لكن قال البيهقي: قوله: فسلم، لا أدري هل حفظت أم لا؟ لكثرة من رواه عن سفيان (بدونها (١). وانفرد بها محمد بن عباد عن سفيان) (٢).
فصل:
هذِه الصلاة كانت العشاء، ولأبي داود والنسائي (٣) أنها كانت المغرب، لكن قال البيهقي: روايات العشاء أصح (٤).
فصل:
احتج أبو حنيفة بقوله: "من حلف بملة غير الإسلام" قال: إن من قال هو يهودي إن فعل كذا، ففعل، أن عليه كفارة يمين؛ ولا حجة فيه لأنه لم يذكرها، وعنه رواية: أن ذَلِكَ ردة.
فصل:
قوله: ("ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق") يحتمل أن يريد أنه لما أراد إخراج المال الباطل وأخذه بذلك أمر أن يخرج المال في وجه البر؛ ليكون ذَلِكَ كفارة لما أراد.
خامسها: حديث زيد بن ثابت، وفيه: فخرج إليهم مغضبًا، وفي آخره: "فعليكم بالصلاة في بيوتكم" وذكره أولاً بلفظ: وقال المكي: ثَنَا عبد الله بن سعيد، وحَدَّثَني محمد بن زياد فذكره.
والمكي: هو ابن إبراهيم شيخه، فلعله أخذه عنه مذاكرة، ومحمد هذا: هو أبو عبد الله محمد بن زياد بن عبيد الله بن الربيع بن زياد الزيادي البصري. قال ابن عساكر: روى عنه البخاري كالمقرون بغيره، وروى عنه ابن ماجه، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين. (كذا بخط الدمياطي، والذي في "التهذيب" (١) في حدود سنة خمسين ومائتين) (٢).
والنخامة -بالضم-: النخاعة.
وقوله: ("فإن الله حيال وجهه") أي: (إزاء) (٣)، وأصله الواو فقلبت ياءً لانكسار ما قبلها. وفي رواية: "قبل وجهه"، وأخرى: "قبله"، وأخرى: "قبلته".
والوكاء -في حديث زيد بن خالد-: الخيط.
والعفاص: الخرقة. وعُكس.
والوجنة: ما ارتفع من الخد، وفيها أربع لغات تثليث الواو وبالألف، ذكره في "الصحاح" (٤).
والحذاء: ما وطئ عليه البعير من خفه، والفرس من حافر.
و (احتجر) في حديث زيد بن ثابت: اتخذ شبه الحجرة.
стр. 17225
وقوله: (مخصفة أو حصير) يعني: ثوبًا أو حصيرًا، قطع به مكانًا من المسجد (واستتر مكانه) (١)، ومنه: الخصفة -بالتحريك- ما يعمل خلال الشيء ويكون ذَلِكَ من سعف (المقل) (٢) وغيره. والعرب تقول: خصفت النعل خصفًا: طبقتها في الخرز بالمخصف، وهو الإشغاء، وخصفت على نفسي ثوبًا: جمعت بين طرفيه (بعود) (٣) وفي التنزيل: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] عن صاحب "الأفعال" (٤).
وغضبه عليهم إشفاقًا على أمته أن يكتب عليهم ما لا يقومون به، وقد حكى الله عن أقوام ألزموا أنفسهم طاعة فلم يوفوا بها فذمهم الله بقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية.
(وحصبوا الباب) أي: رموه بالحصباء.
ومعنى: ("ظننت أنه سيكتب عليكم"): خفت.
وفيه: أن الفرض فعله في المسجد أفضل بخلاف النفل؛ خوف الرياء. وقيل: يجعل من فرضه في بيته لقوله ﵇: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا" (٥) وهو محمول على النافلة، واحتج به أيضًا من قال: علي المشي إلى مكة أو مسجد المدينة أو إيلياء، أنه لا يلزمه أن يصلي فيهن، وهو مذهب مالك.
стр. 17226
ولا شك أن الغضب والشدة في أمر الله واجبان، وذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقام الإجماع على أن ذَلِكَ فرض على الأئمة والأمراء أن يقوموا به، ويأخذوا على أيدي الظالمين، وينصفوا المظلومين، ويحفظوا أمور الشريعة، حتَّى لا تغير ولا تبدل، ألا ترى أنه ﵇ غضب وتلون وجهه لما رأى التصاوير في القرام، وهتكه بيده، ونهى عنها، وتوعد عليها بقوله: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور". وكذلك غضب من أصل تطويل القراءة، ونهى عنها، وتغيظ حين رأى النخامة في القبلة، فحكها بيده، ونهى عنها، وكذلك غضب حتَّى احمر وجهه حين سئل عن ضالة الإبل فقال: "مالك ولها! " وغضب على الذين صلوا في مسجده بصلاته بغير إذنه ولم يخرج إليهم.
