← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 17151–17190 · переход к 17156.

стр. 17151

٥٧ - باب مَا يُنْهَى عَنِ التَّدَابُرِ وَالتَّحَاسُدِ، وَقَوْلِهِ : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ٥] ٦٠٦٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا». [انظر: ٥١٤٣ - مسلم: ٢٥٦٣ - فتح ١٠/ ٤٨١] ٦٠٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ». [٦٠٧٦ - مسلم: ٢٥٥٩ - فتح ١٠/ ٤٨١]. ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ" إلى قوله: "ولا تحاسدوا ولا تدابروا، ولا تحسسوا ولا تجسسوا" وحديث أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا". فيه: الأمر بالألفة والمحبة، والنهي عن التباغض والتدابر، وما أمرهم الشارع فعليهم العمل به، وما نهاهم عنه فعليهم الانتهاء عنه، وغير موسع عليهم مخالفته، إلا أن يخيرهم أن مخرج أمره لهم ونهيه على وجه الندب والإرشاد، وقد سلف في باب الحب في الله قوله ﵇: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا" (١).

стр. 17152

فدل ذَلِكَ أن أمره ونهيه في هذا الحديث على الوجوب، وقال أبو الدرداء: ألا أخبركم بخير لكم من الصدقة والصيام صلاح ذات البين، وإن البغضة هي الحالقة (١)؛ لأن في تباغضهم افتراق كلمتهم وتشتت أمرهم، وفي ذَلِكَ ظهور عدوهم عليهم ودروس دينهم. وفيه: النهي عن الحسد على النعم، وقد نهى الله عباده المؤمنين عن أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض، وأمرهم أن يسألوه من فضله. وسنزيد فيه في باب النهي -إن شاء الله- وقد أجاز الشارع الحسد في الخير كما مضى، ويأتي. وفيه: النهي عن التجسس وهو البحث عن بواطن الأمور للناس، وأكثر ما يقال ذَلِكَ في الشر. وقال ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني: الجاسوس: صاحب الشر، والناموس: صاحب الخير. قال الخطابي: وأما (بالحاء) (٢) فقيل كالجيم، وبه قرأ الحسن الآية، ومنهم من فرق بينهما فقيل: بالجيم البحث عن عورات المسلمين، (وبالحاء: الاستماع لحديث القوم. ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير) (٣)، وقيل: بالحاء أن تطلب لنفسك، وبالجيم: أن تكون رسولاً لغيرك، قاله أبو عمرو (٤). وقال ابن وهب: بالجيم إذا تخبرها من غيره، وبالحاء إذا تولاها بنفسه، وقيل: اشتقاقه من الحواس؛ ليدرك ذَلِكَ بها، وقيل: بالجيم: في الشر خاصة، وبالحاء فيه وفي الخير.

стр. 17153

وقد فسر البخاري في بعض الروايات الجيم بأنه البحث، وهو في معنى ما سلف، وفي البخاري ذكر الجاسوس، وفسره من رواية الحموي بأنه: البحث عن الخير، وقيل: عن العدو، وقال ابن الأنباري: إنما سبق أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ؛ كقولهم بعدًا أو سحقًا. قيل: وقد يكون الخير بالعين. فصل: معنى: "لَا تَدَابَرُوا": لا تهاجروا، وهو أن يولي كل واحد منهما صاحبه دبره، وقيل: لا يتكلم أحد في غيبة أحد بما يسوءه، وقال الهروي: التدابر: التقاطع يقال: تدابر القوم، أي: أدبر كل واحد عن صاحبه (١). وقال صاحب "العين": دابرت الرجل: عاديته، ومنه قولهم: جعلته دبر أذني أي: خلفها (٢).

стр. 17154

٥٨ - باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] ٦٠٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا». [انظر: ٥١٤٣ - مسلم: ٢٥٦٣ - فتح ١٠/ ٤٨٤] ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله بزيادة: "ولا تناجشوا" وقد سلف بيانه ذكر فيه ابن بطال حديث أنس أيضًا. قال الخطابي: قوله "إِيَّاكمْ وَالظَّنَّ" كأنه أراد النهي عن تحقيق ظن السوء وتصديقه دون ما يهجس في القلب من خواطر الظنون فإنها لا تملك. قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] فلم يجعل الظن كله إثمًا. قال غيره: فنهى ﵇ أن تحقق على أخيك ظن السوء، إذا كان الخير غالبًا عليه (١). وقال الإسماعيلي في "صحيحه": إذا كان الظن لدلالة تدل عليه، وشهادة تشهد بصحته فذلك ما لا امتناع فيه، وعلى هذا ما روي في الملاعنة إن وضعت كذا، فلا أراه إلا من الذي رميت به، وهذا من المباح، ولكنه لا يجوز تحقيقه والحكم، والممنوع منه إعمال الظن وتحقيقه أيضًا.

стр. 17155

قلت: وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا يحل لمسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مصدرًا، وقال علي: من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال، ومن حسنت علانيته فنحن لسريرته أرجا. وروى معمر عن إسماعيل بن أمية قال: ثلاث لا يعجزن ابن آدم: الطيرة، وسوء الظن، والحسد. قال: فينجيك من سوء الظن أن لا تتكلم به، وينجيك من الحسد أن لا تبغي أخاك سوءًا، وينجيك من الطيرة أن لا تعمل بها (١). فصل: قد أسلفت لك أن حديث أنس ﵁ ذكره ابن بطال هنا ولم نره في الأصول، ثم أورد سؤالًا فقال: إن قلت: ليس في حديث أنس ذكر الظن، فما وجه ذكره؟ ثم أجاب بأن التباغض والتحاسد أصلهما سوء الظن، وذلك أن المباغِض والمحاسِد يتأول أفعال من يبغضه ويحسده على أسوأ التأويل، وقد أوجب الله أن يكون ظن المؤمن بالمؤمن حسنًا أبدًا، إذ يقول ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، فإذا جعل الله سوء الظن بالمؤمنين إفكًا مبينًا فقد لزم أن يكون حسن الظن بهم صدقًا بينًا (٢). وتبعه في ذَلِكَ ابن التين.

