٣٦ - باب تَعَاوُنِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا
٦٠٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. [انظر: ٤٨١ - مسلم: ٢٥٨٥ - فتح: ١٠/ ٤٤٩]
٦٠٢٧ - وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ». [انظر: ١٤٣٢ - مسلم: ٢٦٢٧ - فتح: ١٠/ ٤٥٠]
ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى ﵁، السالف: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا". ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَو طَالِبُ حَاجَةٍ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ".
(هذا الحديث سلف في الزكاة، وأخرجه مسلم أيضًا بلفظ: كان إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال .. إلى آخره وفي لفظ: ما أحب.
وفي أبي داود: "اشفعوا لتؤجروا أو ليقض الله على لسان نبيه ما شاء" (١). قال النووي في "أذكاره": وهذِه الرواية توضح معنى رواية "الصحيحين" (٢)) (٣)، ولا شك في ندبه تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا في أمور الدنيا والآخرة، وهذا الحديث يعضده، وذلك من
стр. 17082
مكارم الأخلاق، وقد صح أن "الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" (١)، فينبغي للمؤمنين استعمال أدب نبيهم والاقتداء بما وصف به أهل الإيمان بعضهم لبعض من الشفقة والنصيحة.
وتشبيكه بين أصابعه تأكيد لقوله، وتمثيل لهم كيف يكونون فيما خولهم من ذلك.
وفيه: أن العالم إذا أراد المبالغة في البيان أنه يمثل لمن يخاطب معنى أقواله بحركاته وسيكون لنا عودة إليه في باب الحب في الله قريبًا إن شاء الله تعالى.
стр. 17083
٣٧ - باب قَوْلِ اللهِ : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ إلى آخر الآية [النساء: ٨٥]
﴿كِفْلٌ﴾ [النساء: ٨٥]: نَصِيبٌ. قَالَ أبو موسى: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ [الحديد: ٢٨]: أَجْرَيْنِ بِالْحَبَشِيَّةِ.
٦٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ». [انظر: ١٤٣٢ - مسلم: ٢٦٢٧ - فتح: ١٠/ ٤٥١]
ذكر فيه حديث أبي موسى السالف في الباب قبله.
معنى قوله (بالحبشية) يعني: أن لغتهم في ذلك وافقت لغة العرب.
وقوله: (﴿كِفْلٌ﴾: نَصِيبٌ)، هو ما حكاه أهل اللغة، واشتقاقه من (الكساء) (١) الذي يحويه راكب البعير على سنامه إذا ارتدفه لئلا يسقط. فتأويله: يؤتكم نصيبين تحفظا بكم من هلكة المعاصي كما يحفظ الكفل الراكب. وقال ابن فارس: الكفل: الضعف (٢)، وقاله في "الصحاح" وزاد: ويقال: إنه النصيب (٣).
وفيه: الحض على الشفاعة للمؤمنين في حوائجهم، وأن الشافع مأجور وإن لم يشفع في حاجته.
стр. 17084
وقال أهل التأويل في قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ يعني: في الدنيا يكن له نصيب منها في الآخرة. وقال مجاهد وغيره: نزلت هذِه الآية في شفاعة الناس بعضهم لبعض (١)، وقد قيل في الآية: إن الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين، والسيئة الدعاء عليهم، وكانت اليهود تدعو عليهم. وقيل: هو في قول اليهود: السام عليكم. وقيل: المعنى: من يكن شفيعًا لصاحبه في الجهاد يكن له نصيب من الأجر، ومن يكن شفيعًا لآخر في باطل يكن له نصيب من الوزر. والكفل: الوزر والإثم، عن الحسن وقتادة. والقول الأول أشبه بالحديث وأولاها بتأويل الآية كما نبه عليه ابن بطال (٢).
(فائدة غريبة:
روى الحافظ المنذري في جزء "غفران الذنوب ما تقدم منها وما تأخر" حديث ابن عباس رفعه: "من سعى لأخيه المسلم في حاجة قضيت له أو لم تقض غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق" ثم قال: غريب، ورجال إسناده معروفون سوى أحمد بن بكار) (٣).
تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ». [٦٠٥٤، ٦١٣١ - مسلم: ٢٥٩١ - فتح ١٠/ ٤٥٢]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
حديث: عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا. وَقَالَ: "إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا".
ثانيها:
حديث عائشة ﵂ في السام.
وقد سلف قريبًا بزيادة بعد: "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ .. " إلى آخره: "فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ".
ثالثها:
حديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لأَحَدِنَا عِنْدَ المَعْتَبَةِ "مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ".
رابعها:
حديث عَائِشَةَ ﵂: "بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ". فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ له .. الحديث.
وفي آخره: "يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ".
وهذا الرجل هو مخرمة بن نوفل بن أهيب أخي وهب والد أمية (بنت) (١) وهب ابني عبد مناف أخي الحارث ابني زهرة بن كلاب والد المسور بن مخرمة، كان من المؤلفة.
стр. 17087
وشيخ البخاري فيه عمرو بن عيسى، وهو أبو عثمان الضبيعي البصري، من أفراده.
الشرح:
الفاحش ذو الفحش في كلامه وأفعاله، والمتفحش: الذي يتكلف ذلك ويتعمده. وقال الداودي: الفاحش: الذي من أخلاقه القول الفحش، وهو ما لا ينبغي من الكلام، والمتفحش هو الذي يستعمل الفحش فيضحك الناس، وهو نحوه، وقال جماعة من أهل اللغة: كل شيء جاوز حده، وأفحش في المنطق، أي: قال الفحش فهو فحاش ويفحش في كلامه، والعنف: ضد الرفق.
