لقوله ﵇: ("إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجده") يعني: التعوذ بالله من الشيطان.
فصل:
وقوله ("وَقِتَالُهُ كُفْرٌ") معناه: التحذير له من مقاتلته والتغليظ فيه، يريد أنه كالكفر فلا يقاتله، وهذا كما يقال: الفقر الموت، أي: كالموت، ونظير هذا قوله ﵇: "كفر بالله من انتفى من نسب وإن دق أو ادعى نسبا لا يعرف" (١) ولم يرد أن من انتفى من نسبه أو ادعى نسبا غير نسبه كان خارجا من الإسلام، ومثله في الكلام كثير، وسلف في الإيمان في باب: خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر زيادة في ذلك، وسيأتي شيء وسيكون لنا عودة في الكلام على حديث: "لَعْنَ
المؤمن كقَتْلِهِ" قريبا في باب من كفَّر أخاه بغير تأويل في كتاب الأيمان والنذر (٢).
فصل:
وسلف معنى (ترب جبينه) أي: أصابه التراب، ولم يرد الدعاء على ما فسره أبو عمرو الشيباني من قوله: تربت يمينك، وسيأتي قريبا في باب قوله: تربت يمينك.
стр. 17117
٤٥ - باب مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ: الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ ". وَمَا لَا يُرَادُ بِهِ (من) (١) شَيْنِ الرَّجُلِ.
٦٠٥١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ. وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟. فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ». قَالُوا: بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «صَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ». فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. [انظر: ٤٨٢ - مسلم: ٥٧٣ - فتح ١٠/ ٤٦٨]
ثم ساق حديث ذي اليدين من طريق أبي هريرة ﵁، وقد سلف. وهذا فيما لا يراد به عيبة، وهو مذهب جماعة، والأحاديث شاهدة له. ورأى قوم من السلف أن وصف الرجل بما فيه من الصفة (عيب) (٢) له. قال شعبة: سمعت معاوية بن قرة يقول: لو مر بك أقطع فقلت: ذاك الأقطع، كانت منك غَيبة (٣). وعن الحسن: لا تخافون أن يكون قولنا حميد الطويل غيبة (٤).
стр. 17118
وكره قتادة أن يقال: كعب الأحبار، وسلمان الفارسي، ولكن كعب المسلم وسلمان المسلم.
روى سليمان الشيباني، عن حسان بن المخارق: أن امرأة دخلت على عائشة ﵂، فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى رسول الله ﷺ أنها قصيرة، فقال ﵇: "اغتبتيها" (١).
وروى موسى بن وردان، عن أبي هريرة، أن رجلاً قام عند رسول الله ﷺ فرأوا في قيامه عجزًا فقالوا: يا رسول الله، ما أعجز فلان؟ فقال ﵇: "أكلتم أخاكم واغتبتموه" (٢).
قال الطبري: وإنما يكون ذلك غيبة من قائله إذا قاله على وجه الذم والعيب للمقول فيه وهو له كاره، وعن مثل هذا ورد النهى، فأما إذا قاله على وجه التعريف والتمييز له من سائر الناس، كقولهم: يزيد الرشك، وحميد (الأرقط) (٣)، والأحنف بن قيس. والنسبة إلى الأمهات، كإسماعيل بن علية، وابن عائشة، فإن ذلك بعيد من معنى الغيبة (٤). وهو ظاهر إيراد البخاري، حيث استدل بحديث ذي اليدين.
فصل:
اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] فروى الأعمش عن أبي جبيرة بن الضحاك، قال: كان أهل
стр. 17119
الجاهلية لهم الألقاب، للرجل منهم الاسمان والثلاثة، فدعى رسول الله ﷺ رجلاً منهم بلقبه، فقالوا: يا رسول الله، إنه يكره ذَلِكَ، فنزلت (١).
وعن ابن مسعود والحسن وقتادة وعكرمة أن اليهودي والنصراني كان يسلم، فيلقب به فيقال: يا يهودي يا نصراني، فنهوا عن ذَلِكَ، ونزلت. وعن ابن عيينة: لا تقل: كان يهوديًّا ولا مشركًا.
وحديث الباب كما قدمناه شاهد به على ما إذا قاله على وجه التعريف، ويبين أن الآية فيمن أراد عيب الرجل وتنقصه، ولهذا استجاز العلماء ذكر العاهات، لرواة الحديث.
روى أبو حاتم الرازي، ثنا عبدة قال: سئل ابن المبارك، عن الرجل يقول: حميد الطويل، سليمان الأعمش، حميد الأعرج، ومروان الأصفر. فقال عبد الله: إذا أراد صفته ولم يرد عيبه فلا بأس به.
وسئل عبد الرحمن بن مهدي عن ذَلِكَ، فقال: لا أراه غيبة، ربما سمعت شعبة يقول ليحيى بن سعيد: يا أحول ما تقول؟ يا أحول، ما ترى؟ ذكره ابن القرطبي (٢) في كتاب "الألقاب".
стр. 17120
٤٦ - باب الغِيبَةِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ﴾ الآية [الحجرات: ١٢]
٦٠٥٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح ١٠/ ٤٦٩]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ على قَبْرَيْنِ، الحديث.
