المدني -جد مشكدانة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر ابن محمد بن أبان- أصله من العرب، وأصابه سباء (٣) القرشي مولى عثمان بن عفان، ويقال: الجعفي، وليس منهم، وإنما جده محمد بن أبان تزوج في الجعفيين فنسب إليهم. قال: لقبَّني أبو نعيم وكنت إذا
стр. 16928
أتيته (بلبسه بطيب) (١)، فإذا رآني قال: قد جاء مشكدانة.
ومشكدانة: وعاء الطيب، روى عنه مسلم وأبو داود وابن ماجه، مات في المحرم سنة تسع وثلاثين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين ومائتين (٢).
ويناق جد الحسن بن مسلم بمثناة تحت ثم نون ثم قاف.
وحديث أسماء فيه منصور بن عبد الرحمن بن طلحة (بن الحارث) (٣) بن طلحة بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان ابن عبد الدار.
وأما صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة.
وحديث ابن عمر في باب الوضوء فيه الفضل بن دكين. كذا هو في الأصول، قال الجياني: وقع هنا الفضل بن زهير وفي بعضها دكين وكلاهما صواب، فإنه الفضل بن دكين بن زهير (٤)، وأبو جحيفة اسمه وهب بن عبد الله السوائي، توفي رسول الله ﷺ -وهو مراهق، وولي بيت المال لعلي، ولده عون.
قال الطبري: وقد اختلف العلماء في معنى نهيه ﵇ عن الوصل في الشعر فقال بعضهم: لا بأس عليها في وصلها شعرها، ما وصلت به من صوف أو خرق وشبه ذلك، روي ذلك عن ابن عباس وأم سلمة أم المؤمنين ﵃، وعلة هذِه المقالة قول معاوية حين أخرج القصة من
стр. 16929
الشعر، وقال: نهى رسول الله ﷺ عن مثل هذِه.
قالوا: وأما الخرق والصوف فليس ذلك مما دخل في نهيه.
وقال آخرون: كل ذلك داخل في نهيه؛ لعموم الخبر عنه أنه لعن الواصلة والمستوصلة، فبأي شيء وصلته فهي واصلة، روي ذلك عن أم عطية.
وقال آخرون: لا بأس عليها في وصله بما وصلت به من شيء شعرًا كان الذي وصلت به أو غيره، روي ذلك عن عائشة، وسألها ابن أشوع: أَلَعَن رسول الله ﷺ الواصلة؟ قالت: أيا سبحان الله، وما بأس بالمرأة الزعراء أن تأخذ شيئًا من صوف فتصله شعرها تتزين به عند زوجها، إنما لعن الله المرأة الشابة تبغي في شبيبتها حتى إذا أسنت هي وصلتها بالقيادة (١).
وسئل عطاء عن شعور النساء أينتفع بها؟ قال: لا بأس بذلك (٢).
وقال آخرون: لا يجوز الوصل بشيء شعرًا ولا غيره، ولا بأس أن تضع الشعر وغيره على رأسها وضعًا ما لم تصله، روي ذلك عن إبراهيم. وعلة هذا القول أن الخبر إنما ورد بالنهي عنه، فأما ما لم يكن وصلًا فلا بأس به.
والصواب كما قال الطبري: أن يقال: غير جائز أن تصل بشعرها شيئًا من الأشياء، لتتجمل به شعرًا كان أو غيره؛ لعموم نهي رسول الله ﷺ أن تصل بشعرها شيئًا، وأما خبر ابن أشوع عن عائشة فهو باطل؛ لأن رواته لا يُعرفون، وابن أشوع لم يدرك عائشة.
стр. 16930
قال غيره: وإنما قال معاوية: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ وإن كانت المدينة دار العلم ومعدن الشريعة وإليها يفزع الناس في أمر دينهم، ألا ترى أن معاوية قد بعث إلى عائشة يسألها عن مسائل نزلت به فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم الذين يلزمهم تغيير المنكر والتشدد على من استباح ما نهى عنه رسول الله ﷺ ، ولا يجوز أن يقال: إن المنكر كان بالمدينة ولم يغيره أهلها؛ لأنه لا يخلو زمان من ارتكاب المعاصي، وقد كان في وقت رسول الله ﷺ من شرب الخمر وسرق وزنى، إلا أنه كان شاذًا نادرًا، ولا يحل لمسلم أن يقول: إنه ﵇ لم يغير المنكر، فكذلك أمرُ القصة كان (شاذا) (١) بالمدينة.