وقوله: ("وَالْفُحْشَ") لم يكن منها إلا الدعاء عليهم بما هم أهل لعنة وغضب الله وهم بدءوا بالسيئ فجازتهم.
وَالْفُحْش: مجاوزة القصد. ومنه قول الفقهاء: إذا فحش الدم على الثوب لم يعف عنه.
وعبارة الطبري: الفاحش: البذيء اللسان. وأصل الفحش عند العرب في كل شيء: خروج الشيء عن مقداره وحده حتى يستقبح، ولذلك يقال للرجل المفرط الطول الخارج عن حدِّ البائن المستحسن: فاحش الطول، يراد به قبيح الطول، غير أن أكثر ما استعمل ذلك في الإنسان -إذا وصف به غير موصول بشيء- في المنطق، فإذا قيل: فلان فاحش، ولم يوصل بشيء فالأغلب أن معناه أنه فاحش منطقه بذيء لسانه، ولذلك قيل للزنا: فاحشة؛ لقبحه وخروجه عما أباحه الله لخلقه. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [الأعراف: ٢٨] معناه: والذين إذا زنوا.
стр. 17088
قال ابن بطال: والفحش والبذاء مذموم كله، وليس من أخلاق المؤمنين، وقد روى مالك، عن يحيى بن سعيد: أن عيسى ﵇ لقي خنزيرًا في طريق، فقال له: انفذ بسلام، فقيل له: تقول هذا للخنزير؟ فقال عيسى ابن مريم: إني أخاف أن أعوّد لساني المنطق السوء (١).
فينبغي لمن ألهمه الله رشده أن يجتنبه ويعوّد لسانه طيب القول، ويقتدي في ذلك بالأنبياء، فهم الأسوة الحسنة.
فصل:
في حديث عائشة ﵂: أنه لا غيبة لفاسق معلن بفسقه وإن ذكر بقبيح أفعاله.
وفيه: جواز مصانعة الفاسق وإلانة القول له لمنفعة ترجى معه.
فصل:
قد أسلفنا أن هذا الرجل هو مخرمة بن نوفل، قد وجد ذلك بخط الدمياطي. وقال الداودي: يحتمل أن يريد بذلك عيينة بن حصن؛ لأنه الذي استأذن. وصرح به ابن بطال أنه عيينة الفزاري قال: وكان سيد قومه، وكان يقال له الأحمق المطاع، فرجا ﵇ بإقباله عليه أن يسلم قومه، كما رجا حين أقبل على المشرك وترك حديثه مع ابن أم مكتوم الأعمى فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ١ - ٢] وإنما أقبل ﵇ عليه بحديثه رجاء أن تسلم قبيلته بإسلامه (٢).
وستكون لنا عودة إليه في باب: المداراة والفرق بين المداراة والمداهنة إن شاء الله تعالى.
стр. 17089
فصل:
في الحديث: أن من دعى على رجل بالهلاك لم يلحق بما فيه حد وتعزير؛ لأن دعاءه غير مقبول؛ لأنه دعاء ظالم، فلم يجد الدعاء منه محلًّا، كما يجد الشتم عرض المشتوم إذا أضاف الأمر القبيح إليه. وقد استعدى بنو عجلان عمر على النجاشي الشاعر حين هجاهم، فقال لهم: أنشدوني ما قال فيكم؟ فأنشدوه قوله:
إِذَا اللهُ عَادى أهْلَ لُؤْمٍ ورقة … فَعَادى بَنِي العَجْلَانِ رَهْطَ ابن مقبل
فقال عمر: إن كان ظالمًا فلا يستجاب له، وإن كان [مظلومًا] (١) فسوف يستجاب (٢) له، وهذا على معنى قوله ﷺ : "يستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في" (٣).
فصل:
والمعتبة -كما قال الخطابي- مصدر عَتَبْت عليه أعتِب عَتْبًا (٤).
وقال الجوهري: وعتب عليه: وجد، يَعتُبُ ويَعتِبُ عتبًا ومعتبًا، قال: والتَّعَتُّب مثله، والاسم المعتبة والمعتَبة. قال الخليل: العتاب: مخاطبة الإدلال ومذاكرة الوجدة، تقول: عاتبته معاتبة.
قال الشاعر:
وَيَبقى الوُدُّ ما بَقِيَ العتاب (٥)
стр. 17090
فصل:
وقوله: (ترب جبينه). قال الخطابي: الدعاء بهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يخرَّ لوجهه فيصيب التراب جبينه.
والثاني: أن يكون دعاءً له بالطاعة ليُصلى فيترب جبينه، والأول أشبه؛ لأن الجبين نفسه لا يُصلى عليه.
قال أبو العباس: الجبينان: يكتنفان الجبهة من جنبيها، ومنه ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] (١). ويحتمل ما أبداه الداودي، وهو أن هذِه كلمة تقولها العرب جرت على ألسنتهم، وهي من التراب، أي: سقط جبينه للأرض، وربما قالوا: رغم أنفه. وهو متقارب وهو الاحتمال الأول.
فصل:
قوله: ("بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ" أو "بِئْسَ ابن العَشِيرَةِ"). كذا هنا وفي رواية مالك الجزم بالثاني (٢).
