وروي عن كعب الأحبار أنه قال لما طعن عمر: لو دعا الله لزاد في عمره، فأنكر ذلك عليه المسلمون واحتجوا بالآية السالفة، وأن الله يقول: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] وقيل: إنه يحكم أن عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع، وتسعين إن عصى، فأيهما بلغ فهو في كتابه (١)، فعلى هذا يكون الحديث على ظاهره؛ لأن صلة الرحم من الطاعة.
وعبارة الطبري أنه إن فعل ذلك به جزاء له على ما كان له من العمل الذي يرضاه فإنه غير زائد في علم الله شيئًا لم يكن به عالمًا قبل تكوينه، ولا ناقص منه شيئًا، بل لم يزل عالمًا بما في العبد فاعل وبالزيادة التي هو زائد في عمره بصلة رحمه، والنقص الذي هو بقطع رحمه من عمره ناقص قبل خلقه، لا يعزب عنه (٢) شيء من ذلك (٣)، وقد سلف ذلك في كتاب البيوع في باب: من أحب البسط في الرزق.
فصل: فيما جاء في فضلها.
روى أبو موسى المديني في "ترغيبه" من حديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "بر الوالدين يزيد في العمر، والكذب ينقص الرزق" (٤) ثم قال: اختلف على عثمان
стр. 17012
فيه، فرواه السري بن مسكين، عنه، عن أبي سهيل بن مالك، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
ورواه داود بن المحبر، عن عباد عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وأبي سعيد ببعض معناه (١)، ورواه حماد، عن رجل غير مسمى، عن أبي صالح، عن جابر، وعن ابن عباس (يرويان) (٢) مسندًا عن التوراة: "ابن آدم (اتق ربك) (٣) بر أبويك وبر والدتك وصل رحمك أمد لك في عمرك" الحديث (٤).
وعن ابن عباس بسند عباسي مرفوعًا: "إن صلة الرحم تزيد في العمر" (٥).
стр. 17013
وروى أبو علي محمد بن محمد بن الأشعث (١) في "سننه" من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عن علي بن حسين، عن أبيه، عن علي ﵁ مرفوعًا: "الصدقة بعشر، والصلة بثمانية عشر، وصلة الاخوان بعشرين، وصلة الرحم بأربعة وعشرين".
قال أبو موسى: وفي الباب عن ابن عمر ومعاوية بن حيدة وأبي أمامة وأم سلمة. وفي حديث زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه رفعه: "من بر والديه طوبى له زاد الله في عمره" (٢).
ومن حديث ثوبان مرفوعًا: "لا يزيد في العمر إلا بر الوالدين، ولا يزيد في الرزق إلا صلة الرحم" حديث غريب، والمشهور ما رواه أبو نعيم بإسناده إلى ثوبان مرفوعًا: "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بذنب يصيبه".
رواه غير واحد عن سفيان (٣) كذا رواه بعضهم عن أبي نعيم عن سفيان إلى ثوبان (٤)، ويروى عن سالم بن أبي الجعد وراشد بن سعد، عن
стр. 17014
ثوبان (١)، ذكر الزيادة في العمر من حديث محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي، عن رسول الله ﷺ أنه قال، وسأله عن قوله: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قال: "هي الصدقة على وجهها وبر الوالدين واصطناع المعروف وصلة الرحم تحول الشقاء سعادة، وتزيد في العمر، وتقي مصارع السوء، يا علي ومن كانت فيه خصلة واحدة من هذِه الأشياء أعطاه الله هذِه الثلاث خصال" (٢).
وروي عن عمر وابن عباس نحوه من قولهما (٣). ورواه الكلبي، عن أبي صالح، عن جابر بن رئاب وابن عباس مرفوعًا (٤)، ومن حديث عكرمة بن إبراهيم عن زائدة بن أبي الزناد، ثنا موسى بن الصباح، عن عبد الله بن عمرو يرفعه: "إن الإنسان ليصل رحمه وما بقي من عمره إلا ثلاثة أيام فيزيد
стр. 17015
الله في عمره ثلاثين سنة، وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فينقص الله عمره حتى لا يبقى فيه إلا ثلاثة أيام" قال أبو موسى: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.
وعن علي مرفوعًا: "من ضمن لي واحدة أضمن له أربعًا: يصل رحمه يحبه أهله، ويوسع له في رزقه، ويزاد في عمره، ويدخله الله الجنة" حديث حسن من رواية أهل البيت، (١) وروي عنه بلفظ: "من سره أن يبسط له في رزقه ويمد له في عمره فليصل رحمه" رواه غير واحد عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ (٢)، ورواه أبو إسحاق
стр. 17016
السبيعي [عن حبيب] (١) عن عاصم (٢)، وقيل: عن أبي إسحاق عن عاصم نفسه (٣).
وفي حديث الفرج بن فضالة، ثنا هلال بن جبلة عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في صفة بالمدينة فقال: "إنى رأيت البارحة عجبًا رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه رد ملك الموت عنه"، وذكر حديثًا طويلًا (٤)، حديث حسن جدًا (ورواه عن
стр. 17017
سعيد أيضًا عمر بن ذر) (١) وعلي بن زيد بن جدعان (٢).
قلت: ورواه أبو زكريا (٣) في "تاريخ الموصل" من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب مختصرًا.
ورواه الترمذي في "نوادره" من حديث عبد الرحمن بن عبد الله، عن ابن المسيب (٤).