ففيه: جواز الغضب للإمام والعالم في التعليم والموعظة إذا رأى منكرًا يجب تغييره. قال مالك: الأمر بالمعروف واجب على جماعة المؤمنين من الأئمة والسلاطين، وعامة المؤمنين لا يسعهم التخلف عنه، غير أن بعض الناس يحمله عن بعض بمنزلة الجهاد. واحتج في ذَلِكَ بعض العلماء فقال: كل شيء يجب على الإنسان فعله من الفرائض والسنن اللازمة، وكل شيء يجب عليه تركه من المحارم التي نهى الله عنها ورسوله، فإنه واجب عليه في القياس أن يأمر بذلك من صنع شيئًا منه، وينهى كل من أتى شيئًا من المحرمات التي وجب عليه تركها.
وقال بعض العلماء: الأمر بالمعروف منه فرض ومنه نافلة، فكل شيء وجب عليك العمل به وجب عليك الأمر به، كالمحافظة على الوضوء، وتمام الركوع والسجود، وإخراج الزكاة، وما أشبه ذَلِكَ،
стр. 17227
وما كان نافلة لك فإن أمرك به نافلة وأنت غير آثم في ترك الأمر به، إلا عند السؤال عنه؛ لواجب النصيحة التي هي فرض على جميع المؤمنين، وهذا كله عند الجمهور ما لم تخف على نفسك الأذى، فإن خفته وجب عليك تغييره وإنكاره بقلبك، وهو أضعف الإيمان؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها (١).
ثانيها:
حديث سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ﵁: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ رسول الله ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رسول الله ﷺ ؟! قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ.
ثالثها:
حديث أبي حَصِينٍ عُثْمانِ بنِ عَاصِمٍ الأسديِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
الشرح:
سليمان بن صرد: هذا هو ابن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن حرام بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن لحي، واسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا الخزاعي الكوفي أبو مطرف، أمير التوابين، قُتل بالجزيرة بعين الوردة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وكان أميرًا على أربعة آلاف يطلبون بدم الحسين ابن علي، أخرجوا له، وذكروه في الصحابة، وكان اسمه في الجاهلية: يسار، فسماه رسول الله ﷺ سليمان، وكان خَيِّرًا عابدًا، نزل الكوفة، وهو من الأفراد ليس في الصحابة سليمان بن صرد سواه.
واختلف في كبير الإثم: فقال ابن عباس: إنه الشرك. وقال الحسن: كل ما وعد الله عليه النار. وقيل: في اللغة (ما أوعد) بدل (ما وعد). وقام الإجماع على أنه من الكبائر كالخمر.
стр. 17230
والكظم في اللغة: حبس الغيظ، يقال: كظم البعير على جرته إذا رددها في حلقه (١).
والصرعة -بضم الصاد وفتح الراء-: الذي يصرع الرجال (٢)، والهاء للمبالغة مثل ضحكة ولعبة.
قال ابن التين: وكذا قرأناه، وضبط في الكتب بإسكان الراء وليس بشيء؛ لأنه بالسكون: الضعيف المصروع، وليس مراده هنا، وإنما يريد من يغلب الناس ويصرعهم. وضبط في بعضها بفتح الصاد وليس بشيء أيضًا.
وقوله: (إني لست بمجنون). إما أن يكون منافقًا أو نفر من كلام أصحابه دون كلام رسول الله ﷺ .
وقوله: ("لا تغضب") معناه: أن يحذر أسباب الغضب، ولا يتعرض للأمور الجالبة للضرر فيغضبه.
فأما نفس الغضب فطبع لا يمكن إزالته من الجبلة. وقيل معناه: لا تفعل ما يأمرك به الغضب وقيل: أعظم أسباب الغضب الكبر عندما يخالف أمرًا يريده، فيحمله الكبر على الغضب لذلك، فإذا تواضع ذهبت عنه غيرة النفس. فسلم بإذن الله تعالى من شره.
ولأبي داود من حديث أبي ذر ﵁، عن رسول الله ﷺ : "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" (٣).
стр. 17231
وجمع له ﵇ في قوله: ("لا تغضب") جوامع خير الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يئول إلى التقاطع، ومنع ذي الرفق، وربما آل إلى أن يؤدي فينقص لذلك دينه.
وفي "الموطأ": قال رجل: يا رسول الله، كلمنى كلمات أعيش بهن ولا تكثر علي فأنسى قال: "لا تغضب" (١).
وذكر الهروي (٢) أن في الحديث: "الحدة تعتري خيار أمتي" (٣). وفي آخر: "خيار أمتي أحداؤها" (٤). جمع حديد. قال: وفيه حدة. قلت: ومدح الله الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم، وأخبر أن ما عنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذَلِكَ.
стр. 17232
وقد روى (معاذ بن جبل) (١) ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتَّى يخيره في أي الحور يشاء". (أخرجه أحمد من رواية معاذ بن أنس بإسناد ضعيف (٢). وأخرجه من وجه آخر بهذِه الطريق أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن غريب) (٣)(٤).