وموضع الحاجة قوله: "أما أحدهما فكان لا يستتر من (بوله) (١)، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة".
الشرح:
الغيبة قد فسرها الشارع في مرسل مالك، عن الوليد بن عبد الله بن صياد، أن المطلب بن عبد الله بن حنطب أخبره أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : ما الغيبة؟ قال: "أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع وإن كان حقًّا، فإن قلت باطلاً فذلك البهتان" (٢)، (وحديث متصل أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أرأيت
стр. 17121
إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فقد بهته".
وأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح (١)) (٢). ولم يذكر البخاري حديثًا في الغيبة، وإنما ذكر النميمة، (وإن كان حديث ابن عمر وابن عباس ﵁ السالفين في الحج: "وأعراضكم" (٣) كاف فيه؛ لأنه أراد أنها) (٤) في معناها؛ لكراهة المرء أن يذكر عنه بظهر الغيب، فأشبهتها من هذِه الجهة.
والغيبة المحرمة عند أهل العلم في اغتياب أهل الستر من المؤمنين، ومن لا يعلن بالمعاصي، فأما من جاهر بالكبائر فلا غيبة فيه.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم قال: إنما الغيبة فيمن لم يعلن بالمعاصي (٥).
وسيأتي غيبة أهل المعاصي قريبًا في باب ما يجوز منها.
والغيبة من الذنوب العظام التي تحبط الأعمال.
وفي الحديث: أنها "تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" (٦).
стр. 17122
وقد قيل: إنها تفطر الصائم بإحباط أجره.
وقد تأوَّل بعض أهل العلم في حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" (١) أنهما كانا يغتابان، كما سلف. وكذلك قال النخعي: ما أبالي اغتبت رجلاً أو شربت ماء باردًا في رمضان. وعنه ﵇: "ما صام من ظل يأكل لحوم الناس" (٢) ولعظم وزر الغيبة وكثرة ما تحبط من الأجر كف جماعة من العلماء عن اغتياب جميع الناس، حتَّى لقد روي عن ابن المبارك أنه قال: لو كنت مغتابًا أحدًا لاغتبت والديّ، فإنهما أحق الناس بحسناتي.
وقال رجل لبعض السلف: إنك قلت فيَّ. قال: أنت إذًا أكرم عليَّ من نفسي.
وقيل للحسن البصري: إن فلانًا اغتابك. فبعث إليه طبقًا من (الطبرزد) (٣)، فقال: بلغني أنك أهديت إليَّ حسناتك، فأردت أن أكافئك بها.
والآثار في التشديد فيها كثيرة، وقد جاء حديث شريف في أجر من نصر من اغتيب عنده.
روى عبد الرازق، عن معمر، عن أبان، عن أنس، رفعه: "من اغتيب عنده أخوه المسلم فنصره نصره الله في الدنيا والآخرة، وإن لم ينصره أدركه الله به في الدنيا والآخرة" (٤).
стр. 17123
(وروينا في "سنن أبي داود" من حديث جابر وأبي طلحة مرفوعًا: "ما من امرئ يخذل امرأً مسلمًا. في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع يجب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته" (١) وروينا في "جامع الترمذي" من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "من ردَّ عن عرض أخيه ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة" ثم قال: حديث حسن) (٢)(٣).
стр. 17124
٤٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ»
٦٠٥٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ». [انظر: ٣٧٨٩ - مسلم: ٢٥١١ - فتح ١٠/ ٤٧١].
وذكر فيه حديث أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ".
هذا الحديث سلف، وأبو الزناد اسمه عبد الله بن ذكوان، وأبو سلمة اسمه: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو أُسيد -بالضم- اسمه مالك بن ربيعة.
كذا ترجم، وأدخل فيه: "خير دور الأنصار بنو النجار" وهو لائح. وأما المهلب فذكره، وابن بطال بحذف لفظ "دور" ثم قال: وإنما أراد أهل الدور، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقوله: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهلها. قال: وقد جاء كذلك مصرحًا في غير هذا الموضع (١). قلت: بل هو هنا كذلك كما أسلفناه.
وقال ابن قتيبة: الدور هنا: القبائل، يدل عليه الحديث الآخر: ما بقي دار إلا بني فيها مسجد، أي: قبيلة. وإنما استوجب بنو النجار الخير لمسارعتهم إلى الإسلام، وقد (بينه) (٢) الشارع في حديث الأقرع بن حابس، حين قال لرسول الله ﷺ : إنما بايعك سراق
стр. 17125
الحجيج من طيء وأسلم وغفار -يريد تهجين هذِه القبائل الضعيفة القليلة العدد المسارعة (إليك) (١)؛ لقلتها وضعفها؛ لتكثر بك وبأصحابك، لتعز من ذلتها- فقال ﵇: "أرأيت إن كانت أسلم وغفار ومزينة خيرًا من بني تميم" (٢) لمسارعتها إلى الإسلام، فاستوجبت بذلك ما أثنى الله عليها في القرآن بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠] ولذلك استوجب بنو النجار بالمسارعة إلى الإسلام من الخيرية ما لم يستوجبه بنو عبد الأشهل المتباطئون بالإسلام.