стр. 17156

٥٩ - باب مَا يَكُونُ مِنَ الظَّنِّ ٦٠٦٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا». قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. [٦٠٦٨ - فتح ١٠/ ٤٨٥] ٦٠٦٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بِهَذَا. وَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ». [انظر: ٦٠٦٧ - فتح ١٠/ ٤٨٥] ذكر فيه حديث عائشة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ : "مَا أَظُنُّ أن فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا". قَالَ اللَّيْثُ -يعني أحد رواته-: كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ المُنَافِقِينَ. حَدَّثنَا يحيى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ بهذا. وَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الذِي نَحْنُ عَلَيْهِ". الشرح: سوء الظن جائز عند أهل العلم إن كان مظهرًا للقبيح، ومجانبًا لأهل الصلاح، وغير مشاهد للصلوات في الجماعة. وقد قال ابن عمر ﵁: كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء والصبح أسأنا به الظن (١). والظن هنا بمعنى اليقين؛ لأنه كان يعرف المنافقين حقيقةً بإعلام الله له بهم في سورة براءة.

стр. 17157

وقال ابن عباس: كنا نسمي سورة براءة الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتَّى خشينا (١)؛ لأن الله قد (حكى) (٢) فيها أقوال المنافقين، وأذاهم رسول الله ﷺ ، ولمزهم في الصدقات وغيرها، إلا أن الله لم يأمره بقتلهم، ونحن لا نعلم بالظن مثل ما علمه؛ لأجل نزول الوحي عليه، فلم يجب لنا القطع على الظن، غير أنه من ظهر منه فعل منكر وقد عرض نفسه لسوء الظن والتهمة في دينه، فلا حرج على من أساء الظن به. ونقل ابن التين هذا عن بعضهم، قال: واستبعده الداودي، فقال: تأويل الليث بعيد، وإنما يظن بهذا (إلا ببين) (٣) النفاق، ولم يحققه، ولم يكن يعلم المنافقين كلهم. قال تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].

стр. 17158

٦٠ - باب سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ ٦٠٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ». [مسلم: ٢٩٩٠ - فتح ١٠/ ٤٨٦] ٦٠٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَمْ. وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ». [انظر: ٢٤٤١ - مسلم: ٢٧٦٨ - فتح ١٠/ ٤٨٦] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المجاهرة أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ". وحديث ابن عمر ﵄ أن رجلاً سأله: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوى؟ قَالَ: "يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَمْ. وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وأنا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ".

стр. 17159

الشرح: (حديث أبي هريرة أخرجه مسلم آخر كتابه، وحديث ابن عمر سلف في المظالم والتفسير، ويأتي في التوحيد (١)، وأخرجه مسلم في التوبة) (٢). والحديث الأول دال على الستر وقبح الهتك. والثاني: من عظم ما لهذِه الأمة من الرجاء. وروي عن ابن مسعود أنه قال: ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرة (٣)، وهو مأخوذ من حديث النجوى. وقال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] قال: أما الظاهرة: فالإسلام، وما حسن من خلقك، وأفضل عليك من الرزق. وأما الباطنة: فما ستر عليك من الذنوب والعيوب (٤). وفي ستر المؤمن على نفسه منافع، منها: أنه إذا اختفى بالذنب عن العباد لم يستخفوا به ولا يستذلوه؛ لأن المعاصي تذل أهلها، ومنها: أنه إن كان ذنبًا يوجب الحد سقطت عنه المطالبة في الدنيا، أي: بالنسبة إلى الباطن، أما إذا ثبت عليه فإنه يحد وإن قال: تبت. وفي المجاهرة بالمعاصي الاستخفاف بحق الله وحق رسوله، وضرب من العناد لهما؛ فلذلك قال ﵇: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين".

стр. 17160

فصل: قوله: ("إِلَّا المُجَاهِرِينَ") ذكره ابن التين بلفظ: "المجاهرون" ثم قال: كذا وقع، وصوابه عند البصريين: "الْمُجَاهِرِينَ" وأجاز الكوفيون الرفع في الاستثناء المنقطع في قوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الكهف: ٥٠] ولم يجزه البصريون. فصل: الكنف -بالنون- الستر. ومعنى الدنو من الرب: القرب منه. قال ابن فورك: معناه: يقرب من رحمته وكرمه ولطفه؛ لاستحالة حمله على قرب المسافة والنهاية، إذ لا يجوز ذَلِكَ على الله؛ لأنه لا يحويه مكان، ولا يحيط به موضع، ولا تقع عليه الحدود. والعرب تقول: فلان قريب من فلان. يريدون به قرب المنزلة، وعلو الدرجة عنده (١). وقوله: ("فيضع كنفه عليه") يبين ما أشرنا إليه في معنى الدنو، وذلك أن لفظ الكنف إنما يستعمل في مثل هذا المعنى، ألا ترى أنه يقال: أنا في كنف فلان. إذا أراد أن يعرف إسباغ فضله عليه وتوقيره عنده، فعبر ﵇ بالكنف عن ترك إظهار جرمه للملائكة وغيرهم بإدامة الستر الذي مَنَّ به على العبد في الدنيا، وجعله سببًا لمغفرته له في الآخرة، ودليلًا للمذنب على عفوه، ودليلًا له على نعمة الخلاص من فضيحة الدنيا

стр. 17161

وعقوبة الآخرة، التي هي أشد من الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٢٧] فيشكر ربه ويذَّكر، وهذا الحديث كقوله: "إن رحمتي سبقت غضبي" (١)؛ لأن تأخير غضبه عنه عند مجاهرته ربه (بالمعصية) (٢)، وهو يعلم أنه لا تخفى عليه خافية، مما يعلم بصحيح النظر أنه لم يؤخر عقوبته عنه لعجز عن إنفاذها عليه، إلا لرحمته التي حكم لها بالسبق لغضبه، إذ ليس من صفة رحمته التي وسعت كل شيء أن تسبق في الدنيا بالستر من الفضيحة، ويسبقها الغضب من ذَلِكَ الذنب في الآخرة، فإذا لم يكن بد من تغليب الرحمة على الغضب، (فليسر) (٣) المذنبون المستترون بسعة رحمته، وليحذر المجاهرون بالمعاصي وعيد الله النافذ على من شاء من عباده. وفي قوله: "سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" نص منه على صحة قول أهل السنة في ترك إنفاذ الوعيد على العصاة من المؤمنين. والحجة فيه من طريق النظر أنه ليس مذمومًا من وجب له حق على غيره فوهبه له، والمرء قد يقول لعبده: إن صنعت كذا عاقبتك بكذا، على معنى: إنك إن أتيت هذا الفعل كنت مستحقًّا عليه هذِه المعاقبة، فإذا جناها فالسيد غير بين الإمضاء والترك، وإذا قال: إن فعلت كذا وكذا فلك عليَّ كذا وكذا. ففعل ما كلفه، لم يجز أن يخلفه بما وعده؛ لأن في تمام الوعد حقًّا للعبد، وليس لأحد أن يدع حق غيره، كما له أن يدع حق نفسه، والعرب تفتخر بخلف الوعيد، ولو كان مذمومًا لما جاز أن يفتخر بخلفه ويمتدح به.