وأراد ﵇ بقوله: ("ليس الشديد بالصرعة") أن الذي يقوى على ملك نفسه عند الغضب، ويردها عنه هو القوي الشديد، والنهاية في الشدة؛ لغلبته هواه المردي الذي زينه له الشيطان المغوي، فدل هذا على أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو؛ لأن النبي ﵇ جعل للذي يملك نفسه عند الغضب من القوة، والشدة ما ليس للذي يغلب الناس؛ من هذا الحديث قال الحسن البصري حين سئل أي الجهاد أفضل؟ فقال: جهادك نفسك وهواك.
وفي حديث سليمان بن صرد أن الاستعاذة بالله من الشيطان تذهب الغضب؛ وذلك أن الشيطان هو الذي يزين للإنسان الغضب، وكل ما لا تحمد عاقبته؛ ليرديه ويغويه ويبعده من رضا الله تعالى، فالاستعاذة بالله منه من أقوى السلاح على دفع كيده.
وفي أبي داود من حديث عطية عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار
стр. 17233
بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" وفيه أيضًا من حديث أبي ذر مرفوعًا: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغيظ وإلا اضطجع" (١). وفيه انقطاع، وصححه ابن حبان (٢). وقال أبو الدرداء: أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب. وفي الكتب قال الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت. وقال بكر بن عبد الله: أطفئوا (نار) (٣) الغضب بذكر نار جهنم (٤).
ثانيها:
حديث ابن عُمَرَ ﵄: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَهْوَ يُعَاتَبُ فِي الحَيَاءِ يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي. حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ".
ثالثها:
حديث قَتَادَةَ، عَنْ مَوْلَى أَنَسٍ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا.
الشرح:
(حديث ابن عمر سلف في الإيمان، وحديث أبى سعيد سلف قريبًا) (١).
وأبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان الخدري.
ومولى أنس هذا هو عبد الله بن أبي عتبة. وقال الفربري عن البخاري: اسمه عبد الرحمن بن أبي عتبة. وفي نسخة النسفي عن الفربري: عبد الله كما قدمناه (٢)، وهو الصواب، كما قاله الجياني (٣). وكذا ذكره البخاري في كتاب الأدب، وكذا الكلاباذي (٤)، واقتصر عليه الدمياطي فيما كتبه بخطه. ونقل بشير هو معنى الحديث، وإنما أراد عمران أن إسناده إلى رسول الله ﷺ -أولى؛ لأن بشيرًا حدثه عن صحيفته، وعمران عن الشارع.
стр. 17236
وهذا أصل أن الحجة إنما هي في سنة رسول الله ﷺ ، لا فيما يروى عن كتب الحكمة؛ لأنه لا يدري ما حقيقتها، وهو بمعنى الحديث.
وفي رواية عن بشير أنه قال: إن من الحياء ضعفًا، وعلى هذا يكون غضب عمران أوكد؛ لمخالفته لقوله: "الحياء لا يأتي إلا بخير"؛ ولقوله للذي كان يقول لصاحبه: إنك لتستحي حتَّى أضر بك الحياء: "دعه؛ فإن الحياء من الإيمان". فدلت هذِه الآثار أن الحياء ليس بضار في حالة من الأحوال، ولا بمذموم.
والحياء ممدود.
وقوله: ("إن الحياء من الإيمان") أي: من كماله، قاله أبو عبد الملك، وقال الهروي: جعل الحياء -وهو غريزة- من الإيمان وهو الاكتساب؛ لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، وإن لم يكن له نية، فصار كالإيمان القاطع بينه وبينها.
وقوله: (إنك لتستحي). قال ابن التين: هذا من استحيا بياء واحدة. قال الجوهري: أصله استحييت (فأعلوا) (١) الياء الأولى، وألقوا حركتها على الحاء فقالوا: استحيت (استثقالًا لما دخلت) (٢) عليها الزوائد. وقال سيبويه: حذفت لالتقاء الساكنين؛ لأن الياء في الأولى تقلب ألفًا؛ لتحركها قال: وإنما فعلوا ذَلِكَ؛ حيث كثر في كلامهم (٣). وقال المازني: لم تحذف للاتقاء الساكنين؛ لأنها لو حذفت لذلك لردوها إذا قالوا: هو يستحي لقالوا: هو يستحيي.
стр. 17237
وقال الأخفش: استحى بياء واحدة لغة تميم، وبياءين لغة أهل الحجاز. وهو الأصل؛ لأن ما كان موضع لامه معتلًّا لم يعلوا عينه، وإنما حذفوا الياء؛ لكثرة استعمالهم لها.