فإن قلت: ما وجه دخول هذِه الترجمة في أبواب الغيبة؟
قيل: معناه ظاهر، وهو أنه دال على أنه يجوز للعالم المفاضلة بين الناس وينبه على فضل الفاضل، ونقص من لا يلحق بدرجته في الفضل، ولا يكون ذلك من باب الغيبة، كما لم يكن ذكره ﵇ لغير بني النجار أنهم دون بني النجار في الفضل من باب الغيبة. ومثل هذا اتفق المسلمون من أهل السنة أن الصديق أفضل من عمر، وليس ذَلِكَ غيبة (لعمر) (٣) ولا نقصًا له، وكذلك جاز لابن معين وغيره من أئمة الحديث تجريح الضعفاء، وتبيين أحوالهم؛ خشية التباس أمرهم على العامة، واتخاذهم أئمة وهم غير مستحقين للإمامة. (والله الموفق) (٤).
стр. 17126
٤٨ - باب مَا يَجُوزُ مِنِ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالرِّيَبِ
٦٠٥٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ أَوِ ابْنُ العَشِيرَةِ». فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الكَلَامَ! قَالَ: «أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ -أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ- اتِّقَاءَ فُحْشِهِ». [انظر: ٦٠٣٢ - مسلم: ٢٥٩١ - فتح ١٠/ ٤٧١]
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ السالف في باب لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا.
وقد سلف من هو الرجل المذكور. وكتب الدمياطي أيضًا بخطه أنه مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والد المسور، (وهو أحد القولين فيه، وحكاهما معًا ابن بشكوال) (١)، وهذا الحديث أصل في جواز غيبة أهل الفساد، ألا ترى قوله ﵇ للرجل: "بئس أخو العشيرة" وإنما قاله لما قد صح عنده من شره؛ لقوله في آخر الحديث: "إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه". وسلف حكمه وإلانته له الكلام قريبًا.
وروى ابن وضاح محمد بن المصفى، ثَنَا بقية بن الوليد، عن الربيع بن يزيد، عن أبان، عن أنس مرفوعًا: "من خلع جلباب الحياء فلا غيبة فيه" (٢)، وفسره ابن سعدان، قال: معناه من عمل عملًا قبيحًا
стр. 17127
كشفه للناظرين، ولم يرع وقوفهم عليه، فلا بأس بذكره عنه من حيث لا يسمع؛ لأنه كمن أذن في ذَلِكَ لكشفه عن نفسه، فأما من استتر بفعله فلا يحل ذكره لمن رآه؛ لأنه غير آذن في ذكره، وإن كان كافرًا. وقد سئل ابن وهب عن غيبة النصراني فقال: لا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وهو من الناس، ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] فجعل هذا لهم مثلاً، وفي الحديث: "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" (١).
قال ابن أبي زيد: يقال لا غيبة في أمير جائر، ولا في صاحب بدعة يدعو إليها، ولا لمن يشاور في إنكاح أو شهادة أو نحو ذَلِكَ. وقد قال ﵇ لفاطمة بنت قيس، حين شاورته فيمن خطبها: "إن معاوية صعلوك لا مال له" (٢)، وكذلك رأت الأئمة أن من يقبل قوله من أهل الفضل يجوز له أن يبين أمر من يخاف أن يتخذ إمامًا، فيذكر ما فيه من كذب أو غيبة، مما يوجب ترك الرواية عنه. وكان شعبة يقول: اجلس بنا نغتاب في الله.
فصل:
قوله: ("إن شر الناس من تركه الناس (اتقاء شره) (٣)، أو ودعه اتقاء فحشه") معنى (ترك) و (ودع) واحد.
стр. 17128
قيل: ولا تستعمل ودع (إلا) (١) بالتشديد. قال سيبويه: استغنوا عن تخفيفه بـ (ترك)، وفي الحديث الآخر: "عن ودعهم الجمعة" (٢).
وقال شمر: زعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدر ودع وماضيه، والشارع أفصح (٣).
وفي الشاذ: (ما وَدَعَك) (٤). وقال ابن فارس: الودع مصدر ودعته، تقول: دع ذا (٥).
стр. 17129
٤٩ - باب: النَّمِيمَةُ مِنَ الكَبَائِرِ
٦٠٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرَةٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، وَكِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح ١٠/ ٤٧٢]
ذكر حديث ابن عباس ﵄ في صاحبي القبرين أيضًا، وقد سلف، وفي إسناده عبيدة بن حميد أبو عبد الرحمن.
وقد أسلفت أول هذا الشرح في فصل معقود في جملة من الأسماء المتكررة فيه:
أن عُبَيدة كلهم بالضم، إلا السلماني وابن سفيان وابن حميد وعامر بن عبيدة فبالفتح وزدت عامر بن عبيدة قاضي البصرة، ذكره البخاري في كتاب الأحكام، كما نبه عليه الجياني (١)، وأهمله ابن الصلاح ومن بعده.
وبخط الدمياطي عَبيدة بفتح العين ثلاثة في الصحيح:
واحد متفق عليه، وهو عبيدة بن عمرو السلماني، أسلم قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنتين، وصلى ولم يهاجر إليه، ولم يره، وعبيدة بن حميد الضبي هذا انفرد به البخاري، مات بعد سنة تسعين -أو فيها- ومائة، وولد سنة تسع ومائة، وعبيد بن سفيان الحضرمي، روى عن
стр. 17130
أبي هريرة، انفرد به مسلم، وأهمل رابعًا وخامسًا (١) (فاستنقذهم) (٢).
