قال بعض العلماء: وقد ظن من لم يُنعم النظر أن المداراة هي المداهنة، وذلك غلط؛ لأنها مندوب إليها، والمداهنة محرمة. والفرق بينهما لائح؛ لأن المداهنة اشتق اسمها من الدهان الذي يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها، قال العلماء: وهي أن يلقى الفاسق المظهر لفسقه فيؤالفه ويؤاكله ويشاربه، ويرى أفعاله المنكرة ويريه الرضا بها ولا ينكرها عليه ولو بقلبه. فهذِه المداهنة التي برأ الله منها نبيه ﵇ بقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩].
والمداراة: هي الرفق بالجاهل الذي يتستر بالمعاصي ولا يجاهر بالكبائر، والمعاطفة في رد أهل الباطل إلى مراد الله بلين ولطف، حتَّى يرجعوا عَمّا هم عليه.
فإن قلت: فما الجواب عن حديث: "بئس ابن العشيرة" ثم حدثه وأثنى عليه شرًّا عند خروجه؟ قلت: كان ﵇ مأمورًا بألا يحكم على أحد إلا بما ظهر منه للناس، لا بما يعلمه هو منهم دون غيره. وكان المنافقون لا يظهرون له إلا التصديق والطاعة، فكان الواجب عليه ألا يعاملهم إلا بمثل ما أظهروا له؛ إذ لو حكم في علمه بشيء من الأشياء لكانت سنة أن يحكم كل حاكم بما اطلع عليه، فيكون شاهدًا وحاكمًا. والأمة مجمعة أنه لا يجوز ذَلِكَ. وقد قال ﵇ في المنافقين: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم" (١). والداخل عليه إنما كان يظهر في ظاهر لفظه الإيمان، فقال فيه ﵇ قبل وصوله إليه وبعد خروجه ما علمه دون أن يظهر له في وجهه، بما لو أظهره صار حكمًا.
стр. 17257
وأفاد بكلامه بما علمه منه إعلام عائشة ﵂ (بحاله) (١)، ولو أنه كان من أهل الشرك ورجا رسول الله ﷺ إيمانه واستئلافه وقومه وإنابتهم إلى الإسلام، لم يكن هذا مداهنة؛ لأنه ليس عليه حكم إلا من جهة الدعاء إلى الإسلام لا من جهة الإنكار والمقاطعة، كما فعل ﵇ مع المشرك الذي دخل عليه، وابن أم مكتوم ليلة سأله أن يدنيه ويعلمه، وأقبل على المشرك، رجاء منه أن يدخل في الإسلام، وتولى عن ابن أم مكتوم فعاتبه الله في ذَلِكَ (٢). فبان أنه من رسول الله ﷺ إنصاف أن يظهر للإنسان ما يظهر له مما يظهره للناس أجمعين من أحواله مما لا يعلمون منه (غيره) (٣)، كما فعل بابن العشيرة.
стр. 17258
٨٣ - باب لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لا حلم إلا بتجربة.
٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ». [مسلم: ٢٩٩٨ - فتح: ١٠/ ٥٢٩].
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قال النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ".
أثر معاوية أخرجه ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس، عن هشام، عن أبيه قال: (قال) (١) معاوية. فذكره (٢). والمراد أن من جرب الأمور وعرف عواقبها، وما يئول إليه أمر مَن ترك الحلم، وركب السفه والسباب ممن سفه والانتصار منه، آثر الحلم، وصبر على قليل من الأذى؛ ليدفع به ما هو أكبر منه.
وقال الخطابي: معناه أن المرء لا يوصف بالحلم ولا يترقى إلى درجته حتَّى يركب الأمور ويجربها فيعثر مرة بعد أخرى، فيعتبر بها ويتبين مواضع الخطأ؛ فيجتنبها. وقال ضمرة: الحلم أرفع من العقل؛ لأن الله تعالى تسمى به (٣).
وأما الحديث: فلفظه خبر، ومعناه الأمر، يقول: ليكونن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى. وقد
стр. 17259
يكون ذَلِكَ في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا، وهو أولاها بالحذر. وروي بلفظ النهي بكسر الغين قال: فيتحقق معنى النهي فيه على هذِه الرواية (١).
قال ابن التين: وكذا قرأناه. قال: وهذا مثل قديم يمثل به من قبل رسول الله ﷺ ، وهو ﵇ كثيراً ما يتمثل بالأمثال القديمة. وأصل ذَلِكَ أن رجلاً أدخل يده في جحر فلدغ منه مرة ثانية.
قال أبو عبيد: تأويل هذا الحديث عندنا: أنه ينبغي للمؤمن إذا نكب من وجه لا يعود لمثله. وترجم له في كتاب "الأمثال" باب: المحاذرة للرجل من كل شيء قد ابتلي بمثله مرة.
وفيه أدب شريف أدب به الشارع أمته، ونبههم كيف يحذرون ما يخافون سوء عاقبته؟!
ووقع في ابن بطال أن هذا الكلام مما لم يسبق به رسول الله ﷺ ، وهو مخالف لما أسلفناه، وقاله في أبي عزة الشاعر، وكان أسر يوم بدر فسأل رسول الله ﷺ أن يمن عليه، وذكر فقرًا فمنّ عليه، وأخذ عليه عهدًا ألا يحرض عليه ولا يهجوه. ففعل، ثم رجع إلى مكة فاستهواه صفوان بن أمية، وضمن له القيام بعياله، فخرج مع قريش، وحرض عليه فأسر، فسأل رسول الله ﷺ المن، فقال: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين لا تمسح عارضيك بمكة تقول: سخرت من محمد مرتين" ثم أمر به فقتل (٢).