стр. 17162

أنشد أبو عمرو الشيباني: وإني إن أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فإن أخذ الله المنفذين للوعيد بحكمهم أنفذه عليهم دون غيرهم؛ لقطعهم على الله الواسع الرحمة بإنفاذه الوعيد؛ لظنهم بالله ظن السوء فعليهم دائرة السوء، وكان لهم عند ظنهم كما وعد، فقال: "أنا عند ظن عبد بي، فليظن بي (ما شاء) (١) " (٢). فصل: قوله: ("وإن من المجاهرة"). كذا في الأصول، وذكره ابن التين بلفظ: "إن من المجانة" (٣). ثم قال: والمجانة: أن لا يبالي المرء بما صنع، وهي مصدر مجن يمجن مجونا ومجانة، بفتح الميم. (وفي مسلم: "إن من الاجهار") (٤). وقوله: ("الْبَارِحَة") هي أقرب ليلة مضت، تقول: لقيته البارحة، والبارحة الأولى، وهو من برح، أي: زال.

стр. 17163

٦١ - باب الكِبْرِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] مُسْتَكْبِرٌ فِي نَفْسِهِ، عِطْفُهُ: رَقَبَتُهُ. ٦٠٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَيْسِيُّ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ». [انظر: ٤٩١٨ - مسلم: ٢٨٥٣ - فتح ١٠/ ٤٨٩] ٦٠٧٢ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. [فتح ١٠/ ٤٨٩] ذكر فيه حديث حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الخُزَاعِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ألا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ، لَو أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ جَوَّاظٍ عُتُلٍّ مُسْتَكْبِرٍ". (وهذا سلف في التفسير، ويأتي في الأيمان والنذور (١)، وأخرجه مسلم أيضًا. ثم قال:) (٢) وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، ثَنَا أَنَسٌ قَالَ: كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. وهذا يشبه أن يكون أخذه عن شيخه محمد بن عيسى مذاكرة، وهو ابن الطباع أبو جعفر أخو إسحاق ويوسف، نزل أذنة، روى عن مالك وغيره وعنه أبو داود والدارمي، خرج له النسائي وابن ماجه أيضًا،

стр. 17164

وعلق له البخاري كما ترى، وكان حافظًا مكثرًا فقيهًا. قال أبو داود: كان يحفظ نحوًا من أربعين ألف حديث. وقال أبو حاتم: ثقةٌ مأمونٌ ما رأيت أحفظ منه للأبواب، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (١). وذكر الحافظ أبو سعيد النيسابوري في "شرف المصطفى" التأليف الكبير أن عليَّ بن زيد بن جدعان روى عن أنس ﵁ قال: إن كانت الوليدة من ولائد المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فتذهب به، فما ينزع يده من يدها حتَّى تذهب به حيث شاءت. وعزاه ابن بطال إلى رواية شعبة، عن عليِّ بن زيد به، بزيادة: حتَّى تكون هي تنزعها. قال: وروى شعبة، عن أبان بن تغلب، عن فضيل الفقيمي، عن النخعي، عن علقمة، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" فقال رجل: إن الرجل ليحب أن يكون ثوبه (حسن) (٢) ونعله (حسن) (٢). قال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر من بطر الحق وغمص الناس" (٣). وروى عبد الله بن عمرو بن العاصي: عن رسول الله ﷺ قال: "إن المستكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر على صورة الناس (يطؤهم) (٤) كل شيء من الصَّغار، يساقون حتَّى يدخلوا سجنًا في النار يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار" (٥).

стр. 17165

فإن قلت: فقد وصف ﵇ العتل الجواظ المستكبر أنه من أهل النار، فبين لنا تكبره، على من هو؟ قيل: هو الذي باطنه منطوٍ على التكبر على الله، فهذا كافر لا شك في كفره، وذلك هو الكبر الذي عناه النبي ﷺ بقوله، في حديث ابن مسعود: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه (مثقال حبة) (١) من كبر". والعتل: الجافي الغليظ، ومنه قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٣] قال الفراء: إنه الشديد الخصومة بالباطل (٢). وعلى الأول أهل اللغة. فإن قلتَ: فقد وصفت الكبر بغير ما وصفه به رسول الله ﷺ ، وذلك أنك رويت عنه ﷺ أنه قال: "الكبر من سفه الحق، وغمص الناس وازدرى الحق" (٣) ووصفت أنت الكبر: أنه التكبر على الله. قيل: الكبر الذي وصفناه هو خلاف خشوع القلب لله، ولا ينكر أن يكون من الكبر ما هو استكبار على غير الله، والذي قلنا من معنى الكبر على الله، فإنه غير خارج من معنى ما روينا عنه، أنه من غمص الناس وازدراء الحق، وذلك أن معتقِد الكبر على ربه لا شك أنه للحق مزدرٍ وللناس أشد استحقارًا. ومما يدل على أن المراد بمعنى الآثار في ذَلِكَ عن رسول الله ﷺ ما رواه الطبري، عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث أن

стр. 17166

دراجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "من تواضع لله درجة رفعه الله درجة، ومن تكبر على الله درجة يضعه الله درجة، حتَّى يجعله في أسفل سافلين" (١) فدل هذا الحديث أن غمص الناس وحقر الناس (استكبار) (٢) على الله. وقد روى حماد بن سلمة، عن قتادة وعلي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، فيما يحكيه عن ربه : "الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي قصمته" (٣) فالمستكبر على الله لا شك أنه منازعه رداءه، ومفارق دينه، وحرام عليه جنته، كما قال ﵇ أنه "لا يدخلها إلا نفس مسلمة" (٤) ومن لم يخشع لله قلبه فهو عليه مستكبر إذ معنى الخشوع التواضع وخلافه التكبر والتعظم. فالحق على كل مكلف إشعار قلبه الخشوع بالذلة، والاستكانة له بالعبودية؛ خوف أليم عقابه. وقد روي عن محمد بن عليٍّ أنه قال: ما دخل قلب امرئٍ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثله، قلَّ ذَلِكَ أو كَثُرَ (٥). فصل: سلف تفسير العتلّ، ويأتي تفسيره مع الجواظ في الأيمان والنذور، وفي باب قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩].