ولا يجوز أن يقال: إن أهلها جهلوا النهي عنها؛ لأن حديثه في لعن الواصلة والمستوصلة حديث مدني رواه نافع عن ابن عمر، ورواه هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، عن رسول الله ﷺ -وهو معروف عندهم مستفيض (٢).
فصل:
ولعن الشارع الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة؛ لأنهما تعاونا على تغيير خلق الله. وفيه دليل أن من أعان على معصية، فهو شريك في الإثم.
فصل:
القصة بضم القاف: ما أقبل على الجبهة من شعر الرأس. قاله الأصمعي.
стр. 16931
فصل:
قول معاوية: أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن مثل هذِه، وتناول قصة من يد حرسي.
قيل: رأى ذلك؛ لأنه رأى نساء المدينة استسهلن فعل ذلك، وكان الأمراء حينئذ يتبعون قول العلماء.
وقيل: أراد أن يعلمهم ويحذرهم، ذكرهما ابن التين، وقد سلف أيضًا.
فصل:
والحرسي: الواحد من الحرس للسلطان وحراسته، وقلت: حرسي؛ لأنه صار اسم جنس فنسب إليه، ولا تقل: حارس، إلا أن يذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس.
فصل:
قولها: (مرضت فتمعط شعرها) أي تناثر، وكذلك أمرق، وأمرط. أي: (انتثر) (١) وتناثر. وقولها: فتمرق. وفي رواية: فانمرق، روي بالزاي والراء، والزاي قاله ابن التين.
قال: وبالزاي قرأناه، وهو أظهر. وقال مرة: أبين. قال: وأصل (امَّرق): (انمرق) (٢)، أبدلت النون ميمًا وأدغمت في الميم الأخرى.
قال: روي: فأمزق (٣): رباعي على ما لم يسم فاعله، ولا أعرف وجهه.
стр. 16932
وعليه اقتصر ابن بطال على الزاي (١)، فقال هنا: قال صاحب "الأفعال": مَرَق الشعر والصوف: نَتَفَه، وأمرق الشعر: حان أن ينتتف (٢).
وكذا قال الخطابي: تمزق من المزوق، وهو خروج الشعر من أصله، والياء مفتوحة، ونهي عنه؛ لما فيه من الغش والخداع، ولو رخص في ذلك لكان وسيلة إلى أنواع من الغش والخداع، وإنما توعد على ذلك باللعن من جهة أن هذِه الأمور تغير الخلقة، ويتعاطى فاعلها صنعة الأذى قال: ولعله يدخل في هذا صنعة الكيمياء، فإنه من تعاطاها إنما يَرومُ أن يُلْحِق الصنعة بالخلقة، وكذلك هو في كل مصنوع يتشبه بمطبوع، وهو من باب الفساد عظيم (٣)، قال: ورخص أكثر أهل العلم في التواصل في ذلك؛ لأن أمرها لا يشتبه في إحاطة علم الناس بأنها مستعارة، فلا يظن بها تغيير الخلقة (٤).
فصل:
وقول نافع إثر حديث ابن عمر ﵄: الوشم في اللثة هو بكسر اللام، ثم مثلثة مخففة، وهو ما حول الأسنان، وأصلها: لثي، والهاء عوضًا من الياء، وجمعها: لثات ولثى، واعترض ابن التين على هذا التفسير فقال: الذي ذكره أبو عبيد وغيره: أن الوشم في اليد، وقال الداودي: هو أن يعمل على لحم الأسنان صفرة وغيرها.
قال ابن التين: وقول أهل اللغة ما تقدم.
стр. 16933
فصل:
وقولها: أصابتها الحصبة، قال الجوهري: وهي بثر يخرج في الجسد، وقد يحرك -يريد الصاد- تقول منه: حصِب جسده -بالكسر- وهو بفتح الحاء (١).
وقال الداودي: الحصبة: حب كالجدري، أو أصغر منها شيئًا.
فصل:
قوله: ("والموتشمة") كذا صوابه بالتاء قبل الشين، ووقع في أصل الشيخ أبي الحسن عكسه على وزن مفعلة، قال ابن التين: ولا أعرف له وجهًا.
فصل:
قوله في حديث أبي جحيفة: (نهى عن ثمن الدم)، أي: بيعه لا أجرته كما ادعاه بعضهم وهو غلط؛ لأنه لم يملك الدم وباعه، إنما هو أجرة حمله، وقوله: وأكل الربا، هو الذي يعمل به ويأكل منه كما قال القزاز.
وقال الدوادي: هو الأخذ وإن لم يأكل.