стр. 17260
(فائدة:
استنبط بعضهم من هذا الحديث أن المرء إذا أذنب وعوقب عليه أنه لا يعاقب عليه ثانيًا في الآخرة، وهو حسن) (١).
٦١٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». [انظر: ٥١٨٥ - مسلم: ٤٧ - فتح: ١٠/ ٥٣٢].
ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
حديث أَبِي شُرَيْحٍ الكَعْبِيِّ، السالف في باب: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره".
وأبو شريح: اسمه: خويلد بن عمر، وقيل غير ذَلِكَ، مات سنة ثمان وستين بالمدينة، وهو من بني عدي بن عمرو بن لحي، أخي كعب بن عمر.
ثانيها:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وسلف فيه أيضًا، وكرره في الباب، وفي أحدهما أبو حَصِين: وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكاهلي الكوفي، مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
ثالثها:
حديث أَبِي الخَيْرِ -واسمه مرثد بن عبد الله اليزني، مات سنة (سبعين) (١) - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنْ نَزَلْتُمْ
стр. 17265
بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الذِي يَنْبَغِي لَهُمْ".
وقد سلف الكلام على الضيف وجائزته. وما اختلف فيه من معنى الحديث هل اليوم والليلة جائزة داخلة في الثلاث؟ وإذا قلنا بدخولها، فهل هي قبل الثلاثة أو بعدها؟ وهل الجائزة حسن ضيافته يوم أو يعطى ما بعد الثلاث ما يجوز به مسافة يوم وليلة؟
وروى ابن سنجر أنه ﵇ قال: "ليلة الضيف حق على كل مسلم واجبة، فمن أصبح بفنائه فهو له عليه دين إن شاء تركه أو اقتضاه" (١).
وقد سئل مالك عن: "جائزته يوم وليلة" فقال: يكرمه ويتحفه يومًا وليلة وثلاثة أيام ضيافة، قسم رسول الله ﷺ أمره إلى ثلاثة أقسام: إذا نزل به الضيف أتحفه في اليوم الأول وتكلف له على قدر وجده، فإذا كان اليوم الثاني قدم إليه ما بحضرته، فإذا جاوز مدة الثلاثة كان مخيرًا بين أن يستمر على (وثيرته) (٢) أو يمسك، وجعله كالصدقة النافلة.
فصل:
قوله: ("ولا يحل له أن يثوي عنده") وهو بفتح أوله وكسر الواو، والفتح في الماضي، ثوى إذا أقام، ثوى وأثويت (عنده بفتح أوله) (٣) لغة في ثويت أي: لا يقيم عنده بعد الثلاث.
وقوله: ("حتَّى يحرجه"). أي: يضيق صدره. (وأصل الحرج الضيق. وإنما كره له المقام عنده بعد الثلاث؛ لئلا يضيق صدره) (٤)
стр. 17266
بمقامه فتكون الصدقة منه على وجه المن والأذى، فيبطل أجره، قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
فصل:
قوله: ("من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه") معناه: من كان إيمانه إيمانًا كاملاً، فينبغي أن يكون هذا حاله وصفته؛ فالضيافة من سنن المرسلين.
وقد سلف اختلاف العلماء في وجوبها، وأوجبها الليث بن سعد فرضًا ليلة واحدة، وأجاز للعبد المأذون له أن يضيف مما في يده، واحتج بحديث عقبة في الباب. وقال جماعة من أهل العلم: الضيافة من مكارم الأخلاق في باديته وحاضرته. وهو قول الشافعي. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. وقال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر (١). واحتج الليث أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] أنها نزلت فيمن منع الضيافة، فأبيح للضيف لوم من لم يحسن ضيافته، وذكر قبيح فعله، وروي ذَلِكَ عن مجاهد (٢) وغيره. فيقال لهم: إن الحقوق لا يتضيف فيها بالقول وإنما يتضيف فيها بالأداء والإبراء، فلو كانت الضيافة واجبة لوجب عليهم الخروج إلى القوم مما لزمهم من ضيافتهم، وقوله: "جائزته يوم وليلة" دليل أن الضيافة ليست بفريضة، والجائزة في لسان العرب: المنحة والعطية. وذلك تفضل وليس بواجب.
стр. 17267
وأما حديث عقبة فتأويله عند جمهور العلماء أنه كان في أول الإسلام حين كانت المواساة واجبة، فأما إذا أتى الله بالخير والسعة فالضيافة مندوب إليها.
قوله: (فرأى أم الدرداء مبتذلة (١)) أي: تمتهن نفسها للخدمة وتلبس ثياب بذلتها.
وظاهر الحديث أنه أفطر بعد أن كان صائمًا، وهو مذهب الشافعي (٢)، وخالف فيه مالك (٣)، وهو مذهب ابن عمر.
فصل:
والتكلف للضيف لمن قدر على ذَلِكَ من سنن المرسلين وآداب النبيين (صلوات الله وسلامه [عليهم] أجمعين) (٤)، ألا ترى أن إبراهيم الخليل ﷺ ذبح لضيفه عجلًا سمينًا؟! قال أهل التأويل: كانوا ثلاثة أنفس: جبريل وميكائيل وإسرافيل، فتكلف لهم ذبح عجل وقربه إليهم.
