٦٧ - باب الإِخَاءِ وَالْحِلْفِ
وَقَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ ﵁: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ
آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ.
٦٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». [انظر: ٢٠٤٩ - مسلم: ١٤٢٧ - فتح: ١٠/ ٥٠١]
٦٠٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ»؟. فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي. [انظر: ٢٢٩٤ - مسلم: ٢٥٢٩ - فتح: ١٠/ ١٠٥١]
سلفا مسندين (١)، وقد أسند الثاني هنا من حديث أنس ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ.
وحديث عاصم: قُلْتُ لأَنَسِ: أَبَلَغَكَ أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: "لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ؟ ". فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النبي ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي.
الشرح:
آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار أول قدومه المدينة، وحالف بينهم، وقد عقد البخاري بابًا قبل الغزوات وأوضحناه هناك، وكانوا يتوارثون بذلك الإخاء والحلف دون ذوي الرحم، قال سعيد بن جبير: وقد عاقد أبو بكر رجلاً فورثه. قال الحسن: كان هذا قبل آية
стр. 17187
المواريث، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذَلِكَ. قال ابن عباس: فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] يعني: ورثة، نسخت. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] يعني: من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث (١) قال الطبري: ولا يجوز الحلف اليوم في الإسلام؛ لحديث جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة" (٢).
وقال ابن عباس: نسخ الله حلف الجاهلية وحلف الإسلام بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وردّ المواريث إلى القرابات.
ومعنى: "وما كان من حلف .. " إلى آخره قيل: الذي أمر (به النبي) (٣) ﵇ (بالوفاء به) (٤)، من ذَلِكَ هو ما لم ينسخه الإسلام، ولم يبطله حكم القرآن، وهو التعاون على الحق والنصرة على الأخذ على يد الظالم الباغي.
وصفة الحلف في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل والقبيل للقبيل: دمي دمك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، ويشترط النصر والرفادة. ويقال: إن الحليف كان يرث السدس ممن يحالفه حتَّى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ الآية (٥).
стр. 17188
وكان الإخاء بغير أيمان، وكانوا يتوارثون به إذا لم يكن للمهاجر من ورثة من أهل الهجرة بالنسب، وارث ممن آخاه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] الآية، ثم نسخ بأولي الأرحام (١).
وسمي الحليف؛ لأنهم كانوا يتحالفون على ذَلِكَ، هذا قول الداودي. وقال الجوهري في الحديث: أنه ﵇ حالف بين قريش والأنصار وآخى بينهم؛ لأنه لا حلف في الإسلام. قال: والحلف بالكسر: العهد يكون بين القوم (٢). وتأول أنس أن حالف: من اليمين، ومصدر حلف بمعنى: أقسم بفتح الحاء وكسرها. وذكر الخطابي عن سفيان بن عيينة قال: فسر العلماء حالف أي: آخى، وهذا هو الصحيح (٣)؛ لثبوت الخبر: "لا حلف في الإسلام" وإنما كانوا يتحالفون في الجاهلية، لاختلافهم،
وأما اليوم فقد ألف الله كلمة الإسلام فلا يفتقرون إلى تحالف، وكذا قال (الجوهري) (٤).
فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَصَدَّعُ عَنِ الْمَدِينَةِ يَمِينًا وَشِمَالاً، يُمْطَرُ مَا حَوَالَيْنَا، وَلَا يُمْطِرُ مِنْهَا شَيْءٌ، يُرِيهِمُ اللهُ كَرَامَةَ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِجَابَةَ دَعْوَتِهِ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ١٠/ ٥٠٤]
وَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فضَحِكْتُ. سلف مسندًا.
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ اللهَ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى.
ثم ذكر في الباب أحاديث كثيرة فيها:
أنه ﵇ ضحك، وفي بعضها أنه تبسم، منها: حديث عائشة ﵂ في قصة رفاعة، وما يزيد رسول الله ﷺ على التبسم. وفيه: وابن سعيد بن العاصي جالس بباب الحجرة ليؤذن له، هو خالد بن سعيد، وفي نسخة أبي محمد، عن أبي أحمد: وسعيد بن العاصي، والصواب الأول.
ومنها: حديث (أبي العباس) (١) عن عمر في استئذانه وأنه دخل ورسول الله ﷺ يضحك.
ومنها: حديث عبد الله بن عمر لما كان رسول الله ﷺ بالطائف، وفي آخره فضحك رسول الله ﷺ .
قَالَ الحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِالْخَبَرِ كُلِّهُ، وأبو العباس اسمه: السائب بن فروخ، الشاعر المكي الأعمى. وعبد الله بن عمر هو ابن الخطاب.
стр. 17193
وفي مسلم والنسائي عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، يعني: ابن العاص (١)، كذا قاله خلف الواسطي.
هو في البخاري: عبد الله بن عمر، وفي (مسلم) (٢): ابن عمرو. قال الدمياطي: ابن العاصي أشبه؛ لأن السائب قد روى عنه عدة أحاديث، وليس عن ابن عمر سوى هذا الحديث على الخلاف المذكور (٣).
