٧ - باب تَسْلِيمِ الصَّغِيرِ عَلَى الكَبِيرِ
٦٢٣٤ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ». [انظر: ٦٢٣١ - مسلم: ٢١٦٠ - فتح ١١/ ١٦]
ثم قال: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ".
وهذا أسنده أبو نعيم في كتابه عن الأجُرِّي: ثنا عبد الله بن العباس، ثنا أحمد بن حفص، ثنا أبي، ثنا إبراهيم بن طهمان، فذكره، والبخاري قد ساقه أولا من حديث معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، كما سلف أولًا، فهذا طريق آخر زيادة عليه، والراكب بالإضافة إلى الماشي كأنه مار على قاعد لإشرافه، وكذلك الماشي مع القاعد، ومقصود السلام: الأمان، والماشي يخاف الراكب، وكذلك القاعد يخاف الماشي فأمروا بالسلام؛ ليحصل الأمن، نبه عليه ابن الجوزي.
وقال المهلب: هذِه آداب من الشارع أما تسليم الصغير على الكبير فمن أجل حق الكبير عليه فأَمر الصغير بالتواضع له والتوقير وتسليم المار على القاعد هو من باب الداخل على القوم فعليه أن يبدأهم بالسلام وكذلك فعل آدم ﵇ بالملائكة حين قيل له: "اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس" (١) ويسلم القليل على الكثير من باب التواضع أيضًا؛ لأن حق الكثير أعظم من حق القليل وكذلك فعل أيضًا آدم ﵇؛ كان وحده والملأ من الملائكة كثير حين أمر بالسلام
стр. 17435
عليهم، وسلام الراكب على الماشي؛ لئلا يتكبر بركوبه على الماشي فأمر بالتواضع له.
стр. 17436
٨ - باب إِفْشَاءِ السَّلَامِ
٦٢٣٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَهَى عَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ، وَنَهَانَا عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ رُكُوبِ الْمَيَاثِرِ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالْقَسِّيِّ، وَالإِسْتَبْرَقِ. [انظر: ١٢٣٩ - مسلم: ٢٠٦٦ - فتح ١١/ ١٨]
ذكر فيه حديث البَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا النبي ﷺ بِسَبْعٍ: منها: إفشاء السلام. وقد سلف غير مرة (١).
والشيباني في الإسناد هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز (٢).
قال الطبري: ومن هذِه السبع ما يكون بتركه عاصيًا وهو نصر الضعيف، وعون المظلوم، وإبرار المقسم، فهذِه فرض في كل حال، وذلك أنه ﵇ قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (٣). وقال: "إن المؤمنين جميعًا كالجسد الواحد" (٤).
стр. 17437
وعلى المرء أن يسعى لصلاح كل عضو من أعضاء جسده سعيه لبعضها، فكذلك عليهم في إخوانهم في الدين، وشركائهم في الملة، وأنصارهم من الأعداء من نصرهم وعوضهم مثل ما عليهم ذلك في أنفسهم لأنفسهم إذ كان بعضهم عونًا لبعض، وجميعهم يد على العدو، ولذلك خاطبهم ربنا في كتابه فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
إذ كان القاتل منهم غيره بمنزلة القاتل نفسه، ولم يقل لهم: لا يقتل بعضكم بعضًا؛ إذ كان المؤمن لأخيه المؤمن بمنزلة نفسه في التعاون على الذكر والتقوى، يؤلم كل واحد منهما ما يؤلم الآخر، ألا ترى أن الله تعالى نهى المؤمنين أن يلمز بعضهم بعضًا، وأن يتنابزوا بالألقاب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] فجعل اللامز أخاه لامزًا نفسه، إذ كان أخوه بمنزلة نفسه، ومعلوم أنه لا أحد صحيح العقل يلمز نفسه، فعلم أن معناه: لا يلمز أحدكم أخاه المؤمن، وإنما الإبرار بقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ومنها ما يكون بتركه غير عاص، وهو ابتداء السلام والعيادة، ومنها ما يكون فرضًا في بعض الأحوال وفضلًا في بعضها، وهو شهود الجنازة، إذا لم يكن لها قيم أو يكون ولا يستغنى عن حضوره إياها. وتشميت العاطس عند الحمد فهو فرض كفاية على الجميع، كذا قال: وإنما هو سنة كفاية.