وفيه: أن من أظهر الجفاء وما لا يجب يجوز أن يقال ذلك في غيبته، ولا تكون غيبة إذا جاهر بذلك.
قال الخطابي: وهذا ما يجب عليه بيانه وتعريفه للناس بذلك نصيحة وشفقة عليهم، ولكن لما أعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يواجهه بمكروه لتقتدي به أمته في المداراة ليسلموا من الشر والغائلة (٣).
стр. 17091
ومعنى تطلق في وجهه: انشرح. قال الجوهري: ما تَطلقُ نفسي لهذا الأمر: ما تنشرح (١)، وهو معنى وجده طلق الوجه، أي: طليقه مسترسل منبسط غير عبوس.
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكْسُوكَ هَذِهِ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَلَبِسَهَا، فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَحْسَنَ هَذِهِ! فَاكْسُنِيهَا. فَقَالَ: «نَعَمْ». فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لَامَهُ أَصْحَابُهُ قَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ. فَقَالَ: رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَعَلِّي أُكَفَّنُ فِيهَا. [انظر: ١٢٧٧ - فتح ١٠/ ٤٥٦]
٦٠٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ العَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ». قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ الْقَتْلُ». [انظر: ٨٥ - مسلم: ١٥٧ - فتح ١٠/ ٤٥٦]
٦٠٣٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، سَمِعَ سَلاَّمَ بْنَ مِسْكِينٍ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ. وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلاَّ صَنَعْتَ؟. [انظر: ٢٧٦٨ - مسلم: ٢٣٠٩ - فتح ١٠/ ٤٥٦]
(السَّخَاءِ) ممدود: الجود، واختلف السلف فيه هل هو مكتسب أم لا؟
فقال ابن مسعود وغيره: هو غير مكتسب ولا يحمد عليها. وقال آخرون: هو مكتسب ولولا ذلك ما أمر الشرع به.
ثم قال: وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ رسول الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ. وهذا سلف متصلاً، ثم قال: وقَالَ أَبُو ذَرٍّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ لأخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هذا الوَادِي فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَجَعَ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وهذا سلف أيضًا.
ثم ساق ستة أحاديث مسندة:
أحدها:
حديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، الحديث وقد سلف.
стр. 17094
ومعنى: "لم تُرَاعُوا" لم تخافوا، من الروع، وأصله: لم تروعوا، تحركت الواو وقبلها حرف صحيح ساكن، فنقلت إليه الحركة وقلبت الواو ألفًا.
وقوله: (على فرس عُري) هو بضم العين وإسكان الراء وتخفيف الياء على زنة فُعْل كذا في "الصحاح" وابن فارس (١). قال ابن التين: وقرأناه بكسر الراء وتخفيف الياء.
وقوله: (ما عليه سرج) أتى به على طريق البيان؛ لأن قوله: (عُرْيٍ) معناه: لا سرج عليه.
وفيه: دلالة على طهارة عرق الفرس.
وقوله: ("وجدناه بَحْرًا"). هو على الاتساع في الكلام، أي: واسع الجري.
الحديث الثاني:
حديث جابر: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لَا.
الحديث الثالث:
حديث عبد الله بن عمرو قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "إِنَّ خِيَارَكُمْ أحسنكم أَخْلَاقًا".
الحديث الرابع:
حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وفيه: وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ.
الحديث الخامس:
حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ النبي ﷺ : "يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ العِلم، وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الهَرْجُ". وهو القتل.
стр. 17095
الحديث السادس:
حديث أنس ﵁: خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ. وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ؟.
(وأخرجه مسلم في الفضائل) (١)، لا شك أن حسن الخلق من صفات النبيين والمرسلين وخيار المؤمنين، وكذلك السخاء من أشرف الصفات؛ لأن الله تعالى سمى نفسه الكريم الوهاب، وأما البخل فليس من صفات الأنبياء ولا الجلة الفضلاء، ألا ترى قوله ﵇ يوم حنين: "لو كان عندي عدد سَمُر تهامة نعمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا" (٢) وقال ابن مسعود: أي داء أدوأ من البخل. وكان أبو حنيفة لا يجيز شهادة البخيل، فقيل له في ذلك، فقال: إنه نقص، ويحمله النقص على أن يأخذ فوق حقه.
فصل:
(الْبُرْدَةُ) قد فسرت في الأصل بأنها (الشملة منسوجة فيها حاشيتها).
وقال الداودي: تكون من صوف وكتان وقطن وتكون صغيرة كالمئزر وكبيرة كالرداء، وقيل لها: الشملة؛ لأنها يشتمل بها.
وقوله (منسوج فيها حاشيتها). يعني: أنها لم تقطع من بردة، ولكن فيها حاشيتها، وقال الجوهري: الشملة: (كل ما) (٣) يشتمل به (٤)،
стр. 17096
والحاشية واحدة حواشي الثوب، وهي جوانبه (١). وفي "جامع القزاز": حاشية الثوب: ناحيتاه، اللتان في طرفهما الهدب.
فصل:
قوله في حديث أبي هريرة ﵁: "يتقارب الزمان" قيل: أراد قرب الساعة، يقول: إذا كان آخر الزمان كان من علامة الساعة الهرج والشُّح، ونقص الآجال، وقيل: أراد قصر مدة الأزمنة ونقصها عما جرت به العادة وهو معنى الحديث الآخر: "تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة" (٢). وقيل: أراد قِصرُ الأعمار. وقيل: أراد تقارب أحوال الناس في الشر والفساد. وقيل: معناه: يستوي ليله ونهاره. وقال الداودي: يقال: عند قيام الساعة تقصر ساعات النهار ويقرب النهار من الليل.
