وقال أبو عبيد: الشين في كلامهم أعلى وأكثر (١).
قال أبو عبد الملك: يجوز بالمهملة، وهو أفصح، يقال: سمت الإبل في المراعي إذا اجتمعت. فالمعنى: جمع الله شملك، وهذا ذكره بعض أهل اللغة في المعجمة، وقال قوم: معناهما واحد، وهو من القصد، والعرب تبدل السين من الشين. قالوا: جاحشته وجاحسته أي: زاحمته، فالمعنى: دعوت بالهدى والاستقامة على سمت الطريق، وقيل: هو من الشماتة؛ وذلك لأنك إذا قُلْت له: رحمك الله، فقد أدخلت على الشيطان ما يسخطه فيسر العاطس بذلك، وقيل: معناه: أبعد الله عنك الشماتة، وجنبك ما سمت به عليك، قاله ثعلب.
стр. 17397
١٢٤ - باب تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ الله
فِيهِ أبُو هُرَيرَةَ. [انظر: ٣٢٨٩، ٦٢٢٤].
٦٢٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ: وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ المُقْسِمِ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ -أَوْ قَالَ: حَلْقَةِ الذَّهَبِ- وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالسُّنْدُسِ، وَالْمَيَاثِرِ. [انظر: ١٢٣٩ - مسلم: ٢٠٦٦ - فتح ١٠/ ٦٠٣]
هو بالمهملة والمعجمة كما مر، وهو الدعاء كل داع لأحد بخير، فهو مشمت. ثم ساق حديث البَرَاءِ السالف: أَمَرَنَا رسول الله ﷺ بِسَبْعٍ: وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وعدها سبعًا وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ -أَوْ قَالَ: حَلْقَةِ الذَّهَبِ- وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالسُّنْدُسِ، وَالْمَيَاثِرِ.
وفيه: التشميت، ولا ذكر للحمد فيه، وكأن البخاري لما ذكر حديث أنس في الباب قبله، وأشار بحديث أبي هريرة إليه، فكأنه نبه أن حديث البراء مخصوص بمن حمد. ولا حاجة بنا إلى أن يقال: إن هذا من الأبواب التي عاجلته المنية قبل تهذيبها. كما ادعاه ابن بطال (١).
وقوله: (واتباع الجنازة). هو بتشديد التاء، افتعل من تبع، ومعناه: مَشَيْتُ خَلْفَها، أو مَرَّتْ بِهِ، فَمَضَيْتُ مَعَهَا، وكذلك تبع وأتبع رباعي إذا سبقك فلحقته، والجنازة: بفتح الجيم وكسرها لغتان، قيل: الفتح للميت، والكسر للسرير، وقيل: عكسه.
١٢٨ - باب إِذَا (تثاءب) (١) فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ
٦٢٢٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ. وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ». [انظر: ٣٢٨٩ - مسلم: ٢٩٩٤ - فتح ١٠/ ٦١١]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ رسول الله ﷺ .. الحديث السالف، والمحبة والكراهة ينصرفان على سببهما، وذلك أن العطاس يكون مع خفة البدن وانفتاح السدد والتثاؤب يغلب عند الامتلاء، وسببه: الإكثار من المأكل والتخليط فيه، فيكسل المرء عن فعل الخير. والتثاؤب: مهموز، مصدر تثاءب، ولا تقل: تثاوب.
فصل:
قوله: "فحق". أي: متأكد، كما قال ﵇: "من حق الإبل أن تحلب على الماء" (٢). أي: أنه حق في كرم المواساة، لا فرض؛ لاتفاق أئمة الفتوى على أنه لا حق في المال سوى الزكاة، وقيل: إنه فرض كفاية، إذا شمت واحد سقط عن الباقين. قاله أبو سليمان (٣)، وحكي عن مالك
стр. 17402
كالسلام (١).
وقال أهل الظاهر: هو واجب متعين على كل من سمع حمد العاطس. واحتجوا بهذا الحديث، وذكر الداودي عن مالك: أن كل من سمعه يشمته، والذي في "المعونة" (٢): ينبغي ذَلِكَ، وهو دال على أنه أَمر إِرْشَادٍ وَنَدْبٍ.
فصل:
"فإذا قال: يرحمك الله. فليقل: يهديكم الله، ويصلح بالكم" واختلف في اختيار قول العاطس عند عطاسه، وفيما يقوله له المشمت، وفيما يرد به العاطس: فمذهب ابن عباس وابن مسعود والنخعي ومالك: الحمد لله؛ على ما في هذا الحديث. وروي عن ابن عمر (٣) وأبي هريرة (٤): الحمد لله على كل حال. وقال ابن عمر: هكذا علَّمنا رسول الله ﷺ . وروي عن أم سلمة: عطس رجل في جانب بيت رسول الله ﷺ ، فقال: الحمد لله. ثم عطس آخر، فقال: الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه. فقال ﵇: "ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة" وقيل: هو بالخيار في ذَلِكَ كله.