فصل: في نبذة من فوائده السالفة:
فيه: إثبات عذاب القبر. وقال الداودي: وليس من الأحاديث الصحيحة أشد من هذا.
وفيه: المرور في القبور.
وفيه: أنه كان يسمع ما لم يسمعه غيره ويخبر عن ذَلِكَ. وقال: فيه أن النميمة غيبة؛ لأنه ينم على الرجل في غيبته، ففيها الوجهان، قال: وقيل: هما أختان لا تفارق إحداهما الأخرى.
والعسيب: من جريد النخل.
وفيه: بركة مسه، وبركة دعائه، وبركة النخلة. قال الجوهري: العسيب: ما لم ينبت عليه خوص، فإذا نبت فهو سعف (٣).
وقوله: " (مَا لَمْ يَيْبَسَا") هو بفتح الباء وكسرها (والكسر) (٤) لغتان؛ لأن فعل بالكسر يأتي على يفعَل بفتح العين، إلا أفعالًا تزاد، هذا منها [و] ومق يمق كما سلف، وورث يرث، ووثق يثق.
وقصد بالعسيب الرطب؛ لأنه يسبح ما دام أخضر بدليل قوله: "مَا لَمْ يَيْبَسَا".
وقوله: " (كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ") وروي: يستنزه، ويستبرئ، ويستتر.
стр. 17131
ومعنى أكثرها متقارب، الأول: من التباعد، والثاني: من الحدث، والثالث: من البول أو أعين الناس، وأنكر بعضهم الأولى والثانية.
وقوله: (فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ، فجعل كسرة في قبر هذا). هي بالكسر.
стр. 17132
٥٠ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ
وَقول الله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١١] و ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١]. يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ: يَعِيبُ، واحد.
٦٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلاً يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ». [مسلم: ١٠٥ - فتح ١٠/ ٤٧٢]
ذكر فيه حديث مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ -ابن الحارث النخعي الكوفي، مات في ولاية الحجاج- قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ له حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ".
الشرح:
(هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا باللفظ المذكور، وفي آخره: "نمام" فتركه وهو كما يأتي) (١).
واللمزة: من يغتابك في وجهك. والهمزة: الذي يغتابك بالغيب، قاله الليث. وحكى النحاس عن مجاهد عكسه. وفي "الكتاب" أنهما شيء واحد، وقاله محمد بن كعب والجوهري (٢) والهروي.
ويلمز مثلث الميم، والكسر لغة القرآن. وقال أهل التأويل: الهمَّاز: الذي يأكل لحوم الناس. ويقال: هم المشاءون بالنميمة، المفرقون بين
стр. 17133
الأحبة، المناعون للبر بالغيب.
والقَتَّات: النمام، عند أهل اللغة (بفتح القاف وتشديد المثناة فوق. قال الجوهري وغيره: يقال: نم الحديث ينمه، ونمه بكسر النون وضمها نمًّا، والرجل نمام ونم. وفيه: يقته -بضم القاف- قتًّا) (١)(٢).
ومعنى: "لا يدخل الجنة قتات": إن أنفذ الله عليه الوعيد؛ لأن أهل السنة مجمعون أن الله تعالى في وعيده بالخيار، إن شاء عذبهم بعدله، وإن شاء عفا عنهم. (أو تؤول على أنه لا يدخلها دخول الفائزين، أو يحمل على المستحل بغير تأويل مع العلم بالتحريم.
قال ابن بطال) (٣): وقد فرق أهل اللغة بين النمام والقتات، فذكر الخطابي أن الأول الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم حديثهم، والثاني الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون، ثمَّ ينم حديثهم. والقساس: الذي يقس الأخبار. أي يسأل عنها، ثم (ينشرها) (٤) على أصحابه (٥).
فصل:
وقوله: (فَقِيلَ لَهُ: إن رجلاً) هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي الكوفي الفقيه (٦).
стр. 17134
وقوله: (يَرْفَعُ الحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ). لعله أراد تحذيره مما وقع فيه، قاله الداودي. ولا (يوافق) (١) قول حذيفة؛ لأنه لا يقال فيه الحديث الذي ذكره حذيفة، إذا كان يرفعه على هذا الوجه، لكن يتأول في ذَلِكَ جوازه، وتأول عليه حذيفة (أنه) (٢) فعله غيبة.
стр. 17135
٥١ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]
٦٠٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ [عَنْ أَبِيهِ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». قَالَ أَحْمَدُ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ. [انظر: ١٩٠٣ - فتح ١٠/ ٤٧٣]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". قَالَ أَحْمَدُ، يعني: ابن يونس شيخ البخاري: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ. والحديث سلف.
و ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾: هو الكذب، وهو محرم على المؤمنين، وهذا الحديث في شاهد الزور تغليظ شديد، ووعيد كبير.