فصل:
("وينقص العلم"). أي: يقل، ويقل أهله، يريد عمل الطاعات. وقيل: ظهور الخيانة في الأمانات، والصناعات.
وقوله: ("وَيَكْثُرُ الهَرْجُ")، وهو القَتْلُ. قال الخطابي: هو بلسان الحبشة. وقال ابن فارس: إنه الفتنة والاختلاط، وقد هرج الناس يهرجون بالكسر هرجًا، وهكذا ذكره الهروي، وتأول الحديث عليه.
وذكر الجوهري الحديث، وأنه ﵇ قال: "هو القتل" ولا يبعد أن
стр. 17097
يسمى الشيء باسم ما يئول إليه؛ لأن الفتنة والاختلاط يكون عنها الموت، وكلهم ضبطه بسكون الراء (١).
وقوله: ("وَيُلْقَى الشُّحُّ") أي: البخل.
فصل:
(أفٍّ): كلمة تقال عند تكرُّه الشيء، وفيها لغات عديدة ذكر الجوهري منها تثليث الفاء مع التنوين وعدمه (٢).
فصل:
إن قلت: ما وجه قوله ﵇: "خِيَاركُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا" وهل الأخلاق مكتسبة فيتخير العبد منها أحسنها ويترك أقبحها؟ فإن كان كذلك فما وجه قوله ﵇: "اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي" (٣) ومثله ما سأل ربه من ذلك بتحسين خلقه وأنت عالم أنه لا يحسنه غير ربه، فإذا كان الخلق فعلًا له لم يكن أيضًا محسن غيره، وفي ذلك بطلان حمد العبد عليه إن كان حسنًا، وترك ذمه إن كان سيئًا، فإن قلت ذلك كذلك قيل له: فما وجه قوله ﵇: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" (٤) و"إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم" (٥) وقد علمنا أن العبد إنما يثاب على ما اكتسبه لا على ما خلق له من أعضاء جسده. قيل: قد اختلف السلف في ذلك،
стр. 17098
فقال بعضهم: الخلق حسنه وقبيحه جبلة في العبد كلونه وبعض أجزاء جسمه، وقد أسلفنا ذلك مختصرًا.
ذكر من قال ذلك: روي عن ابن مسعود أنه ذكر عنده رجل فذكروا من خلقه، فقال: أرأيتم لو قطعتم رأسه أكنتم تستطيعون أن تخلقوا (١) رأسه؟ قالوا: لا. قال فلو قطعتم يده أكنتم تخلقون (٢) له يدًا؟ قالوا: لا. قال: فإنكم لن تستطيعوا أن تغيروا خلقه (٣). وقال ابن مسعود: فرغ من أربعة: الخَلق والخُلق والرزق والأجل (٤).
وقال الحسن: من أعطي حسن الصورة وخُلقًا حسنًا وزوجة صالحة فقد أعطي خير الدنيا والآخرة. واعتلوا بما رواه الهمداني عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم" (٥) قالوا: فهذا الحديث يبين أن الأخلاق من إعطاء الله عباده، ألا ترى تفاوتهم فيه كتفاوتهم في الجبن والشجاعة، والبخل والجود، ولو كان الخلق اكتسابًا للعبد لم تختلف أحوال الناس فيه، ولكن ذلك غريزة.
فإن قلت: فإن كان كذلك فما وجه ثواب الله على حسن الخلق إن كان غريزة؟ قيل: إنه لم يُثِبْ على خلقه ما خلق وإنما أثابه على استعماله
стр. 17099
ما خلق فيه من ذلك فيما أمر باستعماله فيه نظير الشجاعة المخلوقة فيه، وأمره باستعمالها عند لقاء عدوه، وأثابه على ذلك، وإن استعملها في غير لقاء عدوه عاقبه على ذلك، فالثواب والعقاب على الطاعة والمعصية لا على ما خلق الله في العبد. وقال آخرون: أخلاقه -حسنها وسيئها- مكتسبة فيحمد على الجميل منها، ويثاب على ما كان منها طاعة، ويعاقب على ما كان منها معصية. ولولا أنها للعبد كسب لبطل الأمر به والنهي عنه.
قوله ﵇ لمعاذ: "اتق الله حيثما كنت وخالق الناس بخلق حسن" (١) البيان عن صحة ما قلناه؛ لأن ذلك لو كان طبعًا في العبد هيأه الله عليه لاستحال الأمر به والنهي عن خلافه كاستحالة أمر (من) (٢) لا بصر له بأن يكون له بصر، ولذلك كان الحكماء يوصون بالحسن منه، وروى ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال: قال لي عمر بن الخطاب: يا قبيصة، أراك شابًا فصيح اللسان فسيح الصدر، وقد يكون في الرجل عشرة أخلاق، تسعة صالحة وخلق سيئ، فيفسد التسعة الصالحة الخلق السيئ، فاتق عثرات الشباب (٣).
وقال الشعبي: قال صعصعة بن صوحان لابن أخيه زيد بن صوحان:
خالص المؤمن وخالق الفاجر، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن (٤).
стр. 17100
٤٠ - باب كَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ ؟
٦٠٣٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. [انظر: ٦٧٦ - فتح ١٠/ ٤٦١]
ذكر فيه حديث الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ.