قال الداودي: قيل: إن العاطس إذا قال: الحمد لله فقط، قالت الملائكة: رب العالمين، وإن زاد: رب العالمين شمتته. وصوب الطبري التخيير في ذَلِكَ كله، وفعله السلف الصالحون فلم ينكر بعضهم من ذَلِكَ شيئًا على بعض.
стр. 17403
وأما ما يقول المشمت، فقيل: يرحمك الله؛ على ما في الحديث، روي ذَلِكَ عن أنس، ورواية عن ابن مسعود، وهو مذهب مالك وغيره، وروى عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: "لما فرغ الله من خلق آدم عطس آدم، فألقى عليه الحمد، فقال له تعالى: يرحمك ربك". وروي عن إبراهيم قال: كانوا يعمُّون بالتشميت والسلام، وكان الحسن يقول: الحمد لله يرحمكم الله، وعن ابن مسعود وابن عمر وسالم وإبراهيم: يرحمنا الله وإياكم.
وأما ما يرد به العاطس، فعند مالك والشافعي لفظان: يهديكم الله ويصلح بالكم، وروي عن أبي هريرة والثاني: يغفر الله لكم. قال في "المعونة": والأول أفضل؛ لهذا الحديث؛ ولأن الهداية أفضل من المغفرة؛ لأنها قد تكون بلا ذنب بخلاف المغفرة (١). وقال في "تلقينه": الثاني أحسن. وقيل عن الشعبي: يهديكم الله.
وروي عن ابن مسعود وابن عمر وأبي وائل والنخعي والكوفيين أنهم أنكروا الأول، واحتجوا بحديث أبي موسى أن اليهود كانوا يتعاطسون عند رسول الله ﷺ رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فيقول ذَلِكَ (٢). قيل: وإنما هذا يدعى به لغير مسلم. وهذا الحديث حجة عليهم. قال الطبري: ولا وجه لقولهم. واحتج عليهم الطحاوي بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦] الآية، فإذا قال جواب (يرحمك الله): يغفر الله لكم، فقد رد مثل ما حياه، وإذا رد: بـ (يهديكم الله) إلى آخره، فقد رد أحسن؛ لأن المغفرة ستر الذنوب، والرحمة ترك
стр. 17404
العقاب عليها؛ ومن هدي بَعُد من الذنوب، ومن أصلح باله فحاله فوق حال (المغفور) (١) له، فكان ذَلِكَ أولى (٢)، والبال: الحال تقول: ما بالك أي: ما حالك؟
فصل:
إنما لم يشمت الآخر؛ تأديبًا، ولم يأمره بالحمد؛ ليشمته؛ لعله رآه أبلغ في الموعظة، وقد قيل: إن من سبق العاطس بالتحميد أمن من وجع الضرس، وقيل: الخاصرة (٣). وذكر عن بعض العلماء أنه قال لمن لم يحمد: كيف يقول العاطس؟ فقال: الحمد لله. قال: يرحمك الله.
فصل:
قد جاء في آخر الحديث معنى كراهية التثاؤب؛ وهو من أجل ضحك الشيطان منه، فواجب إخزاؤه وزجره برد التثاؤب، كما أمر به الشارع، بأن يضع يده على فيه.
فصل:
قال ابن القاسم: رأيت مالكًا إذا تثاءب يضع يده على فيه، وينفث في غير الصلاة، وما أدري ما نعمله في الصلاة. قال في "المستخرجة": كان لا ينفث فيها. قال: قُلْتُ: ليس ذَلِكَ في الحديث. قُلْتُ: بل، في الترمذي من حديث أبي هريرة: "فليضع يده على فيه" (٤).
стр. 17405
وفي مسلم في آخر "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدري: "فليمسك بيده على فيه" (١). وبوب له البخاري ولم يأت فيه بحديث: "فيه"، ولعله فهمه من قوله: "فليرده ما استطاع". فهو من رده، وقد قال: "ضحك منه الشيطان". وفي آخر: "فإن الشيطان يدخل". فإذا كان وضع اليد مانعًا من دخوله ومن ضحكه من جوفه، كان فيه رد لموجب التثاؤب، وكأنه رد التثاؤب نفسه.
فصل:
ومعنى إضافة التثاؤب إلى الشيطان: إضافة رضي وإرادة أنه يحب أن يرى تثاؤب الإنسان؛ لأنها حال المثلبة وتغيير لصورته، فيضحك من جوفه، لا أن الشيطان يفعل التثاؤب في الإنسان؛ لأنه لا خالق للخير والشر غير الله. وفي أبي داود: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل" (٢). فكل ما جاء من الإضافة إلى الشيطان فعلى معنى إضافة رضى وإضافة وسوسة.
فائدة: من علامات النبوة عدم التثاؤب، روي عن سلمة بن عبد الملك بن مروان: ما تثاءب نبي قط، ألا وإنها لمن علامات النبوة. (وفي "تاريخ البخاري" مرسلاً: أنه ﵇ كان لا يثأب) (٣).
آخر كتاب البر والصلة (٤) بحمد الله ومنه
стр. 17406
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧٩ - كِتابُ الاِستِئْذَانِ
هذا الكتاب ذكره ابن بطال في شرحه قبل كتاب اللباس، بعد المرتدين والمحاربين (١)، ولا أدري كيف فعل ذلك!
