قال: يا رب اجعل لي قرآنًا، قال: الشعر .. وذكر الحديث (١). وبحديث ابن لهيعة عن أبي قبيل قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: من قال ثلاثة أبيات من الشعر من تلقاء نفسه لم يدخل الفردوس.
قال الأعمش: تمثل مسروق بأول بيت شعر ثم سكت فقيل له: لم سكت؟ قال: أخاف أن أجد في صحيفتي شعرًا (٢). وقال ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان (٣). وكان الحسن لا ينشده (٤).
قال الطبري: وهذِه أخبار واهية، والصحيح في ذَلِكَ أنه ﵇ كان يتمثل أحيانًا بالبيت فقال: "هل أنت إلا أصبع" إلى آخره. وقال: "أصدق كلمة قالها الشاعر". تمثل بأول البيت وترك آخره. وقالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يتمثل من الشعر: ويأتيك بالأخبار من لم تزود (٥). وكان عامر بن الأكوع يحدو بالشعر بحضرته المشرفة. وقال: "من هذا السائق؟ " قالوا: عامر. فقال: "يرحمه الله".
وأمر حسان بن ثابت وغيرُه بهجاء المشركين، وأعلمهم أن (لهم على ذَلِكَ) (٦) جزيل الأجر وقال: "هو أشد عليهم من نضح النبل" (٧).
стр. 17292
وذكر الطبري عن عمر وعلي وجلة الصحابة ﵃ أنهم أنشدوا الأشعار. وتمثل معاوية بالشعر (١). وكان ابن أبي مليكة وعكرمة ينشدانه. وكان ابن أبي ملكية ينشد به والمؤذن يقيم. وعن ابن سيرين أنه كان ينشد الشعر الرقيق.
وقال معمر: سمعت الزهري وقتادة ينشدان الشعر. قال قتادة: وكان ابن مسعود ربما تمثل بالبيت من وقائع العرب (٢). قال شعبة: وكان قتادة ينشد الشعر فأقول له: أنشدك بيتًا وتحدثني بحديث (٣).
فصل:
وقول عامر: (فاغفر فداءً لك ما اقتفينا.). أي: اتبعنا من الصالحين. زعم بعض الغفلة أن قوله: فداء لك. تصحيف لا يجوز أن يقال ذَلِكَ لله، وليس كما ظن، والشعر صحيح. والمعنى: فاغفر ما اقتفينا أي: ما ارتكبنا من الذنوب. تقول العرب: قفوت الشيء قفوًا: اتبعت أثره. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقوله: (فداءً لك) دعاء منه ربه أن يفديه من عقابه على ما اقترف من ذنوب، فكأنه قال: اللهم اغفر لي وافدني منه فداءً لك أي: من عندك فلا تعاقبني. وقوله: (لك) يبين الفاعل للفداء المعني بالدعاء كما تقول في الدعاء: سقيا لك. فـ (لك) ههنا مذكور لتبين المعنى بالدعاء له، والمعنى سقاك الله، فكذلك قوله: (فداءً لك) معناه: افدنا من عقابك.
стр. 17293
وقد ذكر البخاري في غزوة خيبر بلفظ (ما أبقينا) (١) أي: من الذنوب، أي: ما تركناه مكتوبًا علينا، ونحو ذَلِكَ. (فداءٌ لك) بالرفع والخفض أيضًا. فوجه الرفع: أن يكون خبر ابتداء مضمر أي: نحن فداءٌ لك كأنك قُلْتَ: نحن لتفدنا أو افدنا، كما تقول: نحن ارحمنا، وزيدًا ارحمه. ومن خفض فداءً شبهه بأمس، فبناه على الكسر كبناء الأصوات عليه نحو قولهم: قال: الغراب غاق والخيل طاق، وأنشد سيبويه:
مهلًا فداء لك الأقوام كلهم (٢) .............................
وتقديره: اغفر افدنا.
فصل:
وقول الرجل (٣): (وجبت يا رسول الله). يعني: الجنة فهو من دعائه لعامر بالرحمة أنه يستشهد في تلك الغزاة، ويكون من أهل الجنة، كما فهم ابن عباس من قوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ٢] الآية حضور أجله ﵇، فلذلك قال الرجل: وجبت يا رسول الله، ثم قال: هلا أمتعتنا به. وقوله: (لولا أمتعتنا به). أي: هلا، ومعناه: التحضيض.
стр. 17294
فصل:
قوله ("إن له لأجرين، إنه لجاهد مجاهد") أي: جاد في الأجر مجتهد فيه مبالغ ومجاهد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون لما أمات نفسه وقتلها في سبيله تفضل الله عليه بأن ضاعف أجره مرتين أو أخذ الأجرين لموته في سبيل الله. والآخر لما كان يحدو به القوم من شعره ويدعو الله في ثباتهم عند لقاء عدوهم وذلك تحضيض للمسلمين وتقوية لنفوسهم. وقد روي هذا المعنى مرفوعًا. روى معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال لرسول الله ﷺ : إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل. قال: "إنَّ المؤمنَ يجاهدُ بنفسه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما تَرْمون به نضح النبل" (١).
وتأويل سلمة ومن معه أن عامرًا حبط عمله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فحملوا الخطأ على العمد، قيل: ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢].
فصل:
قوله: (ألا تسمعنا من هنيهاتك). العرب تقول لكل شيء صغير: هنة، والهنوات من الكلام: ما صغر منها ولم يكن له كبير معنى، كما قال الشاعر:
......... على هنوات كلها تتابع
يريد: على صغار من الكلم المستحق بها القطيعة. والهنة: كل شيء صغير برز من عظم شيء أو بان منه. كزمعة ظلف الشاة، وحلمة الثدي
стр. 17295
والضرع، ويجوز أن يقال: هنية وهنيهة.