стр. 17167

والجواظ: الرجل الجافي الغليظ. وقيل: القصير البطين. وقال الداودي: الجواظ: الجعظري، الكثير اللحم (العظيم) (١) البطن، الغليظ العنق. وقال الجوهري: هو الضخم المختال في مشيته، وكذا عند ابن فارس (٢) والهروي، وقال أحمد بن عبيد: هو الجموع المنوع. فصل: قوله: (﴿عِطْفِهِ﴾: رقبته) عبارة الجوهري: عِطْفَا الرجل: جانباه من لدن رأسه إلى وركيه، وثنى عَنِّي عِطْفَه أي: أعرض (٣). وقوله: ("كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ") قال الداودي: الضعيف في جسمه وماله و (لسانه) (٤)، والمتضاعف: المتواضع. وفي "الصحاح": الضعيف في بدنه، (والمُضعف) (٥) في ذاته (٦). وقال القزاز: ضعيف في جسمه؛ لاجتهاده في عبادته، قوي في طاعته وتصرفه. وقوله: ("لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ") أي: لو أقسم عليه: لتفعلن ما أحب لأَبرَّ قسمه. أي: فعل له ما يكون بفعله قد أبر قسمه.

стр. 17168

٦٢ - باب الهِجْرَةِ وَقَوْلِ النبيّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ". ٦٠٧٣، ٦٠٧٤، ٦٠٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ -هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ وَهْوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ لأُمِّهَا- أَنَّ عَائِشَةَ حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ: وَاللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا. فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِينَ طَالَتِ الْهِجْرَةُ، فَقَالَتْ: لَا وَاللهِ لَا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا، وَلَا أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ -وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ- وَقَالَ لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ لَمَّا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ، فَإِنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِي. فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَا: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا! قَالُوا: كُلُّنَا؟ قَالَتْ: نَعَمِ، ادْخُلُوا كُلُّكُمْ. وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الحِجَابَ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ، وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِى، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلاَّ مَا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولَانِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا [نَذْرَهَا] وَتَبْكِي وَتَقُولُ: إِنِّي نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ. فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً. وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي، حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا. [انظر: ٣٥٠٣ - فتح: ١٠/ ٤٩١] ٦٠٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا

стр. 17169

عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ». [انظر: ٦٠٦٥ - مسلم: ٢٥٥٩ - فتح: ١٠/ ٤٩٢] ٦٠٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». [انظر: ٦٢٣٧ - مسلم: ٢٥٦٠ - فتح: ١٠/ ٤٩٢] هذا الحديث أسنده قريبًا في باب ما ينهى عن التدابر، من طريق أنس ﵁: "لا تباغضوا" وفي آخره: "ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" وذكر في الباب حديث أنس وأبي أيوب. وفي أثناء حديث عائشة الطويل (أيضًا) (١)، وهو صريح في تحريم الهجران فوق ثلاث، وكذا العداوة والإعراض عن المسلم حرامان، وهذا فيمن لم يجن على الدين جناية، فأما من جنى عليه، وعصى ربه، فجاءت الرخصة (في عقوبته) (٢) بالهجران، كالثلاثة المتخلفين عن غزوة تبوك، أمر الشارع بهجرانهم، فبقوا كذلك خمسين ليلة، حتَّى نزلت توبتهم (٣). وآلى ﵇ من نسائه شهرًا (٤). وهذا تخصيص لعموم الخبر. فإن قلت: أيأثم من كلم الفجار والعصاة على علم منهم بها بغير تأويل؟ قلت: إن كلمهم بالتقريع والوعظ لم يأثم، وإن كلمهم على غير ذَلِكَ خشيت عليه الإثم، قاله ابن جرير، إلا أن يكلم من لا يجد من كلامه بدًّا، فيكلمه وهو كاره لطريقته وعليه واجد، كالذي كان من

стр. 17170

أبي قتادة في كعب، إذ ناشده الله: أهل تعلمني أحب الله ورسوله؟ كل ذَلِكَ لا يجيبه، ثم أجابه بأن قال: الله ورسوله أعلم، ولم يزده على ذلك. وقيل: كلامهم مكروه. فرع: اختلف هل يخرج (بالسلام) (١) وحده من الهجران؟ فقالت البغاددة: (نعم) (٢)؛ لقوله ﵇: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" وقاله مالك مرة، وقال: إنه حري إن كان يؤذيه برئ من الشحناء، قال ابن القاسم: وإن كان غير مؤذٍ له لم يخرجه منه إذا اجتنب كلامه. وقال أحمد: ينظر إلى حالهم قبل، فإن علم منه مكالمته والإقبال عليه، فلا يخرجه ذَلِكَ، لا يخرجه السلام ليس معه إعراض. قيل: وروي نحوه عن مالك (٣). ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث: أحدها: حديث عَوْفِ بْنِ الطُّفَيْلِ -هُو ابن الحَارِثِ وَهْو ابن أَخِي عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ لأُمِّهَا- أَنَّ عَائِشَةَ حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعٍ أَو عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ: والله لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أَو لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: أَهُو قَالَ هذا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُو لله عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابن الزُّبَيْرِ أَبَدًا .. الحديث بطوله. عوف هذا هو ابن الحارث بن الطفيل بن عبد الله بن الحارث بن

стр. 17171

سخبرة بن جرثومة بن عادية بن مرة بن جشم بن أوس بن عامر بن حنين بن النمر بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. هكذا ساقه ابن الكلبي. وقال: الطفيل أخو عائشة لأمها أم رومان بنت عمير الكناني. وكانت عائشة ﵂ من أجود الناس، أعطت القاسم بن محمد وابن أبي عتيق ابني أخويها ما أعطت فيه مائة ألف (١)، وأعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف. وإنما كره لها ابن الزبير بيع رباعها، وتأولت هي في هجرانه أنها كانت أمه؛ لأنها أم المؤمنين، فهي أم له لا (خالة) (٢). وذكر أنها قالت لرسول الله ﷺ : ألا تكنيني؟ فقال: "تكني بابنك عبد الله" (٣) فكانت تكنى بأم عبد الله، فرأت (عائشة ﵂) (٤) أنه عقها، وأنه أتاها بما يوجب هجرته، فتنكر له الناس إذ هجرته عائشة، وكان هذا قبل أن يلي؛ لأن عائشة ماتت سنة سبع وخمسين، في خلافة معاوية، وكان ابن الزبير حينئذ لم يلِ.