стр. 17407
١ - باب: (بدء) (١) السَّلَامِ
٦٢٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ. فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ. فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ». [انظر: ٣٣٢٦ - مسلم: ٢٨٤١ - فتح ١١/ ٣]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ، نفرٍ مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٍ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ. فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ. فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ".
الشرح:
معنى بدء السلام: أول ما شرع، وقوله: ("خلق الله آدم على صورته") الهاء في صورته تعود على آدم، وقيل: على مَضْرُوب في وجهه، وقيل: على الله، فمن قال بالأول احتج بأنه أقرب مذكور إلى الضمير، ويكون فائدة ذلك إتمام نعم الله على أبينا آدم ﷺ ؛ لما فضله الله به من خلقه بيده، وسجود الملائكة له وأنه لم يعاتبه كغيره، وذلك أن في الخبر: لما أخرج من الجنة أخرج معه الحية والطاوس، فعاقب الحية
стр. 17408
بأن سود خلقها وسلبها قوائمها وجعل أكلها من التراب، وشوه خلق رجلي الطاوس، وأبقى آدم على هيئته (١).
ففائدة التعريف: الفرق بينه وبين المخرج معه، وقيل: فيه إبطال قول الدهرية أنه لم يكن إنسان إلا من نطفة، ولا نطفة إلى من إنسان، ليس لذلك أول ولا آخر، فعرفنا الشارع تكذيبهم، وأن أول البشر آدم خلق على صورته لم يخلق من نطفة، ولا من تناسل، ولا كان طفلاً، ولا سكن رحمًا، وقيل: لأن الله خلقه من غير أن كان ذلك على تأثير طبع ولا عنصر؛ إبطالا لقول الطبائعيين أن آدم خلق من فعل الطبع وتأثيره.
وذكر ابن فورك (٢) أن أظهر التأويل في ذلك أن الحديث خرج على سبب، وذلك أنه ﵇ مرَّ على رجل يضرب ابنه أو عبده في وجهه لطمًا، ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك. فقال ﵇: "إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته" (٣). فزجره عن ذلك؛ لأنه قد يسب الأنبياء والمؤمنين، وخصَّ آدم بالذكر؛ لأنه الذي ابتدئت خلقة (وجهه) (٤) على الحد الذي يخلق عليها سائر ولده، قالها على هذا الوجه كناية عن المضروب في وجهه، فنقل بعضهم هذِه القصة مع هذِه اللفظة.
стр. 17409
وأضعف الوجوه أن تكون الهاء كناية عن الله من قبل أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور إليه، إلا أن تدل دلالة على خلاف ذلك، وعلى هذا التأويل معنى الصورة معنى الصفة، كما يقال: عرفني صورة هذا (الآدمي) (١)، أي: صفته ولا صورة للأمر على الحقيقة، (إلا على معنى الصفة) (٢) ويكون تقدير التأويل: أن الله خلق آدم على صفته، أي: خلقه حيًّا عالما سميعًا بصيرًا متكلمًا مختارًا مريدًا، فعرفنا بذلك إسباغ نعمة الله عليه وتشريفه بهذِه الخصال.
ونظرنا في الإضافة إلى الله فوجدناها على وجوه: منها: إضافة الفعل كما يقال: خلق الله، وأرض الله، وسماء الله. وإضافة الملك كما يقال: رزق الله، وعبد الله. وإضافة اختصاص وتنويه بذكر المضاف إليه كقولهم: الكعبة بيت الله. وكقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] ووجه آخر من الإضافة نحو قولهم: كلام الله وعلمه وقدرته. وهي إضافة اختصاص من طريق القيام به، وليس من جهة الملك والتشريف، بل ذلك على معنى أن ذاته [غير] (٣) متعرية منها قيامًا بها ووجودًا، ثم نظرنا إلى إضافة الصورة إلى الله تعالى، فلم يصح أن يكون وجه إضافتها إليه على نحو إضافة الصفة إلى الموصوف بها، من حيث تقوم به؛ لاستحالة أن يقوم بذاته حادث، فبقي من وجوه الإضافة: الملك والفعل والتشريف. فأما الأولان فوجهه عام وتبطل فائدة التخصيص فبقي الثالث، وطريق ذلك أن الله هو الذي ابتدأ تصوير آدم لا على مثال سبق، بل اخترعه ثم اخترع
стр. 17410
من بعده على مثاله، فشرفت صورته بالإضافة إليه، لا أنه أريد به إثبات صورة لله على التحقيق هو بها مصور؛ لأن الصورة هي التأليف والهيئة، وذلك لا يصح إلا على الأجسام المؤلفة، والباري تعالى عن ذلك.