قال الجوهري: في فلان هنات أي: خصلات شر (١). وهنيهات: تصغير، كأنه قال له: أسمعنا من أشعارك وغنائك. وفي كتاب الدعاء: ألا أسمعتنا من هنياتك (٢). ويقال ذَلِكَ؛ للبرهة من الدهر أيضًا.
فصل:
وقوله ﵇: "يا أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير" القوارير هنا: كناية عن النساء الذين على الإبل، أمره بالرفق في الحداء والإنشاد؛ لأن الحداء يحث الإبل حَتَّى تسرع السير، فإذا مشت الإبل رويدًا أمن على النساء السقوطُ.
وتشبيهه ﵇ النساء بالقوارير من الاستعارة البديعة؛ لأن القوارير أسرع الأشياء تكسرًا، فأفادت الاستعارة ههنا من الحض على الرفق بالنساء في السير ما لم تفده الحقيقة؛ لأنه لو قال: ارفق في مشيك بهن أو ترسَّل، لم يفهم من ذَلِكَ أن التحفظ بالنساء كالتحفظ بالقوارير، كما فهم ذَلِكَ من الاستعارة؛ لتضمنها من المبالغة في الرفق ما لم تتضمنه الحقيقة.
فصل:
أنشجة: غلام أسود لرسول الله ﷺ ، ذكروه في الصحابة، وهو من الأفراد، كان في سوقه عنف، فأمره أن يرفق بالمطايا يسوقها كما يسوق الدابة إذا حملت القوارير، قاله ابن التين. وليس كتأويل البخاري أنه كان
стр. 17296
يحدو. وسيأتي في باب: ويلك، أنه كان يحدو (١). وقال في حديث بعد: وكان حسن الصوت (٢).
فصل:
القوارير: جمع قارورة من الزجاج. قال الهروي: شبههن بذلك؛ لضعف عزائمهن، والقوارير يسرع الكسر إليها. وكان أنجشة ينشد من القريض. والرجز ما فيه تشبب فلم يأمن أن يصيبهن أو يقع بقلوبهن حداؤه، فأمره بالكف؛ خوف ذَلِكَ (٣).
فصل:
قوله: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا). هذا ليس بشعر ولا رجز ولا موزون (٤)، وقوله: (فاغفر فدى لك ما اقتفينا). صوابه فداء بالمد وكسر الفاء، وبه ينون على ما قبله، ومن قصر فدى فتح الفاء، ومنهم من يكسر (٥) فداءٍ بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة تقول: فداء لك؛ لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء.
فصل:
قوله: ("قَلَّ عربي نشأ بها مثله") يعني عليها.
стр. 17297
وذكره ابن التين بلفظ: "نشأ بها". أي: كبر عليها؛ لأن النشأة البداءة، ثم ذكر (ما) (١) بدأنا رواية عن الداودي، وذكره في غزوة خيبر: "مشى" (٢) من المشي.
فصل:
وقوله: "رويدك" أي: أمهل، وحركت الدال؛ لالتقاء الساكنين وتنصب نصب المصادر، وهو تصغير ترخيم من أرود يرود روادًا، وتقول: رويدك عمرًا، فالكاف للخطاب لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها ليست باسم، و (رويد) غير مضافة إليها ومتعدٍّ إلى عمرو؛ لأنه اسم سمي به الفعل، فعمل عمل الأفعال، وتفسير رويدًا: مهلاً، وتفسير رويدك: أمهل؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أفعل، قاله الجوهري (٣).
فصل:
وقوله: (لو تكلم بعضكم لعبتموها عليه). قال الداودي: إنما قاله لأهل العراق، لما فيهم من التكلف والزهو ومعارضة الحق بالباطل.
فصل:
قوله: (فتناول به يهوديًّا ليضربه). إلى آخره.
(فيه) (٤) -كما قال أبو عبد الملك-: دليل على أن من لم يعرف قاتله لا يودى، كقول أهل العراق. واحتجوا بقوله: لا يفرجنا في الإسلام
стр. 17298
مفرجًا. أي: لا (يترك) (١) قتيل بلا دية، وإن لم يعرف قاتله وداه المسلمون، فهذا لم يده. والأصمعي يرويه: مفرحا. بالحاء، وينكر الجيم. وقيل: هما روايتان بالجيم معناه كما تقدم. وقال أبو عبيدة: وهو الذي إذا جنى أدى عنه بيت المال.
- ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِحَسَّانَ: «اهْجُهُمْ -أَوْ قَالَ: هَاجِهِمْ - وَجِبْرِيلُ مَعَكَ». [انظر: ٣٢١٣ - مسلم: ٢٤٨٣ - فتح ١٠/ ٥٤٦]
ذكر فيه حديث هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: "فَكَيْفَ بِنَسَبِي؟ ". فَقَالَ حَسَّانُ: لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ.
وَعَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وحديث الهَيْثَمِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قَصَصِهِ يَذْكُرُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ". يَعْنِي بِذَاكَ: ابن رَوَاحَةَ. قَالَ: وفِينَا رَسُولُ اللهِ ..
إلى آخر الأبيات.
سلف في الصلاة في باب فضل من تعار بالليل، بذكر المتابعة.
وحديث أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، نَشَدْتُكَ باللهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ؟ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ.
وحديث البراء أنه ﵇ قال لحسان: "اهجهم -أو قال- هاجهم وجبريل معك".