فصل:
ومعنى: ("الحياء لا يأتي إلا بخير") أن من استحى من الناس أن يروه يأتي الفجور ويرتكب المحارم، فذلك داعية له إلى أن يكون أشد حياء من ربه وخالقه ، ومن استحى ربه فإن حياءه زاجر له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه؛ لأن كل ذي فطرة يعلم أن الله النافع له والضار والرزاق والمحيي والمميت، وإذا علم ذَلِكَ فينبغي له أن يستحي منه تعالى وهو قوله ﵇: "دعه؛ فإن الحياء من الإيمان" أي: من أسبابه وأخلاق أهله، وذلك أنه لما كان الحياء يمنع من الفواحش، ويحمل على البر والخير، كما يمنع الإيمان صاحبه من الفجور، ويبعده عن المعاصي، ويحمله على الطاعات، صار كالإيمان؛ لمساواته له في ذَلِكَ، وإن كان الحياء غريزة، والإيمان فعل المؤمن كما سلف فأشبهها من هذِه الجهة، وقد سلف هذا المعنى في كتاب الإيمان.
стр. 17238
٧٨ - باب "إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ "
٦١٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ». [انظر: ٣٤٨٣ - فتح: ١٠/ ٥٢٣].
ذكر فيه حديث مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، ثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ عقبة بن عمرو البدري ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ".
(هذا الحديث انفرد بإخراجه البخاري، وقد سلف قبيل المناقب) (١). يريد أن الحياء ممدوح على ألسنة الأنبياء الأولين - صلى الله عليهم وسلم -، ولم ينسخ في جملة ما نسخ من شرائعهم، قاله الخطابي (٢).
وقوله: ("اصنع") أمر، ومعناه: الخبر، أي: إذا لم يكن لك حياء يمنعك من القبيح صنعت ما شئت، يريد ما تأمرك به النفس من الهوى.
وفيه وجه آخر: افعل ما شئت، ما لا تستحي منه. أي: لا تفعل ما تستحي منه.
وفيه وجه ثالث: أن معناه الوعيد كـ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ولم يطلقهم تعالى على الكفر وفعل المعاصي، بل توعدهم بهذا اللفظ؛ لأنه تعالى قد بين لهم ما يأتون وما (يذرون) (٣).
стр. 17239
كقوله ﵇: "من باع الخمر فليشقص الخنازير" (١).
(فلو) (٢) لم يكن في هذا إباحة تشقيص الخنازير إذ الخمر يحرم شربها، محظور بيعها.
قال ابن بطال: وهذا التأويل أولى، وهو الشائع في لسان العرب، ولم يقل أحد في تأويل الآية المذكورة غيره (٣).
هذا الحديث سلف في الغسل، رواه هناك: عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن زينب به (١)، ورواه هنا: عن إسماعيل، عن مالك، وهو ابن أبي أويس عبد الله بن عبيد الله بن أبي أويس بن مالك. روى عنه مسلم أيضًا، وروي أيضًا عن جماعة عنه، وقال في البيوع: حَدَّثَني غير واحد من أصحابنا قالوا: ثَنَا إسماعيل (٢). مات سنة ست وعشرين ومائتين.
ثانيها:
حديث شعبة، ثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عن ابن عُمَرَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ- وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ، فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ".
وعن شعبة: ثَنَا خُبَيبُ بنُ عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر مثله، وزاد: فحدث به عمر فقال: لو كنت قلتها لكان أحب إلى من كذا وكذا.
ثالثها:
حديث مَرْحُومٌ، -وهو ابن عبد العزيز أبو عبد الله العطار، مولى معاوية بن أبي سفيان- قال: سمِعْتُ ثَابِتًا، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِيَّ؟ فَقَالَتِ ابنتُهُ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا! فَقَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، عَرَضَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَفْسَهَا.
وقد سلف أيضًا معنى قوله في حديث ابن عمر: "لا يتحات ورقها": لا يسقط من احتكاكه بعضه ببعض، تقول العرب: حتَّ الورق والطين
стр. 17242
اليابس من الثوب حتًا: فركه ونقضه، قال أبو القاسم الجوهري في "مسنده": وإنما تفسيره أن إيمان المسلم ثابت لا يتغير أبدًا.
وفيه: طرح الإمام المسائل على أصحابه؛ ليختبر فهمهم، كما ترجم عليه هناك.
وفيه: توقير الصغير الكبير، وإن كان في العلم غير مستحسن؛ ولذلك قال عمر لولده ما قال، ولو كان سكوته عنده حسن لقال: أصبت.
وقوله: (فقالت ابنته): يريد ابنة أنس راوي الحديث، كما سلف في النكاح.
وقوله: (هي خير منك)؛ لأن طلبها ذلك إنما يكون من فرط حبها لرسول الله ﷺ ورغبتها في القرب منه، وذلك من أعظم الفضائل، ففيه حجة في ألا يستحي مما يحتاج إليه.
وقولها: (إن الله لا يستحي من الحق): يدل أنه لا يجوز الحياء عن السؤال في أمر الدين، وجميع الحقائق التي يعبد الله سبحانه عبادة بها، وأن الحياء في ذَلِكَ مذموم، وفي حديث ابن عمر: أن الحياء مكروه لمن علم علمًا فلم يخبر به بحضرة من هو فوقه إذا سئل عنه، ألا ترى حرص عمر على أن يقول ابنه: إنها النخلة. وقد سلف هذا في العلم.