وقيل: المعنى في رجوع الهاء إلى آدم تكذيب القدرية لما زعمت أن من صورة آدم وصفاته ما لم يخلقه الله تعالى، وذلك أنهم يقولون: إن صفات آدم على نوعين: منها ما خلقها الله، ومنها ما خلقها آدم لنفسه، فأخبر ﵇ بتكذيبهم وأن الله خلقه على جميع صورته وصفاته وأعراضه، ويحتمل أن يكون رجوع الهاء إليه أيضًا من وجه آخر على أصول أهل السنة أن الله خلق السعيد سعيدًا والشقي شقيًّا، وخلق آدم وعلم أنه يعصيه ويخالف أمره، وسبق العلم بذلك، وأنه يعصي ثم يتوب تنبيهًا على وجوب جريان قضاء الله على خلقه، وأنه إنما تحدث الأمور وتتغير الأحوال على حسب ما يخلق عليه المرء وييسر له (١).
وقال بعضهم: الهاء تعود على بعض الشاهدين من الناس.
فالفائدة في ذلك تعريفنا أن صورة آدم كانت كهذه الصورة؛ إبطالًا لقول من زعم أنها كانت على هيئة أخرى من ذكر طوله وقامته، وذلك مما لا يوثق به؛ إذ ليس في ذلك خبر صحيح وإنما القول في مثله على نقل وهب من أحاديث التوراة ولا بينة في شيء من ذلك، ولم يثبت من جهة أخرى أن خلقة آدم مخالفة لهذِه الخلقة، وهذا خلاف نص هذا الحديث.
стр. 17411
وروي عن مالك أنه نهى أن يتحدث بمثل هذا الحديث فذكر له فيه ابن عجلان، فقال: لم يكن من أهل العلم. وذكر له أبو الزناد فقال: ما زال عاملًا لهؤلاء حتى مات (١).
فصل:
قال المهلب: الحديث يدل على أن الملائكة في الملأ الأعلى يتكلمون بلسان العرب، ويتحون بتحية الله، وأن التحية بالسلام، هي التي أراد الله أن يتحيا بها.
فصل:
وفيه الأمر بتعلم العلم من أهله، والقصد إليهم فيه، وأنه من أخذ العلم ممن أمره الله بالأخذ عنه، فقد بلغ العذر في العبادة وليس عليه ملامة؛ لأن آدم أمره الله أن يأخذ عن الملائكة ما يحيونه، وجعلها له تحية باقية وهو تعالى أعلم من الملائكة، ولم يعلمه إلا ليكون سنة.
فصل:
وقوله: ("فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن") هو في معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ [التين: ٤، ٥]. ووجه الحكمة في ذلك أن الله تعالى خلق العالم بما فيه دالًّا على خالق حكيم، وجعل في حركات ما خلق دليلًا على فناء هذا العالم وبطلانه، خلافًا للدهرية التي تعبد الدهر وتزعم أنه لا يفنى، فأبقى الله هذا النقص دلالة على بطلان قولهم؛ لأنه إذا جاز النقص في البعض، جاز الفناء في الكل.
стр. 17412
فصل:
وقوله: (فقال: "السلام عليكم"). (هكذا كان ابن عمر ﵄ يقول في سلامه وفي رده، وقال ابن عباس [السلام ينتهي إلى البركة، ولا ينبغي أن يقول في السلام] (١): سلام الله عليك، ولكن عليك السلام أو السلام عليكم) (٢).
فصل:
ابتداء السلام سنة كفاية، وقول القاضي حسين من أصحابنا: ليس لنا سنة كفاية إلا واحداً (٣)، ليس كما ذكر فتشميت العاطس كذلك، وكذا الأضحية في حق أهل بيت.
والرد واجب وهو أفضل من الابتداء، وقيل: لا، بل هو؛ لأنه محصل له، وصرح به في "المعونة" (٤) والمعروف الأول، فإن كان المسلَّم عليهم جماعة فالرد فرض كفاية (٥)، خلافًا لأبي يوسف: نعم الأفضل ردهم أجمع، فإن رد غيرهم دونهم أثموا، وأقل السلام: السلام عليكم، فإن كان واحداً خاطب والأفضل الجمع ليتناوله وملائكته، وأكمل منه زيادة: ورحمة الله وبركاته؛ اقتداءً بقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وكالتشهد.
ويكره: عليكم السلام، وقد قال ﵇ لأبي جُرَيٍّ الهجيمي: "لا تقل: عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحية الموتى". صححه
стр. 17413
الترمذي (١)، وادعى ابن بطال أنه لا يثبت (٢)، فإن قالها استحق الجواب على الأصح. وهذا الحديث قد ثبت عنه ﵇ أنه قال في سلامه على القبور: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" (٣)، وحياهم بتحية الأحياء.
فرع:
وصفة الرد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، والأفضل الواو، فلو حذفها جاز، وترك الأفضل، ولو اقتصر على: وعليكم السلام، أجزأه. قال ابن أبي زيد: ولا تقل في ردك: سلام. وكان ابن عمر يقول في الرد والبداءة: السلام عليك. ولو اقتصر على: عليكم، لم يجزئه قطعًا، ولو قال: وعليكم، بالواو ففي إجزائه وجهان، وإذا قال ابتداءً: سلام عليكم أو السلام عليكم فقال المجيب مثله، كان جوابًا وأجزأه. قال تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] قال: سلام. ولكن بالألف واللام أفضل.