الشرح:
الهجاء خلاف للمدح، يقال: هجوته هجوًا وهجاء، ولا تقول: هجيته. ولعله إنما أذن له بعد هجوهم إياه، فيكون ذَلِكَ جزاء لهجوهم، كما في الحديث الآخر: "اللهم إن فلانًا هجاني
стр. 17301
فاهجه" (١). أي: جاوبه، وهذا كقوله ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]؛ لأنه ﵇ منزه عن البدء بالذم. والمهاجاة أن يجيب من هجاه. ومعنى: لأسلنك منهم: أخرجك نقيًّا من العيوب. وكان ﵇ كذلك لم تمسه ولادة حرام من آدم إليه، وكان أعز قريش مجدًا وأشرفهم أبًا.
ومعنى (ينافح): يخاصم ويدافع، تقول العرب: نافحت عن فلان، ونفحت عنه: إذا خاصمت عنه، والمخاصمة، والمنافحة لا تكون إلا من اثنين؛ لأنها مفاعلة، وكل مفاعلة كذلك.
و"الرفث": الفحش من القول، تقول منه: رفث الرجل وأرفث.
وكان شعراء النبي ﷺ : ابن رواحة، وحسان، وكعب بن مالك. وكان الذين يهجونه من قريش: عمرو بن العاصي، وعبد الله بن الزبعري، وأبو سفيان بن الحارث أخو رسول الله ﷺ من الرضاعة وابن عمه. قال الداودي: وفي حسان وصاحبيه نزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وسلف عن ابن عباس أنها نزلت في حسان وابن رواحة، وذكر أن المشركين لما هجوا رسول الله ﷺ قال: "ما حق قوم نصروا رجلاً بأسيافهم إلا ينصروه بألسنتهم". فأتاه حسان وقد أخرج لسانه يضرب به أنفه وعلا لسانه فقال: والله لأفرينهم فري الأديم. فلما هجاهم، قال ﵇: "والذي نفسي بيده إنه لأشد عليهم من رشق النبل" (٢). وهجاه واحد، فقال ﵇: "إني لا أحسن الشعر، فالعنه بكل بيت لعنة" (٣).
стр. 17302
فصل:
هجاء المشركين أهل الحرب وسبهم جائز بهذِه الأحاديث، وأنه لا حرمة لهم إذا سبوا المسلمين، والانتصار منهم بذمهم وذكر كفرهم، وقبيح أفعالهم من أفضل الأعمال عند الله؛ ألا ترى قوله لحسان: "اهجهم -أو هاجهم- وجبريل معك" وقوله: "اللهم أيده بروح القدس"؟ وكفى بذلك فضلاً وشرفًا للعمل والعامل به. فأما إذا لم يسب أهل الحرب المسلمين فلا وجه لسبهم؛ لأن الله تعالى قد أنزل على نبيه في قنوته على أهل الكفر: إن الله لم يبعثك لعَّانًا ولا سبابًا، وإنما بعثت رحمة، ولم يبعثك عذابًا، فترك سبهم، فإن قُلْت: فما دليلك أنه ﵇ أمر حسانًا بهجاء المشركين لينتصر منهم لهجوهم المسلمين؟ قيل: قول عائشة ﵂: إنه كان ينافح عنه بقبضته كما سلف، ويبين ذَلِكَ قوله لأبي هريرة: نشدتك الله، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا حسان، أحب عن رسول الله ﷺ "؟ قال: نعم.
فبان أن هجاء المشركين إنما كان مجازاة لهم على قبيح قولهم.
روى ابن وهب عن جرير بن حازم قال: سمعت ابن سيرين يقول: هجا رسول الله ﷺ والمسلمين ثلاثة رهط من المشركين وقد سلف ذكرهم، فقال المهاجرون: يا رسول الله، ألا تأمر عليًّا أن يهجو عنا هؤلاء القوم؟ فقال: "ليس علي هنالك". ثم قال: "إذا القوم نصروا رسول الله ﷺ بأيديهم وأسلحتهم، فبألسنتهم أحق أن ينصروه" فقالت الأنصار: أرادنا. فأتوا حسان بن ثابت، فذكروا له ذَلِكَ، فأقبل حَتَّى وقف على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما أحب أن لي بقولي ما بين صنعاء وبصرى. فقال ﵇: "أنت لها
стр. 17303
يا حسان" قال: يا رسول الله، لا علم لي بقريش. فقال ﵇ لأبي بكر: "أخبره عنهم، ونقب له في مثالبهم" فهجاهم حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك ﵁، وقد أسلفناه مختصرًا. ورواه معمر عن أيوب عن ابن سيرين وقال: العاصي بن وائل مكان عمرو بن العاصي (١).
فصل:
قوله: ("فكيف بنسبي؟ ") قال المهلب: أراد كيف تهجوهم ونسبي المهذب الشريف فيهم؟ فربما مسني من الهجو نصيب. فقال: (لأسلنك منهم). أي: لأخلصنك من بينهم بالسلامة من الهجاء، أي: أَهْجُوهُم بما لا يقدح في نسبِهِمُ المَاسُ له ﵇، ولكن أهجوهم بسيئ (أعمالهم) (٢) وما يخصهم عادة في أنفسهم ويبقي فيهم وَصْمَةً من الأخلاقِ والأفعالِ المذمومةِ التي طَهَّر الله نبيه ﵇ منها ونَزَّهَهُ من عَيْبِهَا.
فصل:
وقوله في عبد الله بن رواحة: أنه لا يقول الرفث في شعره. حجة على أن ما كان من الشعر فيه ذكر الله والأعمال الصالحة، فهو حسن، وهو الذي قال فيه: "إن من الشعر حكمة" وليس من المذموم الذي قال فيه ما يأتي في الباب إثره (٣).