стр. 17172

فصل: ومعنى (الْهِجْرَة) كما قال الطبري: ترك الرجل كلام أخيه إذا اجتمعا، وأعرض كل واحد منهما عن صاحبه مصارمةً له، وتركًا للكلام له والسلام عليه إذا تلاقيا. وعائشة لم تكن ممن تلقى ابن الزبير، وإنما كانت من وراء حجاب، لا يدخل عليها إلا بإذن، وكان لها منعه من دخوله منزلها (وليس ذلك هجرةً منهيًّا عنها كما لو كانت في بلد آخر، وقيل: إنها تأولت أنه عصى بتنقيصه لها) (١) فهجرته لأنها أم له ولسائر المؤمنين يجب توقيرها ﵂ (٢). فصل: قولها: (لله عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابن الزُّبَيْرِ أَبَدًا) هذا نذر في غير طاعة، فلا يجب عليها شيء عند مالك وغيره (٣)، أو يكون تقدير الكلام: عليَّ نذر إن كلمت ابن الزبير، وظاهر الكلام لا شيء عليه؛ لأن المنذور ترك كلام ابن الزبير؛ لأن (أن) مع الفعل في تأويل المصدر، وإنما يوفى هذا فيما كان طاعة، كالعتق والصلاة والصوم، أما نذر المعصية كالزنا، والمكروه كترك النوافل، والمباح، فلا يلزم الوفاء به (٤). واختلف إذا قال: عليَّ نذر لأفعلن كذا. فكفارته كفارة يمين، كما جاء في مسلم (٥)، وهو قول مالك وغير واحد من التابعين (٦).

стр. 17173

وعن ابن عباس: عليه أغلظ الكفارات كالظهار؛ لأنه لم يسم اليمين بالله، ولا نواها. وقيل: إن شاء صام يومًا، أو أطعم مسكينًا، أو صلى ركعتين؛ لأنه لا يقم ذمته إلا بالأقل، وكل ما يصح أن ينذر. فصل: قوله: (أَنْشُدُكُمَا باللهِ) أي: أسألكما. وهو ثلاثي من نشده بالله، إذا سأله. وقولها: (ولا أتحنث إلى نذري) أي: لا أخالف ما نذرت؛ لأن الحنث: الخلف في اليمين، تقول: أحنث الرجل في يمينه، فحنث. و (التحريج): الإثم والتضييق، يقال: تحرج. أي: تأثم. وأحرجه إليه أي: ألجأه إليه. وقوله: (لما أدخلتماني على عائشة) حكى سيبويه (١): لما فعلت -مشددة -أي: إلا فعلت (٢). وقد قرئ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤] بالتشديد (٣)، تقديره: ما كل نفس إلا عليها حافظ. فتكون (إن) بمعنى: ما. وفي "الصحاح": وقول من قال: لمّا بمعنى إلا، غير معروف في اللغة (٤). الحديث الثاني: حديث أنس السالف في باب: ما ينهى عن التدابر، إلا أنه قال: "فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ" بدل "أيام".

стр. 17174

الحديث الثالث: حديث أَبِي أَيُّوبَ ﵁: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هذا وَيُعْرِضُ هذا، وَخَيْرُهُمَا الذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ". قال الطبري: في حديث أنس وأبي أيوب البيان الواضح أنه غير جائز لمسلم أن يهجر مسلمًا أكثر من ثلاثة أيام، (وأنه إن هجره أكثر من ثلاثة أيام) (١) أثم، وكان أمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه؛ لأنه ﵇ أخبره أنه لا يحل ذَلِكَ، ومن فعل ما هو محظور عليه فقد اقتحم حمى الله، وانتهك حرمته. وفيه: دليل أن هجرته دون ثلاثة أيام مباح (لهما) (٢) ولا تبعة عليهما فيها. وقال غيره: وتجاوز الله لهما عما يعرض لهما من ذَلِكَ في ثلاثة أيام؛ لما فطر الله العباد عليه من ضعف الجبلة وضيق الصدر، وحرَّم عليهما ما زاد على الثلاث؛ لأنه من الغل الذي لا يحل. وروى عيسى، عن ابن القاسم، في الرجل يهجر أخاه إلا أنه يسلم عليه من غير أن يكلمه بغير السلام، هل يبرأ من الشحناء؟ فقال: سمعت مالكًا يقول: إن كان مؤذيًا، إلى آخر ما (أسلفنا. وقال به أحمد أيضًا. كذا نقله عنه ابن بطال (٣)) (٤). وما أسلفناه عنه نقله ابن التين. وقيل لابن القاسم: هل ترى (شهادته عليه) (٥) جائزة باجتنابه كلامه وهو غير مؤذ له؟ قال: لا تقبل شهادته.

стр. 17175

فإن قلت: فحديث عائشة في الباب لما هجرت عبد الله بن الزبير، وحلفت أن لا تكلمه أبدًا، فتحيل عليها بالشفعاء حتَّى كلمته. قيل: معنى الهجرة: هو ترك كلام الرجل أخيه مع تلاقيهما واجتماعهما، وإعراض كل واحد منهما عن صاحبه مصارمة له، وتركًا للسلام، وذلك أن من حق المسلم على المسلم إذ تلاقيا أن يسلم كل واحد منهما على صاحبه، فإذا تركا ذَلِكَ بالمصارمة فقد دخلا فيما حظر الله، واستحقا العقوبة إن لم يعف الله عنهما، فعائشة لم تكن ممن تلقى ابن الزبير فتعرض عن السلام عليه صرمًا له، وإنما كانت من وراء حجاب، ولا يدخل عليها أحد إلا بإذن، وكان لها منع ابن الزبير الدخول كما سلف. وأخبر ﵇ بسبب حظر الله تعالى هجرة المسلم أخاه أن ذَلِكَ إنما هو من أجل تضييعهما ما أوجب الله عليهما عند تلاقيهما، فأما إذا لم يلتقيا فيفرط كل واحد منهما في واجب حق أخيه عليه فذلك بعيد من معنى الهجرة. وقد تأول غير الطبري في هجرة عائشة ﵂ لابن الزبير وجهًا آخر، فقال: إنما ساغ لعائشة ذَلِكَ؛ لأنها أم المؤمنين ولازم توقيرها وبرها لجميع المؤمنين، وتنقصها كالعقوق لها، فهجرت ابن الزبير أدبًا له، ألا ترى أنه لما فرغ نزع عن قوله، وندم عليه، وتشفع إليها، رجعت إلى مكالمته، وكفرت يمينها. وهذا من باب إباحة هجران من عصى والإعراض عنه حتَّى يفيء إلى الواجب عليه.