فرع:
أقل السلام ابتداءً وردًّا إسماع صاحبه، ولا يجزئه دون ذلك؛ لما روى مسلم من حديث المقداد: فإنه ﵇ يسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا، ويسمع اليقظان (٤).
стр. 17414
فرع:
يشترط كون الرد على الفور، فإن أخره ثم رد لم يُعَدَّ جوابًا وكان آثمًا بتركه.
فرع:
أتاه سلام عليه (من غائب) (١) مع رسول آخر أو في ورقة، وجب الرد على الفور، ويستحب أن يرد على المبلغ أيضًا، فيقول: وعليك وعليه السلام؛ لما في الحديث أن خديجة لما قال ﵇: "هذا جبريل يقرأ عليك من الله السلام". فقالت: الله السلام وعلى جبريل السلام (٢). ولأبي داود بإسناد ضعيف عن جد رجل قال: بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرئه السلام، فقلت له ﷺ ، فقال: "وعليك وعلى أبيك السلام" (٣).
فرع:
سلام الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، وشبهه مستحب، فلو عكسوا جاز، وكان خلاف الأفضل.
فرع:
سيأتي من حديث أنس ﵁ أنه ﵇ كان إذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثًا (٤)، وهو محمول على ما إذا كان الجمع كثيراً.
стр. 17415
فرع:
في الترمذي محسنًا من حديث أسماء بجت يزيد: مر ﵇ في المسجد فألوى بيده بالتسليم (١)، وهو محمول على أنه جمع بين اللفظ والإشارة. وكما في رواية أبي داود: فسلم علينا (٢). وأما حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالكف". وإسناده ضعيف، كما قاله الترمذي (٣).
فرع:
لو كان السلام على (أصم فينبغي الإشارة مع التلفظ؛ ليحصل الإفهام، وإلا فلا يستحق جوابًا، وإذا سلم على) (٤) أخرس فأشار الأخرس باليد سقط عنه الفرض، وكذا لو سلم عليه أخرس بالإشارة استحق الجواب.
٦٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا. فَقَالَ: «إِذَ أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ». قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ». [انظر: ٢٤٦٥ - مسلم: ٢١٢١ - فتح ١١/ ٨]
ثم ساق حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ في نظر الفضل أخيه إلى تلك المرأة من خثعم، وأخذه ﵇ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها.
وحديث أَبي عَامِرٍ -واسمه عبد الملك بن عمرو بن قيس العقدي- إلى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا. فَقَالَ: "فإِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ". قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُ عَنِ المُنْكَرِ".
الشرح:
قال ابن عباس: إنما هو (حتى تستأذنوا).
وكذا قال قتادة ومجاهد وإبراهيم (١).
وقال سعيد بن جبير: الاستئناس: الاستئذان، وهو -فيما أحسب- من خطأ الكاتب.
стр. 17418
وروى أيوب عنه عن ابن عباس: إنما هي: (حتى تستأذنوا)، فسقط من الكاتب (١)، وقال إسماعيل بن إسحاق: قوله: من خطأ الكاتب. هو بقول سعيد بن جبير أشبه منه بقول ابن عباس؛ لأن هذا مما لا يجوز أن يقوله أحد؛ إذ كان القرآن محفوظًا، قد حفظه الله من أن يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.
وقد روي عن مجاهد أن الاستئناس: التنحنح والتنخم إذا أراد أن يدخل (٢). وروى ابن وهب، عن مالك أنه الجلوس، قال تعالى: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقال عمر حين دخل على رسول الله ﷺ في حديث المشربة: أستأنس يا رسول الله ﷺ ؟ قال: "نعم". فجلس عمر (٣).
قال إسماعيل: وأحسب معنى الاستئناس -والله أعلم- إنما هو أن يستأنس فإن الذي يدخل عليه لا يكره دخوله؛ يدل على ذلك قول عمر ﵁ السالف، فدل قوله على أنه أحب أن يعلم أنه ﵇ لا يكره جلوسه، وهذا مما يضعف ما روي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن عمر.
стр. 17419
قلت: والاستئناس في اللغة: الإعلام، ومنه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦].
قال المهلب: ومعنى الاستئذان: هو خوف أن يفجأ الرجل أهل البيت على عورة فينظر ما لا يحل له؛ يدل عليه قوله ﵇: "إنما جعل الاستئذان من قبل البصر" (١).
وقال الطحاوي: الاستئناس: الاستئذان، في لغة أهل اليمن، وهو موجود فيها إلى الآن (٢).
قال الفراء: تقول العرب: استأنس، فانظر هل في الدار من أحد، بمعنى: استأذن به (٣).
فصل:
قام الإجماع على مشروعية الاستئذان، والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاثًا؛ ليجمع بين السلام والاستئذان، كما هو مصرح به في القرآن العظيم.
واختلفوا في أنه: هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان، أو عكسه؟ والصحيح الأول، وبه قال المحققون، وبه جاءت السنة، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟
واختار الماوردي وجهًا ثالثًا أنه إن وقعت عين المستأذن على صاحب البيت قبل دخوله، قدم السلام (٤)، وإلا قدم الاستئذان.