وقوله: (ومؤكله). هو الذي يزيده في المال ليصبر عليه؛ لأنه مطعمه، وذلك أنه كان في الجاهلية إذا حل الدين، فإن قضى وإلا أربا وزاد في الأجل.
وقوله قبله: (وثمن الكلب). هو عام في كل كلب، وبه قال مالك.
وقيل: ما عدا كلب الصيد والماشية قاله ابن وهب.
قال سحنون: أحج بثمنه، وهذا منه غاية في التحليل (٢).
стр. 16934
٨٨ - باب التَّصَاوِيرِ
٥٩٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵃ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا تَصَاوِيرُ».
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . [انظر: ٣٢٢٥ - مسلم: ٢١٠٦ - فتح ١٠/ ٣٨٠]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا تَصَاوِيرُ".
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ، أنه سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ .
الشرح:
الحديث الأول رواه عن آدم، ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن (عبيد الله بن عبد الله) (١) بن عتبة، عن ابن عباس، عن أبي طلحة، ثم ذكر تعليق الليث، وكذا قال خلف في "أطرافه" قال البخاري في اللباس: ثنا آدم، ثنا ابن أبي ذئب، وقال الليث: حدثني يونس. وفي المغازي: ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام، عن معمر كلاهما عن الزهري به.
وادعى ابن وضاح ثم الدوادي وجماعة من الفقهاء: أن الملائكة في هذا الحديث ملائكة الوحي مثل جبريل وإسرافيل، فأما الحفظة فيدخلون كل بيت ولا يفارقان الإنسان على كل حال، إلا عند الخلاء والجماع،
стр. 16935
كما ورد في الحديث (١)، وعبارة بعضهم: المراد ملائكة يطوفون بالرحمة والاستغفار دون الحفظة.
وقيل: أراد: لا تدخله الملائكة كدخولهم لو لم يكن في البيت صورة، نحو قوله ﵇: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٢).
وقيل: أراد: لا يدخله أحد غير الحفظة.
قال الخطابي: وإنما لم تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأما ما ليس بحرام من كلب صيد أو زرع أو ماشية فليس داخلًا في هذا.
والصورة: كل ما يصور من الحيوان سواء في ذلك المنصوبة القائمة التي لها أشخاص، وما لا شخص له من المنقوشة في الجدر، والمصورة فيها، وفي الفرش والأنماط، وقد رخص بعض العلماء فيما كان فيها في الأنماط التي توطأ وتداس (بالأرجل (٣)) (٤).
وقال النووي: الأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة وأنهم يمتنعون من الجميع، لإطلاق الأحاديث، وسبب امتناعهم من دخول بيت فيه كلب: كثرة أكله النجاسة، وبعضهم يسمى شيطانًا، والملائكة ضد الشياطين والقبح رائحته، والملائكة يكرهون الرائحة
стр. 16936
الخبيثة؛ ولأن الإنسان منهي عن اتخاذها فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه واستغفارها له (١).
وروى ابن السني من حديث مجاهد، عن أبي هريرة ﵁ قال: استأذن جبريل على رسول الله ﷺ فقال: "ادخل" فقال: وكيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رءوسها، أو تُجعل بساطًا يوطأ، فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير (٢). وأخرجه أبو داود.
وقال جبريل: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت، إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام (ستر) (٣) فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمُرْ برأس التمثال الذي في باب البيت فيصير كهيئة الشجرة، فمر بالستر فيقطع فتجعل منه وسادتان منبوذتان يوطآن، ومر بالكلب فليخرج، وكان لحسن أو لحسين فأمر به فأخرج (٤).
فصل:
قال أصحابنا وغيرهم: يحرم تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فحرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء كان في ثوب أم بساط أم دينار ودرهم وفلس وإناء وحائط، وأما ما ليس فيه صورة حيوان كالشجر والرحال وشبههما فليس بحرام، هذا كله حكم المصور.
стр. 16937
فأما اتخاذ المصور فيه حيوان، فإن كان معلقًا على حائط، أو ثوبًا ملبوسًا، أو عمامة، أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس، أو مخدة، أو وسادة مما يمتهن فليس بحرام، ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. هذا تلخيص مذهبنا.
وبمعناه قال (جماهير) (١) العلماء: (ومذهب مالك والثوري وأبو حنيفة غيرهم) (٢).
وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بما ليس له ظل، وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر ﵇ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل مع ما في الأحاديث المطلقة في كل صورة.
وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقمًا في ثوب أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن، عملًا بظاهر الأحاديث.
وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقمًا في ثوب، سواء امْتُهن أم لا، وسواء علق في حائط، وكرهوا ما كان له ظل أو كان مصورًا في الحيطان وشبهها، وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره.