стр. 17176

٦٣ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الْهِجْرَانِ لِمَنْ عَصَى وَقَالَ كَعْبٌ حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا. وَذَكَرَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. ٦٠٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنِّي لأَعْرِفُ غَضَبَكِ وَرِضَاكِ». قَالَتْ: قُلْتُ: وَكَيْفَ تَعْرِفُ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِنَّكِ إِذَا كُنْتِ رَاضِيَةً قُلْتِ: بَلَى وَرَبِّ مُحَمَّدٍ. وَإِذَا كُنْتِ سَاخِطَةً قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ». قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ، لَسْتُ أُهَاجِرُ إِلاَّ اسْمَكَ. [انظر: ٥٢٢٨ - مسلم: ٢٤٣٩ - فتح ١٠/ ٤٩٧] وسلف مسندًا (١). وذكر بإسناده حديث عائشة قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لأَعْرِفُ غَضَبَكِ (من) (٢) رِضَاكِ". قَالَتْ: وَكَيْفَ تَعْرِفُ ذلك يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "إِنَّكِ إِذَا كُنْتِ رَاضِيَةً قُلْتِ: بَلَى وَرَبِّ مُحَمَّدٍ. وَإِذَا كُنْتِ سَاخِطَةً قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ". قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ، لَسْتُ أُهَاجِرُ إِلَّا اسْمَكَ. الشرح: (أَجَلْ): جواب مثل نعم. قال الأخفش: إلا أنها أحسن من نعم فإذا قال: سوف نذهب، قلت: أجل، كان أحسن من نعم، وإذا قال: أنذهب؟ قلت: (نعم)، كان أحسن من أجل. والحديث على هذا؛ لأنه أخبرها بصفة حالها معه ولم يستفهمها، فقالت: أجل. قال المهلب: غرض البخاري في هذا الباب أن يبين صفة (٣)

стр. 17177

الهجران الجائز، وأن ذَلِكَ متنوع على قدر الإجرام، فمن كان جرمه كبيرًا فينبغي هجرانه واجتنابه وترك مكالمته كما في أمر كعب بن مالك وصاحبيه. وما كان [من] (١) المغاضبة بين الأهل والإخوان فالهجران الجائز فيها هجران التحية والتسمية وبسط الوجه، كما فعلت عائشة في مغاضبتها مع رسول الله ﷺ . قال الطبري: في حديث كعب بن مالك أصل في هجران أهل المعاصي والفسوق والبدع؛ ألا ترى أنه ﵇ نهى عن كلامهم بتخلفهم عنه، ولم يكن ذَلِكَ كفرًا ولا ارتدادًا، وإنما كان معصية ركبوها فأمر بهجرهم، حتَّى تاب الله عليهم، ثم أذن في مراجعتهم. فكذلك الحق في كل من أحدث ذنبًا خالف به أمر الله ورسوله فيما لا شبهة فيه ولا تأويل، أو ركب معصية على علم أنها معصية لله، أن يهجر غضبًا لله ولرسوله ولا يكلم حتَّى يتوب وتعلم توبته علمًا ظاهرًا، كما قال في قصة الثلاثة الذين خلفوا. فإن قلتَ: أفيحرج مكلم أهل المعاصي والبدع على كل وجه؟ قلتُ: أجبنا عنه فيما سلف بتفصيل. فإن قلتَ: فإنك تبيح كلام أهل الشرك بالله ولا توجب على المسلمين هجرتهم، فكيف ألزمتنا هجرة أهل البدع والفسوق وهم بالله ورسوله مُقِرُّون؟ قيل: إن حظرنا ما حظرنا وإطلاقنا ما أطلقنا لم يكن إلا عن أمر من لا يسعنا خلاف أمره، وذلك نهيه ﵇ عن كلام النفر المتخلفين عن تبوك وهم بوحدانية الله مقرون، وبنبوة نبيه معترفون. وأما المشركون فإنما

стр. 17178

أطلقت لأهل الإيمان كلامهم؛ لإجماع الجميع على إجازتهم البيع والشراء منهم والأخذ والإعطاء. ولقد يلزم في هجرة كثير من المسلمين في بعض الأحوال ما لا يلزم في هجرة كثير من أهل الكفر، وذلك أنهم أجمعوا على أن رجلاً من المسلمين لو لزمه حد من حدود الله في غير الحرم ثم استعاذ به أنه لا يبايع ولا يكلم ولا يجالس حتَّى يخرج من الحرم فيقام عليه حد الله -كذا ادعاه الطبري ولا يسلم له؛ فالخلاف ثابت- (ولله أحكام في خلقه جعلها) (١) بينهم في الدنيا مصلحة لهم، هو أعلم بأسبابها وعليهم التسليم لأمره فيها؛ لأن له الخلق والأمر (٢).