ودل قوله: ("فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ") إلى آخره: أن الزور يحبط أجر الصائم، وأن من نطق به في صيامه كالآكل الشارب عند الله في الإثم، فينبغي تجنبه والحذر منه؛ لإحباطه للصيام الذي أخبر الشارع عن ربه أنه قال فيه: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" (١). فما ظنك بسيئةٍ غطت على هذا الفضل الجسيم والثواب العظيم؟! وقد قال بعض أهل العلم: إن الغيبة مفطرة للصائم. والكافة على خلافه، وهي من الكبائر، فإنها لا تفي له بأجر صومه، فكأنه في حكم المفطر (٢).
стр. 17136
٥٢ - باب مَا قِيلَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ
٦٠٥٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». [انظر: ٣٤٩٤ - مسلم: ٢٥٢٦ - فتح ١٠/ ٤٧٤]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ ذَا الوَجْهَيْنِ، الذِي يَأْتِي هؤلاء بِوَجْهٍ وهؤلاء بِوَجْهٍ".
يريد أنه يأتي إلى كل قوم بما يرضيهم، خيرًا كان أو شرًا، وهذِه هي المداهنة المحرمة.
وإنما سمي ذو الوجهين مداهنًا؛ لأنه يظهر لأهل المنكر أنه عنهم راضٍ فيلقاهم بوجه سمحٍ بالترحيب والبشر، وكذلك يظهر لأهل الحق أنه عنهم راضٍ، وفي باطنه أن هذا دأبه في أن يرضي كل فريق منهم، ويريهم أنه منهم، وإن كان في مصاحبته لأهل الحق مريدًا لفعلهم، وفي صحبته لأهل الباطل منكرًا لفعلهم. فبخلطته لكلا الطائفتين وإظهاره الرضا بفعلهم استحق اسم المداهنة للأسباب الظاهرة عليه المشبهة بالدهان الذي يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها، ولو كان مع إحدى الطائفتين لم يكن مداهنًا، وإنما كان يسمى باسم الطائفة المتفرد بصحبتها.
وقد جاء في ذي الوجهين وعيد شديد، روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا" (١).
стр. 17137
وروى أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة" (١) فينبغي للمؤمن العاقل أن يرغب بنفسه عما يوبقه ويخزيه عند الله تعالى.
стр. 17138
٥٣ - باب مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ
٦٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللهِ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا وَجْهَ اللهِ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: «رَحِمَ اللهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ». [انظر: ٣١٥٠ - مسلم: ١٠٦٢ - فتح ١٠/ ٤٧٥]
ذكر فيه حديث ابن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: والله مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بهذا وَجْهَ اللهِ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: "رَحِمَ اللهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ".
الشرح:
(هذا الحديث سلف في فضائل موسى ﵇) (١).
فيه من الفقه: أنه يجوز للرجل أن يخبر أهل الفضل والستر من إخوانه بما يقال فيهم مما لا يليق؛ ليعرفهم بذلك من يؤذيه من الناس وينقصه، ولا حرج عليه في مقالته بذلك وتبليغه له، وليس ذَلِكَ من باب النميمة؛ لأن ابن مسعود حين أخبر الشارع بقول الأنصاري فيه وتجويره له في القسمة لم يقل له: أتيت بما لا يجوز، ونممت الأنصاري، والنميمة حرام، بل رضي ذَلِكَ، وجاوبه عليه بقوله: "يرحم الله موسى" إلى آخره وإنما جاز لابن مسعود نقل ذَلِكَ إليه؛ لأن الأنصاري في تجويره له استباح إثمًا عظيمًا، وركب (حرامًا جسيمًا) (٢)، فلم يكن لحديثه
стр. 17139
حرمة، ولم يكن نقله من باب النميمة. وقد قال مالك في الرجل يمر بالرجل يقذف غائبًا: فليشهد عليه إن كان معه غيره. وقال في قوم سمعوا رجلاً يقذف رجلاً فرفعوه إلى الإمام: فلا ينبغي له أن يحده حتَّى يجيء الطالب ولو كان هذا نميمة لم تجز الشهادة؛ لأنها كبيرة وهي مسقطة للشهادة (١).
فصل:
قوله: (فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ). بتشديد العين المهملة، ولأبي ذر: (فتمغر) (٢). أي: (تغير) (٣) من الغضب.
وفيه من الفقه: أن أهل الفضل والخير قد يعز عليهم ما يقال فيهم من الباطل، ويكبر عليهم، فإن ذَلِكَ جبلة في البشر فطرهم الله عليها، إلا أن أهل الفضل يتلقون ذَلِكَ بالصبر الجميل، اقتداءً بمن تقدمهم من المؤمنين، ألا ترى أنه ﵇ قد اقتدى في ذَلِكَ بصبر موسى ﵇.
وقد روي عن الحسن البصري أنه قيل له: فلان اغتابك، فكافأه، كما سلف.
وقوله: ("لَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ"). قيل: قالوا: هو آدر، فمر يغتسل عريانًا ووضع ثوبه على حجر ففر الحجر فتبعه فجاز على بني إسرائيل، فبرأه الله مما قالوا (٤).