стр. 17018
ورواه أبو نعيم في تاريخ بلده من حديث يحيى بن سعيد عنه بنحوه (١).
قال أبو القاسم الجُوزي: ويعارضه حديث ابن مسعود وحذيفة بن أَسِيد "ثم يؤمر بأربع" منها "أجله" "فلا يزاد عليها ولا ينقص" (٢).
والجمع بينهما أن الله إذا أراد أن يخلق (النسمة) (٣) (قال) (٤): فإن كان منها الدعاء رد عنها كذا وكذا وإلا نزل بها كذا وكذا، وكذلك أجلها إن برت والديها فكذا وإلا فكذا، ويكون ذلك مما يثبت في الصحيفة التي لا يزاد على ما فيها ولا ينقص، ومثل ذلك ما في الحديث: "لا يرد القضاء إلا الدعاء" (٥).
وقال أبو الليث السمرقندي في "تنبيهه": اختلفوا في زيادة العمر، فقالوا: هو أن يكتب ثوابه بعد موته فكأنه زيد في عمره، وقال غيره: هو أن يرزق السهر من غير أرق فيعمل بطاعة الله فيها، وقيل: إنه في علم الله كذا إن فعل كذا، وفي اللوح المحفوظ كذا وكذا فإن فعل ما في علم الله زيادة على ما في اللوح وإلا فلا.
وقيل: هو أن يترك ولدًا صالحًا أو علمًا ينتفع به، وهذا رويناه في "معجم الطبراني" من حديث مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي
стр. 17019
مشجعة بن ربعي الجهني، عن أبي الدرداء مرفوعًا: "إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها (وإنما) (١) زيادة العمر ذرية صالحة يرزقها العبد يدعون له بعد موته فيلحقه دعاؤهم في قبره" (٢).
ورواه ابن منده في "الأحوال والأمن من الأهوال" بإسناده من حديث جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا قال ﵇: "فذلك زيادة العمر".
وقال ابن الجوزي: المراد: الزيادة في العمر من سعة الرزق وصحة البدن، فإن الغنى يسمى حياة والفقر موتًا.
وقيل: هو أن يكتب أجله مائة سنة، ويجعل تزكيته بعمر ثمانين فإذا وصل رحمه زاده الله في تزكيته فعاش عشرين سنة أخرى. وقيل: هو أن يبارك في أجله بتوفيق صاحبه لفعل الخير وبلوغ الأغراض فينال في قصر عمره ما لا يناله غيره في طويله.
وقال ابن فورك: معناه نفي الآفات والزيادة في الفهم والعقل (٣).
يَا رَبِّ. قَالَ: فَهْو لَكِ". قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ " الآية.
ثانيها:
حديث أبي هريرة أيضًا ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللهُ : مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ".
ثالثها:
حديث عائشة ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "قَالَ الله: الرَّحِمُ شِجْنَةٌ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ".
قال الطبري: معنى وصل الله عبده إذا وصل رحمه بعطفه عليه بفضله، إما في عاجل دنياه أو آجل آخرته، والعرب تقول إذا تفضل رجل على آخر بمال أو وهبه: وصل فلان فلانًا بكذا. وتسمي العطية صلة، فتقول: وصلت إلى فلان صلة فلان. وكذلك قوله تعالى في الرحم: "من وصلها". يعني: وصلته بفضلي ونعمي.
وصلة العبد (رحمه) (١) فبعطفه على ذوي أرحامه من قبل أبيه وأمه بتواصل فضله.
فإن قلت: أفما يكون المرء واصلًا رحمه إلا بتعطفه عليهم بفضل ماله، قيل: البر (بالأرحام) (٢) مراتب ومنازل، وليس (ممن) (٣) يبلغ أعلى تلك المراتب يستحق اسم قاطع كما من لم يبلغ أعلى منازل الفضل يستحق اسم الذم، فواصل رحمه بماله يستحق اسم واصل،
стр. 17022
وواصلها بمعونته ونصرته يستحق اسم واصل، وقد بين ذلك قوله ﵇: "بلو أرحامكم ولو بالسلام" (١). فأعلم أمته أن المتعاهد لرحمه ولو بالسلام خارج من معنى القاطع وداخل في معنى الواصل، (فواصلها) (٢) بما هو أعلى وأكثر أحق أن يكون خارجًا من معنى القاطع.
فصل:
والشجنة: أصلها بالكسر والضم، شعبة من غصون الشجر. ومعناه: قرابته مشبكة بعضها ببعض، قاله أبو عبيد (٣). وقال غيره: يقال هذا شجر متشجن إذا التف بعضه ببعض، ومنه الحديث المتقدم ذو شجون، أي: يدخل بعضه في بعض.
وقال الطبري: [الشجنة] (٤) الفعلة من قولهم: شجن فلان على فلان إذا حزن عليه فشجن عليه شجنًا، والمعنى: أن الرحم حزينة مستعيذة بالله تعالى من القطيعة (٥).
وقال ابن التين: "شجنة من الرحمن" (مشتقة) (٦) منه بمعنى أنها قرابة (من الله) (٧)، مشتبكة كاشتباك العروق، بالضم وبه قرأناه،
стр. 17023
وبالكسر وأصله: الغصن من أغصان الشجر يقال فيه.