وأما التي فرض في بعض الأحوال دون بعض وفضل في بعضها فشهود جنازة الأخ المؤمن، فالحال التي هو فيها فرض إذا لم يكن لها قيم غيره كما مر، وذلك أن الذي يلزم من أمر موتى المسلمين للأحياء غسلهم وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم، وذلك فرض على
стр. 17438
الكفاية. وأما التي هو بفعلها محمود وتركها غير مذموم فالسلام عليه إذا لقيه، فإن المبتدئ أخاه بالسلام له الفضل كما سلف في المتهاجِرَين "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (١) ومن ذلك عيادته لأخيه إذا مرض، وإجابته إلى طعام إذا دعاه إليه، فإن تارك ذلك تارك للفضل لا تارك فرض؛ لإجماع الجميع على ذلك.
قلت: كذا قال، والخلاف عندنا في وليمة العرس والأظهر الوجوب، وقد سلف جملة من معنى هذا الحديث في الجنائز (٢) والمظالم (٣) والنكاح (٤) واللباس (٥).
فصل:
سلف ذكر المياثر، قال الجوهري: ميثرة الفرس: لبدته، غير مهموزة والجمع: مياثر ومواثر (٦). قال أبو عبيد: وأما المياثر الحمر التي جاء فيها النهي فكانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو من حرير (٧). وعند الهروي: في الحديث: نهى عن ميثرة الأرجوان؛ صبغ أحمر (٨).
стр. 17439
وقال ابن فارس: المياثر ثياب حمر كانت مراكب العجم (١).
والقسيُّ سلف أنه بفتح القاف وكسرها، وقال الجوهري: إنه ثوب يحمل من مصر يخالطه الحرير (٢). وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى بلاد يقال لها: القَسُّ، قال: وقد رأيتها، ولم يعرفها الأصمعي (٣)، وقيل: هي القزي. أي: الإِبْرَيْسَم، أبدلت من الزاي سينًا، وقال ابن فارس: هي ثياب يؤتى بها من اليمن (٤).
стр. 17440
٩ - باب السَّلَامِ لِلْمَعْرِفَةِ وَغَيْرِ المَعْرِفَةِ
٦٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ». [انظر: ١٢ - مسلم: ٣٩ - فتح ١١/ ٢١]
٦٢٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا، وَيَصُدُّ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». وَذَكَرَ سُفْيَانُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [انظر: ٦٠٧٧ - مسلم: ٢٥٦٠ - فتح ١١/ ٢١]
ذكر فيه حديث يَزِيدَ -وهو ابن أبي حبيب- عَنْ أَبِي الخَيْرِ -وهو مرثد بن عبد الله اليزني- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" (وقد سلف في الإيمان) (١).
وحديث سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ -خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار- أنه ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هذا، وَيَصُدُّ هذا وَخَيْرُهُمَاَ الذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ". وَذَكَرَ سُفْيَانُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
الشرح:
مراده بقوله: (أيُّ الإسلام خير؟) أي: بعد التوحيد، أو يريد: أيُّ شعب الإسلام خير؟ وفي حديث آخر: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان
стр. 17441
بالله ثم الجهاد" (١)، وفي آخر: "ثم الصلاة لمواقيتها" (٢). وقد سلف الجمع بين ذلك. وقال ابن التين: لعل هذا قبل أن يفرض الجهاد والصلاة، وأخباره لا تتنافى، فإذا صلى في الوقت في الجهاد كان أفضل؛ لجمعه بين الأمرين وإن صلاها في غير وقتها فالجهاد أفضل، وهذا لمن ليس له أبوان؛ لقوله في الحديث الآخر بعد الصلاة: "ثم بر الوالدين" (٣)، فمن له أبوان فصلى في الوقت كان أفضل (من الجهاد) (٤).