стр. 17304
٩٢ - باب مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِب عَلَى الإِنْسَانِ الشِّعْرُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ
٦١٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا». [فتح ١٠/ ٥٤٨]
٦١٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا». [مسلم: ٢٢٥٧ - فتح ١٠/ ٥٤٨]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لأَنْ
يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا".
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا حتى يَرِيهَ خَيْرٌ له مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا".
الشرح:
القيح بفتح القاف: المدة لا يخالطها دم، وفسر الشعبي هذا الحديث بالشعر الذي هُجي به النبي ﷺ ووهاه أبو عبيد والداودي؛ لأن شطر بيت من ذَلِكَ كفر والراوي أحد الشاتمين. قال أبو عبيد: والذي عندي أنه إذا غلب عليه وصده عن الذكر والقرآن. كما بوب عليه البخاري.
وقوله: (حَتَّى يريه) أي: يأكله. قال الأصمعي: هو من الوري على مثال الرمي، يقال فيه: رجل موري -غير مهموز مشدد- وهو أن يوري جوفه. وكذا قاله الأزهري. وقال أبو عبيد: الوري: هو أن يأكل القيح جوفه. وأنشد الأصمعي:
стр. 17305
قالت له وَرْيًا إذا تنحنحا. أي: تدعو عليه بالوري (١)، وقال الجوهري: وَرى بالقيح جوفه وريًا. أي: أكله، والاسم: الوري بالتحريك.
قال الفراء: يقال سلط الله (عليه) (٢) الوري وحمى خيبر (٣).
وقال ابن الأثير: هو من الورى: الداء، يقال: ورى يوري فهو موري: إذا أصاب جوفه الداء (٤). وقال الفراء: هو الورى بفتح الراء. وقال ثعلب: هو بالسكون المصدر، وبالفتح الاسم. وقال قوم: معناه حَتَّى يصيب رئته، وأنكره غيرهم؛ لأن الرئة مهموزة وإذا بنيت منه فعلًا قلت: رآه يرأه فهو مرئ، وقال الأزهري: إن الرِّئَة أصْلُها من ورى، وهي محذوفة منه تقول: وريت الرجل، فهو مَوْرِيُّ إذا أصَبْتَ رئتَهُ، والمشهور في الرئة الهمز (٥).
стр. 17306
٩٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «تَرِبَتْ يَمِينُكَ»، وَ «عَقْرى حَلْقَى»
٦١٥٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ. فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ. قَالَ: «ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ». قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ. [انظر: ٢٦٤٤ - مسلم: ١٤٤٥ - فتح ١٠/ ٥٥٠]
٦١٥٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ ٨/ ٤٦ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ، فَرَأَى صَفِيَّةَ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً؛ لأَنَّهَا حَاضَتْ، فَقَالَ: «عَقْرَى حَلْقَى -لُغَةُ قُرَيْشٍ- إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا» ثُمَّ قَالَ: «أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟». يَعْنِي: الطَّوَافَ- قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَانْفِرِي إِذًا». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح ١٠/ ٥٥٠]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: في قصة أفلح. وفيه: "إنه عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ". وقد سلف.
وحديث عَائِشَةَ ﵂ في صفية لما حاضت: "عقرى حلقى" لغة قريش. وسلف في الحج. قال ابن السِّكِّيت: يقال تربت يداه؛ إذا افتقر (١). ولم يدع عليه بذهاب ماله، وإنما أراد المثل ليرى المأمور بذلك الحد، وأنه وإن خالفه فقد أساء.
стр. 17307
وقال الأصمعي في قوله: "تربت يمينك" وتربت يداك: معناه (الاستحباب) (١) كما تقول: انج، ثكلتك أمك. وأنت لا تريد أن تثكل.
وقال أبو عمرو: أصابها التراب ولم يدع بالفقر عليها.
وقال أبو زيد: ترب إذا افتقر، وإنما أراد بهذا أي: في يده التراب.
قال النحاس: أي: ليس يحصل في يده غيره. ويقال: ترب الرجل: إذا افتقر، وأترب إذا استغنى. وقال ابن كيسان: المثل جرى على أنه إن فاتك ما أغريتك به افتقرت إليه يداك. فكأنه قال: تربت يداك إن فاتك. وهذا من الاختصار الذي عرف معناه.
وقال غيره: هي كلمة لا يراد بها الدعاء، وإنما تستعمل في المدح كما قالوا للشاعر إذا أجاد: قاتله الله، لقد أجاد. وكما قالوا: "ويل أُمّه مسعر حرب" (٢). وهو يتعجب منه ويمدحه، ولكنه دعا على أمه بالويل، وهو لا يريد الدعاء عليها من غضب، وهذا كلامهم، وهو مثل: تربت يمينك، والأظهر أنها كلمة جرت على ألسنتهم لا يريدون بها الدعاء كما سلف، وأبعد من قال: تربت: استغنت.
قال الداودي: هو خطأ، قال: ومعناه هنا: افتقرت من العلم.
واختلف أهل اللغة أيضًا في تأويل قوله: "عقرى حلقى"، فقال صاحب "العين": يقال للمرأة ذَلِكَ، أي: مشئومة، ويُقَالَ: هو دعاءٌ عليها، يريد: حلقها اللهُ وعقرها (٣).
стр. 17308
وقال أبو عليِّ القالي: عقرى من العقر دعاء على الإنسان، وعقرًا أيضًا، وحلقى: من حلق الرأس وحلقًا أيضًا.
وقال ابن قتيبة: "عقرى حلقى" أي: عقرها الله وأصابها بوجع في حلقها (١).