стр. 17179

٦٤ - باب هَلْ يَزُورُ صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ؟ ٦٠٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلاَّ أَمْرٌ. قَالَ: «إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ». [انظر: ٤٧٦ - فتح: ١٠/ ٤٩٨] ذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيًا، فَبَينا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قًالَ قَائِلٌ: هذا رَسُولُ اللهِ ﷺ .. الحديث. فيه: ما ترجم له، وهو زيارة الصديق الملاطف مرتين كل يوم، وليس بمعارض لحديث أبي هريرة: "زر غِبًّا تزدد حبًّا" (١) (ذكره أبو عبيد

стр. 17180

في "الأمثال". وأما في قوله هذا إعلام منه أن إغباب الزيارة أزيد في المحبة) (١)، وأثبت في المودة؛ لأن مواترة الزيارة والإكثار منها ربما أدت إلى الضجر وأبدت أخلاقًا كامنة لا تظهر عند الإغباب، فآلت إلى البغضة وكانت سببًا للقطيعة (أو) (٢) للزهد في الصديق. وفي حديث عائشة في هذا الباب جواز زيارة الصديق الملاطف لصديقه كل يوم على قدر حاجته إليه والانتفاع به في مشاركته له، فهما حديثان مختلفان ولا تعارض؛ إذ لكل واحد معنى، وما أحسن قوله: إذا حققت من شخصٍ ودادًا … فزره ولا تخف منه ملالًا وكن كالشمس تطلع كل يوم … ولا تك في زيارته هلالًا ردًّا على قول الآخر: لا تزر من تحب في كل شهر … غير يوم ولا تزده عليه فاجتلاء الهلال في الشهر يومًا … ثم لا تنظر العيون إليه فصل: قولها: (فبينا نَحْنُ). قال الجوهري: بينا فعلى أُسقطت الفتحة فصارت ألفًا. وبينا زيدت عليه ما، والمعنى واحد (٣)، وكان الأصمعي يخفض بعد بينا (إذا صلح في موضعه بين) (٤) وغيرهُ يرفع

стр. 17181

ما بعد بينا، وبينما على الابتداء. والظهيرة: الهاجرة، ونحرها: أولها، قال الجوهري: نحر النهار: أوله (١). ومعنى: (يدينان الدين): يطيعان الله، ولم تولد عائشة إلا بعد مبعثه ﵇ بسنتين على قول مالك بن أنس، وعلى قولها وقول ابن عباس بعد المبعث بخمس، وقيل: بسبع. وهذا قول ابن عباس الآخر أنه ﵇ توفي ابن خمس وستين. والبكرة: من طلوع الشمس إلى نصف النهار. والعشي: ما بعد نصف النهار، قاله الداودي. وقال الجوهري: العشاء والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة، قال: والعشاء بالكسر والمد (٢). وزعم قوم أن العشاء من الزوال إلى طلوع الفجر، وقال ابن فارس: ويقال العشاء من الزوال إلى الصباح والعشاء (من) (٣) صلاة المغرب (إلى) (٤) العتمة (٥). فائدة: فيه: زيارة الفاضل المفضول. فإن قلت كان الصديق أولى بالزيارة، ولدفع مشقة التكرار عنه. قلت: لم يكن إتيان الشارع له للزيارة، وإنما كان لما يتزايد عنده من المعالم.

стр. 17182

٦٥ - باب الزِّيَارَةِ، وَمَنْ زَارَ قَوْمًا فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ وَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَكَلَ عِنْدَهُ. ٦٠٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ زَارَ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الأَنْصَارِ فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَمَرَ بِمَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَنُضِحَ لَهُ على بِسَاطٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُمْ. [انظر: ٦٧٠ - فتح ١٠/ ٤٩٩] وقد سلف مسندًا. ثم ساق حديث أنس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ زَارَ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الأَنْصَارِ فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَمَرَ بِمَكَانٍ مِنَ البَيْتِ، فَنُضِحَ لَهُ عَلَى بِسَاطٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ودَعَا لهم. لا شك أن من تمام الزيارة إطعام الزائر ما حضر، وإتحافه بما تيسر، وذلك من كريم الأخلاق: وهما مما يثبت المودة ويؤكد المحبة. وفيه: أن الزائر إذا أكرمه المرء أنه ينبغي له أن يدعو له ولأهل بيته ويبارك في طعامهم وفي رزقهم. وهذا البيت هو بيت جدته (مليكة) (١). ومعنى (طَعِمَ): أكل، وهو بكسر العين؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقد يكون بمعنى: ذاق؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] والبساط: هنا هو الحصير كما جاء في حديث آخر.

стр. 17183

واختلف: لِمَ نضحه؟ فقيل: لما شك فيه. وقيل: لتليينه. وقيل: صب عليه صبًّا فيكون كالغسل، كما قيل في نضح بول الصبي، ويحتمل أن يريد الرش. وفيه أيضًا: جواز الصلاة على الحصير، وإن حمل على ظاهره ففيه جواز الصلاة على ما لا تنبته الأرض. وفيه: مكافأة من أطعم.

стр. 17184

٦٦ - باب مَنْ تَجَمَّلَ لِلْوُفُودِ ٦٠٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: مَا الإِسْتَبْرَقُ؟ قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ وَخَشُنَ مِنْهُ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: رَأَى عُمَرُ عَلَى رَجُلٍ حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْتَرِ هَذِهِ فَالْبَسْهَا لِوَفْدِ النَّاسِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». فَمَضَى فِي ذَلِكَ مَا مَضَى، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَيْهِ بِحُلَّةٍ، فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ وَقَدْ قُلْتَ فِي مِثْلِهَا مَا قُلْتَ! قَالَ: «إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا مَالاً». فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ لِهَذَا الْحَدِيثِ. [انظر: ٨٨٦ - مسلم: ٢٠٦٨ - فتح: ١٠/ ٥٠٠] ذكر فيه حديث عمر ﵁ في الحلة للتجمل، وقد سلف، وفي آخره: فكان ابن عمر ﵄ يكره العلم في الثوب، لهذا الحديث. وفيه: ما ترجم له، وهو تجمل الخليفة والإمام للقادمين عليه بحسن الزي وجميل الهيئة، ألا ترى قول عمر لرسول الله ﷺ : اشتر هذِه فالبسها لوفد الناس إذا قدموا عليك. وهذا يدل أن عادته ﵇ كانت جارية بالتجمل لهم، فينبغي الاقتداء بهم في ذَلِكَ؛ ففيه تفخيم الإسلام ومباهاة العدو وغيظ له. وقد سلف في اللباس خلاف العلماء في لبس الحرير، ومما ذكرناه يظهر لك الرد على الداودي حيث ادعى أن ما ذكره ليس مطابقًا لما ترجم له، معللًا بأنه ليس في الحديث أنه تجمل إنما قيل تفعل. قال: ولو قال التجمل للوفد لاحتمل؛ لأنه ﵇ لم ينكر عليه، غير أنه لا يقال فعل إلا ممن ثبت منه فعل، فاعلم ذَلِكَ.