فصل:
هذا أيضًا في باب الأدب والتواضع، وفي السلام لغير المعرفة استفتاح للخلطة؛ ليكون المؤمنون كلهم إخوة؛ ولا يستوحش أحد من أحد، وترك السلام لغير المعرفة يشبه صدود المتصارمين المنهي عنه، فينبغي للمؤمن أن يجتنب مثل ذلك، وقد روى ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أشراط الساعة السلام للمعرفة" (٥).
وروى عبد الرزاق، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يدخل السوق، فما يلقى صغيرًا ولا كبيرًا إلا سلم عليه، ولقد مر بعبدٍ أعمى فجعل يسلم عليه، والآخر لا يرد عليه، فقيل: إنه أعمى (٦).
стр. 17442
وكان السلف من المحافظة على بذل السلام، كما ذكر معمر قال: كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ مجتمعين، فتفرق بينهما شجرة، ثم يجتمعان فيسلم أحدهما على الآخر (١).
ومما يدل على تأكيد السلام على كل أحد أن الله تعالى قد أمر الداخل بيتًا غير مسكون بالسلام عند دخوله، وروي عن ابن عباس والنخعي وعلقمة وعطاء وعكرمة وقتادة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا على أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] قالوا: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة ترد عليك. وهذا يدل أن الداخل بيتًا مسكونًا أولى بالسلام (٢).
وروى ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم أنه ﵇ قال: "إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها، واذكروا اسم الله؛ فإن أحدكم إذا سلم حين يدخل بيته، وذكر اسم الله على طعامه، يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هنا ولا عشاء. وإذا لم يسلم إذا دخل ولم يذكر اسم الله على طعامه، قال الشيطان لأصحابه: أدركتم المبيت والعشاء" (٣).
стр. 17443
وفي "المشكل " لأبي جعفر الطحاوي عن مسروق: كنت أنا وعلقمة مع ابن مسعود وهو بيننا، فجاء أعرابي فقال: السلام عليكم يا ابن أم عبد. فضحك عبد الله وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أشراط الساعة السلام بالمعرفة" (١)، وفي رواية: "ما بين يدي الساعة تسليم الخاصة" (٢)، وفي حديث إسلام أبي ذر قال: فانتهيت إليه -يعني: رسول الله ﷺ وقد صلى هو وصاحبه -يعني: الصديق ﵁ فكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: "وعليك ورحمة الله" (٣).
قال الطحاوي: وهذا ليس بمعارض للأول، إذ قد يحتمل أن يكون أبو ذر كان مع الصديق ورسول الله ﷺ متشاغل إما بصلاة وإما بطواف؛ لأن ذلك كان بمكة عند البيت فلم يحتج إلى السلام على أبي بكر، وكانت الحاجة إلى السلام على سيدنا رسول الله ﷺ ؛ (فقصر سلامه عليه فلم ينل) (٤) ذلك رسول الله ﷺ (٥).
واختصاصه ﵇ أبا ذر بالرد عليه وحده دون غيره؛ دليل على أن الرد خلاف السلام؛ لأن المسلم على الواحد من الجماعة ظالم لبقيتهم؛ لأنه كان عليه أن يسلم عليهم كلهم، والرد من المسلم عليه عن نفسه وحده أو عن جماعة هو منهم على اختلاف بين أهل العلم
стр. 17444
في ذلك؛ إنما هو على من سلم عليه عن نفسه أو عن جماعة منهم، فجاز أن يختص به دون من سواه من الناس (١).
قال: وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا غرار في صلاة ولا تسليم"، قال أبو عبيد (٢): الغرار: النقصان، ومعناه في الصلاة أن ينقص من ركوعها وسجودها، وفي السلام أن يقول: السلام عليك، أو يرد بقوله: وعليك، ولا يقول: وعليكم (٣).
قال أبو جعفر: وقد يحتمل أن يكون النقصان المنهي عنه في السلام القصد بالسلام إلى الواحد من الجماعة، بخلاف الرد لما ذكرناه، مما يوجب حكم السلام، ورده في الحديث السالف وقد سلف الرد بعليك، ولا نقص إذًا (٤).
أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَخْرُجْنَ لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ، خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهْوَ فِي الْمَجْلِسِ فَقَالَ: عَرَفْتُكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ. قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ. [انظر: ١٤٦ - مسلم: ٢١٧٠ - فتح ١١/ ٢٣]
ذكر فيه حديث أَنَسِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ ابن عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَخَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشْرًا حَيَاتَهُ، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ .. الحديث.
وحديث أبي مجلز -واسمه: لاحق بن حميد بن سعيد بن خالد بن كثير بن حبيش بن عبد الله بن سدوس بن شيبان بن ذُهل بن ثعلبة السدوسي البصري، مات قبل الحسن بقليل سنة تسع ومائة- عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رسول الله ﷺ زيْنَبَ دَخَلَ القَوْمُ فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ مِنَ القَوْمٍ وَقَعَدَ بَقِيَّةُ القَوْمِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ لِيَدْخُلَ فَإِذَا القَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقُوا .. الحديث.
وفي آخره: فَأَلْقَى الحجابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ.
وحديث عَائِشَةَ ﵂: كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : احْجُبْ نِسَاءَكَ .. الحديث.
وفيه: فرض الحجاب على أمهات المؤمنين؛ لقول عمر ﵁: (احجب نساءك). وقال في حديث آخر: يا رسول الله، لو حجبت أمهات المؤمنين فإنه يدخل عليهن البر والفاجر. فنزلت آية الحجاب (١)،
стр. 17447
يوضحه قول الفقهاء: إن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، وإجماعهم أن لها أن تبرز وجهها؛ للإشهاد عليها، ولا يجوز ذلك في أمهات المؤمنين.
وقد اختلف السلف في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أهو الكحل والخاتم، أو الخضاب والسوار والقرط والثياب، أو الوجه والكفان وهو الأظهر، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأنس وهو قول مكحول وعطاء والحسن (١)، قال إسماعيل بن إسحاق: فدخل في التفسير ما ذكر، والظاهر -والله أعلم- يدل على أنه الوجه والكفان؛ لأن المرأة يجب عليها أن تستر في الصلاة ما عداه (٢)؛ وفيه دلالة أنه يجوز للغرباء أن يروه من المرأة -والله أعلم- بما أراد من ذلك. وسنعود إليه قريبًا في باب: من قام من مجلسه (٣).
وقوله: (كنت أعلم الناس بشأن الحجاب): فيه: أنه يجوز للعالم أن يضيف ما عنده من العلم لسائله عنه على وجه التعريف بما عنده منه، لا على سبيل الفخر والإعجاب.
فصل:
قوله في الحديث الأول: (أصبح رسول الله ﷺ عروسًا). العروس يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما؛ يقال: رجل عروس في رجال عرس، وامرأة عروس في نساء عرس. والرهط: ما دون العشرة
стр. 17448
ليس فيهم امرأة، وفي رواية: كانوا ثلاثة رجال (١). وفي أخرى: رجلين (٢).
وقوله: (حتى إذا بلغ عتَبة حجرة عائشة) هي أُسْكُفَّةُ الباب، وهي بفتح التاء.
فصل:
قوله في الحديث الثاني: (فأخذ كأنه يتهيأ للقيام) فيه أنه تهيأ، وهو يريد قيامهم. وفيه: أنه لم يستأذنهم حتى قاموا، وقوله في الآية: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: متحرِّين نضجه، ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: بعد الأكل. وقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ﴾. قال معمر: قال طلحة: إن مات رسول الله ﷺ تزوجت عائشة، فنزلت (٣).
فصل:
قال الداودي: حديث سودة -يعني: الثالث- ليس منها، إنما هو في لباس الجلابيب ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
والمناصع: قال أبو سعيد: هي المواضع التي يتخلون فيها للبول أو حاجة الإنسان، الواحد منصع، قال الأزهري: أراها مواضع خارج المدينة (٤). قال: وفي الحديث أن المناصع: (يوقف أفلح) (٥)، خارجها.
واحجُب نساءَك بضم الجيم.
قلت: ومن أنثه قال: مدراة. وقد جاء في الشعر: مدراة. والجمع: المدارى.