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ في الذي وقع على أهله في رمضان، أنه ﵇ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
و (النواجذ) آخر الأسنان وهي أسنان الحلم عند العرب.
ومنها: حديث أنس في قصة البرد، وفيه: فضحك.
ومنها: حديث جرير: ولا رآني إلا تبسم في وجهي.
ومنها: حديث أم سلمة، عن أم سليم (٤): "نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ" فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: أَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَبِمَ شَبَهُ الوَلَدِ؟ ".
ومنها: حديث عائشة: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى أَرى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ.
ومنها: ثَنَا محمد بن محبوب: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس ﵁.
стр. 17194
وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ في قصة الاستسقاء "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا" وفيه: فَضَحِكَ.
ومحمد بن محبوب هذا هو محمد بن الحسن، ولقب الحسن: محبوب بن هلال بن أبي زينب أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله القرشي البُناني البصري، روى عنه (البخاري وأبو داود) (١)، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (ويقال: سنة اثنين وعشرين) (٢)، وروى [النسائي] (٣) عن رجل عنه (٤).
فإن قلت: إن حديث النواجذ خلاف ما حكته عائشة أنها لم تره مستجمعًا ضاحكًا حتَّى تبدو لهواته، ولا تبدو النواجذ -على ما قال أبو هريرة- إلا عند الاستغراق في الضحك وظهور اللهوات. قيل: ليس هذا بخلاف؛ لأن أبا هريرة شهد ما لم تشهد عائشة وأثبت ما ليس في خبرها والمثبت أولى، وذلك زيادة يجب الأخذ بها. وليس في قول عائشة قطع منها أنه لم يضحك قط حتَّى تبدو (لهواته) (٥) في وقت من الأوقات. وإنما أخبرت بما رأت، كما أخبر أبو هريرة بما رأى، وذلك إخبار عن وقتين مختلفين.
ووجه تأويل هذِه الآثار -والله أعلم- أنه كان ﵇ في أكثر أحواله يتبسم، وكان أيضًا يضحك في أحوال أخر ضحكًا أعلى من التبسم، وأقل من الاستغراق الذي تبدو فيه اللهوات هذا كان شأنه ﵇،
стр. 17195
وكان في النادر عند إفراط تعجبه ربما ضحك حتَّى تبدو نواجده، ويجري على عادة البشر في ذَلِكَ؛ لأنه ﵇ قد قال: "إنما أنا بشر" (١) فبين لأمته بضحكه الذي بدت فيه نواجذه أنه غير محرم على أمته.
وبان بحديث عائشة أن التبسم والاقتصار في الضحك هو الذي ينبغي لأمته فعله والاقتداء به فيه للزومه ﵇ له في أكثر أحواله.
وفيه وجه آخر: من الناس من يسمي الأنياب والضواحك نواجذ، واستشهد بقول الشاعر لبيد:
وإذا الأسنة أسرعت لنحورها … أبرزن حد نواجذ الأنياب
فتكون النواجذ: الأنياب على معنى إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك جائز إذا اختلف اللفظان، ومن إضافة الشيء إلى نفسه قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] و ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾، وقولهم: مسجد الجامع. وقول رؤبة:
إذا استعيرت من جفون الأغماد
والجفون: هي الأغماد، وإضافة الشيء إلى نفسه مذهب الكوفيين، وقد وجدنا النواجذ يعبر بها عنها بالأنياب. وفي حديث المجامع في رمضان كما سلف، ووقع في الصيام: (حتَّى بدت أنيابه) (٢) فارتفع اللبس بذلك، وزال الاختلاف بين الأحاديث.
قال ابن بطال: وهذا الوجه أولى، وهذا الباب يرد ما روي عن الحسن البصري: أنه كان لا يضحك. وروى جعفر عن أسماء قالت: ما رأيت الحسن في جماعة ولا في أهله ولا وحده ضاحكًا قط
стр. 17196
إلا متبسمًا. ولا أحد زهد كزهد سيد الخلق، وقد ثبت عنه أنه ضحك. وكان ابن سيرين يضحك، ويحتج على الحسن بقول الله ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. وكان الصحابة يضحكون، وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: سئل ابن عمر ﵁ هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال (١). وفي رسول الله ﷺ وأصحابه المهديين الأسوة الحسنة. وأما المكروه من هذا الباب فهو الإكثار من الضحك، كما قال لقمان لابنه: يابني إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب. فالإكثار منه وملازمته حتَّى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه، وهو من فعل أهل السفه والبطالة (٢).
فصل: في الإشارة إلى بعض ألفاظ وقعت في هذِه الأحاديث:
الذي أسنده إلى فاطمة إنها سيدة نساء أهل الجنة وأول أهله لحوقًا به (٣).