(هذا الحديث سلف في الصلاة) (١).
المهنة -بكسر الميم وفتحها- قال شمر عن مشايخه: هي بنصب الميم، وكسرها خطأ، وكذا في "الصحاح" أنها بالفتح، وزاد: حكى أبو زيد والكسائي الكسر، وأنكره الأصمعي (٢).
قال ابن التين: وبالكسر قرأناه، ولا شك أن أخلاق الأنبياء والمرسلين التواضع والتذلل في أفعالهم، والبعد عن الترفه والتنعم، فكانوا يمتهنون أنفسهم فيما تعين لهم؛ ليسنوا بذلك فيُسلك سبيلهم وتُقْتَفَى (آثارهم) (٣).
وقول عائشة ﵂: (كان في مهنة أهله)، يدل على دوام ذلك من فعله متى عرض له ما يحتاج إلى إصلاحه؛ لئلا يخلد إلى الدعة والرفاهية التي ذمها الله وأخبر أنها من صفات غير المؤمنين، فقال: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١].
стр. 17101
روى سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنه سألها: ما كان عمل رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: يخصف النعل ويرقع الثوب (١).
وفي حديث آخر: "أما أنا فأتزر بالكساء وأجلس بالأرض وأحلب شاة أهلي" وقال ابن مسعود: إن الأنبياء من قبلكم كانوا يلبسون الصوف، ويركبون الحمر، ويحلبون الغنم. وهذِه كانت سيرة سلف هذِه الأمة، ويأتي في باب التواضع من الرقاق جملة من سيرتهم في ذلك.
стр. 17102
٤١ - باب المِقَةِ مِنَ اللهِ تَعَالَى
٦٠٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبَّهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ». [انظر: ٣٢٠٩ - مسلم: ٢٦٣٧ - فتح ١٠/ ٤٦١]
ذكر فيه حديث مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَحَبَّ اللهُ العبدَ نَادى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبَّهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ".
الشرح:
(المقة) بكسر الميم وفتح القاف (المحبة) (١)، والهاء عوض من الواو مثل سَنة وسِنة، يقال: ومق يمق -بالكسر فيهما- أي: أحب، المراد: بوضع القبول المحبة في الناس، قيل: هو معنى قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، قال ابن عباس: يحبهمِ ويحببهم إلى الناس (٢)، وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أي: حببتك إلى عبادي، وروى مالك حديث أبي هريرة ﵁، عن سهيل، عن أبيه، عنه، وقال فيه مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك (٣).
стр. 17103
(وهذا أخرجه مسلم عن زهير بن حرب، عن جرير، عن سهيل به، وذكر المحبة، ثم قال: "وإذا أبغض عبدًا؛ دعا جبريل ﵇ فيقول: إني أبغض فلانًا، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه قال: فيبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض".
ثم قال: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يعقوب -يعني: ابن عبد الرحمن القاري- وقال قتيبة: ثنا عبد العزيز -يعني الدراوردي، وحدثناه سعيد بن عمرو الأشعثي، أنا عبثر، عن العلاء بن المسيب، وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، ثنا ابن وهب، حدثني مالك، كلهم عن سهيل بهذا الإسناد، غير أن حديث العلاء ليس فيه ذكر البغض (١).
فائدة) (٢):
فدلت زيادة مالك في هذا الحديث على خلاف ما تقوله القدرية: إن الشر من فعل العبد وليس بخلق الله، وبأن كل خير وشرٍّ، نفع وضر من خلق الله، لا خالق غيره، تعالى الله عما يشركون.
стр. 17104
٤٢ - باب الحُبِّ فِي اللهِ
٦٠٤١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ، لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ، وَحَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا». [انظر: ١٦ - مسلم: ٤٣ - فتح ١٠/ ٤٦٣]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ المَرْءَ، لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ، وَحَتَّى يَكُونَ اللهُ ( ) (١) وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا".
هذا الحديث سلف في الإيمان، ومعنى: ("أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا") أي: أنه يحبهما أشد من نفسه ومن جميع الخلق، وصفة التحاب في الله أن يكون كل واحد منهما لصاحبه في تواصلهما وتحابهما بمنزلة نفسه في كل ما نابه، كما روى الشعبي عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مثل المؤمنين كمثل الجسد، إذا اشتكى منه شيئًا تداعى له سائر الجسد" (٢)، وكقوله ﵇: "المؤمن للمؤمن كالبينان يشد بعضه بعضًا" سلف قريبًا (٣)، وروى شريك بن أبي نمر، عن أنس مرفوعًا: "المؤمن مرآة المؤمن" (٤).
стр. 17105
ورواه عبد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة مرفوعًا بزيادة: "إذا رأى فيه عيبًا، أصلحه" (١).
قال الطبري: فالأخ المؤاخي في الله كالذي وصف به الشارع المؤمن للمؤمن في أن كل واحد منهما لصاحبه بمنزلة الجسد الواحد؛ لأن ما سرَّ أحدهما سرَّ الآخر، وما ساء أحدهما ساء الآخر، وأن كل واحد منهما عون لصاحبه في أمر الدنيا والآخرة كالبنيان، وكالمرآة له في توقيفه إياه على عيوبه ونصيحته له في المشهد والمغيب، وتعريفه إياه من خطئه وما فيه صلاحه ما يخفى عليه. وهذا النوع في زماننا هذا أعز من الكبريت الأحمر، وقد قيل: هذا قبل هذا الزمان، كان يونس بن عبيد يقول: ما أنت بواجدٍ شيئًا أجل من أخ في الله أو درهم طيب (٢).