وقوله ﵇ فيما مضى: "جائزته يوم وليلة" يقتضي (منع) (٥) التكلف له يومًا وليلة لمن وجد، ولمن لم يكن من أهل الوجود واليسار فليقدم لضيفه ما تيسر عنده ولا يتكلف له ما لا يقدر عليه.
وقد ورد (بذلك) (٦) عن رسول الله ﷺ ، روى الطبري من حديث خراش ثَنَا مسلم بن قتيبة، عن قيس بن الربيع، عن عثمان بن سابور، عن شقيق بن سلمة قال: دخلت على سلمان فقرب إلى خبز شعير وملحًا وقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهى أن يتكلف أحدنا ما ليس عنده لتكلفت لك (٧).
стр. 17270
فدل أن المراد إذا أضافه ضيف أن الحق عليه أن يأتيه من الطعام ما حضره وألا يتكلف له ما ليس عنده وإن كان ما حضره من ذَلِكَ دون ما يراه (المضيف) (١) أهلاً؛ لأن في تكليفه ما ليس عنده (معانٍ) (٢) مكروهة:
منها: حبس الضيف عن القرى ولعله أن يكون جائعًا فيضر به.
ومنها: أن يكون مستعجلًا في سفره فيقطعه عنه بحبسه إياه عن إحضاره ما حضره من الطعام إلى إصلاح ما لم يحضر.
ومنها: احتقاره ما عظم الله قدره من الطعام.
ومنها: خلافه أمر رسول الله ﷺ وإتيان ما قد نهى عنه من التكلف. وروى عبد الله (٣) بن الوليد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: دخل على جابر بن عبد الله نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقرب إليهم (خبزًا) (٤) وخلًّا ثم قال: كلوا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم الإدام الخل، هلاك بالرجل أن يدخل عليه الرجل من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه إليه، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما قدم إليهم" (٥).
وقال سفيان الثوري عن ابن سيرين: لا تلزم أخاك بما يشق عليه (٦).
стр. 17271
وفسره الثوري فقال: إنه يحاضر ما عندك ولا تحبسه، فعسى أن يشق ذَلِكَ عليه.
وفي حديث أبي جحيفة: زيارة الرجل الصالح صديقه الملاطف ودخوله داره في غيبته وجلوسه مع أهله.
وفيه: شكوى المرأة لزوجها إلى صديقه الملاطف أن يأخذ على يده ويرده عما يضر بأهله.
وفيه: أنه لا بأس ألا يأكل الضيف حتَّى يأكل معه رب الدار.
وفيه: أنه لا بأس أن يفطر رب الدار لضيفه في صيام التطوع.
وفيه: كراهية التشدد في العبادة والغلو فيها خشية ما يخاف من عاقبة ذَلِكَ، وأن الأفضل في العبادة القصد والتوسط، فهو أحرى للدوام، ألا ترى قوله ﵇: "صدق سلمان".
وفيه: أن الصلاة آخر الليل أفضل؛ لأنه وقت (ينزل الله) (١) إلى سماء الدنيا فينادي فيستجيب الدعاء.
стр. 17272
٨٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْغَضَبِ وَالْجَزَعِ عِنْدَ الضَّيْفِ
٦١٤٠ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الجُرَيْرِىُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ. فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا. فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: اطْعَمُوا. قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا. قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ. فَأَبَوْا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَسَكَتُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَسَكَتُّ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَّا جِئْتَ. فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ. فَقَالُوا: صَدَقَ، أَتَانَا بِهِ. قَالَ: فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي، وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ الآخَرُونَ: وَاللهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ. قَالَ: لَمْ أَرَ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ، وَيْلَكُمْ، مَا أَنْتُمْ؟ لِمَ لَا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هَاتِ طَعَامَكَ. فَجَاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللهِ، الأُولَى لِلشَّيْطَانِ. فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. [انظر: ٦٠٢ - مسلم: ٢٠٥٧ - فتح: ١٠/ ٥٣٤].
ذكر فيه حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ تَضَيَّفَ رَهْطًا .. الحديث بطوله، وقد سلف فقهه أنه ينبغي استعمال حسن الأخلاق للضيف وترك الضجر، لكن يبسط نفسه ولا ينقبض ويسقط المؤنة والرقبة؛ خشية أن يظن أن الضجر والغضب من أجله، فذلك من أدب الإسلام وما يثبت المودة، ألا ترى الصديق لما رأى إباءة أضيافه من الأكل حتَّى يأكل معهم آثر الأكل معهم وحنث نفسه.
وإنما حمله على الحلف -والله أعلم- أنه استقصر ابنه وأهله في
стр. 17273
القيام ببر أضيافه، واشتد عليه تأخر عشائهم إلى ذَلِكَ الوقت من الليل، فلحقه ما يلحق البشر من الغضب، ثم لم يسعه مخالفة أضيافه لما أبوا من الأكل دونه، فرأى أن من تمام برهم إسعاف رغبتهم وترك التمادي في الغضب؛ وأخذ في ذَلِكَ بقوله ﵇: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير" (١). وكان (مذهبه) (٢): اختيار الكفارة بعد الحنث.
وقوله: "بسم الله، الأولى من الشيطان". يعني: اللقمة الأولى إخزاء للشيطان؛ لأنه الذي حمله على الحلف وسول له ألا يأكل مع أضيافه، وباللقمة الأولى وقع الحنث ووجبت الكفارة.