وقال أبو عبيد في "أمثاله": ومن الدعاء قولهم: (عقرى حلقى) (٢). وأهل الحديث يقولون: عقرى حلقى، وعقرًا حلقًا، وقال في "غريب الحديث": عقرى حلقى وعقرًا حلقًا (٣). وكذا ذكره القزاز بالتنوين مصدرين وعدمه، وعبارة ابن التين: "عقرى حلقى". أي: مشئومة مؤذية، معناه: عقرها الله وأصابها وجع في حلقها. وقال الأصمعي: يقال لما يتعجب منه ذَلِكَ. وقيل معناه: عقرك الله عقرًا، وحلقك كما يحلق الشعر. وقال (٤) الداودي: (جرى ذَلِكَ على ألسنتهم) (٥).
فصل:
في الحديث الأول تحريم لبن الفحل وهو قول أكثر العلماء، وروي عن عائشة ﵂ أنها لم تأخذ به.
وقوله: "فانفري" ظاهر أن طواف الوداع ليس بواجب عليها، ونقل ابن التين عن فقهاء الأمصار أن طواف الوداع مستحب.
стр. 17309
٩٤ - باب مَا جَاءَ فِي زَعَمُوا
٦١٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟». فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غَسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى. [انظر: ٢٨٠ - مسلم: ٣٣٦ - فتح ١٠/ ٥٥١]
ذكر فيه حديث أُمِّ هَانِئٍ ﵂. وفيه: زَعَمَ ابن أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ.
وقد سلف.
وزعم زُعمًا، وزَعْمًا، ذكر خبرًا لا يدري أحق هو أم باطل، وزعمت غير مزعم أي: قُلْتُ غير مقول، وادعيت ما لا يمكن.
ذكره صاحب "الأفعال" (١) (وكثر الزعم أيضًا بمعنى القول.
وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : "زعم جبريل" (٢).
وفي حديث ضمام بن ثعلبة: زعم رسولك (٣).
стр. 17310
وقد أكثر سيبويه في كتابه من قوله: زعم الخليل كذا في أشياء يرتضيها) (١). وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "زعموا بئس مطية الرجل" رواية وكيع، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي مسعود أو عن أبي عبد الله، عن النبي ﷺ (٢). ومعناه: أن من أكثر من الحديث مما لا يصح عنده ولا يعلم صدقه، لم يؤمن عليه الكذب. وفائدة حديث أم هانئ: أنه ﵇ لم ينكر عليها هذِه اللفظة، ولا جعلها كاذبة بذكرها.
فصل:
وقوله: ("مرحبًا"): أي: أتيت سعة، وقد يزيدون فيه: وأهلاً، أي: أتيت سعة وأهلًا استأنس، ولا تستوحش، ورحب به إذا قال له: مرحبًا.
وقولها: (فصلى ثمان ركعات). صوابه: (ثماني) مثل: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] نبه عليه ابن التين، ولا يسلم له.
وقولها: (أجرته) أي: أمنته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] أي: يؤمن من أخافه غيره، ومن أخافه هو لم يؤمنه أحد. ومعنى: "أجرنا من أجرت": أمنَّا من أَمَّنْتِ.
وفيه: أمان المرأة، خلافًا لعبد الملك، وعند أبي الفرج أن الإمام يكون مخيرًا فيمن أمنته المرأة. وقال ابن القاسم: معنى الحديث أن إجارتها (إجارة) (٣) وأن تأمينها يلزم. وقال غيره: قد يكون ما كان من ذَلِكَ على وجه النظر ولا يلزم ذَلِكَ الإمام (٤).
стр. 17311
وقيل: إنه تأويل ابن القاسم ونص ابن حبيب أن الإمام غير بين أن يوفي أمانه أو يرده إلى مأمنه (١).
زاد غير ابن القاسم في "المدونة": إنما كان فعل أم هانئ بعدما برد القتال ونزل الأمان (٢).
قال في "النوادر" عن سحنون: إذا أمن رجل بعد توجبه الأسر والقتل لا يحل قتل المؤمن (٣). وعنه في كتاب ابنه: لا تقتل من أمنته، والإمام يرى رأيه فيه (٤). وقال محمد: يسقط عنه القتل. قيل: يريد ولا يسقط الرق. وذكر عن سحنون أيضًا أن للإمام رد مأمنته والمن عليه.
ووجهه أن حق المسلمين تعلق بهم فليس لأحد إبطاله، وقيل: كانت أم هانئ أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة (٥). والله أعلم.
والضحاك: هو ابن شراحيل -ويقال: ابن شرحبيل- الهمداني المِشرَقي أبو سعيد، ومشرق -بكسر الميم وفتح الراء وبالقاف- بطن من همدان، وهو مشرق بن زيد بن جشم بن حاشد بن خيوان بن نوف بن همدان.
والرصاف المذكور فيه: بكسر الراء وحُكي ضمها، عقب يلوى على مدخل النصل فيه. وعبارة ابن التين أنه (القدر) (١) الذي يركب عليه الريش. وقال الداودي: هو ما دون الحديد من العود.
والنضي: ما بين الريش والنصل، سمي بذلك؛ لكثرة البري والنحت. وعن (ابن عمر) (٢) أنه نصل السهم. قال (ابن التين) (٣): والذي قرأناه بفتح النون. وقال الشيخ أبو الحسن: الذي أعرفه بضمها. وقال القزاز: هو عود السهم. قيل يراش وينصل. قال: ويسمى بذلك بعد عمله.
والقذذ: ريش السهم واحدتها قذة، والفُوق: موضع الوتر، والقِدح: الخشب وحده، والسهم اسم لجميع ذَلِكَ.
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، في حديث المجامع في رمضان، فقال: "ويحك ما صنعت" تَابَعَهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: "وَيْلَكَ".
وحديث أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الهِجْرَةِ. فَقَالَ: "وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَ الهِجْرَةِ شَدِيدٌ .. " الحديث.