فإن قلت: الحب في الله والبغض فيه واجب هو أم فضل؟ قيل: بل واجب، وهو قول مالك، يدل له رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "والذي نفسي بيدي لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" (٣) وما أمرهم به فعليهم العمل به، ألا ترى أنه ﵇ أقسم حق القسم بما ذكر، فحقيق على كل ذي لب أن يخلص (المودة) (٤) والحب لأهل الإيمان، فقد روي عن رسول الله ﷺ : "إن الحب في الله والبغض فيه من أوثق عرى الإيمان" من حديث
стр. 17106
ابن مسعود والبراء (١).
وروي عن ابن مسعود قال: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان الزاهد: أما زهدك في الدنيا فتعجلت به راحة نفسك وأما انقطاعك إليَّ فقد تعززت بي فماذا عملت فيما لي عليك؟ قال: يا رب، ومالك عليَّ؟ قال: هل واليت لي وليًّا، وعاديت (في) (٢) عدوًّا (٣).
(وهذا الحديث سلف في الحج) (١)، قال المفسرون في الآية المذكورة معنى ﴿لَا يَسْخَرْ﴾: لا يطعن بعضهم على بعض، أي: لا يستهزئ قوم بقوم. ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ عند الله، ومن هذا المعنى نهيه ﵇ أن تضحك مما يخرج من الأنفس أي: من الإحداث؛ لأن الله سوى بين خلقه الأنبياء وغيرهم في ذلك، فقال في مريم وعيسى ﵉: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] كناية عن الغائط، ومن المحال أن يضحك أحد من غيره أو بغيره بما يأتي هو بمثله ولا ينفك منه، وقد حرم الله عرض المؤمن، كما حرم دمه وماله، فلا يحل الهزء ولا السخرية بأحدٍ، وأصل هذا إعجاب المرء بنفسه وازدراء غيره، وكان يقال: من العجب أن ترى لنفسك الفضل على الناس وتمقتهم ولا تمقت نفسك.
وقد روى ثابت، عن أنس ﵁، أنه ﵇ قال: "لو لم تكونوا تذنبون لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك: العجب، العجب" (٢).
وقال مطرف: لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إلى من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا (٣).
وقال خالد الربعي: في الإنجيل مكتوب: المستكبر على أخيه بالدين بمنزلة القاتل.
٦٠٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَإِنَّهَا رُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ». [انظر: ٤٩ - فتح ١٠/ ٤٦٥]
٦٠٥٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ المَعْرُورِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدًا فَقُلْتُ: لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَتْ حُلَّةً، وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ. فَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَنِلْتُ مِنْهَا، فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي: «أَسَابَبْتَ فُلَانًا؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». قُلْتُ: عَلَى حِينِ سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ! قَالَ: «نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ». [انظر: ٣٠ - مسلم: ١٦٦١ - فتح ١٠/ ٤٦٥]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
حديث أبي وَائِلٍ أخرجه عن سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن منصور، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ". تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ.
والفسوق: الإثم، وأصله: الخروج عن طريق الحق والعدل.
ومعنى "قِتَالُهُ كُفْرٌ": إن استحله، وقال الداودي: إن قتاله على غير تأويل مستنكر كتأويل الخوارج فهو أعظم من ذلك، وهو مبتدع، فإن قاتله بتأويل قريب كتأويل إسلامه في وصيته فهو معذور فيه.
стр. 17111
الحديث الثاني:
حديث يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ".
و (أَبَو الأَسْوَدِ): ظالم بن عمرو بن سفيان بن عمرو بن حلس بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، شهد صفين مع علي، وولّي قضاء البصرة لابن عباس، ومات بها في الطاعون الجارف، وأول من تكلم بالنحو، هكذا سماه ابن الكلبي، وقال غيره: ظالم بن سارق، وقيل: عكسه.
و (أبو ذَرٍّ): اسمه جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار.
الحديث الثالث:
حديث أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا. الحديث سلف قريبًا.
الرابع:
حديث ثابت بن الضحاك مرفوعًا "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ فَهْو كَمَا قَالَ، -قال-: وَلَيْسَ عَلَى ابن آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ (فِي الدُّنْيَا) (١) عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهْو كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْو كَقَتْلِهِ". وفي بعض الروايات: "من حلف متعمدًا" (٢) أي: حلف على وجه التعظيم.
стр. 17112
ووجه الحديث الآخر: "من قال في يمينه باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" (١) إنما هو على وجه الخطأ منه، قال أبو عبد الملك: عن الداودي: من قال في شيء كان فهو على غير الإسلام إن كان ذلك ويتعمد الكذب، ويطمئن قلبه بالكفر، فهو كذلك، ومن لم يرد الكفر وحلف كاذبًا فقد عظم ذنبه، وقارب الكفر. ومن حلف بذلك أن لا يفعل شيئًا، أو ليفعل، فليستغفر الله.
وقوله: ("وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهْوَ كَقَتْلِهِ") المراد أنه حرام كقتله لا أنهما سواء. قاله أبو عبد الملك. وقال الداودي: يحتمل أن يستوي إثمهما فيكون فيه القصاص والعقوبة بما جعل الله في ذلك، ولعله أن يكون بعض ذلك أشد من بعض كتفاضل القتلين.