قال ابن العربي في "سراجه": وأما قول أبي عبيد: الشجن قرابة مشتبكة، فغير صحيح؛ لأنه لا قرابة بين الله والعبد، إنما الشجون في المحسوس هي الأغصان في الشجر والعروق في البدن، وفي العقول معاني الحديث الذي يتعلق بعضها ببعض، ففي المحسوس اتصال بعضها ببعض في حيز وتمامها في مكان، وفي العقول ارتباط بعضها ببعض، فارتباطها بالرحمن إنما هو بالدلالة والأمر بحفظها منه.
وقال ابن الجوزي: هذا الحديث لا يخلو معناه من أحد شيئين: إما أن يراد أن الله يرعى الرحم أو يراد أن الرحم بعض حروف الرحمن، فكأنه عظم قدرها بهذا الاسم.
стр. 17024
١٤ - باب يَبُلُّ الرَّحِمَ بِبَلَالِهَا
٥٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: «إِنَّ آلَ أَبِي -قَالَ عَمْرٌو: فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ بَيَاضٌ -لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ". زَادَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : «وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا». يَعْنِي: أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا. [مسلم: ٢١٥ - فتح: ١٠/ ٤١٩]
ذكر فيه حديث قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عمرو بن العَاصِ قَالَ: سمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: "إِنَّ آلَ أَبِي (فلان) (١) -قَالَ عَمْرٌو: فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ بَيَاضٌ يعني: الراوي عن شعبة- لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ". زَادَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عمرو: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : "ولكن لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا".
الشرح:
في مسلم "ألا إن [آل] (٢) أبي فلان" قيل: إن المكني عنه الحكم بن أبي العاص، والبلال: جمع بلل أطلقوا النداوة على الصلة كما أطلقوا اليبس على القطيعة؛ لأن بعض الأشياء تتصل وتختلط بالنداوة، ويقع بينهما التجافي والتفرق باليبس، فاستعاروا البلل لذلك، وقال القاضي: ببلالها بكسر الباء (٣). يقال: بللت رحمي بلًّا وبلالًا
стр. 17025
وبللاً، قال الأصمعي: أي وصلتها وبدأتها بالصلة، وإنما شبهت قطيعة الرحم بالحرارة تطفئ بالبرد وقال الخطابي: بلالها بالفتح كالملال. وقال الهروي: البلال جمع بلل (١)، كجمل وجمال.
وقال ابن بطال: أبلها بمعروفها، والبل هو الترطيب والتندية بالمعروف، وشبه صلة الرحم بالمعروف بالشيء اليابس يندى فيرطب، وذلك أن العرب تصف الرجل إذا وصفته باللؤم بجمود الكف، فتقول: ما يندى كفه بخير وإنه لحجر صلد يعني: أنه لا يرجي نائله ولا يطمع في معروفه كما لا يُرجى من الحجر الصلد ما يشرب، فإذا وصل الرجل رحمه بمعروفه، قالوا: بل رحمه بلا وبلالا. قال الأعشى:
وَوِصالِ رِحمٍ قَد نَضَحتَ بِلالَها
وإنما ذلك تشبيه من رسول الله ﷺ صلة الرجل رحمه بالنار يصب عليها الماء فَتُطْفَأ. قال المهلب: فقوله "لكن لهم رحم أبلها ببلالها"، هو الذي أمره الله في كتابه فقال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] فلما عصوه وعاندوه دعا عليهم فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" (٢) فلما مسهم الجوع أرسلوا إليه قالوا: يا محمد، إنك بعثت بصلة الرحم، وإن أهلك قد جاعوا، فادع الله لهم، فدعا لهم بعد أن كان دعا عليهم فوصل رحمه فيهم بالدعاء لهم، وذلك مما لا يقدح في دين الله، ألا ترى صنعه ﵇ فيهم إذ غلب عليهم يوم الفتح، كما أطلقهم من الرق الذي كان توجه إليهم فسموا بذلك الطلقاء، ولم ينتهك حريمهم ولا استباح أموالهم ومنَّ عليهم، وهذا كله من
стр. 17026
البلال (١).
وذكره ابن التين بلفظ: "أبلها ببلائها" قال: وكذا وقع و (بلالها) أجود وأصح، و (بلائها) لا أعرف له وجهًا.
قال الداودي: وجهه يحتمل ما نال منهم من الأذى، قال: وهذا لا يكون إلا في الكفار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال ابن التين: هذا الذي ذكره الداودي غير ظاهر؛ لأن البلاء ممدود ولا يقال في ذلك أنه ﵇ قال: لهم رحم أبلها بالأذى وإنما هو بلالها، وقد تفتح الباء -كما قرأناه- وكذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها بالكسر، وكذا ضبطه الجوهري قال: انضحوا الرحم ببلالها، أي: صلوها بصلتها ونَدُّوها، ويقال: لا تبُلُّل عندي بَلَالِ، مثل قَطَامِ (٢). يريد أنه مبني على الكسر.
قال الخطابي: وقد يتأول ذلك على الشفاعة من رسول الله ﷺ في القيامة (٣) [، وقال الداودي: أتى إليهم من الخير ما ينبغي أن يفعل في الرحم.