стр. 17316
وشيخ البخاري فيه سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى بن ميمون أبو أيوب القرشي الدمشقي، يعرف بابن بنت شرحبيل.
روى عنه أبو داود أيضًا.
وروى البخاري أيضًا والترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه، مات سنة ثلاثين ومائتين أو اثنتين أو ثلاث أو أربع وثلاثين.
وقوله: (وقال: عبد الرحمن بن خالد). ذكره الدارقطني في "الأفراد" من حديث محمد بن شرحبيل الصنعاني عنه.
وحديث ابن عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَيْلَكُمْ -أَوْ وَيْحَكُمْ قَالَ شُعْبَةُ: شَكَّ هُوَ- لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".
وَقَالَ النَّضْرُ، عَنْ شُعْبَةَ: "وَيْحَكُمْ".
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: "وَيْلَكُمْ" أَوْ "وَيْحَكُمْ".
وحديث هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ أَتَى رسول الله ﷺ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ؟ قَالَ: "وَيْلَكَ، وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " .. الحديث.
اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ رسول الله ﷺ .
قُلْتُ: ورواه الدارقطني في "أفراده" من حديث عبد الله بن هشام بن حسان، عن أبيه، عن قتادة، عنه، وقال: غريب من حديث عبد الله، عن أبيه، تفرد به عمر بن شبة عنه.
وقوله في حديث همام: (فمر غلام للمغيرة وكان من أقراني)، فقال: إن أُخِّر هذا فلن يدركه الهرم حَتَّى تقوم الساعة.
قال الإسماعيلي: يعني الإبلاغ في القرب لا تحديد قيامها، كما
стр. 17317
قال: "بعثت في نفس الساعة" (١). وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل: ١] فأحله محل ما قد أتى في اللفظ، وكُلُّ ما هو آتٍ قريب.
وما ذكره من الأحاديث دال لما ترجم له، قال سيبويه: ويلك: كلمة تقال لمن وقع في هلكة. (وويحك) (٢): ترحم بمعنى ويل، وكذا قال الأصمعي وزاد: وويس تصغيرها. أي: أنها دونها، وقيل: هما بمعنى. وقال بعض أهل اللغة: ولا يراد بها الدعاء بإيقاع الهلكة لمن خوطب بها، وإنما يراد بها المدح والتعجب، كما تقول العرب: "ويل أمه مِسْعَرُ حَرْبٍ" (٣). على عادتها في نقلها الألفاظ الموضوعة في بابها. إلى غيره كما سلف في: انج ثكلتك أمك، وتربت يداك.
وروى يحيى بن معين: ثَنَا معتمر بن سليمان قال: قال لي (أبي) (٤): أنت حدثتني عنيّ، عن عبد الله بن عمر، أن عمر قال: ويح كلمة رحمة.
قال الخليل: لم يسمع على بابه إلا ويح، وويس، وويل، وويه (٥) وويب (. . .) (٦).
قال الداودي: ويح وويل وويس كلمات متقاربة تقولها العرب عند الذم. قال: والويح مأخوذ من الحزن. كذا قال، وهو الحزن فكأنه أخذه من باب أن الدعاء بالويل لا يكون إلا عنده، وقال: والويس من (الأسى) (٧)، وهو الحزن. كذا قال، لكن الأصل مختلف.
стр. 17318
فصل:
والبدنة: ناقة أو بقرة سميت بذلك؛ لسمنها، تقول منه: بدن الرجل بفتح الدال وضمها إذا ضخم.
وقال الداودي: البدنة ذكر أو أنثى من الإبل وإنما قال له: "اركبها"؛ لأنه أعيا واختلف إذا استراح هل ينزل؟ بين مالك وغيره.
فصل:
وقوله: "ويلك قطعت عنق أخيك" يعني: بإطرائك إياه ومدحك، وقد تفسد عليه دينه.
وقوله: "لا محالة". هو بفتح الميم أي: لا بد منه.
وقوله: "والله حسيبه" أي: أعلم بحقيقة أمره.
فصل:
وقوله: (فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه). كان منافقًا، وكان ﵇ لا يقتلهم؛ لئلا يتحدث أنه يقتل أصحابه.
وقوله: "إن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته" إلى آخره: هم الذين قاتلوا عليًّا ﵁، ووصفهم ﵇ بالآيات التي وجدت، وهذِه الطائفة حكّمت أهواءها، وخالفت الإجماع، وتعلقت بظاهر الكتاب على زعمها، ونبذت القرآن في الذي أمرهم الله به، وأجمعت الصحابة على صحته فقالت: لا حكم إلا لله والرسول. فقال علي ﵁: كلمة حق أريد بها باطل (١). وناظرهم في ذَلِكَ ابن عباس فقال: إن الله قد حكم بين الزوجين، وفي جزاء الصيد؛ فبأن يحكم بين طائفتين من المسلمين لحقن دمائهم أولى.
стр. 17319
ووافق الخوارج في هذِه المقالة أهل الظاهر، واقتفوا آثارهم فضللوا السلف في القول والرأي والقياس، ومن أقوالهم -أعني الخوارج- الخارجة عن الدين: تيممهم مع وجود الماء، ويخادع الله ويسأل عنه، ويأخذ الغني الزكاة، ويتأول ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨] ويقصرون في الحضر، ويسمون المسلمين فساقًا، ويقولون بخلق القرآن، ونفي النظر إلى الله، ويشتمون السلف الصالح.
وقد اختلف في أحكامهم: فروي عن مالك فيمن قال بخلق القرآن: فهو كافر، وقيل: لا. وهو ظاهر مذهب الفقهاء؛ لأنهم ورثوا بينهم وبين المسلمين.