стр. 17420
وصح عن رسول الله ﷺ حديثان في تقديم السلام (١).
فرع:
إذا استأذن ثلاثًا فلم يؤذن له، فظن أنه لم يسمعه ففيه ثلاثة مذاهب:
أظهرها: أنه ينصرف ولا يعيد الاستئذان.
وثانيها: يزيد فيه، قال مالك: لا بأس به (٢). وهو تأويل قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧].
وثالثها: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده وإن كان بغيره أعاده.
فمن قال بالأظهر فحجته قوله في الحديث: "فلم يؤذن له فليرجع" كما سيأتي (٣)، ومن قال بالثاني حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه، وقول أبي بن كعب فيه: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم (٤). معناه: أن هذا الحديث
стр. 17421
مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، وقد تعلق به من يقول: لا يحتج بخبر الواحد وأن عمر رد حديث أبي موسى هذا؛ لكونه خبر واحد، وهو باطل، والإجماع يرده ممن يعتد به فيه، ودلائله من فعل الشارع والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم، وقول عمر لأبي موسى: أقم البينة. ليس معناه رد خبر الواحد من حديث هو خبر واحد، ولكن خاف من مسارعة الناس إلى التقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل من بعض المبتدعة أو الكذابين أو المنافقين، فيضع كل من وقعت له قصة حديثًا فيها، فأراد سد الباب خوفًا من غير أبي موسى لا شكًّا في روايته، فإنه كان عند عمر ﵁ أجل من أن يظن به أنه يحدث عن رسول الله ﷺ ما لم يقل، وإنما أراد زجر غيره بطريقه فإن من دون أبي موسى إذا رأى هذِه القضية أو بلغته، وكان في قلبه مرض أو أراد وضع حديث خاف من مثل قضية أبي موسى فامتنع من وضعه والمسارعة في الرواية بغير يقين، ومما يدل على أن عمر ﵁ لم يرد خبره؛ لكونه خبر واحد أنه طلب منه إخبار رجل آخر حتى يعلم الحديث، ومعلوم أن خبر الاثنين خبر واحد، يوضحه ما في مسلم أن أبيًّا لما شهد لأبي موسى قال: يا ابن الخطاب لا تكن عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله أنا سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت (١). وأما رواية: أقم البينة وإلا أوجعتك (٢). وفي أخرى والله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتيني بمن يشهد (٣).
стр. 17422
وفي أخرى: لأجعلنك نكالًا (١). فكلها محموله على أن التقدير: لأفعلن بك هذا الوعيد إن بان أنك تعمدت كذبًا، وقوله: فهاه وإلا جعلتك عظة. أي: فهات (البينة) (٢)، وضحك القوم من رؤيتهم فزع أبي موسى وخوفه من العقوبة مع أنهم قد أمنوا أن يناله عقوبة أو غيرها؛ لقوة حجته وسماعهم ما أنكر عليه في رسول الله ﷺ وقد سلف طرف منه في البيوع (٣).
فصل:
وقوله: ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] أي: يأذن لكم أهلها بالدخول؛ لأنه لا ينبغي أن يدخل منزل غيره وإن علم أنه ليس فيه أحد حتى يأذن له صاحبه.
وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور: ٢٩] قال مجاهد: كانت بيوتًا في طريق المدينة يجعلون فيها أمتعتهم (٤)، وقيل: هي الخانات (٥).
وقال عطاء: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾: للخلاء والبول (٦).
(فصل:
وسعيد بن أبي الحسن هذا هو: أخو الحسن البصري، تابعي
стр. 17423
ثقة (١)، قال البخاري: مات قبل الحسن) (٢).
فصل:
وقوله: (من أبصارهم) (من) هنا؛ لبيان الجنس، وقد جاء في نظر الفجأة الأمر بصرف البصر (٣).
ولا شك في أن غض البصر مأمور به للآيتين المذكورتين في الباب؛ ألا ترى صرف النبي ﷺ لوجه الفضل عن المرأة، ونهيه ﵇ عن الجلوس على الطرقات إلا أن يغض البصر، وإنما أمر الله بغض الأبصار عما لا يحل؛ لئلا يكون البصر ذريعة إلى الفتنة، فإذا أمنت فالنظر مباح؛ ألا ترى أنه ﵇ حول وجه الفضل حين علم بإدامته النظر إليها أنه أعجبه حسنها، فخشي عليه الشيطان.
وما ذكره في خائنة الأعين: قال ابن عباس: هو الرجل ينظر إلى المرأة، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره. وقد علم الله سبحانه (أن يرده) (٤) لو نظر إلى عورتها (٥)، وقول الزهري صحيح، ومعناه: في غير
стр. 17424
الصغيرة جدًّا، قد مست أم خالد (١) خاتم النبوة الذي كان بين كتفي رسول الله ﷺ ، ونهى الشارع من نهاها (٢). وقد سلف أن فيه حجة لأشهب أن الرجل يُغسِّل الأجنبية الصغيرة الميتة، وأن ابن القاسم لا يجيز ذلك (٣).