فصل:
قال المهلب: قوله: "إِنَّ آلَ أَبِي لَيْسُوا بِأَوْليَاء -يعني بأوليائي-، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ"، فأوجب الولاية بالدين ونفاها عن أهل رحمه، إذ لم يكونوا من أهل دينه، فدل بذلك أن النسب محتاج إلى الولاية التي بها تقع الموارثة بين المتناسبين والأقارب، فإن لم
стр. 17027
يكن (دين) (١) يجمعهم لم تكن ولاية ولا موارثة، ودل هذا أن الرحم التي تضمن الله تعالى أن يصل من وصلها ويقطع من قطعها، إنما ذلك إذا كان في الله وفيما شرع، وأما من قطعها في الله وفيما شرع فقد وصل الله والشريعة، فاستحق صلة الله بقطعه من قطع الله، قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ على الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فكيف بمن لم يؤمن؟! (٢)
فصل:
وقوله: (وقال عمرو: في كتاب محمد بن جعفر بياض)، إنما نبه عليه؛ ليعرف أنه ترك الاسم، وقد عرفه وسكت عنه؛ لئلا يؤذي به المسلم من أبنائهم كما روي أن عمر كان إذا لقي عكرمة بن أبي جهل سب أباه، فقال له ﵇: "لا تسب الميت تؤذِ به الحيَّ" قاله الداودي.
(وقال عبد الحق في "جمعه": الصحيح في ضبط هذا الحرف بياض برفع الضاد وأراد أن في كتاب محمد بن جعفر موضعًا أبيض لم يكتب ولا يعرف أيضًا في قريش في ذلك الوقت ولا غيرهم بنو بياض إلابني بياضة في الأنصار.
وقوله ﵇: ("لكن لَهُمْ رَحِمٌ") دليل على أنهم كانوا من بني عبد مناف أو من غيرهم من قريش) (٣).
وقوله: ("آلَ أَبِي") لعله يريد أكثرهم، قال الخطابي: والولاية التي
стр. 17028
نفاها ولاية القرب والاختصاص لا الدين (١). وقوله هذا يخالف ما ذكره الداودي؛ لأن الأذى لأبناء المسلمين (لا يكون) (٢) لانتفاء القرابة، وقول الداودي أقوى وأولى، كما نبه عليه ابن التين.
("وصالح المؤمنين") قال قتادة: أبو بكر. وقال الثوري: الأنبياء. وقال عكرمة وسعيد بن جبير: أبو بكر وعمر. وقال مجاهد: هو علي ﵁.
стр. 17029
١٥ - باب لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِيِ
٥٩٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو وَفِطْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -قَالَ سُفْيَانُ: لَمْ يَرْفَعْهُ الأَعْمَشُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَرَفَعَهُ حَسَنٌ وَفِطْرٌ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا». [فتح: ١٠/ ٤٢٣]
ذكر فيه من حديث سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو وَفِطْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -وقَالَ سُفْيَانُ: لَمْ يَرْفَعْهُ الأَعْمَشُ إِلَى رسول الله ﷺ ، وَرَفَعَهُ الحسنُ وفِطْرُ- عَنِ النَّبِي ﷺ "لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، ولكن الوَاصِلُ الذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا".
يريد: ليس الواصل رحمه من وصلهم مكافأة لهم على صلة تقدمت منهم إليه فكافأهم عليها بصلة مثلها، وقد روي هذا المعنى عن عمر ﵁، روى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع عكرمة يحدث، عن ابن عباس ﵄، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: ليس الوصل أن تصل من وصلك، ذلك القصاص، ولكن الوصل أن تصل من قطعك (١)، وهذا حقيقة الوصل الذي وعد الله عباده عليه جزيل الأجر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١] الآيات.
стр. 17030
١٦ - باب مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ
٥٩٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ قَالَ حَكِيمٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ». وَيُقَالُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الْيَمَانِ: أَتَحَنَّتُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ وَصَالِحٌ وَابْنُ الْمُسَافِرِ: أَتَحَنَّثُ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: التَّحَنُّثُ: التَّبَرُّرُ، وَتَابَعَهُمْ هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ. [انظر: ١٤٣٦ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ١٠/ ٤٢٤]
ذكر فيه حديث حكيم بن حزام: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فقَالَ: "أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لك مِنْ خَيْرٍ". وَيُقَالُ أَيْضًا عَنْ أَبِي اليَمَانِ: أتحنت. وَقَالَ مَعْمَرٌ وَصَالِحٌ وَابْنُ المُسَافِرِ: أَتَحَنَّثُ. وَقَالَ ابن إِسْحَاقَ: التَّحَنُّثُ: التَّبَرُّرُ. تَابَعَهُمْ هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ.
هذا الحديث سلف في الزكاة، وفيه: تفضل الله على من أسلم من أهل الكتاب، وأنه يعطي (الكافر) (١) ثواب ما عمله في الجاهلية من أعمال البر، وهو مثل قوله: "إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان زلفها" (٢) فهذا -والله أعلم- ببركة الإسلام وفضله.
وقوله: (كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا)، هو بالمثلثة، أي: أتعبد وأتبرر، كقول ابن إسحاق في الأصل، وأما (أتحنت) بالمثناة فوق، فلا أعلم له وجهًا.
стр. 17031
قال بعض العلماء: لا يمتنع أن يجازي من أسلم على ما فعل من الخير في حال كفره، وقد روي عنه ﵇، فذكر الحديث السالف.
وقوله: (مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ) قال الداودي: فيه أن من أعتق كافرًا ثم أسلم يكون له ولاؤه، وهذا لا يؤخذ من هذا الحديث.