و (الْهُدْبَةُ) والهدب: ما على أطراف الثوب، والمراد بالذوق -فيه-: الإيلاج لا الإنزال، وبه قال العلماء كافة. وانفرد سعيد فاكتفى بالعقد كما سلف.
وقوله: (إيهِ يا ابن الخطاب). هو بكسر الهمزة (والهاء) (٤) إذا استزدت في الحديث، فإن وصلت نونت أي: هات حديثًا ما، فإذا سكنته وخففته قلت إيها عنا، إن أردت التبعيد قلت: أيها بفتح الهمزة بمعنى: هيهات. قال ابن التين: وقرأناه بالكسر والتنوين.
стр. 17197
ولعل معنى الحديث عليه: ردها أنت يا ابن الخطاب.
وقوله: ("إلا سلك فجًا غير فجك") الفج: الطريق الواسع بين الجبلين، ولم يقيده ابن فارس بذلك، بل قال: إنه الطريق الواسع. فقط (١).
فصل:
"قَافِلُونَ": راجعون، والقفول: الرجوع من السفر.
وقوله: (فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَا نَبْرَحُ أَوْ نَفْتَحَهَا). ضبط (نفتحها) بالرفع وصوابه النصب، كما ضبطه الدمياطي خطًّا، ونبه عليه ابن التين؛ لأن أو إذا كانت بمعنى حتَّى أو إلا أن تنصب، وقرأ ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وكذا إذا كانت بمعنى كي، ولا يصح ذَلِكَ في هذا الموضع أن تكون بمعنى كي، وإنما هي بمعنى حتَّى أو إلا. وقد قال امرؤ القيس:
فقلت له: لا تبك (عينك) (٢) إنما … نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا
فصل:
(الْعَرَقُ) -بفتح الراء-: المكتل الممسوح قبل أن يجعل منه الزنبيل، و (الفرق) -بالفاء: مكتل يسع ثلاثة (آصع) (٣) بفتح رائه وإسكانها. و (اللابة): الحرة، وهي أرض تركبها حجارة سود، وهما حرتان تكتنفان المدينة.
ومعنى: (بَدَتْ نَوَاجِذُهُ): ظهرت، واختلف في عدد النواجذ
стр. 17198
وتعيينها: فقال الأصمعي: هي الأضراس، فهي على هذا عشرون. وقيل: هي أربع. ثم اختلفوا فقيل: الأنياب. وقد سلف رواية: "حتَّى بدت أنيابه" (١) وقيل: المضاحك، وهي السن التي تلاصق الأنياب من داخل الفم، وهي نيبان من اليمين: واحدة من فوق، وأخرى من أسفل. ونيبان من الشمال كذلك.
وهذا أشهر الأقوال -كما قاله ابن التين- وهو ظاهر الحديث.
وقال أبو عبد الملك والجوهري: أحد النواجذ: ناجذ، وهو أحد الأضراس، ويسمى ضرس الحلم؛ لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل.
قال الجوهري: يقال ضحك حتَّى بدت نواجده إذا استغرق فيه (٢). ويبعد حمل الحديث على هذا القول.
فصل:
اللهوات: جمع لهى: وهي المنطبقة في أقصى سقف الفم، وتجمع أيضًا على لهى ولهيات، قاله الجوهري (٣). وقال ابن فارس: هي اللحمة (المشرفة) (٤) على الحلق، قال: ويقال: بل هو أقصى الحلق (٥). وقال الداودي: هي ما دون الحنك إلى ما يلي الحلق وما فوق الأضراس من اللحم.
стр. 17199
فصل:
(قَحَطَ المَطَرُ): هو بفتح الحاء، وحكى الفراء: كسرها. وأقحط رباعي. ذكره الجوهري (١).
وقوله: (نَشَأَ السَّحَابُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ). قال ابن فارس والجوهري: نشأ السحاب إذا ارتفع. وقال الهروي: ابتدأ وارتفع (٢).
وقوله: (حَتَّى سَالَتْ مَثَاعِبُ المَدِينَةِ). أي: تفجرت، والمثعب: بالفتح واحد مثاعب: الحياض، وانثعب الماء جرى في المثعب.
وقوله: (مَا يُقْلِعُ) أي: ما يرتفع.
وقوله: (ثم قام ذَلِكَ الرجل أو غيره). سلف أنه ذَلِكَ الرجل.
وقوله: "حَوَالَيْنَا" هو بفتح اللام، قال الجوهري: لا نقله بالكسر.
وفيه من الفقه الواضح: جواز الاستسقاء في المسجد وعلى المنبر، وجواز الاستصحاء أيضًا.
(وأخرجه مسلم أيضًا) (١).
ثانيها:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". سلف في الإيمان.
ثالثها:
حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "رَأَيْتُ الليلة رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالَا: الذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ".
وقد سلف مطولًا (٢). ومعنى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] أي: (قيلهم) (٣) أو منهم.
ومعنى: ﴿الصَّادِقِينَ﴾: الذين يصدقون في قولهم وعملهم، وقيل: في أيمانهم (يوفون) (٤) بما عاهدوا.