وقد تقدم تفسير قوله: (يا غنثر). في الصلاة في باب السمر مع الضيف والأهل، ومر هناك شيء من معانيه، وسيأتي في الباب بعد هذا شيء من ذَلِكَ.
فصل: في بيان ألفاظ واقعة فيه:
قوله: (دونك أضيافك). هو إغراء يقال: دونك زيدًا أي: الزمه.
ومعنى: أطعموا: كلوا. قال تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وقوله: (اقبلوا عنا قراكم) أي: منا قراكم، ومصدر قريت: قِرى وقَراءً إذا كسرت القاف قصرت، وإذا فتحت مددت، والاسم قِرى بالكسر والقصر.
стр. 17274
قوله: (يا غنثر). هو مشتق من الغثر والنون زائدة مثل: غندر، والغثار، والغثر: سفلة الناس، الواحد أغثر كأحمر، وهو سب له ونقص، هذا الذي يظهر فيه. وقال أبو عبد الملك: لم أسمع أحدًا يذكر اشتقاقه، ومعناه: كأنه اتهمه أن يكون فرط.
وقوله: (أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت). هو مشدد بمعنى (إلا) كأنه اتهمه عند سيبويه كما سلف. ويصح أن يكون مخففًا وما زائدة.
وقوله: (لم أر في الشر كالليلة). يعني: في أكثر الأحوال، ذكره الداودي. ويحتمل أن يكون قال ذَلِكَ من كثرة اللغط.
وقوله: (الأولى من الشيطان) (١). يعني: يمينه. أي: كانت من الشيطان. وقيل: يعني: اللقمة الأولى؛ لأنه الذي حمله أن يحلف، وباللقمة الأولى وقع الحنث ووجبت الكفارة.
стр. 17275
٨٨ - باب قَوْلِ الضَّيْفِ لِصَاحِبِهِ لَا آكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ
فِيهِ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٦١٤١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ﵄ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِضَيْفٍ لَهُ أَوْ بِأَضْيَافٍ لَهُ، فَأَمْسَى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ أُمِّي: احْتَبَسْتَ عَنْ ضَيْفِكَ -أَوْ أَضْيَافِكَ- اللَّيْلَةَ. قَالَ: مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ فَقَالَتْ عَرَضْنَا عَلَيْهِ -أَوْ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا أَوْ- فَأَبَى، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَسَبَّ وَجَدَّعَ وَحَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ، فَاخْتَبَأْتُ أَنَا، فَقَالَ يَا غُنْثَرُ. فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ -أَوِ الأَضْيَافُ- أَنْ لَا يَطْعَمَهُ أَوْ -يَطْعَمُوهُ- حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَأَنَّ هَذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلاَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي إِنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ. فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. [انظر: ٦٠٢ - مسلم: ٢٠٥٧ - فتح: ١٠/ ٥٣٥].
قد سلف مسندًا قريبًا في باب صنع الطعام.
ثم ذكر حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، المذكور في الباب قبله بزيادة: فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها. إلى آخره.
ولا شك أن صاحب المنزل في منزله كالأمير لا ينبغي لأحد أن يتقدم عليه في أمر، يدل على ذَلِكَ الحديث الصحيح: "لا يَؤُمَّنَّ الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه"، وهو من أفراد مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري (١).
стр. 17276
فكان هذا الحديث أصلاً لهذا المعنى.
ودل هذا أنه ينبغي للضيف المصير إلى ما (يحثه) (١) عليه ضيفه، ويشهد لهذا المعنى حديث أنس ﵁ أن غلامًا خياطًا دعى رسول الله ﷺ للطعام فقدمه بين يديه فأكل، وأقبل الخياط على عمله، وقد ترجم البخاري فيما سلف باب: من أضاف رجلاً إلى طعام وأقبل هو على عمله، ثم ذكر حديث أنس السالف فيه (٢)، فدل هذا الحديث أن أكل صاحب الطعام مع الضيف ليس من الواجبات، إلا أنه جاء في حديث ضيف أبي بكر معنى يختص بخلاف هذا الأصل المتقدم، وذلك أن أضيافه أقسموا ألا يفطروا حتَّى ينصرف من عند رسول الله ﷺ فأحبس عنده إلى هوى من الليل فبقوا دون أكل، وقد كان ينبغي على ظاهر الأصل السالف من أن صاحب المنزل لا ينبغي لأحد التسور عليه في منزله في أمرهم أن يفطروا حين عرض عليهم الأكل ولا يأتونه، فلما امتنعوا من ذَلِكَ وبقوا غير مفطرين إلى إقباله، ثم حنث نفسه في يمينه التي بدرت منه؛ إيثارًا لموافقتهم؛ لأن ذَلِكَ أنه يجوز للضيف أن يخالف صاحب المنزل في تأخير الطعام وشبهه؛ إذا رأى لذلك وجهًا من وجوه المصلحة، وأنه لا حرج عليه في ذَلِكَ، ألا ترى أن الصديق وإن كان غضب لتأخر قراهم إلى وقت قدومه لم ينكر عليهم يمينهم ولا قال لهم: أتيتم ما لا يجوز لكم فعله. ولا شك أن الصديق أعلم بذلك رسول الله ﷺ حين حمل إليه بقية الطعام ولم يعنف القوم ولا خطأهم في يمينهم، وهذا الذي يغلب على الوهم؛ لأن أصحابه كانوا لا يخفون عنه كل ما يعرض لهم ليسن لهم فيه.