الشَّيْخِ تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ. فَأَقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قال: وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ فرسي لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ صَحِبَ رسول الله ﷺ فذكر مِنْ تَيْسِيرِهِ.
والأزرق هذا: هو تابعي ثقة، من أفراد البخاري وأبي داود والنسائي، والده قيس الحارثي من بلحارث بن كعب بن عمرو بن خالد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، أخو النخع، واسمه: جسر بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك، وهو مذحج.
وأبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمي. قيل: إنه مات بمرو في إمارة يزيد بن معاوية، بعد سنة أربع وستين (في المفازة) (١) بين سجستان وهراة. وقيل: مات بالبصرة.
والبخاري أخرجه عن أبي النعمان، واسمه: محمد بن الفضل السدوسي عارم، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. وروى البخاري مرة، عن المسندي، عنه. وقيل: إنه تغير بأخَرة. وروى مسلم عن عبد بن حميد وجماعة، عنه.
الحديث الخامس:
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، ثنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزهري، ح. وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا فيه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ: سَجْلًا مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ".
стр. 17246
وهذِه الأحاديث ستأتي أيضًا، بأمره ﵇ بالتيسير في الحدود والأحكام.
قال الطبري: ومعنى قوله: ("يسروا ولا تعسروا") فيما كان من نوافل الخير دون ما كان فرضًا من الله، وفيما (خيَّر) (١) الله سبحانه في عمله من فرائضه في حال العذر كالصلاة قاعدًا في حال العجز عن القيام، وكالإفطار في رمضان في السفر والمرض، وشبه ذَلِكَ مما رخص الله فيه لعباده وأمر بالتيسير في النوافل والإتيان بما لم يكن شاقًّا ولا فادحًا؛ خشية الملل لها ورفضها، وذلك أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وقال ﵇ لبعض أصحابه: "لا تكن كفلان كان يقوم الليل فتركه" (٢).
وقال غير الطبري: من تيسيره ﵇ أنه لم يعنف البائل في المسجد ورفق به، ومن ذَلِكَ قطع أبي برزة لصلاته واتباعه فرسه، وأنه رأى من تيسير رسول الله ﷺ ما حمله على ذَلِكَ. وجماعة الفقهاء يرون أن من كان في صلاة وانفلتت دابته أنه يقطع صلاته ويتبعها؛ لأن الصلاة تدرك إعادتها، ومسير دابته عنه قاطع له. وقد استوعبنا ذَلِكَ في الصلاة؛ لكن عندنا تصلى صلاة شدة الخوف (. . .) (٣).
وقال ابن التين: معنى: (قضى صلاته) ابتدأها، وهو صحيح إن كانت الدابة قريبة أمسكها وإلا قطع وأمسك وابتدأ.
قال الطبري: وفي أمره ﵇ بالتيسير في ذَلِكَ معان: الأمان من الملال، ومن مخالطة العجب قلب صاحبه حتَّى يرى كأن له فضلاً على من قصر عن مثل فعله فيهلك؛ ولهذا قال ﵇: "هلك المتنطعون" (٤)
стр. 17247
وبلغ رسول الله ﷺ أن قومًا أرادوا أن يختصوا، وحرموا الطيبات واللحم على أنفسهم، فقام خطيبًا وأوعد في ذَلِكَ أشد الوعيد. وقال: "لم أبعث بالرهبانية، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة، وإن أهل الكتاب هلكوا بالتشديد، شددوا فشدد الله عليهم" (١).
وفي هذا من الفقه: أن أمر الدنيا نظير ذَلِكَ في أن الغلو وتجاوز القصد فيها مذموم. وبذلك نزل القرآن قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، فحمد الله تعالى في نفقاتهم ترك الإسراج والإقتار، وقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] فأمر بترك التبذير فيما يعطى في سبيله التي يرجى بها الزلفة لديه.
فالواجب واجب على كل ذي لب أن تكون أموره كلها قصدًا في (عبادته) (٢) كان، أو في أمر دنياه، وفي عداوة كان أو محبة، في أكل أو شرب، أو لباس أو عري، وكل هذا ورد الخبر عن السلف أنهم كانوا يفعلونه.
وأما اجتهاده ﵇ في عبادة ربه، فإن الله كان خصه من القوة ما لم يخص به غيره، (فكان) (٣) ما فعل من ذَلِكَ سهلًا عليه؛ على أنه ﵇ لم يكن يحيي ليله كله قيامًا، ولا شهرًا كله صيامًا غير رمضان. وقد قيل: إنه كان يصوم شعبان كله فيصله برمضان.