وحديث عبد الله قيل: إن ظاهره معارض لحديث صفوان بن سليم الذي رواه مالك عنه أنه قيل للنبي ﷺ : أيكون المؤمن كذابًا قال: "لا" (٥)، وبحديث: "يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب" (٦)
стр. 17202
ويجمع بينهما بأن المراد بحديث صفوان: المؤمن الكامل أي: لا يكون المؤمن المستكمل لأعلى درجات الإيمان كذابًا حتَّى يغلب عليه الكذب؛ لأن كذابًا وزنه فعال وهو من أبنية المبالغة لمن يكثر الكذب منه ويتكرر حتَّى يعرف به، ومثله الكذوب، يوضحه قوله ﵇: "إن الرجل ليصدق حتَّى يكتب عند الله صدوقًا" يعني: لا يزال يتكرر الصدق منه كثيراً حتَّى يستحق اسم المبالغة في الصدق. وكذلك قوله في الكذب يعني: لا يزال يتكرر -منه الكذب حتَّى يغلب عليه. وهذِه الصفة ليست صفة علية المؤمنين بل هي من صفات المنافقين وعلامتهم، كما ذكره في حديث أبي هريرة. وقد سلف معناه في الإيمان واضحًا. وأخبر ﵇ في حديث سمرة بعقوبة الكاذب الذي يبلغ كذبه الآفاق أنه يشق شدقه في النار إلى يوم القيامة، فعوقب في موضع المعصية، وهو فمه الذي كذب به.
ومصداق حديث عبد الله في القرآن: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] والصدق (أرفع) (١) خلال المؤمنين؛ ألا ترى الآية التي صدر بها البخاري الباب فجعل الصدق معيارًا للتقوى، وقيل للقمان الحكيم: ما بلغ بك ما نرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني (٢).
стр. 17203
٧٠ - باب الْهَدْيِ الصَّالِحِ
٦٠٩٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمُ الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ شَقِيقًا قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلاًّ وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، مِنْ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا؟ [انظر: ٣٧٦٢ - فتح: ١٠/ ٥٠٩]
٦٠٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُخَارِقٍ، سَمِعْتُ طَارِقًا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْي هَدْىُ مُحَمَّدٍ ﷺ . [٧٢٧٧ - فتح: ١٠/ ٥٠٩]
ذكر فيه حديث حُذَيْفَةَ ﵁: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ (إِلَيْهِ) (١)، لَا نَدْرِي مَا يَصنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا؟
وقد سلف في مناقبه إلى قوله: (أم عبد). وذكر فيه أيضًا حديث عبد الله بن مسعود قال: إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفي سند هذا: مخارق، وهو ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن، وقيل: ابن خليفة بن جابر أبو سعد الأحْمَسي، انفرد به البخاري.
قال أبو عبيد: الهدي والدَّل أحدهما قريب من الآخر، وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذَلِكَ. وذكر أبو عبيد في حديث عمر بن الخطاب أن أصحاب عبد الله كانوا يدخلون إليه فينظرون إلى سمته وهديه ودله فيتشبهون به. والسمت: حسن الهيئة والمنظر في مذهب الدين وليس من الخيال والزينة، ولكن يكون له
стр. 17204
هيئة أهل الخير ومنظرهم. والسمت أيضًا: الطريق، يقال: الزم هذا السمت. وكلاهما له معنى جيد، يكون أن يلزم طريقة أهل الإسلام فتكون له هيئة أهل الإسلام (١).
وقال ابن التين: (والسمت) (٢): هيئة أهل الخير. قال الداودي: قال مالك: أشبه الناس برسول الله ﷺ في هديه عمر، وأشبه الناس بعمر (ابنه) (٣) عبد الله، وأشبه الناس بعبد الله سالم.
وفيه من الفقه: أنه ينبغي للناس الاقتداء بأهل الفضل والصلاح في جميع أحوالهم، في هيئتهم وتواضعهم للخلق ورحمتهم، وإنصافهم من أنفسهم، ورفقهم في أخذ الحق إذا وجب لهم إن أحبوا الاقتصاص، أو العفو عن ذَلِكَ إن آثروا العفو، وفي مأكلهم ومشربهم واقتصادهم في أمورهم؛ تبركًا بذلك.
على رسول الله ﷺ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَغَضِبَ، حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: "قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ".
الشرح:
قوله: ("ليس أحد أصبر") أوله ابن فورك على الحلم.