стр. 17277
فصل:
قوله: (فسبَّ وجدَّع). (معنى: جدع) (١) مثل سب؛ لأن الجدع: الخصام [قال] (٢) ابن فارس: جادعته مجادعة: خاصمته (٣). وقال الداودي: معناه سب ابنه ودعاه (بلعنه) (٤).
وفي "الصحاح": جدعه إذا قال: جدعًا لك. والجدع: قطع الأنف (٥). وللشيخ أبي الحسن: وجذع والجذع نقيض الصبر أي: لم يصبر من الغيظ.
وقوله: (وجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسفلها) كذا وقع غير مهموز، وربا إذا كان غير مهموز معناه: زاد.
وفي "الصحاح": ربا يربو إذا أخذه الربو، قال: وربوت الرابية: علوتها (٦). قال: ومعنى المهموز أي: لأربأ بك عن هذا الأمر، أي: أرفعك عنه (٧). والمعنى على هذا: ارتفع ما كان تحت اللقمة، وعلى الأول ربا وزاد، فالمعنيان متقاربان.
وقولها: (وقرة عيني) لعل هذا كان قبل النهي عن الحلف بغير الله، أو لم تعلمه.
وقوله: (فحلفت المرأة لا تطعمه حتَّى يطعمه) قال الداودي: يعني: حلفت للأضياف. قال: وقد يكون هذا قبل مجيء أبي بكر، والظاهر أنها حلفت على بعلها أبي بكر ﵁.
ذكر فيه حديث رَافِع بْنِ خدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ في القسامة، وقد سلف في بابها (١). وموضع الحاجة منه: فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ القَوْمِ فَقَالَ له ﵇: "كَبِّرِ الكُبْرَ". قَالَ يَحْيَى: لِيَلِيَ الكَلَامَ الأَكْبَرُ.
وحديث ابن عُمَرَ ﵄ (٢) في النخلة؛ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄.
الشرح:
إكرام الكبير وتقديمه في الكلام وجميع الأمور من آداب الإسلام ومعاني الأخلاق.
(روى الحاكم من حديث أبي الزبير، عن جابر قال: قدم وفد جهينة على رسول الله ﷺ فقام غلام منهم، فقال ﵇: "فأين الكبراء".
ونقل ابن طاهر في "صفوة التصوف" بإسناده إلى مسلم بن الحجاج أنه صححه.
وروى الحاكم أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "مَنْ لم يرحم صغيرنا ويعرف حقَّ كبيرنا فليس منَّا". ثم قال: صحيح الإسناد (٣).
وأخرجه أبو داود (٤) من حديث عبد الله بن عمرو) (٥)، وذكر عبد الرزاق أن في الحديث: "من تعظيم جلال الله أن يوقر ذو الشيب في الإسلام" (٦).
стр. 17280
ولهذا المعنى قال ﵇: "كبر الكبر" فأمر أن يبدأ الأكبر بالكلام، فكان ذَلِكَ سنة. إلا أنه دل معنى حديث ابن عمر أن معنى ذَلِكَ ليس على العموم وأنه إنما ينبغي أن يبدأ بالأكبر فيما يستوي في علم الصغير والكبير، فأما إذا علم الصغير ما يجهل الكبير فإنه ينبغي لمن كان عنده علم أن يذكره وينزع به وإن كان صغيرًا، ولا يعد ذَلِكَ منه سوء أدب ولا تنقصًا لحق الكبير في المتقدم عليه؛ لأنه ﵇ حين سأل أصحابه عن الشجرة التي شبهها بالمؤمن- وفيهم ابن عمر وغيره ممن كان دونه في السن- لم يوقف الجواب على الكبار فيهم خاصة، وإنما سأل جماعتهم ليجيب كلٌ بما علم، وعلى ذَلِكَ دل قول عمر لابنه: لو كنت قلتها كان أحب إليَّ من كذا وكذا؛ لأن عمر لا يحب ما يخالف أدب الإسلام وسننه. وقد كان يسأل ابن عباس وهو صبي (١) مع المشيخة، وقد كان ذَلِكَ معدودًا في فضائله. وقد تقدم هذا المعنى في باب: الحياء في العلم من كتاب: العلم (٢).
فصل:
قوله: ("الكُبر") بضم الكاف، قال الجوهري: قولهم هو كبر قومه أي: هو أقعدهم في النسب، قال: وفي الحديث: الولاء للكبر (٣). وهو أن يموت ويترك ابنا وابن ابن، فالولاء للابن دون ابن الابن.
стр. 17281
قال: والكبر في السنن، يقال: كبر يكبر كبرًا إذا أسن (١).
قال ابن التين: وقرأناه بضم. الكاف وسكون الباء. قال: وإنما يكون أولى إذا لم يكن الصغير أدرى ولا أفهم، وإن كان الصغير أعلم وأفضل فهو أولى؛ بدليل حديث ابن عمر ﵄، وهو كما قال، وقد سلف.
فصل:
في الحديث الأول إثبات القسامة، وأن القول قول المدعي مع يمينه، وقد سلف ذَلِكَ مع إنكار أبي حنيفة لها.
وقوله: (فدخلتْ مربدًا لهم) يريد (لإحدى) (٢) الإبل أو القوم، أو يكون صوابه لهن، وهو الموضع تحبس فيه الإبل.