стр. 17248
قلت: كذا عبر به ابن بطال، وهو في الصحيح فلا ينبغي أن نغير ذلك فأما سائر شهور السنة فإنه كان يصوم بعضه ويفطر بعضه، ويقوم بعض الليل وينام بعضه، وكان إذا عمل عملًا داوم عليه فهو أحق من اقتدي به الذي اصطفاه الله لرسالته وانتخبه لوحيه (١).
فصل:
قوله في حديث أبي موسى ﵁: (وشراب من الشعير يقال له: المزر)، كذا عند ابن فارس أنه نبيذ الشعير (٢)، قال الجوهري: هو من الذرة (٣). ولعله منهمًا.
وقوله فيه: ("كل مسكر خمر"). فيه بيان أن العلة الإسكار، وأن التحريم يتعلق بذلك من غير التفات إلى ما يعمل منه.
فصل:
قولها: (وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه). أي: في الغالب كما قيل؛ لأنه أمر بقتل جماعة، منهم ابن خطل، لكنه عند التأمل يرجع إلى (انتهاك) (٤) الحرمات. وقيل: أرادت إذا أوذي بغير السبب المؤدي إلى الكفر: من أخذ المال، وجبذ الأعرابي بثوبه، وتظاهر عائشة وحفصة (﵄) (٥) عليه. وأما من أذاه بالسب فهو كفر وانتهاك لحرمة الله فينتقم، لما يكون ذَلِكَ ليس بحق نفسه.
стр. 17249
وقولها: (وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما). تريد: في أمر دنياه، لقولها: (ما لم يكن إثمًا)، والإثم لا يكون إلا في أمر الآخرة، وقد سلف إيضاحه.
فصل:
ومعنى (نضب عنه الماء): غار وبعد في الأرض وسفل وهو بفتح الضاد،
وقوله: (وفينا رجل له رأى). قال الداودي: يظن أنه يحسن. وليس كذلك، وهذا هو المتعاطي ما لا يعلم.
(والتعنيف: التعيير واللوم) (١).
وقوله: (ومنزلي متراخ) أي: بعيد.
فصل:
قوله: (فثار إليه). أي: وثب.
والذَّنوب: الدلو فيه الماء، قال ابن السكيت: قريب من المليء، يؤنث ويذكر، ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب. وعبارة ابن فارس: الذنوب: الدلو العظيمة.
والسَّجْل -مذكر-: وهو الدلو إذا كان فيه ما قل أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة: سَجْل (٢).
стр. 17250
٨١ - باب الاِنْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ
وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ ﵁: خَالِطِ النَّاسَ، وَدِينَكَ لَا تَكْلِمَنَّهُ، وَالدُّعَابَةِ مَعَ الأَهْلِ.
٦١٢٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِي صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟». [انظر: ٦٢٠٣ - مسلم: ٢٥١٠ - فتح: ١٠/ ٥٢٦].
٦١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي. [مسلم: ٢٤٤٠ - فتح: ١٠/ ٥٢٦].
ذكر فيه حديث أنس ﵁: إِنْ كَانَ رسول الله ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِي صَغِيرٍ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ ".
وحديث عائشة ﵂: كُنْتُ أَلْعَبُ (بِالْبَنَاتِ) (١) عِنْدَ رسول الله ﷺ ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي.
الشرح:
كان ﵇ أحسن الأمة أخلاقًا، وأبسطهم وجهًا، وقد وصفه الله تعالى ذَلِكَ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] فكان ينبسط إلى النساء والصبيان ويمازحهم ويداعبهم، وقد قال ﷺ : "إني لأمزح ولا أقول إلا حقًّا" (٢).
стр. 17251
وكان يُسرح إلى عائشة صواحبها؛ ليلعبن معها. فينبغي للمؤمن الاقتداء بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه.
وقال أبو عبيد: قوله: (يتقمعن). يعني: دخلن البيت وتغيبن، يقال للإنسان: قد انقمع وقمع، إذا دخل في الشيء أو دخل بعضه في بعض، قال الأصمعي: ومنه سمي القمع الذي يصب فيه الدهن وغيره؛ لأنه يدخل (في) (١) الإناء.
والذي يراد من الحديث: الرخصة في اللعب التي يلعب بها الجواري وهي البنات، فجاءت فيها الرخصة وهي تماثيل، وليس وجه ذَلِكَ عندنا إلا من أجل أنها لهو الصبيان، ولو كان للكبار لكان مكروهًا، كما جاء النهي في التماثيل كلها وفي الملاهي (٢)، وقال غيره: اللعب بالبنات منسوخ بنهي الشارع عن الصور؛ لأن كل من رخص في الصور فيما كان رقمًا أو في تصوير الشجر وما لا روح له. كلهم قد أجمعوا أنه لا يجوز تصوير ما له روح، وذكر ابن أبي زيد عن مالك: أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور. ونقل هذِه المقالة -وهي النسخ- ابن التين عن الداودي ثم قال: وهذا أشبه بمذهب مالك.