وقوله: (أما لأقولن) صوابه -كما قال ابن التين- أن تكون مخففة، ووقع في بعض الروايات بتشديد الميم، وليس ببين، والرب ﷻ ذكر جزاء الأعمال وجعل لها نهاية وحدًّا فقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وجعل جزاء الصدقة في سبيله (فوق) (١) هذا فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]. وجعل أجر الصابرين بغير حساب، ومدح أهله فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
(وفي "صحيح مسلم" (٢): "والصبر ضياء") (٣) والصبر على الأذى من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها عن تطاولها، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين، وإن كان قد جبل الله النفوس على تألمها من الأذى ومشقته، ألا ترى أنه ﵇ شق عليه تجوير الأنصاري له في القسمة حتَّى تغير وجهه وغضب، ثم سكن ذَلِكَ منه علمُه بما وعد الله تعالى على ذَلِكَ من جزيل الأجر، واقتدى ﵇ بصبر موسى ﵇ على أكثر من أذى الأنصاري له؛ رجاء ما عند الله.
وللصبر أبواب غير الصبر على الأذى.
стр. 17207
روي عن علي مرفوعًا: "الصبرُ ثلاثة: فصبرٌ على المصيبةِ، وصبر على الطاعة، وصبر على المعصية، فمن صَبَر على المصيبة حتَّى يردها بحسن عزائها كتَبَ اللهُ له ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجةِ إلى الدرجةِ ما بينَ السماء إلى الأرض، ومَنْ صبر على الطاعةِ كتب الله له ستمائة درجة، ما بين الدرجةِ إلى الدرجةِ ما بين تُخُوم الأرض السابعة إلى منتهى العرش، ومن صَبَر على المعصية كَتَبَ الله له تسعمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجةِ ما بين تخوم الأرض السابعة إلى منتهى العرش مرتين" (١).
وقد روى يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ أنه ﵇ قال: "الإيمان نصفان: نصف في الصبر، ونصف في الشكر" (٢).
وروى ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنه ﵇ سئل عن الإيمان فقال: "السماحة والصبر" (٣).
وقال الشعبي: قال (علي) (٤): الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. قال الطبري: صدق؛ وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، فمن لم يصبر على العمل بشرائعه لم يستحق
стр. 17208
اسم الإيمان بالإطلاق. والصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من جسد الإنسان الذي لا تمام له إلا به، وهذا في معنى حديث أنس وجابر أن الصبر نصف الإيمان، وعامة المواضع التي ذكر الله فيها الصبر وحث عليه عباده إنما هي مواضع الشدائد ومواطن المكاره التي يعظم على النفوس فعلها، ويشتد عندها جزعها، كل ذَلِكَ محن وبلاء؛ ألا ترى قوله ﵇ للأنصار: "لن تعطوا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" (١).
والصبر في لسان العرب: حبس النفس عن المطلوب حتَّى تدركه، ومنه نهيه ﵇ عن صبر البهائم، يعني: عن حبسها للتمثيل بها، ورميها كما ترمى الأغراض. ومنه قولهم: صبر الحاكم بيمين فلان. يعني: حبسه عن حلفه.
فإن قلتَ: هذِه صفات توجب التغير وحدوث الحوادث لمن وصف بها، فما معنى (وصفه) (٢) بالصبر؟
قلتُ: معناه: هو يعني الحلم كما أسلفناه، ومعنى وصفه بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها. ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل، وإنما ورد في حديث الباب، وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم، هذا قول ابن فورك (٣).
стр. 17209
٧٢ - باب مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالْعِتَابِ
٦١٠١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ؟! فَوَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً». [٧٣٠١ - مسلم: ٢٣٥٦ - فتح: ١٠/ ٥١٣]
٦١٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ -هُوَ ابْنُ أَبِي عُتْبَةَ مَوْلَى أَنَسٍ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. [انظر: ٣٥٦٢ - مسلم: ٢٣٢٠ - فتح: ١٠/ ٥١٣]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسَولُ الله ﷺ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ؟! فَوَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ باللهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً".
وحديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ.
وجه إيراده حديث عائشة ﵂ وأنه خطب به أن هذا العتاب ولم يعين فيه فاعله، وكل ما جرى من عتاب يعم الجميع ولا يعين قائله، وهو من باب الرفق والستر كما أراد عمر حين أمر الناس كلهم بالوضوء يوم الجمعة وهو يخطب من أجل الرجل الذي أحدث بين يديه، الستر له والرفق به، وليس ذَلِكَ بمنزلة أمره له بالوضوء من بينهم وحده في الستر له بعد ذَلِكَ.
стр. 17210
والعذراء: البكر، وتجمع على عذارى وعذاري وعذراوات.
والخدر: الستر.
قال ابن بطال: وإنما كان لا يواجه الناس بالعتاب، يعني على ما يكون في خاصة نفسه كالصبر على جهل الجاهل وجفاء الأعراب، ألا ترى أنه ترك الذي جبذ البردة من عنقه حتَّى أثرت جبذته فيه؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه. وهذا معنى حديث أبي سعيد، فأما إن انتهكت من الدين حرمة فإنه لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها، ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها، ويقتص منه، وسواء كان حقًا لله أو للعباد.
فإن قلت: فإن كان معنى حديث أبي سعيد ما ذكرت من أنه كان لا يعاتب فيما يكون في خاصة نفسه، فقد واجه بالعتاب في حديث عائشة وخطب به.