وقوله: ("وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ") قال أبو عبد الملك: فيه مثل الأول أن كل واحد منهما حرام وليسا متساويين في الإثم، وقال الطبري: يريد في بعض معناه، لا في الإثم والعقوبة، ألا ترى أن من قتل مؤمنًا عليه القود دون من لعنه فإنه الإبعاد من الرحمة والقتل إبعاد من الحياة وإعدام منها، التي بها يصير المؤمن كالبنيان، وعون بعضهم لبعض، وكذلك من رمى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ؛ لما أجمع المسلمون أن لا يقتل في رميه له بالكفر، علم أن التشبيه وقع بينهما في معنى يجمعهما، وهو ما قلناه.
وقوله: ("ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة") يريد: إن أنفذ الله عليه وعيده، قال الداودي: فقد يكون من عذاب
стр. 17113
يوم القيامة ما يناله من الكرب والفزع والوقوف والشمس في دنوها من الخلق وما يناله من المشقة في جواز الصراط من خدش الكلاليب، وهذا التأويل لا يصح على رواية من روى "عذب به" وهي رواية أبي ذر، والظاهر كما قال ابن التين خلاف قول الداودي؛ لأنه ذكر قبل هذا في البخاري: "ومن تردى من جبل، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه" (١).
الحديث الخامس:
حديث سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ -رجل مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ رسول الله ﷺ فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الذِي يجده". فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ رسول الله ﷺ وَقَالَ: تَعَوَّذْ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَقَالَ: أَتُرى بِي بَأْسًا؟ أَمَجْنُونٌ أَنَا؟ اذْهَبْ.
السادس:
حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ. الحديث.
معنى "تَلَاحَى": أي تنازعا، قاله الجوهري وابن فارس (٢)، وفي المثل: من لاحاك فقد عاداك. وقال في "الغريبين" للهروي: اللحاء والملاحاة كالسباب، وقال الداودي: تماريا، ومعنى "رُفعت": رُفع تعيينها بسبب التلاحي عقوبة.
стр. 17114
وقوله: "عسى أن يكون خيرًا لكم" أي: في تغييب عينها عنكم لتجتهدوا فيها في سائر الليالي.
وقوله: ("فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ") قيل: التَّاسِعَةِ: ليلة إحدى وعشرين، وَالسَّابِعَةِ: ليلة ثلاث وعشرين، وهو قول مالك (١).
وقيل التاسعة: ليلة تسع وعشرين، والسابعة: ليلة سبع وعشرين.
الحديث السابع:
حديث أبي ذر ﵁ مع غلامه، (فَقَالَ) (٢): "أَسَابَبْتَ فُلَانًا؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "أَفنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ". وفي أوله: عليه برد وعلى غلامه برد.
قال الداودي: البردان: رداءان أو كساءان.
وقوله: ("إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ") أي: أنت في تعييره بأمه على خلق من أخلاقهم؛ لأنهم كانوا يتفاخرون بالإنساب، وفيه نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ ولم يرد في كفرهم.
وقوله: ("فليطعمه مما يأكل") قال الداودي: (من) توجب التبعيض، وفي حديث آخر في "الصحيح": "فليجلسه معه أو ليطعمه لقمة أو لقمتين، فإنه ولي حَرَّهُ وعلاجَه" (٣) وقيل لمالك: أيأكل الرجل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه، ويلبس ثيابا لا يكسوهم؟ قال:
стр. 17115
أراه من ذلك في سعة، ولكن يكسوهم ويطعمهم. قيل له: فحديث أبي ذر؟ قال: كانوا يومئذ ليس لهم هذا القوت. وقوله: ("ولا يكلفه من العمل ما (يغلبه) (١)، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه") قال مالك: كان عمر يخرج إلى الحوائط يخفف عمن أثقل عليه من الرقيق في عمله، ويزيد في رزق من قلل رزقه، قال: وأصاب من الولاة من أمر أن يخفف عن البعير والبغل المثقلين، قال: وأكره ما أحدث من إجهاد العبيد، قال: والعمل الذي لا يتعب بالمعروف لا بأس به، إذا كان عمل يتعب بالنهار فلا يطحن بالليل.
فصل:
سباب المؤمن فسوق؛ لأن عرضه حرام كدمه وماله، فالمؤمن لا ينبغي أن يكون سبابًا ولا لعانًا، ويقتدي في ذلك بالشارع؛ لأن السب سبب للفرقة والبغضة، وقد مَنَّ الله على المؤمنين بما جمعهم عليه من ألفة الإسلام. قال تعالى: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] الآية، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وكما لا ينبغي سب أخيه في النسب كذا في الإسلام، ولا ملاحاته، ألا ترى أن الله دفع تعيين ليلة القدر وحرمهم علمها عقوبة بتلاحي الرجال بحضرة الشارع
كما سلف.
وقوله: ("إنك امرؤ فيك جاهلية") غاية في ذمه وتقبيحه؛ لأن أمور الجاهلية حرام زائلة بالإسلام، وواجب على كل مسلم هجرانها واجتنابها، وكذلك الغضب هو من نزغات الشيطان فينبغي للمؤمن مغالبة نفسه عليه، والاستعاذة بالله من الشيطان فإنه دواء الغضب؛
стр. 17116
لقوله ﵇: ("إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجده") يعني: التعوذ بالله من الشيطان.