فصل:
معنى قوله في أثر ابن مسعود: لا تكلمنه أي: لا تجرحنه، والكَلْم: الجراحة، تقول: كلمته، وقرئ: (دابة من الأرض تكلمهم) أي: تجرحهم وتسمهم، فكأنه أدخل في دينه وصمًا إذ جرحه، وهو ثلاثي تقول: كلمته كلمًا.
стр. 17252
وقوله في بعض النسخ: والدعابة مع الأهل: أي: المزاح، وهو حسن المعاشرة معهم. وقوله: (ودينك): نصبه أحسن من رفعه؛ لأن الفعل إذا استعمل عن المفعول بضميره كان المختار الرفع، إلا أن يكون مع الأمر أو النهي أو العرض أو التمييز أو الاستفهام أو الجزاء أو الجحد، وهو هنا مع النهي.
والنُغير: تصغير نغر -بضم النون وفتح الغين (١) - وهو جمع نغرة، وهو طير كالعصفور محمر المنقار، وبتصغيره جاء الحديث، والجمع: نغران، كصرد وصردان.
وفيه: تكنية الصغير، وأن حرم المدينة لا يمنع الصيد فيه، قاله الخطابي (٢).
قال ابن التين: والذي ذكره بعض أصحابنا أن هذا كان قبل نزول التحريم فيه، وهذا لا يلزم على قول مالك في "المدونة"؛ لأنه أجاز للحلال أن يدخل بالصيد في الحرم ويذبحه (٣)، وفي "العتبية" لابن القاسم: عليه إرساله إذا دخل الحرم. وذكره ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، قال أبو عبد الملك: ويجوز أن يكون منسوخا بنهيه عن تعذيب الحيوان.
واختلف في الجزاء في حرم المدينة، والأظهر عندنا أنه لا شيء فيه وهو قول مالك، وأوجبه ابن نافع من أن مالكًا والشافعي والجمهور قالوا بالحرمة من غير جزاء، وأما أبو حنيفة فأباحه.
стр. 17253
فصل:
(والبنات) (١) في حديث عائشة: التماثيل الصغار التي يلعب بها الجواري. وقال الداودي: ويحتمل أن تكون الباء بمعنى: مع.
والبنات: الجواري. وهو غير ظاهر؛ لقولها: (وكان لي صواحب يلعبن معي). فمن قال: هي التصاوير. اختلفوا في علة نهيها. وقال الخطابي فيه: إن اللعب بالبنات ليس (كالنهي لسائر) (٢) الصور التي جاء فيها الوعيد، ورخص لعائشة؛ لأنها غير بالغ (٣).
وقولها: (فيسربهن إلي) أي: يرسلهن. وقال الداودي: أي: يأذن لهن أن يخرجن. وفي "الصحاح": سرب عليه الخيل: وهو أن يبعث عليه الخيل سربة بعد سربة (٤).
بِثَوْبِهِ يُرِيهِ إِيَّاهُ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ. وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ: ثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ.
الشرح:
الكشر: ظهور الأسنان للضحك، وكاشره: إذا ضحك في وجهه وانبسط إليه. وعبارة ابن السكيت: الكشر: التبسم، يقال: كشر الرجل وانكلَّ وافترَّ وابتسم، كل ذَلِكَ تبدو منه الأسنان (١).
وقال: (لتلعنهم). كذا بخط الدمياطي مجودًا من اللعن، وذكره ابن التين بلفظ: نقليهم. ثم قال: أي: نبغضهم. يقال: (قلاه) (٢) يقليه قلى وقلاء. قال ابن فارس: وقد قالوا: قليته أقلاه (٣). وفي "الصحاح": يقلاه لغة طيء (٤). وهي من النوادر، فعل يفعل بغير حرف حلق، ومثله: ركن يركن، أبى يأبى، وحيى يحيى.
ولا شك أن المدارة من أخلاق المؤمنين، وهي: خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة وسل السخيمة.
وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مداراة الناس صدقة" (٥).
стр. 17256
قال بعض العلماء: وقد ظن من لم يُنعم النظر أن المداراة هي المداهنة، وذلك غلط؛ لأنها مندوب إليها، والمداهنة محرمة. والفرق بينهما لائح؛ لأن المداهنة اشتق اسمها من الدهان الذي يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها، قال العلماء: وهي أن يلقى الفاسق المظهر لفسقه فيؤالفه ويؤاكله ويشاربه، ويرى أفعاله المنكرة ويريه الرضا بها ولا ينكرها عليه ولو بقلبه. فهذِه المداهنة التي برأ الله منها نبيه ﵇ بقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩].
والمداراة: هي الرفق بالجاهل الذي يتستر بالمعاصي ولا يجاهر بالكبائر، والمعاطفة في رد أهل الباطل إلى مراد الله بلين ولطف، حتَّى يرجعوا عَمّا هم عليه.