والمشقص: -بكسر الميم أيضًا- نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض، فإن كان عريضًا فهو المِعْبَلة. وعبارة الجوهري: المشقص هو الطويل من النصال العريض (١). وقال الخطابي: هو نصل عريض (٢). وقيل: هو سهم فيه سن عريض، وقيل: هو الطويل ليس بعريض.
ثانيها:
يختل -بكسر التاء المثناة فوق- أي: يحتال فيراوغه ويستغفله ويطعنه، قال (الجوهري: طعنه بالرمح، وطعن في السن. يطعُن بالضم طعنًا، قال: وطعن فيه بالقول، يطعن أيضًا طعنًا وطعنانًا (٣)، وحكى) (٤) ابن فارس عن بعضهم: طعن بالرمح، وطعن بالقول، يطعن بالفتح (٥).
ثالثها:
الحديث دال على هدر المفعول به، وجواز رميه بشيء خفيف، وقيل: إن ذلك على وجه التهديد والتغليظ، ولو وقع الفعل (للضرورة) (٦) قد لا تكون تلك العقوبة، (وكذلك) (٧) يفعل الأئمة في التغليظ
стр. 17451
والإرهاب، وكذا من عض رجلاً فندرت سِنه يقتص منه عند مالك خلافًا (١)، للشافعي (٢) وابن نافع، قال يحيى بن عمر: ولعله لم يبلغه الحديث.
وهل يجوز الرمي قبل الإندار؟! فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لظاهر الحديث.
رابعها:
هذا الحديث يبين معنى الاستئذان، وأنه إنما جعل خوف النظر إلى عورة المؤمن وما لا يحل منه، فلا يحل لأحد أن ينظر في جحر باب وشبهه كما هو متعرض فيه؛ لوقوع البصر على أجنبية.
وفي "الموطأ" عن عطاء بن يسار أن رجلاً قال: يا رسول، الله أستأذن على أمي؟ قال: "نعم" قال: إني معها في البيت! قال: "استأذن عليها؛ أتحب أن تراها عريانة؟! " قال: لا. قال: "فاستأذن عليها" (٣).
وروي عن علي ﵁ أنه قال: لا يدخل الغلام إذا احتلم على أمه وعلى أخته، إلا بإذن.
وأصل هذا كله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية [النور: ٥٨] الآية قال أبو عبيد: فأما ذكور المماليك فعليهم الاستئذان في الأحوال كلها.
стр. 17452
خامسها:
هذا الحديث يرد قول أهل الظاهر، ويكشف عليهم في إنكارهم العلل والمعاني، وقولهم: إن الحكم للأسماء خاصة؛ لأنه ﵇ علل الاستئذان أنه إنما جعل من أجل البصر، فدل ذلك على أنه ﵇ أوجب أشياء وحظر أشياء؛ من أجل معان علق التحريم بها. ومن أبى هذا رد نص السنن، وقد ورد القرآن بمثل هذا كثيرًا من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، إلى قوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥] وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ [سبا: ١٧] في مواضع كثيرة تطول، فلا يلتفت إلى من يخالف ذلك.
стр. 17453
١٢ - باب زِنَا الْجَوَارِحِ دُونَ الْفَرْجِ
٦٢٤٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ. حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ». [٦٦١٢ - مسلم: ٢٦٥٧ - فتح ١١/ ٢٦]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄: لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وفي لفظ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابن آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ (أوَ يُكَذِّبُهُ) (١) ".
معنى: كتب: قدر، فلا تخلُّصَ منه.
وقوله: ("والفرج يصدق ذلك ويكذبه") احتج به أشهب أنه إذا قال: زنى (يدك أو رجلك أنه لا حدَّ عليه، وخالفه ابن القاسم، وقال الشافعي إذا قال: زنت) (٢) يدك تحد. وقال بعض أصحابنا: لا يحد، قال الخطابي: لأن الأفعال من فاعلها تضاف إلى الأيدي، كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] (٣).
стр. 17454
ولم يختلف إذا قال: زنى فَرْجُكَ أنه يحد له.
ومعنى: ("لا محالة"): لا حيلة للتخلص من إدراك ما كتب عليه.