قال: وفيه جواز عتق الكافر، وهذا نحو الأول، إلا أن الغالب أن المعتِق كافر.
стр. 17032
١٧ - باب مَنْ تَرَكَ صَبِيَّةَ غَيْرِهِ حَتَّى تَلْعَبَ بِهِ، أَو قَبَّلَهَا أَو مَازَحَهَا
٥٩٩٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سَنَهْ سَنَهْ». قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَهْيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعْهَا». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي». قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ. يَعْنِي مِنْ بَقَائِهَا. [انظر: ٣٠٧١ - فتح: ١٠/ ٤٢٥]
ذكر فيه حديث أم خالد: "سَنَهْ سَنَهْ". وقد سلف، وفي آخره "أبلي وأخلقي" ثلاثًا، قال عبد الله: فبقيت حتى ذكر.
وسلف أن "أخلقي" بالقاف والفاء، لأبي ذر والمروزي بالفاء، ولغيرهما بالقاف، من إخلاق الثوب، ومعناه: أن تلبسيه خلقة بعد بلاه، يقال: خلف الله لك خلفًا بخير، وأخلف عليك خيرًا، أي: أبدلك بما ذهب منك، وعوضه عنه.
وقيل: إذا ذهب للرجل ما يخلفه كالمال والولد أخلف الله لك وعليك، وإذا ذهب ما لا يخلفه كالأب والأم، قيل: (خلف) (١) الله عليك.
وقوله: (حتى ذكر) وفي نسخة: (دكن) وهو لأبي الهيثم -أعني: بالنون- وهو الذي رجح أبو ذر، ولأكثر الرواة: (حتى ذكر) بالراء، زاد في رواية ابن السكن: (ذكر دهرًا)، ومعنى دكن: اسود لونه، والدكنة غبرة كدرة، والأشبه بالصحة رواية ابن السكن، قصد ذكر
стр. 17033
طول المدة، ونسي تحريرها، فعبر أنه ذكر دهرًا، ودكن يدكن دكنًا فهو أدكن بيّن الدكنة. وقال ابن التين: قوله: (فبقيت حتى ذكر) يقول إلى زمن طويل، فيحتمل أي: إلى ذكره؛ لأن (حتى) بمعنى (إلى أن) (فتعارض) (١) أن، وذكر مصدرًا، ثم ذكر رواية (دكن).
وفيه من الفقه: جواز مباشرة الرجل الصغيرة التي لا يشتهى مثلها وممازحتها، وإن لم تكن منه بذات محرم؛ لأن لعب (أم) (٢) خالد وهي صبية -بمكان خاتم النبوة من جسده الكريم ﷺ مباشرة منها له، ومباشرتها له كمباشرته لها، وتقبيله إياها.
ولو كان ذلك حرامًا لنهاها كما نهى الحسن بن علي وهو صغير عن أكل التمرة الساقطة خشية الصدقة (٣)، وقد اختلف أصحاب مالك في هذا الأصل في الصبية الصغيرة تموت هل يغسلها الرجل غير ذي المحرم منها؟ فقال أشهب: لا بأس أن يغسلها إذا لم تكن ممن تشتهى لصغرها، وهو قول عيسى بن دينار، وقال ابن القاسم: لا يغسلها بحال، وقول أشهب وعيسى يشهد له هذا الحديث (٤).
فصل:
قولها: (فزبرني أبي) أي: انتهرني، وقوله: ("ثم أبلي وأخلقي").
قال الداودي: فيه أن ثم تأتي للمقاربة والتراخي، وأباه بعض النحويين وقالوا: لا تأتي إلا للتراخي، وليس في الحديث أنها للمقاربة؛ لأنه قال: "أبلي" هذا القميص الأصفر، "وأخلقي ثم أبلي". الإبلاء بعد
стр. 17034
مدة من الخلق. قال ابن التين: وما علمت أن أحدًا من النحويين قال (ثم) للمقاربة، إنما قالوا: هي للترتيب بالمهلة.
قال: وأخلقي ثلاثيٌّ، تقول: خلق الثوب إذا بلي ورقعته، فمعناه يرقع ثلاث مرات هكذا اللغة، وقرئ أَخلفي بفتح الهمزة من أخلف الله عليك أي: رد مثله إذا بلي، وقد سلف.
فصل:
بوب عليه البخاري (القبلة)، وليس فيه ذلك إلا أن يكون أخذه من القياس، فإنه لما لم ينهها عن مس جسده صار كالتقبيل.
٥٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟!». [مسلم: ٢٣١٧ - فتح: ١٠/ ٤٢٦]
٥٩٩٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْي أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟». قُلْنَا: لَا وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ: «اللهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا». [مسلم: ٢٧٥٤ - فتح: ١٠/ ٤٢٦].
وقال ثابت عن أنس: أخذ النبي ﷺ إبراهيم فقبله وشمَّهُ. وهذا سلف عنده مسندًا (١).
ثم ذكر في الباب أحاديث:
أحدها:
حديث مهدي -وهو ابن ميمون- ثَنَا ابن أَبِي يَعْقُوبَ- وهو محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبي البصري، من أفراد البخاري، عَنِ ابن أَبِي نُعْمٍ -وهو عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي الكوفي أبو الحكم، (قال: أبو نعيم) (٢) كان ابن أبي نعم يمكث خمسة عشر يومًا لا يأكل، روى له الجماعة- قَالَ: كُنْتُ شَاهِدًا لاِبْنِ عُمَرَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ دَمِ البَعُوضِ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ. قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هذا، يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ البَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابن النَّبِيِّ ﷺ ! وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا".