فصل:
وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه فيما تركب فيه من الميل إلى النساء، والإعجاب بهن، وفيه دليل أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهن فرضًا في كل حال كلزومه لأمهات المؤمنين، ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر الشارع الخثعمية بالاستتار، ولَمَا صرف وجه الفضل عن وجهها، بل كان أمره بصرف بصره ويعلمه أن ذلك فرضه؛ فصرف وجهه وقت خوف الفتنة وتركه قبل ذلك الوقت.
وهذا الحديث يدل أن ستر المؤمنات وجوههن عن غير محارمهن سنة؛ لإجماعهم أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة منها ويراه الغرباء، وأن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] على الفرض في غير الوجه.
стр. 17425
وأن غض (البصر) (١) عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى منه الفتنة واجب.
وقد قال ﵇: "لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية" (٢). وهذا معنى دخول (من) قوله تعالى: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٤]: لأن النظرة الأولى لا تملك، فوجب التبعيض لذلك بما قدمناه، ولم يقل ذلك في الفروج؛ لأنها لا تملك.
فصل:
فإرادفه الفضل خلفه على عجز راحلته ظاهر في جواز الإرداف، وقد مر. وعَجُز -بفتح أوله وضم ثانيه- أي: آخرها. وقوله: وكان الفضل وضيئًا أي: حسنًا نظيفًا، أصله: وضُأ مثل كَرُم.
وقوله: (فأخلف يده فأخذ بذَقَن الفضل). أي: أدارها من خلفه، يقال: أخلف الرجل بيده إلى سيفه: مدها إليه؛ ليأخذه عند حاجته إليه، وأخلف إلى مؤخر راحلته أو فرسه كذلك، وقال هنا: (والفضل ينظر إليها)، وفي "الموطأ": وتنظر هي إليه (٣).
والذَّقَن: -بفتح الذال والقاف- مجتمع اللحيين، قيل: وكان الفضل يومئذ صبيًّا.
стр. 17426
وغُلِّط؛ لقوله: وكان رجلاً وضيئًا، وليس صريحًا فيه، فإن قلت: سماه بما يئول إليه أمره قيل: الظاهر منه أنه وصف حاله حينئذ، وأيضاً فإنه كان أكبر من أخيه عبد الله، وكان عبد الله في حجة الوداع ناهز الاحتلام.
فصل:
قوله: ("إياكم والجلوس بالطرقات") هي جمع طرق، وطرق جمع طريق.
стр. 17427
٣ - باب السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى
وقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]
٦٢٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ يَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الكَلَامِ مَا شَاءَ». [انظر: ٨٣١ - مسلم:
٤٠٢ - فتح ١١/ ١٣]
ثم ساق حديث شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ في التشهد فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ". وقد سلف.
قيل: إن الآية في السلام إذا قال: سلام (عليك) (١) رد عليه: وعليك السلام ورحمة الله وإذا قال: السلام عليك ورحمة الله، رد: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. وقيل: إنها في الهدية.
وعن مالك: يرجع فيها ما لم تقبض. وهو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة
ومشهور مذهب مالك -كما قاله ابن التين- أنها تلزم بالقول، وليس له
رجوع وإنما الحوز شرط في صحتها، واحتج بهذِه الآية على من قال:
إذا سلم على جماعة يردون جميعهم، وهم الكوفيين؛ لأن معناه أن يرد
стр. 17428
واحد منهم مثلما يسلم واحد مثلما ابتدئت به من غير زيادة لقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ وروى مالك، عن زيد بن أسلم أنه ﵇ قال: "إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم" (١) وأنكر أبو يوسف مرسل مالك، واحتجوا بأنه لو رد عنهم (غيرهم) (٢) لم يسقط ذلك عنهم، فدل أنه يلزم كل إنسان بعينه، واستدل لمالك والشافعي مع ما سلف بقوله ﵇: "يسلم القليل على الكثير" (٣). والرد سلام عند العرب، وبإجماعهم أن الواحد يسلم على الجماعة، ولا يحتاج إلى تكريره على عددهم، وكذلك الرد، وإنكارهم لمرسل مالك لا وجه له؛ لأنه (لا) (٤) مستند لهم في قولهم، والمصير إليه أولى من المصير إلى رأي يعارضه، وقد عضده ما أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه من حديث عبد الله بن الفضل عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي يرفعه: "يجزئ عن الجماعة إذا مرت أن يسلم أحدهم، ويجزي عن القعود أن يرد أحدهم". وأخرجه أبو داود من هذا الوجه، وقال: و"الجلوس" بدل "القعود" (٥) وهو هو.
فصل:
وقوله: ("إن الله هو السلام") يريد أنه اسم من أسمائه، قال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] فمصداق هذا الحديث القرآن، والأسماء إنما تؤخذ توقيفًا من الكتاب والسنة، ولا يجوز أن يسمى الله بغير
стр. 17429
ما سمى به نفسه، ولما كان السلام من أسمائه لم يجز أن يقال: السلام على الله، وجاز أن يقال: السلام عليكم؛ لأن معناه الله عليكم، والسلام أيضًا السلامة؛ قال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] أي: السلامة، وهي: الجنة، والسلام: التسليم، والسلام: الشجر، وشجر عظام واحدتها سلامة، والسلام: الإسلام، والسلامة: البراءة من العيوب.