فصل:
زنا العين فيما زاد على النظرة الأولى التي لا تملك مما تستديم النظر إليه على سبيل اللذة والشهوة، وكذلك زنا المنطق فيما يلتذ به من محادثة من لا يحل له ذلك منه، وزنا النفس تمنِّي ذلك وتشهِّيه، فهذا كله يسمى زنًا؛ لأنه من دواعي زنا الفرج.
قال المهلب: وكل ما كتبه الله على ابن آدم فهو سابق في علم الله، لا بد أن يدركه المكتوب وأن الإنسان لا يملك دفع ذلك عن نفسه غير أن الله تفضل على عباده وجعل ذلك لممًا وصغائر، لا يطلب بها عباده إذا لم يكن للفرج تصديق، فإذا أصدقها الفرج كان ذلك من الكبائر؛ رفقًا من الله بعباده؛ ورحمة لهم، لما جبلهم عليه من ضعف الخلقة ولو آخذ عباده باللمم، أو ما دونه من حديث النفس، لكان ذلك عدلاً منه في عباده وحكمةً، لا يُسأل عما يفعل وله الحجة البالغة، لكن قبل منهم اليسير وعفا لهم عن الكثير؛ تفضلًا منه وإحسانًا.
عَلِم أو شَكَّ هل فهم عنه، فكرر الثانية فزاد الثالثة؛ لاستحبابه الوتر، وقد أسلفنا حكمة تكراره السلام ثلاثًا.
قال المهلب: ذلك للمبالغة في الإفهام (والإسماع) (١) وقد أورد الله ذلك في القرآن فكرر القصص والأخبار والأوامر، ليفهم عباده أن يتدبر السامع في الثانية والثالثة ما لم يتدبر في الأولى؛ وليرسخ ذلك في قلوبهم، والحفظ: إنما هو بتكرير الدراسة للشيء المرة بعد المرة، وقد كان ﵇ يقول الشيء المرة الواحدة، وقول أنس: (كان إذا تكلم الكلمة أعادها ثلاثًا). يريد: في أكثر أمره، وأخرج الحديث مخرج العموم، والمراد به الخصوص.
فصل:
اختلف العلماء في قوله ﵇: "الاستئذان ثلاث" (٢):
فقالت طائفة: معنى قوله: "فإن أذن له وإلا فليرجع" إن شاء، وإن شاء زاد على الثلاث لا أنه بواجب عليه أن يرجع.
قال ابن نافع: لا بأس إن عرفت أحدًا أن تدعوه أن يخرج إليك، وتنادي به ما بدا لك. وروى ابن وهب عن مالك قال: الاستئذان ثلاثًا، لا أحب لأحد أن يزيد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع فلا بأس أن يزيد (٣). وظاهر حديث أبي موسى يرده؛ لأن أبا موسى حمله على أنه لا يزاد على الثلاث مرات، وذلك يكفي معناه عن رسول الله ﷺ ، ولو كان عند أبي موسى أنه يجوز الزيادة على الثلاثة لكان مخالفًا لمذهب عمر، ولم يحتج أبو موسى أن ينزع بقوله:
стр. 17457
"الاستئذان ثلاث" حتى أنكر عليه عمر ترك الزيادة عليها، وقد زعم قوم من أهل البدع أن طلب عمر أن يأتيه بمن سمع ذلك من رسول الله ﷺ يدل أن مذهب عمر رد قبول خبر الواحد العدل، وقد سلف رده، وهو خطأ في التأويل وجهل بمذهب غيره من السلف. وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث أن عمر قال لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكني أردت ألا يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله ﷺ (١).
ففيه من الفقه: التثبت في خبر الواحد؛ لما يجوز عليه من السهو وغيره، وحكم عمر في خبر الواحد أشهر من أن يخفى؛ قد قبل خبر الضحاك بن سفيان وحده في ميراث المرأة من دية زوجها (٢)، وقبل خبر حمل بن مالك الهذلي الأعرابي أن في دية الجنين غرة عبد أو أمة (٣)، وقبل
стр. 17458
خبر عبد الرحمن بن عوف في الجزية (١)، وفي الطاعون (٢)، ولا يشك ذو لبٍّ أن أبا موسى أشهر في العدالة من الأعرابي الهذلي، وقد قال في حديث السقيفة: إني قائل مقالة، فمن حفظها ووعاها فليحدث بها (٣). فكيف يأمر من سمع قوله أن يُحدِّث به، وينهى عن الحديث عن رسول الله ﷺ ولا يقبل خبر الواحد هذا لا يقوله إلا المعاند أو الجاهل.