قال القاضي: إلا ما ورد في لعب البنات، وكان مالك يكره شراء ذلك لبنته، وادعى بعضهم إباحة اللعب منسوخة بهذِه الأحاديث (٣).
стр. 16938
قال الطبري: فإن قيل: أحرام دخول البيت الذي فيه التماثيل والصور؟
قيل: هو مكروه أعني: ما له (روح) (١) وينصب ولا يمتهن، وأما ما كان من ذلك علما في ثوب أو رقمًا له، وكان مما يوطأ ويجلس عليه فلا بأس به وما كان مما ينصبه، فإن كان من صورة لا روح فيها، فلا بأس به، وإلا فلا أستحسنه.
ثم ساق من حديث عائشة ﵂ قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طير مستقبل البيت، فقال ﵇: "حوليه، فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا" قالت: وكان لنا قطيفة فيها علم حرير وكنا نلبسها (٢). فلم يقطعه ولم يأمر عائشة بفساد تمثال الطير الذي كان في الستر، ولكنه أمر بتنحيته عن موضعه الذي كان معلقًا فيه من أجل كراهيته لرؤيته لما يذكر من الدنيا وزينتها.
وفي قوله: "فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا" دليل بين أنه كان يدخل البيت الذي ذلك فيه فيراه ولا ينهى عائشة عن تعليقه، وذلك يبين صحة ما قلناه من أن ذلك إذا كان رقما في ثوب أو علمًا فيه، فإنه يخالف معنى ما كان منه مثالاً ممثلًا قائمًا بنفسه.
وروى ابن أبي شيبة أن الحسن قال: أولم يكن أصحاب رسول الله ﷺ يدخلون الحانات وفيها التصاوير؟ و (عن أبي الضحى) (٣) قال: دخلت مع مسروق بيتا فيه تماثيل فنظر إلى تمثال منها فقال: ما هذا؟ قالوا: تمثال مريم.
стр. 16939
وقال مغيرة: كان في بيت إبراهيم تابوت فيه تماثيل.
وفي رواية حماد عنه: لا بأس بالتمثال في حلية السيف، ولا بأس بها في سماء البيت، إنما يكره منها ما نصب نُصُبًا يعني: الصورة (١).
стр. 16940
٨٩ - باب عَذَابِ الْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
٥٩٥٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ فِي دَارِ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ، فَرَأَى فِي صُفَّتِهِ تَمَاثِيلَ فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ». [مسلم: ٢١٠٩ - فتح ١٠/ ٣٨٢]
٥٩٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ». [٧٥٥٨ - مسلم: ٢١٠٨ - فتح ١٠/ ٣٨٢]
ذكر فيه حديث الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ فِي دَارِ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ، فَرَأى فِي صُفَّتِهِ تَمَاثِيلَ فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ".
وحديث ابن عمر: ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الذِينَ يَصْنَعُونَ هذِه الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَاخَلَقْتُمْ".
وقد سلفا.
والصُفة -بضم الصاد: الدار والسرح، واحده: صفف، وهي التي تكون بين يدي البيوت. فإن قلت: هل يدخل في الحديث من صورها وهو لله تعالى موحد ولرسوله مصدق. قلت: لا، وإنما قصد به المضاهي لخلق الله تعالى كما وصفه في حديث عائشة بقوله: "الذين يضاهون خلق الله" والمتكلف من ذلك مضاهاة ما صوره ربه في خلقه وأعظم
стр. 16941
جرمًا من فرعون و (آله) (١)؛ قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] لأن فرعون كان كفره بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤٠] من غير ادعاء منه أنه يخلق، ولا محالة منه أنه ينشئ خلقًا يكون كخلقه شبيهًا ونظيرًا، والمصور بتصويره ذلك منطو على تمثيله نفسه بخالقه، فلا خلق أعظم كفرًا منه، فهو بذلك أشدهم عذابًا وأعظمهم عقابًا.
فأما من صور صورة غير مضاهاة ما خلق ربه وإن كان يفعله مخطئًا، فغير داخل في معنى من ضاهى ربه بتصويره.
فإن قلت: ما الوجه الذي جعلته به مخطئًا إذا لم يكن بتصويره لربه مضاهيًا، قيل: لاتهامه نفسه عند من عاين تصويره أنه ممن قصد بذلك المضاهاة لربه إذ كان الفعل الذي هو دليل على المضاهاة منه ظاهرًا، والاعتقاد الذي هو خلاف اعتقاد المضاهي باطن لا يصل إلى علمه راءوه.