قلت: قد أسلفنا الجواب عنه وإنما فعل ذَلِكَ -والله أعلم- لأن كل رخصة في دين الله فالعباد مخيرون بين الأخذ بها والترك لها.
وكان ﵇ رفيقًا بأمته حريصًا على التخفيف عنهم، فلذلك خفف عنهم العتاب؛ لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من الأخذ بالشدة، وقد ترك عتابهم مرة أخرى على ترك الرخصة وأخذهم بالشدة حين صاموا في السفر وهو مفطر، (وإن كان قد جاء في الحديث: "إنَّ دينَ الله يُسْر" (١) كما سلف) (٢).
стр. 17211
قال الشعبي: إن الله يحب أن يعمل برخصه كما يحب أن يعمل بعزائمه (١) -قلت: وهو حديث مرفوع صحيح- فليس ذَلِكَ دليلًا على تحريم الأخذ بالعزائم؛ لأن ذَلِكَ لو كان حرامًا لأمر الذين خالفوا رخصته بالرجوع عن فعلهم إلى فعله. وفي حديث أبي سعيد الحكم بالدليل؛ لأنهم كانوا يعرفون كراهية رسول الله ﷺ الشيء بتغير وجهه، كما كانوا يعرفون قراءته فيما أسر به في الصلاة باضطراب لحيته (٢).
ثم ساق حديث جابر من حديث يزيد، وهو ابن هارون الواسطي: أنا سَلِيم -بفتح السين- وهو ابن حيان الهذلي البصري، ثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، ثَنَا جَابِرٌ، عن مُعَاذٍ في صلاته بالْبَقَرَةِ، وتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ .. الحديث.
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزى. فَلْيَقُلْ: لَا إله إِلَّا اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ".
وحديث ابن عمر ﵄: أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ ﵁ فِي رَكْبٍ وَهْوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ألا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ، وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ".
والحاصل أنه يفرق بين أن يقوله له بتأويل أو بدونه، وكذا قال الخطابي (١).
هذا إذا قاله من غير تأويل، وإن كان المقول له من أهل الكفر، وإلا باء بها القائل في هذا نحو تأويل البخاري.
وسأل أشهب مالكًا عن هذا الحديث فقال: أراهم الحرورية. قيل له: أفتراهم بذلك كفارًا؟ قال: لا ندري ما هذا (٢).
وحجته قوله ﵇: "سباب (المسلم) (٣) فسوق وقتاله كفر" (٤) والفسوق غير الكفر.
ومعنى ("باء"): بإثم رميه لأخيه بالكفر ورجع وزر ذَلِكَ عليه إن كان كاذبًا.
стр. 17216
وقد روي هذا المعنى من حديث أبي ذر مرفوعاً: "لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا (ارتدت) (١) عليه إن لم يكن صاحبه كذلك". ذكره البخاري في باب: ما ينهى عنه من السباب واللعن، في أول الأدب (٢).
قال المهلب (٣): وهذا معنى (تبويبه) (٤): من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، أن المكفر له هو الذي يرجع عليه إثم التكفير؛ لأن الذي رمي بها عند الرامي صحيح الإيمان، إذ لم يتأول عليه شيئًا يخرجه من الإيمان، فكما هو صحيح كصحة إيمان الرامي، فقد صح أنه أراد برميه له بالكفر كل من هو على دينه، فقد كفر نفسه؛ لأنه على دينه. ومتأوله في إيمانه فإن استحق ذَلِكَ الكفر المرمي به استحق مثله الرامي (به غيره) (٥).
وقد يجيب الفقهاء عن هذا بأن يقولوا: فقد كفر بحق أخيه المسلم، وليس ذَلِكَ مما يسمى به الجاحد حق أخيه كافرًا؛ لأنه لا يستحق اسم الكفر من جحد حق أخيه في بر أو مال.
قال: وقوله: "فقد باء بها أحدهما" هو على مذهب العرب في استعمالها الكناية في كلامها، وترك التصريح بالسوء، وهذا كقول الرجل لمن أراد أن يلزمه: والله إن أحدنا لكاذب، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
стр. 17217
فصل:
قوله: ("ومنْ حَلف بملةٍ غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال") سلف في الجنائز في باب قاتل النفس (١).
وسيأتي في الأيمان والنذور، في باب: من حلف بملة سوى ملة الإسلام بما فيه كفاية (٢).