стр. 17037
كذا هو "ريحانتاي" وهو الصواب، وذكره ابن التين بلفظ: ريحاني، (قال ابن بطال) (١): ريحانتاي (٢).
والمعنى: أنه من رزق الله تعالى، وفي الحديث: الولد من ريحان الله (٣)، والريحان الرزق معروف.
الثاني:
حديث عائشة ﵂: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ ومَعَهَا ابنتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابنتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: "مَنْ بُلِيَ مِنْ هذِه البَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ".
يريد أن أجر القيام عليهن أعظم من أجر القيام على البنين، إذ لم يذكر مثل ذلك في حقهم، وذلك -والله أعلم- لأجل أن مؤنة البنات والاهتمام بأمورهن أعظم من أمور البنين؛ لأنهن عورات لا يباشرن أمورهن، ولا يتصرفن تصرف البنين.
وقوله: ("من بُلي") (٤) هو بالباء المضمومة، كذا نحفظه، وذكره ابن بطال بالمثناة تحت، وكتبه في الحاشية بالموحدة (٥).
стр. 17038
الحديث الثالث:
حديث أبي قتادة في قصة أمامة وقد سلفت، وفيه: حملها على العاتق حتى في الصلاة، وقد سلف أنها كانت فرضًا.
الحديث الرابع:
حديث أبي هريرة ﵁: قَبَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جالس، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ".
الخامس:
حديث عائشة ﵂: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أتُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟! فَمَا نُقَبِّلُهُمْ. فَقَالَ ﷺ : "أَوَ أَمْلِكُ أَنْ (كان الله) (١) نَزَعَ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟! ".
السادس:
حديث عمر ﵁: قُدِمَ على رسول الله ﷺ بسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلَّبَ ثَدْيهَا تَسْقِي، إِذَ وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْي أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا فَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : "أَتَرَوْنَ هذِه طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ ". قُلْنَا: [لا] (٢) وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ: "لله أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هذِه بِوَلَدِهَا".
وقوله: (تَحْلَّبَ)، هو بفتح أوله، واللام مشددة أي تَيسَّرَ للحلاب، ولا شك أن رحمة الصغير ومعانقته وتقبيله والرفق به من الأعمال التي
стр. 17039
يرضاها الله ويجازي عليها، ألا ترى قوله للأقرع بن حابس حين ذكر ما ذكر: "من لا يرحم لا يرحم"، فدل على أن تقبيل الولد الصغير وحمله والتحفي به مما يستحق به رحمة الله، ألا ترى حمله ﵇ أُمامة على عاتقه في الصلاة، وهي أفضل الأعمال عند الله، وقد أمر ﵇ بلزوم الخشوع فيها والإقبال عليها، ولم يكن حمله لها في الصلاة مما يضاد الخشوع المأمور به فيها، وكره أن يشق عليها لو تركها ولم يحملها في الصلاة، وفي فعله ذلك أعظم الأسوة لنا، فينبغي الاقتداء به في رحمة صغار الولد وكبارهم، والرفق بهم، ويجوز تقبيل الولد الصغير في سائر جسده.
وروى جرير عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس أن النبي ﷺ أتي بالحسن بن علي ففرج بين فخذيه وقبل زُبَيْبَتَهُ (١). وأما تقبيل كبار الولد وسائر الأهل فقد رخص في ذلك العلماء.
قال أشهب: سُئل مالك عن الذي يقدم من سفره فتلقاه ابنته تقبله أو أخته أو أهل بيته، قال: لا بأس بذلك وهذا على وجه الرقة، وليس على وجه اللذة وقد كان ﵇ يقبل ولده وبخاصة فاطمة، وكان الصديق يقبل عائشة، وقد فعل ذلك أكثر الصحابة، وذلك على وجه الرحمة (٢).
стр. 17040
وفي حديث ابن عمر من الفقه أنه يجب على المرء أن يقدم (تعليم) (١) ما هو أوكد عليه من أمر دينه، وأن (يبدأ) (٢) بالاستغفار والتوبة من أعظم ذنوبه، وإن كانت التوبة من جميعها فرضًا عليه، فهي من الأعظم أوكد، ألا ترى ابن عمر أنكر على السائل سؤاله عن حكم دم البعوض، وتركه الاستغفار والتوبة من دم الحسين، وقرعه به دون سائر ذنوبه لمكانته من رسول الله ﷺ (٣).
стр. 17041
١٩ - باب جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ
٦٠٠٠ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ». [٦٤٦٩ - مسلم: ٢٧٥٢ - فتح: ١٠/ ٤٣١]
ذكر فيه حديث (الزهري عن سعيد، عن) (١) أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: "جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ في مِائَةِ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ".
هذا الحديث ذكره أيضًا في باب الرجاء والخوف من كتاب الزهد، بلفظ: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة".