стр. 17185

وقوله: (فكان ابن عمر يكره العلم في الثوب؛ لهذا الحديث). وهو كما قال الخطابي: مذهب ابن عمر في هذا الورع، وكذلك كان يتوخى في أكثر مذاهبه الاحتياط في أمر الدين. وكان ابن عباس ﵄ يقول في روايته إلا علمًا في ثوب، وكذلك هو؛ لأن العلم لا يقع عليه اسم اللبس. قال: ولو حلف لا يلبس غزل فلانة فلبس ما فيه غزلها، ولغيرها فإن كان غزلها لو انفرد وكان يبلغ إذا نسج أدنى شيء مما يقع عليه اسم اللبس حنث، فإن لم يبلغ قدر ذَلِكَ لم يحنث. والعلم لا يبلغ هذا القدر، فكان قول ابن عباس أشبه (١). فصل: قوله في (الحُلَّة): (إنما بعثت إليك؛ لتصيب بها مالاً). أي: لتتخذها مالاً وقيل: لتلبسها. وقوله في أوله: (عن يحيى بن إسحاق قال: قال لي سالم بن عبد الله: ما الإستبرق؟ قلت: ما غلظ من الديباج وخشن منه). وهذا هو المشهور، وقيل: مخمله. وقال الداودي: هو رقيقه. قال القزاز: وقيل: فيه ذهب، وأصله فارسي: استبره، فرد: استبرق. وقال الزجاج: هو مأخوذ من البريق: هو الذي يجعل على الكعبة. (و (غلظ): بضم اللام، مثل: كرم وشرف) (٢).

стр. 17186

٦٧ - باب الإِخَاءِ وَالْحِلْفِ وَقَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ ﵁: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. ٦٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». [انظر: ٢٠٤٩ - مسلم: ١٤٢٧ - فتح: ١٠/ ٥٠١] ٦٠٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ»؟. فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي. [انظر: ٢٢٩٤ - مسلم: ٢٥٢٩ - فتح: ١٠/ ١٠٥١] سلفا مسندين (١)، وقد أسند الثاني هنا من حديث أنس ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وحديث عاصم: قُلْتُ لأَنَسِ: أَبَلَغَكَ أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: "لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ؟ ". فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النبي ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي. الشرح: آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار أول قدومه المدينة، وحالف بينهم، وقد عقد البخاري بابًا قبل الغزوات وأوضحناه هناك، وكانوا يتوارثون بذلك الإخاء والحلف دون ذوي الرحم، قال سعيد بن جبير: وقد عاقد أبو بكر رجلاً فورثه. قال الحسن: كان هذا قبل آية

стр. 17187

المواريث، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذَلِكَ. قال ابن عباس: فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] يعني: ورثة، نسخت. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] يعني: من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث (١) قال الطبري: ولا يجوز الحلف اليوم في الإسلام؛ لحديث جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة" (٢). وقال ابن عباس: نسخ الله حلف الجاهلية وحلف الإسلام بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وردّ المواريث إلى القرابات. ومعنى: "وما كان من حلف .. " إلى آخره قيل: الذي أمر (به النبي) (٣) ﵇ (بالوفاء به) (٤)، من ذَلِكَ هو ما لم ينسخه الإسلام، ولم يبطله حكم القرآن، وهو التعاون على الحق والنصرة على الأخذ على يد الظالم الباغي. وصفة الحلف في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل والقبيل للقبيل: دمي دمك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، ويشترط النصر والرفادة. ويقال: إن الحليف كان يرث السدس ممن يحالفه حتَّى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ الآية (٥).

стр. 17188

وكان الإخاء بغير أيمان، وكانوا يتوارثون به إذا لم يكن للمهاجر من ورثة من أهل الهجرة بالنسب، وارث ممن آخاه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] الآية، ثم نسخ بأولي الأرحام (١). وسمي الحليف؛ لأنهم كانوا يتحالفون على ذَلِكَ، هذا قول الداودي. وقال الجوهري في الحديث: أنه ﵇ حالف بين قريش والأنصار وآخى بينهم؛ لأنه لا حلف في الإسلام. قال: والحلف بالكسر: العهد يكون بين القوم (٢). وتأول أنس أن حالف: من اليمين، ومصدر حلف بمعنى: أقسم بفتح الحاء وكسرها. وذكر الخطابي عن سفيان بن عيينة قال: فسر العلماء حالف أي: آخى، وهذا هو الصحيح (٣)؛ لثبوت الخبر: "لا حلف في الإسلام" وإنما كانوا يتحالفون في الجاهلية، لاختلافهم، وأما اليوم فقد ألف الله كلمة الإسلام فلا يفتقرون إلى تحالف، وكذا قال (الجوهري) (٤).

стр. 17189

٦٨ - باب التَّبَسُّمِ وَالضَّحِكِ وَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَضَحِكْتُ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ اللهَ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. [انظر: ١٢٨٨] ٦٠٨٤ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ -لِهُدْبَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ جِلْبَابِهَا- قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ لِيُؤْذَنَ لَهُ، فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التَّبَسُّمِ، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». [انظر: ٢٦٣٩ - مسلم: ١٤٣٣ - فتح: ١٠/ ٥٠٢] ٦٠٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْأَلْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَخَلَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقَالَ: «عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللاَّتِي كُنَّ عِنْدِي، لَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ». فَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ: يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي وَلَمْ تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟! فَقُلْنَ: إِنَّكَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِيهٍ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِى

стр. 17190

نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ». [انظر: ٣٢٩٤ - مسلم: ٢٣٩٦ - فتح: ١٠/ ٥٠٣] ٦٠٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالطَّائِفِ قَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ». فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَا نَبْرَحُ أَوْ نَفْتَحَهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ». قَالَ: فَغَدَوْا فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالاً شَدِيدًا، وَكَثُرَ فِيهِمُ الْجِرَاحَاتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ». قَالَ: فَسَكَتُوا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كُلَّهُ بِالْخَبَرِ (١). [انظر: ٤٣٢٥ - مسلم: ١٧٧٨ - فتح: ١٠/ ٥٠٣] ٦٠٨٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ، وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً». قَالَ: لَيْسَ لِي. قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ». قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». قَالَ: لَا أَجِدُ. فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ -قَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ- فَقَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟ تَصَدَّقْ بِهَا». قَالَ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي؟! وَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: «فَأَنْتُمْ إِذًا». [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح: ١٠/ ٥٠٣] ٦٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ، أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً -قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ- ثُمَّ
следующие страницы →