قال المهلب: وقوله: "فهو كما قال" يعني: فهو كاذب لا كافر، إلا أنه لما تعمد بالكذب الذي حلف عليه التزام الملة التي حلف بها؛ قال ﵇: "فهو كما قال" من التزام اليهودية والنصرانية. وعيدًا منه لمن صح قصده بكذبه إلى التزام تلك الملة في حين كذبه لا في وقت ثان إذ كان ذَلِكَ على سبيل المكر والخديعة للمحلوف له، يبينه قوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٣) فلم ينف عنه الإيمان إلا وقت الزنا خاصة، وكذلك هذا الحالف بملة غير الإسلام لقيام الدليل على أنه لم يرد (نبذ) (٤) الإسلام؛ لتعلق يمينه بشرط المحلوف له، ولو أراد الارتداد لم يعلق قوله: أنا يهودي لمحلوف عليه من معاني الدنيا؛ ولذلك قال ﵇: "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" خشية منه استدامة حاله على ما قال وقتئذٍ فينفذ عليه الوعيد، فيحبط عمله ويطبع على قلبه لما قال من كلمة الكفر بعد الإيمان، فتكون كلمة وافقت قدرًا فيزين له سوء عمله؛ فيراه حسنًا، فيستديم على ما قال، ويصر عليه.
стр. 17218
وأما من حلف بملة غير الإسلام، وهو فيما حلف عليه صادق، فهو تصحيح براءته من تلك المسألة مثل أن يقول: أنا يهودي إن طعمت اليوم أو شربت. وهو صادق لم يشرب ولم يأكل، فلما عقد يمينه بشرط هو في الحقيقة معدوم بعدم ما ربطه به، وهو الأكل والشرب اللذان لم يقعا منه، لم يتعين عليه وعيد يخشى إنفاذه عليه، فلم يتوجه إليه إثم الملة التي حلف عليها (لعقده نيته) (١) على نفيها كنفي شرطها لكن لا يبرأ من الملامة، لمخالفته لقوله: "من كان حالفًا فليحلف بالله".
فصل:
سلف معنى ("لعن المؤمن كقتله").
قال الطبري (٢): يريد في بعض معناه، لا في الإثم والعقوبة، ألا ترى أن القتل فيه القود بخلاف لعنه، وهو في اللغة: الإبعاد من الرحمة، وكذلك القتل إبعاد للمقتول من الحياة التي يجب بها نصرة المؤمنين، وعون بعضهم لبعض وقد قال ﵇: "المؤمن للمؤمن كالبنيان" (٣)، وكذلك قوله: "من رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله" لما أجمع المسلمون أنه لا قتل عليه في رميه له بالكفر، على أن التشبيه إنما وقع بينهما في معنى يجمعهما، وهو ما قلناه، وقد قال بعض العلماء: إن معناه الحرمة كما ستعلمه في الأيمان والنذور أيضًا.
فصل:
قال المهلب: معنى الباب الثاني أن المتأول معذور غير مأثوم، ألا ترى أن عمر قال لحاطب لما كاتب المشركين بخبره ﵇: (إنه
стр. 17219
نافق) فعزره الشارع لما نسبه إلى النفاق، وهو أسوأ الكفر، ولم يكفر عمر بذلك من أجل ما جناه حاطب. وكذلك عذر ﵇ معاذًا حين قال للذي خفف الصلاة وقطعها خلفه: (إنه منافق)؛ لأنه كان متأولاً، فلم يكفر معاذًا بذلك. ومثله قوله حين سمع عمر يحلف بأبيه: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" فلم ير إكفار عمر حين حلف بأبيه، وترك الحلف بخالقه وقصد اليمين بغير الله؛ تشريكًا لله في حقه، لا سيما على طراوة عبادة غير الله، فلما لم يعرفه الشارع بأن يمينه (بغير الله) (١) ليس بكفر من أجل تأويله: إن له أن يحلف بأبيه؛ (للحق) (٢) الذي له بالأبوة، عذر عمر في ذَلِكَ لجهالته أن الله لا يريد أن يشرك معه غيره في الأيمان، إذ لا يحلف الحالف إلا بأعظم ما عنده من الحقوق، ولا أعظم من حق الله تعالى على عباده. وهذا وجه حديث عمر في هذا الباب.
قال ابن بطال: وكذلك عذر ﵇ من حلف من أصحابه باللات والعزى لقرب عهدهم بجري ذَلِكَ على ألسنتهم في الجاهلية. وروى سعد بن أبي وقاص أنه حلف بذلك، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن العهد كان قريبًا فحلفت باللات والعزى فقال ﵇: "قل لا إله إلا الله". وسيأتي هذا في باب: لا يحلف باللات والعزى، في الأيمان (٣)، وليس في قوله: "من حلف باللات .. "، إلى آخره؛ إطلاق منه لهم على الحلف بذلك وكفارته بذلك، فإنه (علمهم ﵇ أنه) (٤) من نسي أو جهل فحلف بذلك أن كفارته أن يشهد بشهادة
стр. 17220
التوحيد؛ لأنه قد تقدم إليهم بالنهي عن أن يحلف أحد بغير الله فعذر الناسي والجاهل. ولذلك سوى البخاري في ترجمته الجاهل مع المتأول في سقوط الحرج عنه؛ لأن حديث أبي هريرة في الجاهل والناسي (١).
فصل:
قوله: (وقال عكرمة .. ) إلى آخره ذكر الإسماعيلي الحافظ في "جمعه" أحاديث (يحيى) (٢) فقال: حَدَّثَنَا القاسم بن زكريا، ثَنَا محمود بن محمد بن ثابت، ثَنَا أيوب بن النجار، عن عكرمة .. فذكره.