فإن قلت: فما الجواب عن حديث: "بئس ابن العشيرة" ثم حدثه وأثنى عليه شرًّا عند خروجه؟ قلت: كان ﵇ مأمورًا بألا يحكم على أحد إلا بما ظهر منه للناس، لا بما يعلمه هو منهم دون غيره. وكان المنافقون لا يظهرون له إلا التصديق والطاعة، فكان الواجب عليه ألا يعاملهم إلا بمثل ما أظهروا له؛ إذ لو حكم في علمه بشيء من الأشياء لكانت سنة أن يحكم كل حاكم بما اطلع عليه، فيكون شاهدًا وحاكمًا. والأمة مجمعة أنه لا يجوز ذَلِكَ. وقد قال ﵇ في المنافقين: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم" (١). والداخل عليه إنما كان يظهر في ظاهر لفظه الإيمان، فقال فيه ﵇ قبل وصوله إليه وبعد خروجه ما علمه دون أن يظهر له في وجهه، بما لو أظهره صار حكمًا.
стр. 17257
وأفاد بكلامه بما علمه منه إعلام عائشة ﵂ (بحاله) (١)، ولو أنه كان من أهل الشرك ورجا رسول الله ﷺ إيمانه واستئلافه وقومه وإنابتهم إلى الإسلام، لم يكن هذا مداهنة؛ لأنه ليس عليه حكم إلا من جهة الدعاء إلى الإسلام لا من جهة الإنكار والمقاطعة، كما فعل ﵇ مع المشرك الذي دخل عليه، وابن أم مكتوم ليلة سأله أن يدنيه ويعلمه، وأقبل على المشرك، رجاء منه أن يدخل في الإسلام، وتولى عن ابن أم مكتوم فعاتبه الله في ذَلِكَ (٢). فبان أنه من رسول الله ﷺ إنصاف أن يظهر للإنسان ما يظهر له مما يظهره للناس أجمعين من أحواله مما لا يعلمون منه (غيره) (٣)، كما فعل بابن العشيرة.
стр. 17258
٨٣ - باب لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لا حلم إلا بتجربة.
٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ». [مسلم: ٢٩٩٨ - فتح: ١٠/ ٥٢٩].
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قال النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ".
أثر معاوية أخرجه ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس، عن هشام، عن أبيه قال: (قال) (١) معاوية. فذكره (٢). والمراد أن من جرب الأمور وعرف عواقبها، وما يئول إليه أمر مَن ترك الحلم، وركب السفه والسباب ممن سفه والانتصار منه، آثر الحلم، وصبر على قليل من الأذى؛ ليدفع به ما هو أكبر منه.
وقال الخطابي: معناه أن المرء لا يوصف بالحلم ولا يترقى إلى درجته حتَّى يركب الأمور ويجربها فيعثر مرة بعد أخرى، فيعتبر بها ويتبين مواضع الخطأ؛ فيجتنبها. وقال ضمرة: الحلم أرفع من العقل؛ لأن الله تعالى تسمى به (٣).
وأما الحديث: فلفظه خبر، ومعناه الأمر، يقول: ليكونن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى. وقد
стр. 17259
يكون ذَلِكَ في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا، وهو أولاها بالحذر. وروي بلفظ النهي بكسر الغين قال: فيتحقق معنى النهي فيه على هذِه الرواية (١).
قال ابن التين: وكذا قرأناه. قال: وهذا مثل قديم يمثل به من قبل رسول الله ﷺ ، وهو ﵇ كثيراً ما يتمثل بالأمثال القديمة. وأصل ذَلِكَ أن رجلاً أدخل يده في جحر فلدغ منه مرة ثانية.
قال أبو عبيد: تأويل هذا الحديث عندنا: أنه ينبغي للمؤمن إذا نكب من وجه لا يعود لمثله. وترجم له في كتاب "الأمثال" باب: المحاذرة للرجل من كل شيء قد ابتلي بمثله مرة.
وفيه أدب شريف أدب به الشارع أمته، ونبههم كيف يحذرون ما يخافون سوء عاقبته؟!
ووقع في ابن بطال أن هذا الكلام مما لم يسبق به رسول الله ﷺ ، وهو مخالف لما أسلفناه، وقاله في أبي عزة الشاعر، وكان أسر يوم بدر فسأل رسول الله ﷺ أن يمن عليه، وذكر فقرًا فمنّ عليه، وأخذ عليه عهدًا ألا يحرض عليه ولا يهجوه. ففعل، ثم رجع إلى مكة فاستهواه صفوان بن أمية، وضمن له القيام بعياله، فخرج مع قريش، وحرض عليه فأسر، فسأل رسول الله ﷺ المن، فقال: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين لا تمسح عارضيك بمكة تقول: سخرت من محمد مرتين" ثم أمر به فقتل (٢).
стр. 17260
(فائدة:
استنبط بعضهم من هذا الحديث أن المرء إذا أذنب وعوقب عليه أنه لا يعاقب عليه ثانيًا في الآخرة، وهو حسن) (١).