стр. 17140
وقيل: قال قارون لامرأة ذات جمال وحسب: هل لك أن أشركك في أهلي ومالي! أن تأتيني إذا كنت في ملأ تقولين: اكفني موسى، فإنه أرادني على نفسي؟. فلما وقفت عليه بدل الله قلبها، فقالت: قال لي قارون كذا. فنكس رأسه، وأيقن بالهلاك. فأخبر موسى، فكان شديد الغضب يخرج شعره من ثوبه فتوضأ وصلى، وجعل يدعو ويبكي ويقول: يا رب أراد فضيحتي، فأوحى الله إليه: أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت. فأقبل إلى قارون، (فلما رآه) (١) قال: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيه، فساخت به الأرض وبداره إلى الكعبين، فقال: يا موسى ارحمني. فقال: خذيه، فساخت به وبداره، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة (٢).
وقال علىٌّ: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشد حبًّا. وأوذي في ذَلِكَ، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت الملائكة بموته، حتَّى علمت بنو إسرائيل أنه مات، فدفنوه فلم يعلم موضع قبره إلا الرخم، فجعله الله أصم أبكم (٣).
والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه، وهو رباعي غير مهموز، وقيل: المدح بما ليس فيه.
ومعنى الحديث -والله أعلم- النهي أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه، فيدخله من ذَلِكَ الإعجاب، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة، ولذلك قال ﵇: "قطعتم ظهر الرجل"، حين وصفتموه بما ليس فيه، فربما حمله ذَلِكَ على العجب والكبر، وعلى تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل، واقتصر على حاله من حصل موصوفًا، بما وصف به. وكذلك تأول العلماء في قوله ﵇: "احثوا التراب في وجوه المداحين" (١) أن المراد به: المداحون الناس في وجوههم
بالباطل وما ليس فيهم.
ولذلك قال عمر ﵁: المدح هو الذبح (٢). ولم يرد به من مدح رجلاً بما فيه، فقد مُدِح رسول الله ﷺ في الشعر والخطب والمخاطبة، ولم يحث في وجوه المداحين التراب، ولا أمر بذلك، كقول أبي طالب فيه:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل.
وكمدح العباس وحسان له في كثير من شعره وكعب بن زهير، وقد مدح رسول الله ﷺ الأنصار فقال: "إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع" (٣) ومثله قوله ﵇: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، قولوا: عبد الله، فإنما أنا عبد الله ورسوله" (٤) أي: لا تصفوني بما ليس بي من الصفات، تلتمسون بذلك مدحي، كما
стр. 17143
وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه فنسبوه إلى (البنوة) (١)، فكفروا بذلك وضلوا. فأما وصفه بما فضله الله به وشرفه فحق واجب على كل من بعثه الله إليه من خلقه، وذلك كوصفه ﵇ نفسه بما وصفها فقال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض" (٢).
وفي هذا من الفقه: أن من رفع أمرأ فوق حقه، وتجاوز به مقداره بما ليس فيه فمتعدٍّ آثم؛ لأن ذَلِكَ لو جاز في أحد لكان أولى الخلق به نبينا ﵊، ولكن الواجب أن يقصر كل أحد على ما أعطاه الله من منزلةٍ، ولا يعدى به إلى غيرها من غير قطع عليها، ألا ترى قوله ﵇ في حديث الباب: "إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أخاه" الحديث.
стр. 17144
٥٥ - باب مَنْ أَثْنَى عَلَى أَخِيهِ بِمَا يَعْلَمُ
وَقَالَ سَعْدٌ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ. [انظر: ٣٨١٢]
٦٠٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ فِي الإِزَارِ مَا ذَكَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ إِزَارِي يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ. قَالَ: «إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ». [انظر: ٣٦٦٥ - مسلم: ٢٠٨٥ - فتح ١٠/ ٤٧٨].
وقال سعد: ما سمعت النبي ﷺ يقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ. هذا قد سلف في فضائله مسندًا.
ثم ساق حديث ابن عمر ﵄: أَنَّه ﷺ حِينَ ذَكَرَ فِي الإِزَارِ مَا ذَكَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ إِزَارِي يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ. قَالَ: "إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ".
فيه من الفقه: أنه يجوز الثناء على الناس بما فيهم، على وجه الإعلام بصفاتهم؛ لتعرف لهم سابقتهم، وتقدمهم في الفضل، فينزلوا منازلهم ويقدموا على من لا يساويهم، ويقتدى بهم في الخير، ولو لم يجز وصفهم بالخير والثناء عليهم بأحوالهم لم يعلم أهل الفضل من غيرهم. ألا ترى أنه ﵇ خص أصحابه بخواص من الفضائل بانوا بها على سائر الناس، وعرفوا بها إلى يوم القيامة، فشهد للعشرة بالجنة (١)، كما شهد لعبد الله بن سلام.
стр. 17145
وليس عدم سماع سعد بمعارض (لمن سمعه يشهد) (١) بذلك لغيره، بل يأخذ كل واحد بما سمع.
وكذلك قال ﵇ للصديق ﵁: "كل الناس قال لي: كذبت وقال لي أبو بكر: صدقت" (٢).
وروى معمر، عن قتادة، عن أبي قلابة: قال النبي ﷺ : "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأقواهم في الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي، وأمين أمتي أبو عبيدة بن الجراح، وأعلم أمتي بالحلال (والحرام) (٣) معاذ بن جبل، وأقرؤهم أُبيٌّ، وأفرضهم زيد" (٤).
وقال ﵇ في حديث آخر: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر" (٥) ﵁.