وفي "المدونة": لا يصلى عليهم (١). وقال سحنون: أدبا لهم فإذا ضاعوا صلي عليهم (٢). وفيها أيضًا: فيستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا. وقيل: يضربون و (يسجنون) (٣) ولا يقتلون إلا أن يسبوا بدارهم ويدعوا إلى بدعتهم وإذا تابوا وقد قتلوا وأخذوا الأموال ووطئوا النساء لم يقتلوا وأخذ ما وجد من الأموال، ولم يغرموا ما (انتهكوا) (٤) من المال ولا يحدون في وطء النساء؛ لأنهم متأولون، وانفرد أصبغ فقال: يقتل من قتل إن طلب ذَلِكَ وليه، كاللص يتوب قبل أن يقدر عليه.
فصل:
قوله: ("يمرقون من الدِّين كمروق السَّهمِ") قيل: بهذا سموا مارقة. واحتج به من قال بتكفيرهم.
стр. 17320
و"الرمية": بمعنى مرمية، وهو ما ينصب ليرمى عليه النبل، والنصل: حديد السهم، والنضي: سلف أنه بكسر (١) النون وضمها وحكاهما في "غريب المدونة" أيضًا وأنه العود الذي عند أصل الأنبوب.
وقال الداودي: هو ما قارب الريش من العود، والقذذ دونه من الريش.
قال ابن التين: والذي ذكره أهل اللغة أن القذذ: الريش، واحدها قذة.
وقوله: ("فلا يوجد فيه شيء"). أي: ينظر ما يعلى بالريش من الدم فلا يوجد له فيه أثر.
وقوله فيه: ("سبق الفرث والدم"). والفرث: ما تجمع في الكرش، وقيل: إنما يقال له: فرث ما دام في الكرش، قاله الجوهري (٢) والقزاز.
وقوله: ("يخرجون على حين فرقة") أي: وقت افتراق. قال ابن التين: هكذا رويناه، وروي: "على خير فرقة من الناس" (٣). ومعنى الأول: ما كان يوم صفين بين الصحابة.
وقوله: ("يخرجون"). سموا خوارج.
و"البضعة": القطعة من اللحم، قال الجوهري بالفتح وأخواتها بالكسر مثل: (القطعة والقلذة) (٤)، وغيرها مما لا يحصى (٥).
стр. 17321
وقوله: ("تدردر") أصله: تتدردر، فحذف إحدى التائين؛ استخفافًا، ومعناه: ينفتح ويدر كما يدر ضرع الشاة، وقيل: يتحرك ويضطرب، والمعنى متقارب.
فصل:
وكفارة المجامع في رمضان عندنا مرتبة (١) وفاقًا لابن حبيب (٢)، وقال مالك مخيرة (٣): استحب البداءة بالإطعام.
وقال ابن التين: ومذهبه أن الكفارة بالطعام، ولا يعرف العتق ولا الصيام.
ولم يذكر في "الموطأ": ("ما أجد") (٤). دليل أنه من قول (أبي هريرة) (٥). وقال أبو مصعب: إن أكل أو شرب كفر بالإطعام، وإنما العتق والصيام عن الجماع، وقال أشهب بالتخيير (٦).
وقوله: (ما بين طُنُبي المدينة أحوج منى). ضبط بفتح الطاء والنون في بعض رواية الشيخ أبي الحسن، وبضمهما في رواية أبي ذر.
قال ابن التين: والذي قرأناه بضم الطاء وإسكان النون، والأصل ضم النون، وكذلك في اللغة، وهو جبل الخباء، وأراد بذلك جانبيها وناحيتيها.
стр. 17322
فصل:
وقوله: ("ويحك إن شأن الهجرة شديد") قيل: كان هذا قبل الفتح فيمن أسلم من غير أهل مكة، كان ﵇ يحذره شدة الهجرة ومفارقة الأهل والوطن، وكانت هجرته وصوله إلى رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢].
وقوله: ("فاعمل من وراء البحار") فيه دلالة على أنها (غير) (١) واجبة عليها، وأنها كانت على أهل مكة.
وقوله: ("لن يترك من عملك شيئًا") أي: لن ينقصك، وأصله يوترك، فحذفت الواو؛ لوقوعها بين ياء وكسرة قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]
وقوله: (قال: "فهل تؤدي صدقتها؟ ") لم يسأله عن غيرها من الأعمال الواجبة عليه؛ لأن النفوس -والله أعلم- حرصها على المال أشد من حرصها على الأعمال البدنية، فإذا كان يبذل المال ويخرجه لمستحقه ويؤديه طيبة بها نفسه، فهو على الأعمال البدنية أحرص على عملها.
فصل:
قوله: ("لا ترجعوا بعدي كفارًا") قد سلف أنه الستر أو تكفير الناس، كفعل الخوارج إذا استعرضوا الناس، وقيل: هم أهل الردة قتلهم الصديق ﵁. وقالت الخوارج ومن نحى نحوهم: هو الكفر بفعلهم كما يكفرون بالزنا والقتل ونحوهما من الكبائر. وقيل: أراد إذا فعله كل واحد مستحلًّا لقتل صاحبه فهو كافر.
стр. 17323
فصل:
قوله: (فمر غلام وكان من أقراني) أي: من أمثالي في السن، قال أهل اللغة: -بفتح القاف- مثلك في السن، فتقول: هو على قرني أي: على سنين. والقِرن -بالكسر-: مثلك في الشجاعة فانظر كيف يصح هنا قوله: (من أقراني)؟ وفَعْل كضَرْب إذا كان صحيحًا ساكن العين مفتوح الأول لا يجمع على أفعال إلا شيئًا قليلاً لم يعد هذا فيها.