لا، وإنما هو الكلام السجع؛ وذلك أنه يقال لصانعه: راجز، ولا يقال: شاعر.
و (الحُداء) بضم الحاء والمد: مصدر، يقال: حدوت الإبل حدوًا وحداء، وهو سوق الإبل والغناء لها، مثل: دعوت دعاء، ويقال للشمال: حدوًا؛ لأنها تدعو السحاب. (وحكى الأزهري وغيره: كسر الحاء أيضًا وأول من اتخذه قريش) (١).
ثم ذكر البخاري قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ إلى آخر الآية: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٥].
(قال ابن عباس: في كل لغو يخوضون).
قال ابن عباس: ﴿الْغَاوُونَ﴾: الرواة، وقال الضحاك: هما اثنان تهاجيا على عهد رسول الله ﷺ : أحدهما أنصاري، وكان مع كل واحد منهما جماعة، وهم الغواة أي: السفهاء. وقال عكرمة: هم الذين يتبعون الشاعر. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿الْغَاوُونَ﴾: الشياطين. وروي عنه: هم الذين يتبعون ويروون شعرهم (٢).
ونقل ابن بطال عن أهل التأويل -منهم ابن عباس وغيره- أنهم شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين وعصاة الجن، ويروون شعرهم؛ لأن الغاوي لا يتبع إلا غاويًا مثله. وقول ابن عباس: (في كل لغو يخوضون). وقيل: في كل واحد من القول يهيمون. قال أبو عبيدة: الهائم: المخالف للقصد في كل شيء (٣).
стр. 17285
(يمرحون) (١) ويمرقون ويسرعون بما ليس في الممدوح والمذموم.
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] قال ابن عباس: يعني: ابن رواحة وحسانًا. وقوله: ﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ أي: في شعرهم، وقيل: في خلال كلامهم للناس، وقيل: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله. ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أي: ردوا على الكفار الذين كانوا يهجونه.
قال الطبري: ولا خلاف في أن حكم المستثنى مخالف لحكم المستثنى منه، فوضح أن المذموم من الشعراء غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم محمودون غير مذمومين (٢).
ثم ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
حديث شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن أبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً".
يعني: كلامًا نافعًا يمنع من الجهل والسفه، وينهى عنهما، وهو من أفراده، وعزاه إليه المزي في "أطرافه" (٣) إلى الأدب (٤)، وقد علمت أنه في كتاب البر والصلة، وأخرجه أيضًا أبو داود وابن ماجه من حديث يونس بن زيد، عن الزهري به (٥).
стр. 17286
ورواه إبراهيم بن سعد أيضًا عن الزهري به، وقال: عبد الله بن الأسود بن عبد يغوث (١)، قال غير واحد عن إبراهيم بن سعد كذلك. وهو معدود من أوهامه.
ورواه أبو عمر الحوضي، وأبو معمر الهذلي (٢)، وعبد العزيز بن أبي سلمة العمري، عن إبراهيم بن سعد، فقالوا: عن عبد الرحمن بن الأسود على الصواب. وتابعهم يزيد بن هارون، إلا أنه أسقط مروان بن الحكم من إسناده (٣).
وكذلك رواه الوليد بن محمد الموقري عن الزهري (٤)، وروي عن عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن سعد بالوجهين جميعًا، وذكر فيه مروان بن الحكم. ورواه معمر عن الزهري. واختلف عليه فيه فقال رباح بن زيد الصنعاني عن معمر كرواية الجماعة (٥). وقال علي بن بحر بن بري: عن هشام بن يوسف، عن معمر بإسناده عن عبد الله بن الأسود، كما هو المشهور عن إبراهيم بن سعد، وقال عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق (٦): عن معمر، عن الزهري عن عروة، عن مروان، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبي بن كعب (٧).
стр. 17287
الحديث الثاني:
حديث جندب ﵁: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ:
"هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ"
قد سلف أنه قول ابن رواحة تمثل به رسول الله ﷺ . والأصبع يذكر ويؤنث، وفيها عشر لغات: تثليث الهمزة والباء والعاشرة أصبوع. واقتصر ابن التين على خمس منها.
الحديث الثالث:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ. وَكادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ".
يريد: أصدق قسم، "وما خلا": كلمة يستثنى بها وينصب ما بعدها و (يجر) (١)، وأما ما خلا أي: وما كان (فيه) (٢) من ملائكة وكتب ورسل ونبيين واليوم الآخر والجنة والنار ليسوا بباطل، وهذا من اختصار العرب.
والقسم الثاني وهو: وكل نعيم لا محالة زائل، فعابه بعض الصحابة وقال: نعيم الآخرة لا ينفد.
стр. 17288
قال الداودي: والذي يدخل في هذا يدخل في القسم الأول كما تقدم. ومعناه: نعيم الدنيا. ولبيد: هو ابن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
قال أبو عمر: وهو شعر حسن، فيه ما يدل على أنه قاله في الإسلام، وهو قوله:
وكل امرئ يومًا سيعلم سعيه … إذا كشفت عند الإله المحاصل
وقد قال أكثر أهل الأخبار: إن لبيدًا لم يقل شعرًا منذ أسلم. وقال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلا قوله:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي … حَتَّى اكتسيت من الإسلام سربالا
وهذا البيت لقردة بن نفاثة في أبيات. وقيل البيت الذي قاله:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه … والمرء يصلحه القرين الصالح (١)
وقد ذكر ابن عساكر له مرثية في رسول الله ﷺ ذكرها ابن عساكر، ومديحًا فيه بيت في ديوانه من غير رواية ابن السكري.