الشرح:
تأول البخاري من هذِه الآيات التي ذكرها: ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر، كما دل عليه حديث عائشة ﵂، ووجه ذَلِكَ -والله أعلم- أنه تأول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الندب إلى الإحسان إلى المسيء، أو ترك معاقبته على إساءته. فإن قلت: فكيف يصح هذا التأويل في آيات البغي التي ذكرها؟ قيل: وجه ذَلِكَ -والله أعلم- أنه لما أعلم الله عباده أن البغي ينصرف على الباغي بقوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وضمن تعالى نصرة من بغي عليه بالنصرة، كان الأولى لمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره، ومقابلة ذَلِكَ بالعفو عمن بغى عليه. وكذلك فعل الشارع باليهودي الذي سحره حين عفا عنه، وقد كان له الانتقام منه بقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] لكن آثر الصفح عنه، عملًا بقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] وكذلك أخبرت عائشة عنه: أنه كان لا ينتقم لنفسه ويعفو عمن ظلمه (١).
وفي تفسير الآية أقوال أُخر:
أحدها: أن العدل شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض، قاله ابن عباس.
ثانيها: العدل: الفرض، والإحسان: النافلة.
ثالثها: العدل: استواء السريرة والعلانية، والإحسان: أن تكون السريرة أفضل من العلانية، قاله ابن عيينة. قال ابن مسعود: وهذِه
стр. 17148
الآية أجمع آية في القرآن لخير أو شر. (ويمكن) (١) أن يتخرج تأويل البخاري على هذا القول.
وقوله: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠] يعني: عن كل فعل أو قول قبيح. وقال ابن عباس: هو الزنا والبغي. قيل: هو الكبر والظلم. وقيل: التعدي ومجاوزة الحد (٢).
وقال ابن عيينة: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٣] المراد بها: أن البغي تُعجَّل عقوبته لصاحبه في الدنيا، يقال: للبغي مصرعة.
(فصل:
احتج بهذِه الآية من نفى دليل القرآن؛ لأنه تعالى فرق بين العدل والإحسان، والعدل واجب والإحسان مندوب نظيره ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] وذكر المالكية فيه حديث: نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن (٣). قالوا ومهر البغي ليس كثمن الكلب) (٤).
فصل:
قوله: ("مَطْبُوبٌ") كنوا بالطب عن السحر تفاؤلًا بالبرء، كما كنوا بالسليم عن اللديغ. والجف بالجيم وعاء الطلع.
стр. 17149
وحكى ابن التين خلافًا في لبيد، فقيل: كان يهوديًّا، وقيل: منافقًا. ورواية البخاري صريحة في الأول، وقد سلف أيضًا ما فيه.
وقوله: "تحت رعوفة" قال عياض: كذا جاء في بعض روايات البخاري بغير ألف، والمعروف في اللغة الأخرى: أرعوفة أي: بالضم، وراعوفة. ويقال: راعوثة، بالثاء أيضًا، وهي صخرة تترك في أصل البئر عند حفرة ناتئة ليجلس عليها منقيه والمائح متى احتاج، ومثله لأبي عبيد (١). وقيل: هو حجر على رأس البئر يستقي عليه المستقي. وقيل: حجر بارز من طيها يقف عليه المستقي والناظر فيها. وقيل: حجر ناتئ في بعض البئر، لم يمكن قطعه لصلابته، (فترك) (٢).
وقوله: (فهلا تنشرت) قال الجوهري: التنشير من النشرة، وهي كالرقية، فإذا نشر المسموم فكأنما نشط من عقالٍ، أي: يذهب عنه سريعًا (٣).
وفي الحديث: لعل طبًّا أصابه. يعني: سحرًا. ثم نشره بـ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١] أي: رقاه، وكذا عند القزاز. وقال الداودي: (معناه) (٤) هلا اغتسلت ورقيت.
وظاهر الحديث أن تنشرت: أظهرت السحر، توضحه الرواية الأخرى: هلا استخرجته (٥).
стр. 17150
وروي أنه سئل عن النشرة، فقال: "هي من عمل الشيطان" (١).
وقال الحسن: النشرة من السحر، وهو ضرب من الرقى والعلاج، يعالج به من كان يظن أن به شيئًا من الجن.
وقال عياض: النشرة نوع من التطبب بالاغتسال على هيئات مخصوصة بالتجربة لا يحتملها القياس الصبي، وقد اختلف العلماء في جوازها (٢)، وقد أسلفناه.
стр. 17151
٥٧ - باب مَا يُنْهَى عَنِ التَّدَابُرِ وَالتَّحَاسُدِ، وَقَوْلِهِ : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ٥]
٦٠٦٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا». [انظر: ٥١٤٣ - مسلم: ٢٥٦٣ - فتح ١٠/ ٤٨١]
٦٠٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ». [٦٠٧٦ - مسلم: ٢٥٥٩ - فتح ١٠/ ٤٨١].
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ" إلى قوله: "ولا تحاسدوا ولا تدابروا، ولا تحسسوا ولا تجسسوا"
وحديث أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا".
فيه: الأمر بالألفة والمحبة، والنهي عن التباغض والتدابر، وما أمرهم الشارع فعليهم العمل به، وما نهاهم عنه فعليهم الانتهاء عنه، وغير موسع عليهم مخالفته، إلا أن يخيرهم أن مخرج أمره لهم ونهيه على وجه الندب والإرشاد، وقد سلف في باب الحب في الله قوله ﵇: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا" (١).