وقوله: ("إن أُخِّرَ هذا لم يدركه الهرم") هو كبر السن ("حَتَّى تقوم الساعة") قال الداودي: ليس هذا بمحفوظ إذ المحفوظ أنه قال للذين خاطبهم: "تأتيكم ساعتكم" (١): يعني: موتكم. وكانوا أعرابًا خشي أن يقول لهم: ما أدري متى الساعة، فيرتابوا، فكلمهم بالمعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب.
فصل:
وقوله: (متى الساعة؟) كان سؤال الناس رسول الله ﷺ عن وقتها على وجهين: أحدهما: على معنى التكذيب لها، والآخر: على معنى التصديق لها والشفقة منها، فلما قال البدوي: (متى الساعة؟) امتحنه رسول الله ﷺ مستبرمًا حاله؛ ليعلم من أي الحالين هو، فلما أظهر له إيمانه بالله وتصديقه برسول الله ﷺ قال له: "أنت مع من أحببت" فألحقه بحسن النية - (من غير زيادة عمل- بأصحاب) (٢) الأعمال الصالحة، قاله الخطابي (٣).
стр. 17324
وقال الداودي: يحتمل أن يريد أنه معهم في الجنة، وبعضهم فوق بعض؛ لأن من أحب رسول الله ﷺ لا يلحق درجته ولا يقاربها.
وحَدَّثنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ". تَابَعَهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ رسول الله ﷺ .
ثم ساق من حديث أَبُي نُعَيْمٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قِيلَ لرسول الله ﷺ : الرَّجُلُ يُحِبُّ القَوْمَ ولا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ". تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ.
ثم ساق حديث أَنَسِ ﵁: أَن رَجُلًا سَأَلَ رسول الله ﷺ . الحديث سلف في الباب قبله، (ويأتي في الأحكام (١)، وأخرجه مسلم أيضًا) (٢).
وقوله: (تابعه جرير) (٣). إلى آخره يدل أن جريرًا الأول هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبي. ومتابعة سليمان أخرجها مسلم من حديث أبي الجواب الأحوص بن جواب، عنه، وليس له في "صحيحه" سواه. ومتابعة أبي معاوية (٤) أخرجها ابن ماجه، عن ابن نمير، عنه بمعناه (٥).
стр. 17327
ومعنى: (ولما يلحق بهم): يريد في العمل والمنزلة، ولا شك أن علامة حب الله: حب رسوله واتباع سبيله والاقتداء بسنته؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وقوله ﵇: "المرء مع من أحب". فدل هذا أن من أحب عبدًا في الله فإن الله جامع بينه وبينه في جنته ومُدْخِلُه مُدخَله، وإن قصر عن عمله، وهذا معنى قوله: (ولما يلحق بهم) كما سلف وبيان هذا المعنى -والله أعلم- أنه لما كان المحب للصالحين إنما أحبهم من أجل طاعتهم لله تعالى، وكانت المحبة عملًا من أعمال القلوب، واعتقادًا لها أثاب الله سبحانه معتقد ذَلِكَ ثواب الصالحين؛ إذ النية هي الأصل، والعمل تابع لها، والله يؤتي فضله من يشاء.
بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: «إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ». [انظر: ٣٠٥٧ - مسلم: ١٦٩ (سيأتي بعد حديث ٢٩٣١) - فتح ١٠/ ٥٦١]
ذكر فيه حديث ابن صياد من طريق ابن عباس وابن عمر ﵁ فقال: حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، ثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ، سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ، قال: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لاِبْنِ صَائِدٍ: "قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا، فَمَا هُوَ؟ ". قَالَ: الدُّخُّ. قَالَ: "اخْسَأْ".
ثم ساق حديث ابن عمر ﵄ أنه ﵇ قال لابن صياد: "اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ .. " الحديث بطوله.
و ("اخسأ"): زجر للكلب وإبعاد له وطرد، يقال: خسأت الكلب: طردته. وخسئ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدى. هذا أصل هذِه الكلمة عند العرب، ثم استعملت في كل من قال أو فعل ما لا ينبغي له، مما يسخط الله تعالى.
قال صاحب "الأفعال": يقال: خسأت الكلب فخسأ أي: زجرته فبعد (١).
وفي القرآن: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] أي: مبعدين وقال تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أي: ابعدوا بعد الكلاب ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم؛ فكل من عصى الله تعالى سقطت حرمته، ووجب خطابه بالغلظة والشدة والذم له؛ لينزع عن مذهبه؛ ويرجع عن قبيح فعله.
стр. 17330
فصل:
قوله: (ثم قال ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ (فرضه) (١) رسول الله ﷺ ).
قال ابن بطال: من رواه بالضاد فمعناه: دفعه حَتَّى وقع، فتكسر، يقال: رض الشيء فهو رضيض ومرضوض إذا انكسر، ومن رواه بالصاد فمعناه: رصه حتى دخل بعضه في بعض، يقال: رص البنيان، والقوم في الحرب رصًّا إذا قرب بعضها إلى بعض وقربها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] (٢).
وعبارة ابن التين: فرضه: رفضه.
وقال الخطابي: وقع هنا بضاد معجمة، وهو غلط، والصواب بالصاد أي قبض عليه بيده، يضم بعضه إلى بعض (٣).
وقيل معنى المعجمة: دفعه.
فصل:
فيه أن الله لم يطلع نبيه على الدجال متى يخرج في أمته، وأخفى عنه ذَلِكَ لما هو أعلم به، فلا علم لنبي مرسل ولا ملك مقرب إلا بما أعلمه الله به، ولذلك قالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].
فصل:
قوله: ("خبأت لك خبيئًا"). على وزن فعيل، وهو ماضٍ، وكذلك الخبأ.