وفيه: أن العالم المتبحر قد يخفى عليه من العلم من يعلمه من هو دونه، والإحاطة لله وحده. وقيل: إنما رد عليه عمر التحديد ثلاثًا، وأما نفس الاستئذان ففي القرآن ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾.
فصل:
قوله: (كأنه مذعور) أي: فجع. وقول أبي سعيد: (وأخبرت عمر أنه ﵇ قال ذلك). قال الداودي: روى أبو سعيد حديث الاستئذان عن أبي موسى وهو شهد له عند عمر، وقال: معناه أنه أدى إلى عمر ما قال أهل المجلس، لم يحدث بعد ذلك عن أبي موسى ثم نسي أسماءهم ويحفظ قول أبي موسى؛ لأنه صاحب القصة، وهذا كله مخالف لما في البخاري من إخباره عمر أنه ﵇ قاله.
стр. 17459
١٤ - باب إِذَا دُعِيَ الرَّجُلُ فَجَاءَ، هَلْ يَسْتَأْذِنُ ؟
وقَالَ سَعِيدٌ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هُوَ إِذْنُهُ".
٦٢٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، أَخْبَرَنَا مُجَاهِدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ، الْحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ». قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأُذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا. [انظر: ٥٣٧٥ - فتح ١١/ ٣١]
وهذا أخرجه أبو جعفر في "مشكله" عن أبي إبراهيم (١) إسماعيل ابن يحيى، عن المعتمر، عن ابن عيينة، عن سعيد به ثم قال: وفي لفظ: "إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فذاك إذن له". قال: وحديث أبي هريرة الآتي بعده لا تعارض فيه؛ لأن معنى الأول أن المرسل فيه أتى مع الرسول فأغناه سلام الرسول واستئذانه عن السلام والاستئذان؛ لأن المرسل كما أرسله عنه فقد آذنه أن يحييه به، فكان استئذانه استئذانًا له، فإذا دخل سلم سلام الملاقاة.
ومعنى الحديث الثاني أن أهل الصفة قدموا على رسول الله ﷺ دون أبي هريرة، فلم يكن لهم بد من السلام والاستئذان وذلك بين؛ لأنه قال: (فجاء) (٢) ولم يقل: فجئنا. فافترق المعنى بين الحديثين (٣).
стр. 17460
ثم ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: "أَبَا هِرٍّ، الحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ (لِيْ) (١) ". قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأُذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا.
قال المهلب: إذا دعي وأتى مجيبًا له ولم تتراخ المدة، فهذا دعاؤه إذنه، وإذا دعي وأتى في غير حين الدعاء فإنه يستأذن، وكذا إذا دعي إلى موضع لم يعلم أن به أحدًا مأذونًا له في الدخول أنه لا يدخل حتى يستأذن، فإن كان فيه آخر مأذونا له (في الدخول أنه لا يدخل حتى يستأذن، فإن كان فيه آخر مأذونا له فدعوا) (٢) قبله، فلا بأس أن يدخل بالدعوة وإن تراخت الدعوة وكان بين ذلك زمن يمكن الداعي أن يخلو في أمره أو يتصدى لبعض شأنه، أو ينصرف أهل داره،
стр. 17461
فلا يفتات بالدعوة على الدخول حتى يستأذن؛ لحديث أبي هريرة. هذا وجه تأويل الحديثين.
وعبارة ابن التين: قوله: "إذا دعي فهو إذنه" وفي حديث أبي هريرة أنهم استأذنوا، لعل الأول علم أنه ليس عنده من يستأذن لأجله، والثاني يحتمل أن يكون دخل عليه، والأخذ بالاستئذان أحوط.