قال المهلب: وهذِه الرحمة التي خلقها لعباده وجعلها في نفوسهم، والتي أمسك عند نفسه هي ما يتراحمون به يوم القيامة، (ويتغافرون) (٢) من التباعات التي كانت بينهم في الدنيا، وقد يجوز أن يستعمل تلك الرحمة المخلوقة فيهم فيرحمهم بها سوى رحمته التي وسعت كل شيء، التي لا يجوز أن تكون مخلوقة وهي صفة من صفات ذاته لم يزل موصوفًا بها، فهي التي يرحمهم بها زائدًا على الرحمة التي خلقها لهم، وقد يجوز أن تكون الرحمة التي أمسكها عند نفسه هي
стр. 17042
التي عند ملائكته المستغفرين لمن في الأرض؛ لأن استغفارهم لهم دليل على أن في نفوس الملائكة رحمة على أهل الأرض (١).
فصل:
الفرس يذكر ويؤنث، وهي هنا مؤنثة.
стр. 17043
٢٠ - باب قَتْلِ الْوَلَدِ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ
٦٠٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ». قال: ثم أيّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ». قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». وَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. [انظر: ٤٤٧٧ - مسلم: ٨٦ - فتح: ١٠/ ٤٣٣].
ذكر فيه حديث عبد الله: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهْو خَلَقَكَ". قال: ثم أيّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ .. ". الحديث.
إنما جعل قتل الولد خشية الأكل معه أعظم الذنوب بعد الشرك؛ لأن ذلك يجمع القتل وقطع الرحم ونهاية البخل، وذكره هنا عقب باب رحمة الولد وتقبيله؛ ليعلم أن قتله خشية الأكل معه من أعظم الذنوب بعد الشرك به، فإذا كان كذلك فرحمته وصلته والإحسان إليه من أعظم أعمال البر بعد الإيمان بالله.
وقوله: ("أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ") أي: زوجته، سميت حليلة والزوج حليلاً؛ لأن كل واحد منهما يحل عند صاحبه. وقيل: لأن كل واحد يحل (بإزاء) (١) صاحبه.
стр. 17044
٢١ - باب وَضْعِ الصَّبِيِّ فِي الحِجْرِ
٦٠٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ صَبِيًّا فِي حِجْرِهِ يُحَنِّكُهُ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ. [انظر: ٢٢٢ - مسلم: ٢٨٦ - فتح: ١٠/ ٤٣٣]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂ أنه ﷺ وضَعَ صَبِيًّا فِي حِجْرِهِ يُحَنِّكُهُ (١)، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ.
وقد سلف، والحجر بفتح الحاء وكسرها لغتان.
وقولها: (يُحَنِّكُهُ) يقال: حَنَكْتُ الصبي وحنَّكْتُه إذا مضغت تمرًا أو غيره ثم دلكته بحنكه، والصبي مَحْنُوك ومُحَنَّك، وكان المسلمون إذا ولد لهم ولد يأتون به رسول الله ﷺ فيحنكه (٢) بريقه ويدعو له يُتبرك بريقه وبدعائه، وكان يأخذ الصبي ويضعه في حجره ولا يتقزز منه خشية ما يكون منه من الحدث، ألا ترى أنه بال في ثوبه فأتبعه بالماء ولم يضجر من ذلك، فينبغي الاقتداء به في ذلك وأن يتوخى المؤمنون بأولادهم أهل الفضل والصلاح فيحملوهم إليهم ليدعوا لهم تأسيًا بالشارع في ذلك.
وحكى ابن التين في بول الصغير ثلاثة أقوال، قال: ومشهور مذهب مالك أنه نجس. وقيل: طاهر. وقيل: بول الصبي طاهر وبول الصبية نجس، وهذا إذا لم يأكلا الطعام، قال: ولم يختلف في أرواثهما أنها نجسة (٣).
стр. 17045
٢٢ - باب وَضْعِ الصَّبِيِّ عَلَى الفَخِذِ
٦٠٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ يُحَدِّثُهُ أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا».
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ. قَالَ التَّيْمِيُّ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ، قُلْتُ: حَدَّثْتُ بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي عُثْمَانَ، فَنَظَرْتُ فَوَجَدْتُهُ عِنْدِي مَكْتُوبًا فِيمَا سَمِعْتُ.
[انظر: ٣٧٣٥ - فتح: ١٠/ ٤٣٤]
حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عَارِمٌ، ثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، يُحَدِّثُهُ أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ اليسرى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا".
وَعَنْ عَلِيٍّ، ثَنَا يَحْيَى، ثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ التَّيْمِيُّ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ، قُلْتُ: حَدَّثْتُ بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي عُثْمَانَ، فَنَظَرْتُ فَوَجَدْتُهُ عِنْدِي مَكْتُوبًا فِيمَا سَمِعْتُ.
الشرح:
(عَارِمٌ) هو أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري، وعارم لقب وكان بعيدًا من العرامة وهي الشدة والشراسة، مات في صفر سنة أربع أو ثلاث وعشرين ومائتين، روى عنه البخاري وروى هو ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجلٍ عنه، قيل: إنه تغير بآخره.
стр. 17046
و (أبو تميمة) من أفراد البخاري واسمه طريف بن مجالد الهجيمي هجيم بن عمرو بن تميم مولاهم، وهو من بني سَلِّي بن رفاعة بن عذرة بن عدي بن بيهس بن طرود بن قدامة بن جرم بن ربان بن حلون بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
قال ابن طاهر: باعه عمه لبني (١) الهجيم، فأغلظت له مولاته فقال لها: ويحك، إني رجل من العرب. فلما جاء زوجها قالت: ألا ترى ما يقول طريف فسأله، فأخبره، فقال له: خذ هذِه الناقة فاركبها، وخذ هذِه النفقة فالحق بقومك، فقال: لا والله لا ألحق بقوم باعوني أبدًا. فكان ولاؤه لبني الهجيم حتى مات سنة خمس وتسعين قاله عمرو بن علي، وقال الواقدي: مات طريف سنة ست وتسعين (٢).