стр. 17152
فدل ذَلِكَ أن أمره ونهيه في هذا الحديث على الوجوب، وقال أبو الدرداء: ألا أخبركم بخير لكم من الصدقة والصيام صلاح ذات البين، وإن البغضة هي الحالقة (١)؛ لأن في تباغضهم افتراق كلمتهم وتشتت أمرهم، وفي ذَلِكَ ظهور عدوهم عليهم ودروس دينهم.
وفيه: النهي عن الحسد على النعم، وقد نهى الله عباده المؤمنين عن أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض، وأمرهم أن يسألوه من فضله. وسنزيد فيه في باب النهي -إن شاء الله- وقد أجاز الشارع الحسد في الخير كما مضى، ويأتي.
وفيه: النهي عن التجسس وهو البحث عن بواطن الأمور للناس، وأكثر ما يقال ذَلِكَ في الشر. وقال ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني: الجاسوس: صاحب الشر، والناموس: صاحب الخير.
قال الخطابي: وأما (بالحاء) (٢) فقيل كالجيم، وبه قرأ الحسن الآية، ومنهم من فرق بينهما فقيل: بالجيم البحث عن عورات المسلمين، (وبالحاء: الاستماع لحديث القوم. ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير) (٣)، وقيل: بالحاء أن تطلب لنفسك، وبالجيم: أن تكون رسولاً لغيرك، قاله أبو عمرو (٤).
وقال ابن وهب: بالجيم إذا تخبرها من غيره، وبالحاء إذا تولاها بنفسه، وقيل: اشتقاقه من الحواس؛ ليدرك ذَلِكَ بها، وقيل: بالجيم: في الشر خاصة، وبالحاء فيه وفي الخير.
стр. 17153
وقد فسر البخاري في بعض الروايات الجيم بأنه البحث، وهو في معنى ما سلف، وفي البخاري ذكر الجاسوس، وفسره من رواية الحموي بأنه: البحث عن الخير، وقيل: عن العدو، وقال ابن الأنباري: إنما سبق أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ؛ كقولهم بعدًا أو سحقًا. قيل: وقد يكون الخير بالعين.
فصل:
معنى: "لَا تَدَابَرُوا": لا تهاجروا، وهو أن يولي كل واحد منهما صاحبه دبره، وقيل: لا يتكلم أحد في غيبة أحد بما يسوءه، وقال الهروي: التدابر: التقاطع يقال: تدابر القوم، أي: أدبر كل واحد عن صاحبه (١).
وقال صاحب "العين": دابرت الرجل: عاديته، ومنه قولهم: جعلته دبر أذني أي: خلفها (٢).
стр. 17154
٥٨ - باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]
٦٠٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا». [انظر: ٥١٤٣ - مسلم: ٢٥٦٣ - فتح ١٠/ ٤٨٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله بزيادة: "ولا تناجشوا" وقد سلف بيانه
ذكر فيه ابن بطال حديث أنس أيضًا. قال الخطابي: قوله "إِيَّاكمْ وَالظَّنَّ" كأنه أراد النهي عن تحقيق ظن السوء وتصديقه دون ما يهجس في القلب من خواطر الظنون فإنها لا تملك. قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] فلم يجعل الظن كله إثمًا. قال غيره: فنهى ﵇ أن تحقق على أخيك ظن السوء، إذا كان الخير غالبًا عليه (١).
وقال الإسماعيلي في "صحيحه": إذا كان الظن لدلالة تدل عليه، وشهادة تشهد بصحته فذلك ما لا امتناع فيه، وعلى هذا ما روي في الملاعنة إن وضعت كذا، فلا أراه إلا من الذي رميت به، وهذا من المباح، ولكنه لا يجوز تحقيقه والحكم، والممنوع منه إعمال الظن وتحقيقه أيضًا.
стр. 17155
قلت: وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا يحل لمسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مصدرًا، وقال علي: من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال، ومن حسنت علانيته فنحن لسريرته أرجا.
وروى معمر عن إسماعيل بن أمية قال: ثلاث لا يعجزن ابن آدم: الطيرة، وسوء الظن، والحسد. قال: فينجيك من سوء الظن أن لا تتكلم به، وينجيك من الحسد أن لا تبغي أخاك سوءًا، وينجيك من الطيرة أن لا تعمل بها (١).
فصل:
قد أسلفت لك أن حديث أنس ﵁ ذكره ابن بطال هنا ولم نره في الأصول، ثم أورد سؤالًا فقال: إن قلت: ليس في حديث أنس ذكر الظن، فما وجه ذكره؟ ثم أجاب بأن التباغض والتحاسد أصلهما سوء الظن، وذلك أن المباغِض والمحاسِد يتأول أفعال من يبغضه ويحسده على أسوأ التأويل، وقد أوجب الله أن يكون ظن المؤمن بالمؤمن حسنًا أبدًا، إذ يقول ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، فإذا جعل الله سوء الظن بالمؤمنين إفكًا مبينًا فقد لزم أن يكون حسن الظن بهم صدقًا بينًا (٢). وتبعه في ذَلِكَ ابن التين.