فصل:
صلاة معاذ بقومه فيه دلالة على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، وانتصر ابن التين لمذهبه فقال: يحتمل أن يكون جعل صلاته مع رسول الله ﷺ نافلة، ويحتمل أن يكون لم يعلم الشارع بذلك، وما أبعدهما. وكيف يظن بمعاذ أن يؤخر الفرض ليصليها بقومه ويؤثر النفل خلفه؟ وكيف يدعي أن الشارع لم يعلم بذلك مع أنه شُكِي إليه؟ وقال: "أفتان أنت يا معاذ؟ ".
فصل:
وقوله: (فتجوز): هو بالجيم. وقال ابن التين: يحتمل ذَلِكَ أي: خفف، ويحتمل أن يكون بالحاء أي: انحاز وصلى وحده.
قلت: يؤيد هذا رواية مسلم: (فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده ثم انصرف) (٣).
стр. 17221
لكن قال البيهقي: قوله: فسلم، لا أدري هل حفظت أم لا؟ لكثرة من رواه عن سفيان (بدونها (١). وانفرد بها محمد بن عباد عن سفيان) (٢).
فصل:
هذِه الصلاة كانت العشاء، ولأبي داود والنسائي (٣) أنها كانت المغرب، لكن قال البيهقي: روايات العشاء أصح (٤).
فصل:
احتج أبو حنيفة بقوله: "من حلف بملة غير الإسلام" قال: إن من قال هو يهودي إن فعل كذا، ففعل، أن عليه كفارة يمين؛ ولا حجة فيه لأنه لم يذكرها، وعنه رواية: أن ذَلِكَ ردة.
فصل:
قوله: ("ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق") يحتمل أن يريد أنه لما أراد إخراج المال الباطل وأخذه بذلك أمر أن يخرج المال في وجه البر؛ ليكون ذَلِكَ كفارة لما أراد.
خامسها: حديث زيد بن ثابت، وفيه: فخرج إليهم مغضبًا، وفي آخره: "فعليكم بالصلاة في بيوتكم" وذكره أولاً بلفظ: وقال المكي: ثَنَا عبد الله بن سعيد، وحَدَّثَني محمد بن زياد فذكره.
والمكي: هو ابن إبراهيم شيخه، فلعله أخذه عنه مذاكرة، ومحمد هذا: هو أبو عبد الله محمد بن زياد بن عبيد الله بن الربيع بن زياد الزيادي البصري. قال ابن عساكر: روى عنه البخاري كالمقرون بغيره، وروى عنه ابن ماجه، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين. (كذا بخط الدمياطي، والذي في "التهذيب" (١) في حدود سنة خمسين ومائتين) (٢).
والنخامة -بالضم-: النخاعة.
وقوله: ("فإن الله حيال وجهه") أي: (إزاء) (٣)، وأصله الواو فقلبت ياءً لانكسار ما قبلها. وفي رواية: "قبل وجهه"، وأخرى: "قبله"، وأخرى: "قبلته".
والوكاء -في حديث زيد بن خالد-: الخيط.
والعفاص: الخرقة. وعُكس.
والوجنة: ما ارتفع من الخد، وفيها أربع لغات تثليث الواو وبالألف، ذكره في "الصحاح" (٤).
والحذاء: ما وطئ عليه البعير من خفه، والفرس من حافر.
و (احتجر) في حديث زيد بن ثابت: اتخذ شبه الحجرة.
стр. 17225
وقوله: (مخصفة أو حصير) يعني: ثوبًا أو حصيرًا، قطع به مكانًا من المسجد (واستتر مكانه) (١)، ومنه: الخصفة -بالتحريك- ما يعمل خلال الشيء ويكون ذَلِكَ من سعف (المقل) (٢) وغيره. والعرب تقول: خصفت النعل خصفًا: طبقتها في الخرز بالمخصف، وهو الإشغاء، وخصفت على نفسي ثوبًا: جمعت بين طرفيه (بعود) (٣) وفي التنزيل: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] عن صاحب "الأفعال" (٤).
وغضبه عليهم إشفاقًا على أمته أن يكتب عليهم ما لا يقومون به، وقد حكى الله عن أقوام ألزموا أنفسهم طاعة فلم يوفوا بها فذمهم الله بقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية.
(وحصبوا الباب) أي: رموه بالحصباء.
ومعنى: ("ظننت أنه سيكتب عليكم"): خفت.
وفيه: أن الفرض فعله في المسجد أفضل بخلاف النفل؛ خوف الرياء. وقيل: يجعل من فرضه في بيته لقوله ﵇: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا" (٥) وهو محمول على النافلة، واحتج به أيضًا من قال: علي المشي إلى مكة أو مسجد المدينة أو إيلياء، أنه لا يلزمه أن يصلي فيهن، وهو مذهب مالك.