وقال المبرد: كان شريفًا في الجاهلية والإسلام، وكان نذر ألا تهب الصبا إلا نحر وأطعم (٢)، وهو من فحول الشعراء ومن المؤلفة أيضًا، عمَّر، مات بعد المائة، إما وأربعين أو سبع (وخمسين) (٣).
وقوله: "وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم" أي: لأن ألفاظه حكمة. ويقال إنه الذي نزل فيه ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] قاله عبد الله بن عمرو.
стр. 17289
وقال ابن عباس: هو بلعام من بني إسرائيل.
وقال عكرمة: هو من كبار اليهود والنصارى لم يصح إسلامه (١).
وروي أن أمية هذا رأته ابنتاه في المنام نسرين، كشطا سقف بيته فشق أحدهما عن قلبه، فقال له الآخر: أوعى؟ قال: وعى. (قال: أزكى؟ قال: أبى) (٢): فقال: ذَلِكَ خير أريد بأبيكما فلم يقبله (٣).
الحديث الرابع:
حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ السالف في غزوة خيبر وفيه: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا إلى آخره.
وقوله: (فرجع ذباب سيفه) أي: طرفه الذي يضرب به.
وقوله: (قال سلمة: فرأى رسول الله ﷺ شاحبًا)، الشاحب: المتغير اللون والجسم؛ لعارض من مرض أو سفر ونحوهما، وقد شحب يشحب شحوبًا فهو شاحب، ولا يصح أن يكون بالجيم كما قاله ابن التين.
قال الجوهري: شَجَبَ يشْجَب: إذا (حزن) (٤) أو هلك، فهو شَجِب. وشَجَب يشْجُب بالضم هو شاجب. أي: هالك (٥)، والمروي بالحاء المهملة.
стр. 17290
الحديث الخامس:
حديث أَنَسٍ ﵁: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ -وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ- فَقَالَ: "وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ". قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ: قَوْلُهُ: "سَوْقَا بِالْقَوَارِيرِ".
الشرح:
الشعر والرجز والحداء كسائر الكلام، فما كان فيه ذكر تعظيم الرب ووحدانيته وقدرته وإيثار طاعته وتصغير الدنيا والاستسلام له تعالى، كنحو ما أورده البخاري في الباب فهو حسن مرغب فيه، وهو الذي قال فيه ﵇: "إن من الشعر حكمة". وما كان منه كذبًا أو فحشًا فهو الذي ذمه الله ورسوله. وقال الشافعي: الشعر كلامه حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه (١). قُلْتُ: وهو حديث مرفوع (٢)، وسماع الحُداء ونشيد الأعراب لا بأس به؛ فإن الشارع قد سمعه وأقره ولم ينكره.
وهذا الباب رد على من نهى عن قليل الشعر وكثيره، واعتلوا بحديث جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ : أنه كان إذا افتتح الصلاة يستعيذ من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه (٣)، فسره عمرو بن مرة في رواية. فقال: نفثه: الشعر ونفخه: الكبر وهمزه الموت (٤). أي: الجنون، وبحديث أبي أمامة الباهلي أنه ﵇ قال: لما أنزل إبليس إلى الأرض
стр. 17291
قال: يا رب اجعل لي قرآنًا، قال: الشعر .. وذكر الحديث (١). وبحديث ابن لهيعة عن أبي قبيل قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: من قال ثلاثة أبيات من الشعر من تلقاء نفسه لم يدخل الفردوس.
قال الأعمش: تمثل مسروق بأول بيت شعر ثم سكت فقيل له: لم سكت؟ قال: أخاف أن أجد في صحيفتي شعرًا (٢). وقال ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان (٣). وكان الحسن لا ينشده (٤).
قال الطبري: وهذِه أخبار واهية، والصحيح في ذَلِكَ أنه ﵇ كان يتمثل أحيانًا بالبيت فقال: "هل أنت إلا أصبع" إلى آخره. وقال: "أصدق كلمة قالها الشاعر". تمثل بأول البيت وترك آخره. وقالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يتمثل من الشعر: ويأتيك بالأخبار من لم تزود (٥). وكان عامر بن الأكوع يحدو بالشعر بحضرته المشرفة. وقال: "من هذا السائق؟ " قالوا: عامر. فقال: "يرحمه الله".
وأمر حسان بن ثابت وغيرُه بهجاء المشركين، وأعلمهم أن (لهم على ذَلِكَ) (٦) جزيل الأجر وقال: "هو أشد عليهم من نضح النبل" (٧).
стр. 17292
وذكر الطبري عن عمر وعلي وجلة الصحابة ﵃ أنهم أنشدوا الأشعار. وتمثل معاوية بالشعر (١). وكان ابن أبي مليكة وعكرمة ينشدانه. وكان ابن أبي ملكية ينشد به والمؤذن يقيم. وعن ابن سيرين أنه كان ينشد الشعر الرقيق.
وقال معمر: سمعت الزهري وقتادة ينشدان الشعر. قال قتادة: وكان ابن مسعود ربما تمثل بالبيت من وقائع العرب (٢). قال شعبة: وكان قتادة ينشد الشعر فأقول له: أنشدك بيتًا وتحدثني بحديث (٣).