فصل:
وقوله ("وَقِتَالُهُ كُفْرٌ") معناه: التحذير له من مقاتلته والتغليظ فيه، يريد أنه كالكفر فلا يقاتله، وهذا كما يقال: الفقر الموت، أي: كالموت، ونظير هذا قوله ﵇: "كفر بالله من انتفى من نسب وإن دق أو ادعى نسبا لا يعرف" (١) ولم يرد أن من انتفى من نسبه أو ادعى نسبا غير نسبه كان خارجا من الإسلام، ومثله في الكلام كثير، وسلف في الإيمان في باب: خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر زيادة في ذلك، وسيأتي شيء وسيكون لنا عودة في الكلام على حديث: "لَعْنَ
المؤمن كقَتْلِهِ" قريبا في باب من كفَّر أخاه بغير تأويل في كتاب الأيمان والنذر (٢).
فصل:
وسلف معنى (ترب جبينه) أي: أصابه التراب، ولم يرد الدعاء على ما فسره أبو عمرو الشيباني من قوله: تربت يمينك، وسيأتي قريبا في باب قوله: تربت يمينك.
стр. 17117
٤٥ - باب مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ: الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ ". وَمَا لَا يُرَادُ بِهِ (من) (١) شَيْنِ الرَّجُلِ.
٦٠٥١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ. وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟. فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ». قَالُوا: بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «صَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ». فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. [انظر: ٤٨٢ - مسلم: ٥٧٣ - فتح ١٠/ ٤٦٨]
ثم ساق حديث ذي اليدين من طريق أبي هريرة ﵁، وقد سلف. وهذا فيما لا يراد به عيبة، وهو مذهب جماعة، والأحاديث شاهدة له. ورأى قوم من السلف أن وصف الرجل بما فيه من الصفة (عيب) (٢) له. قال شعبة: سمعت معاوية بن قرة يقول: لو مر بك أقطع فقلت: ذاك الأقطع، كانت منك غَيبة (٣). وعن الحسن: لا تخافون أن يكون قولنا حميد الطويل غيبة (٤).
стр. 17118
وكره قتادة أن يقال: كعب الأحبار، وسلمان الفارسي، ولكن كعب المسلم وسلمان المسلم.
روى سليمان الشيباني، عن حسان بن المخارق: أن امرأة دخلت على عائشة ﵂، فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى رسول الله ﷺ أنها قصيرة، فقال ﵇: "اغتبتيها" (١).
وروى موسى بن وردان، عن أبي هريرة، أن رجلاً قام عند رسول الله ﷺ فرأوا في قيامه عجزًا فقالوا: يا رسول الله، ما أعجز فلان؟ فقال ﵇: "أكلتم أخاكم واغتبتموه" (٢).
قال الطبري: وإنما يكون ذلك غيبة من قائله إذا قاله على وجه الذم والعيب للمقول فيه وهو له كاره، وعن مثل هذا ورد النهى، فأما إذا قاله على وجه التعريف والتمييز له من سائر الناس، كقولهم: يزيد الرشك، وحميد (الأرقط) (٣)، والأحنف بن قيس. والنسبة إلى الأمهات، كإسماعيل بن علية، وابن عائشة، فإن ذلك بعيد من معنى الغيبة (٤). وهو ظاهر إيراد البخاري، حيث استدل بحديث ذي اليدين.
فصل:
اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] فروى الأعمش عن أبي جبيرة بن الضحاك، قال: كان أهل
стр. 17119
الجاهلية لهم الألقاب، للرجل منهم الاسمان والثلاثة، فدعى رسول الله ﷺ رجلاً منهم بلقبه، فقالوا: يا رسول الله، إنه يكره ذَلِكَ، فنزلت (١).
وعن ابن مسعود والحسن وقتادة وعكرمة أن اليهودي والنصراني كان يسلم، فيلقب به فيقال: يا يهودي يا نصراني، فنهوا عن ذَلِكَ، ونزلت. وعن ابن عيينة: لا تقل: كان يهوديًّا ولا مشركًا.
وحديث الباب كما قدمناه شاهد به على ما إذا قاله على وجه التعريف، ويبين أن الآية فيمن أراد عيب الرجل وتنقصه، ولهذا استجاز العلماء ذكر العاهات، لرواة الحديث.
روى أبو حاتم الرازي، ثنا عبدة قال: سئل ابن المبارك، عن الرجل يقول: حميد الطويل، سليمان الأعمش، حميد الأعرج، ومروان الأصفر. فقال عبد الله: إذا أراد صفته ولم يرد عيبه فلا بأس به.
وسئل عبد الرحمن بن مهدي عن ذَلِكَ، فقال: لا أراه غيبة، ربما سمعت شعبة يقول ليحيى بن سعيد: يا أحول ما تقول؟ يا أحول، ما ترى؟ ذكره ابن القرطبي (٢) في كتاب "الألقاب".
стр. 17120
٤٦ - باب الغِيبَةِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ﴾ الآية [الحجرات: ١٢]
٦٠٥٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح ١٠/ ٤٦٩]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ على قَبْرَيْنِ، الحديث.
وموضع الحاجة قوله: "أما أحدهما فكان لا يستتر من (بوله) (١)، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة".
الشرح:
الغيبة قد فسرها الشارع في مرسل مالك، عن الوليد بن عبد الله بن صياد، أن المطلب بن عبد الله بن حنطب أخبره أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : ما الغيبة؟ قال: "أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع وإن كان حقًّا، فإن قلت باطلاً فذلك البهتان" (٢)، (وحديث متصل أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أرأيت