وقد روى الأعمش، عن عمارة بن عمير قال: كنت جالسًا عند رجل من أصحاب عبد الله بن مسعود فمثلت في الأرض مثال عصفور فضرب يدي.
ومعنى الحديث عند ابن عباس فيما له روح (٢). وقيل: عام.
واحتج قائله بقوله في الحديث: "فليخلقوا حبة فليخلقوا ذرة" (٣) وهذا أشد ما روي في هذا الباب.
стр. 16942
٩٠ - باب نَقْضِ الصُّوَرِ
٥٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلاَّ نَقَضَهُ. [فتح ١٠/ ٣٨٥]
٥٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ، فَرَأَى أَعْلَاهَا مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً». ثُمَّ دَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إِبْطَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: مُنْتَهَى الحِلْيَةِ. [٧٥٥٩ - مسلم: ٢١١١ - فتح ١٠/ ٣٨٥]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂: حَدَّثَتْهُ أنه ﵇ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ.
وحديث أبي هريرة ﵁: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً". ثُمَّ دَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إِبْطَيه، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: مُنْتَهَى الحِلْيَةِ.
الشرح:
في حديث عائشة ﵂ حجة لمن كره الصور في كل شيء مما يمتهن ويوطأ وغيره؛ لعموم قول عائشة ﵂، فدخل في ذلك جميع وجوه استعمال الصور في البسط واللباس وغيره.
وقوله: (إلا نقضه) ادعى الخطابي أن في سائر الروايات: إلا (قضبة) (١) أي: قطعه.
стр. 16943
والتصاليب: أشكال الصليب، نهى عن الصلاة في الثوب (المصلب) (١). أي: الذي فيه نقش (أمثال الصلبان) (٢)، وإنما فعل ذلك؛ لأن النصارى يعبدون الصليب، فكره أن يكون منه شيء في بيته (٣).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ دليل على أن نهيه ﵇ عن الصور؛ يُحمل معناه عندهم على العموم أيضًا في الحيطان والثياب وغيرهما.
وقوله: ("ومن أظلم .. ") إلى آخره هو في معنى حديث لعنه، وصفه بأشد الظلم، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ على الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] فعمت اللعنة كل من وقع عليه اسم ظالم من مصور وغيره.
فصل:
والتور: بفتح المثناة فوق: إناء يشرب منه.
وقوله: (فغسل يديه) قال الداودي: فغسلهما تبرمًا من إثم ما رأى، والظاهر أنه حكى صفة حال أنه أُتي بماء فتوضأ.
قال: وقوله: (منتهى الحلية) كأنه أضافه إلى نفسه، والظاهر أنه أراد أنه ﵇ قال: يحلون في الجنة إلى منتهى الوضوء وكنى بالحلية عن الغرة والتحجيل.
ووقع في كتاب ابن بطال: أن وضوء أبي هريرة إلى إبطه ليس عليه العمل، وأجمعت الأمة أنه لا يتجاوز بالوضوء ما حده الله من المرفقين (٤)، وقد رددنا ذلك عليه في كتاب الطهارة.
وهو قول الثوري ومالك والشافعي وأبي حنيفة ﵏، ألا ترى أن عائشة ﵂ فهمت من إنكاره للصور في الستر إنما كان لما كان منصوبًا ومعلقًا دون ما كان منها مبسوطًا يمتهن بالجلوس عليه والارتفاق به، ولذلك جعلته وسادة، وسيأتي مذاهب العلماء فيه بعد.
وقوله: ("إن أشد الناس") إلى آخره تفسير حديث ابن مسعود السالف، ويدل أن الوعيد الشديد إنما جاء لمن صور صورة مضاهاة لخلق الله كما سلف.
فصل:
روى البخاري الحديث الأول عن علي بن (عبد) (١) الله، ثنا سفيان سمعت عبد الرحمن بن القاسم -وما بالمدينة يومئذ أفضل منه- قال: سمعت أبي قال: سمعت عائشة ﵂، فذكره كما سلف.
فيه: ذكر فضل عبد الرحمن، قال معمر: ما رأيت (فقيهًا) (٢) أفضل من عبد الله بن طاوس. قيل له: ولا هشام بن عروة. قال: ما كان يفضله ولم يكن مثله. قال إسماعيل بن إسحاق: لم ير معمرُ عبدَ الرحمن بن القاسم. يعني: لو رآه لفضّله على ابن طاوس.
فصل:
قولها: (سترت) هو بتشديد المثناة فوق.
فصل:
القِرَام -بكسر القاف: الستر الرقيق، قاله ابن فارس والهروي (٣).