فصل:
وقول عامر: (فاغفر فداءً لك ما اقتفينا.). أي: اتبعنا من الصالحين. زعم بعض الغفلة أن قوله: فداء لك. تصحيف لا يجوز أن يقال ذَلِكَ لله، وليس كما ظن، والشعر صحيح. والمعنى: فاغفر ما اقتفينا أي: ما ارتكبنا من الذنوب. تقول العرب: قفوت الشيء قفوًا: اتبعت أثره. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقوله: (فداءً لك) دعاء منه ربه أن يفديه من عقابه على ما اقترف من ذنوب، فكأنه قال: اللهم اغفر لي وافدني منه فداءً لك أي: من عندك فلا تعاقبني. وقوله: (لك) يبين الفاعل للفداء المعني بالدعاء كما تقول في الدعاء: سقيا لك. فـ (لك) ههنا مذكور لتبين المعنى بالدعاء له، والمعنى سقاك الله، فكذلك قوله: (فداءً لك) معناه: افدنا من عقابك.
стр. 17293
وقد ذكر البخاري في غزوة خيبر بلفظ (ما أبقينا) (١) أي: من الذنوب، أي: ما تركناه مكتوبًا علينا، ونحو ذَلِكَ. (فداءٌ لك) بالرفع والخفض أيضًا. فوجه الرفع: أن يكون خبر ابتداء مضمر أي: نحن فداءٌ لك كأنك قُلْتَ: نحن لتفدنا أو افدنا، كما تقول: نحن ارحمنا، وزيدًا ارحمه. ومن خفض فداءً شبهه بأمس، فبناه على الكسر كبناء الأصوات عليه نحو قولهم: قال: الغراب غاق والخيل طاق، وأنشد سيبويه:
مهلًا فداء لك الأقوام كلهم (٢) .............................
وتقديره: اغفر افدنا.
فصل:
وقول الرجل (٣): (وجبت يا رسول الله). يعني: الجنة فهو من دعائه لعامر بالرحمة أنه يستشهد في تلك الغزاة، ويكون من أهل الجنة، كما فهم ابن عباس من قوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ٢] الآية حضور أجله ﵇، فلذلك قال الرجل: وجبت يا رسول الله، ثم قال: هلا أمتعتنا به. وقوله: (لولا أمتعتنا به). أي: هلا، ومعناه: التحضيض.
стр. 17294
فصل:
قوله ("إن له لأجرين، إنه لجاهد مجاهد") أي: جاد في الأجر مجتهد فيه مبالغ ومجاهد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون لما أمات نفسه وقتلها في سبيله تفضل الله عليه بأن ضاعف أجره مرتين أو أخذ الأجرين لموته في سبيل الله. والآخر لما كان يحدو به القوم من شعره ويدعو الله في ثباتهم عند لقاء عدوهم وذلك تحضيض للمسلمين وتقوية لنفوسهم. وقد روي هذا المعنى مرفوعًا. روى معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال لرسول الله ﷺ : إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل. قال: "إنَّ المؤمنَ يجاهدُ بنفسه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما تَرْمون به نضح النبل" (١).
وتأويل سلمة ومن معه أن عامرًا حبط عمله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فحملوا الخطأ على العمد، قيل: ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢].
فصل:
قوله: (ألا تسمعنا من هنيهاتك). العرب تقول لكل شيء صغير: هنة، والهنوات من الكلام: ما صغر منها ولم يكن له كبير معنى، كما قال الشاعر:
......... على هنوات كلها تتابع
يريد: على صغار من الكلم المستحق بها القطيعة. والهنة: كل شيء صغير برز من عظم شيء أو بان منه. كزمعة ظلف الشاة، وحلمة الثدي
стр. 17295
والضرع، ويجوز أن يقال: هنية وهنيهة.
قال الجوهري: في فلان هنات أي: خصلات شر (١). وهنيهات: تصغير، كأنه قال له: أسمعنا من أشعارك وغنائك. وفي كتاب الدعاء: ألا أسمعتنا من هنياتك (٢). ويقال ذَلِكَ؛ للبرهة من الدهر أيضًا.
فصل:
وقوله ﵇: "يا أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير" القوارير هنا: كناية عن النساء الذين على الإبل، أمره بالرفق في الحداء والإنشاد؛ لأن الحداء يحث الإبل حَتَّى تسرع السير، فإذا مشت الإبل رويدًا أمن على النساء السقوطُ.
وتشبيهه ﵇ النساء بالقوارير من الاستعارة البديعة؛ لأن القوارير أسرع الأشياء تكسرًا، فأفادت الاستعارة ههنا من الحض على الرفق بالنساء في السير ما لم تفده الحقيقة؛ لأنه لو قال: ارفق في مشيك بهن أو ترسَّل، لم يفهم من ذَلِكَ أن التحفظ بالنساء كالتحفظ بالقوارير، كما فهم ذَلِكَ من الاستعارة؛ لتضمنها من المبالغة في الرفق ما لم تتضمنه الحقيقة.
فصل:
أنشجة: غلام أسود لرسول الله ﷺ ، ذكروه في الصحابة، وهو من الأفراد، كان في سوقه عنف، فأمره أن يرفق بالمطايا يسوقها كما يسوق الدابة إذا حملت القوارير، قاله ابن التين. وليس كتأويل البخاري أنه كان