وفي الرواة أبو تميمة آخر واسمه كيسان، سمع ابن عمر، وعنه ابنه أيوب السختياني، قاله مسلم في "كناه" وأبو قلابة عبد الله بن زيد بن عمرو بن ناتل بن مالك بن سلي. روى لطريف الجماعة إلا مسلم.
فصل:
(الْفَخِذِ) بفتح الفاء وكسر الخاء وسكونها وكسرهما (٣).
وقوله: (وَيُقْعِدُ الحَسَنَ بن علي عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرى) ظاهره أن ذلك في وقتٍ واحدٍ. وقال الداودي: لا أراه في وقتٍ واحدٍ كان أسامة أكبر من الحسن بمدة طويلة؛ لأنه ﵇ أخرج أسامة إلى الحرقات، وأخرجه إلى منى، وأخرجه في الجيش الذي توفي رسول الله ﷺ قبل خروجه،
стр. 17047
والحسن كان عند وفاة رسول الله ﷺ ابن ست سنين. وقال غيره: إنه ولد سنة ثلاث في رمضان، فيكون عمره عند وفاته ثماني سنين، فإن وفاته ﵇ سنة إحدى عشرة، وفي سنة ثلاث علقت فاطمة بالحسين ﵄ ولم يكن بينهما إلا طهر واحد يقال: خمسين ليلة.
فصل:
ووضع الصبي على الفخذ من باب رحمة الولد، وقد سلف أنه ﵇ كان يحمل أمامة حفيدته على عاتقه في الصلاة، وهو أكبر من إجلاسه للحسن وأسامة على فخذه في غير الصلاة.
وفيه: مساواة الرجل لابنه ولمن تبناه في الرفق والرحمة والبركة.
стр. 17048
٢٣ - باب حُسْنُ العَهْدِ مِنَ الإِيمَانِ
٦٠٠٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ -وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ- لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا. [انظر: ٣٨١٦ - مسلم: ٢٤٣٤، ٢٤٣٥ - فتح: ١٠/ ٤٣٥].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂: قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ ﵂ -وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ- لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا.
قولها: (ما غرت) إلى آخره. فيه إثبات الغيرة، وهو أمر لا تملكه.
وقولها: (وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ) الذي ذكره غيره أنها توفيت قبل الهجرة بهذا المقدار ثم تزوج عائشة بمكة بنت ست أو سبع وأدخلت عليه بعد مقدمه المدينة بثمانية أشهر بنت تسع (١).
وقال الداودي: توفيت خديجة على ما في الحديث قبل الهجرة بأربع سنين وأشهر؛ لأنه ﵇ تزوج عائشة وبنى بها في السنة الثانية من الهجرة، ولا يخالف في ذلك؛ لأن معنى قولها: (تزوجني): دخل عليَّ، وإلا فتكون خديجة ماتت قبل الهجرة بخمس سنين (٢).
стр. 17049
فصل:
(حُسْنُ العَهْدِ) في هذا الحديث هو إهداء النبي ﷺ اللحم لإخوان خديجة ومعارفها رعيًا منه لذمامها، وحفظًا لعهدها، كذلك قال أبو عبيد: العهد في الحديث الحفاظ ورعاية الحرمة و (الحق) (١)(٢)، فجعل ذلك البخاري من الإيمان؛ لأنه فعل بر وجميع أفعال البر من الإيمان.
فصل:
(القَصَب): قصب اللؤلؤ، وهو ما استطال منه في تجويف وكل مجوف قصب، قاله ابن بطال (٣).
وقال الهروي: قال أهل العلم واللغة القصب هنا: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف (٤).
وعبارة الجوهري: القصب: بيت من جوهر، وذكر الحديث (٥). وقيل: من لؤلؤة مجوفة، وبيت الرجل قصره وداره. وقيل: هو قصب اللؤلؤ. وقيل: ما استطال منه في تجويف. وقيل: إن خديجة لما بشرها بذلك قالت: ما بيت من قصب؟ قال: "بيت من لؤلؤة مجبأة" وفسره ابن وهب قال: يريد مجوفة.
وقال الخطابي: ولا يستقيم إلا أن يكون من المقلوب فتكون مجوبة من الجوب وهو القطع، قدم الباء علي الواو كقوله: ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾
стр. 17050
[التوبة: ١٠٩] والأصل هائر، (وكقول الشاعر:
لاثٍ به الأشاء والعُبري) (١).
وإنما هو لائث (٢).
وجاء في رواية: "لا نصب فيه ولا وصب" (٣) أي: لا أذى فيه ولا عناء.
فصل:
وقولها: (ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا)، قال الجوهري: الخُلَّةُ (والخولة) (٤): الخليل، يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لأنه في الأصل مصدر وقولك: خليل بين الخلة والخلولة (٥)، وذكر الخطابي نحوه وزاد: ما كان من المصادر اسمًا يستوي فيه الرجال والنساء والآحاد والجماعة، يقال: رجل خلة وامرأة خلة وقوم خلة، كقولهم: ماء (غور)، ومياه (غور) (٦). فأراد بخلتها أخلالها.