فصل:
قد أسلفنا أن الابتداء به سنة، ورده فريضة، وهو إجماع، ومن الدليل على كونه سنة قوله في المتهاجرين: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (١) وسلف أيضًا أن الرد فرض كفاية، وهو داخل في معنى قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]؛ لأنه رد عليه مثل قوله وشبهوه بالتشميت أي: في كونه سنة كفاية، نعم هو كالجهاد، وطلب العلم، ودفن الموتى. وإن الكوفيين ذهبوا إلى أن الرد فرض عين على كل واحد، قالوا: والسلام خلاف رده، نعم قد يكون من السنن ما يسد الفرض كغسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة عند جماعة من العلماء، وكغسل اليدين قبل الوضوء يجزئ عن غسلهما مع الذراعين في الوضوء، في قول عطاء.
فصل:
قد أسلفنا أن تشهد ابن مسعود هذا أخرجه مسلم أيضًا مع باقي الأربعة (٢).
стр. 17430
وأخذ به أحمد (١) والكوفيون (٢)، وأخذ الشافعي بتشهد ابن عباس (٣) وهو من أفراد مسلم، وأخذ مالك بتشهد عمر ﵁ (٤)، وادعوا أنه يجري مجرى التواتر كتعليمه الناس على المنبر بحضرة جماعة من الصحابة وأئمة المسلمين ولم ينكر عليه أحد.
فصل:
التحيات: السلام أو البقاء. والصلوات، قال ابن حبيب: قيل: معناه لا يراد بها غير الله والطيبات طيب القول والأعمال (الراتبة) (٥)(٦).
فصل:
لم يذكر في هذا الحديث هنا الصلاة على رسول الله فتحزبت المالكية وقالوا: فيه رد على الشافعي وابن المواز منهم (٧)، قالوا: واحتجاج الشافعي (٨) بالآية المراد: مرة في العمر (ولغى) (٩) ثم غلط فادعى أن الشافعي اختار تشهد ابن مسعود والعجب أن الصلاة ثابتة فيه في الحديث الصحيح من طريقين، وفي الذهن أني أسلفت ذلك.
стр. 17431
٤ - باب تَسْلِيمِ الْقَلِيلِ عَلَى الكَثِيرِ
٦٢٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ». [٦٢٣٢، ٦٢٣٣، ٦٢٣٤ - مسلم: ٢١٦٠ - فتح ١١/ ١٤]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ رسول الله ﷺ قَالَ: "يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ".
ثم ترجم له:
стр. 17432
٥ - باب تَسْلِيمِ الرَّاكِبِ عَلَى المَاشِي
٦٢٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّهُ سَمِعَ ثَابِتًا -مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ». [انظر: ٦٢٣١ - مسلم: ٢١٦٠ - فتح ١١/ ١٥]
ثم ساقه بلفظ: "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ".
وفي سنده: زياد وهو ابن سعد، وثابت هو ابن عياض الأحنف الأعرج، مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ولأبي أحمد يزيد بدل زياد، وهو وهم، قال الجياني: والصواب الأول (١).
ثم ترجم عليه:
٧ - باب تَسْلِيمِ الصَّغِيرِ عَلَى الكَبِيرِ
٦٢٣٤ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ». [انظر: ٦٢٣١ - مسلم: ٢١٦٠ - فتح ١١/ ١٦]
ثم قال: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ".
وهذا أسنده أبو نعيم في كتابه عن الأجُرِّي: ثنا عبد الله بن العباس، ثنا أحمد بن حفص، ثنا أبي، ثنا إبراهيم بن طهمان، فذكره، والبخاري قد ساقه أولا من حديث معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، كما سلف أولًا، فهذا طريق آخر زيادة عليه، والراكب بالإضافة إلى الماشي كأنه مار على قاعد لإشرافه، وكذلك الماشي مع القاعد، ومقصود السلام: الأمان، والماشي يخاف الراكب، وكذلك القاعد يخاف الماشي فأمروا بالسلام؛ ليحصل الأمن، نبه عليه ابن الجوزي.
وقال المهلب: هذِه آداب من الشارع أما تسليم الصغير على الكبير فمن أجل حق الكبير عليه فأَمر الصغير بالتواضع له والتوقير وتسليم المار على القاعد هو من باب الداخل على القوم فعليه أن يبدأهم بالسلام وكذلك فعل آدم ﵇ بالملائكة حين قيل له: "اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس" (١) ويسلم القليل على الكثير من باب التواضع أيضًا؛ لأن حق الكثير أعظم من حق القليل وكذلك فعل أيضًا آدم ﵇؛ كان وحده والملأ من الملائكة كثير حين أمر بالسلام
стр. 17435
عليهم، وسلام الراكب على الماشي؛ لئلا يتكبر بركوبه على الماشي فأمر بالتواضع له.