فرع:
اختلف في استئذان الرجل على أهله وجاريته فقال القاضي في "المعونة": لا؛ لأن أكثر ما في ذلك أن يصادفهما مكشوفتين (١). وخالف في "تلقينه" فعمم.
فائدة:
روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن ربعي قال: حدثني رجل أنه استأذن على رسول الله ﷺ -وهو في بيت، فقال: أألج؟ فقال لخادمه: "اخْرُج إلى هذا فَعَلِّمْهُ الاستئذان، وقيل له: قل: السلام عليكم، أأدخُلُ؟ ".
وعن أبي أيوب قلت: يا رسول الله، هذا السلام، فما الاستئذان؟ فقال: "يتكلم الرجل بتسبيحة أو بتكبيرة أو بتحميدة أو يتنحنح ويؤذن أهل البيت".
وعن الحارث، عن (عبد الرحمن) (٢) بن نجي، عن علي ﵁: كان لي من رسول الله ﷺ مدخل بالليل ومدخل بالنهار، فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي.
стр. 17462
وقال زيد بن أسلم: بعثني أبي إلى عبد الله بن عمر فقلت: أألج؟ فقال: لا تقل كذا، ولكن قل: السلام عليكم فإذا قيل: عليكم، فأدخل (١).
وقال أبو الزبير: سألت جابرًا عن الرجل يستأذن عليّ ولا يسلم آذن؟ فقال: أكرهه والناس يفعلونه.
وقال أبو هريرة: لا تأذنوا حتى تؤذنوا بالسلام.
وقال ابن مسعود: إذا دعيت فهو إذنك، فسلم ثم ادخل، وقال ابن (يزيد) (٢) استأذن رجل على رجل من الصحابة وهو قائم على الباب فقال: أأدخل، ثلاث مرات، وهو ينظر (إليه) (٣) فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قال: نعم، ثم قال: لو أقمت إلى الليل وأنت تقول: أأدخل ما أذنت لك (٤).
стр. 17463
١٥ - باب التَّسْلِيمِ عَلَى الصِّبْيَانِ
٦٢٤٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ. [مسلم: ٢١٦٨ - فتح ١١/ ٣٢]
ذكر فيه حديث شُعْبَةَ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
وسيار هذا هو ابن أبي سيار وردان بن الحكم العنزي الواسطي، أخو مساور الوراق لأمه، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة، وروى شعبة أيضًا عن سيار بن سلامة أبي المنهال، وقد اتفقا عليهما.
وسلامه ﵇ عليهم من خلقه العظيم وأدبه (الشديد) (١) وتواضعه.
وفيه: تدريب لهم على تعليم السنن، ورياضة لهم على آداب الشريعة؛ ليبلغوا حد التكليف، وهم متأدبون بآداب الإسلام، وقد كان ﵇ يمازحهم ويداعبهم؛ ليقتدى به في ذلك، فما فعل شيئًا وإن صغر إلا ليسن لأمته الاقتداء لأثره، وفي ممازحته لهم تذليل للنفس على التواضع ونفي التكبر عنها.
جمعته بعد تفرق، وتكركر السحاب إذا تراد في الهواء (١). والكركرة في الضحك مثل القرقرة، وأصله تكرر من التكرير، قاله الجوهري (٢)، وقال الخطابي: بالكاف أكثر من القاف في الضحك (٣).
وحديث مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ، هذا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ". قَالَتْ: قُلْتُ: - وَعليه السلام وَرَحْمَةُ اللهِ، تَرى مَا لَا نَرى. تُرِيدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . تَابَعَهُ شُعَيْبٌ. وَقَالَ يُونُسُ وَالنُّعْمَانُ، عَنِ الزُهْرِيِّ: وَبَرَكَاتُهُ.
وقد سلف قريبًا (٤)، والنعمان: هو ابن راشد الرقي، وأسنده الإسماعيلي من حديث إبراهيم أبي إسحاق الشامي: ثنا ابن المبارك، فذكره بلفظ: وبركاته. ثم قال: وقاله ابن وهب عن يونس وعقيل وعبيد الله بن أبي زياد كلهم قال: وبركاته.
قال المهلب: السلام على النساء جائز إلا على الشابات منهن؛ فإنه يخشى أن يكون في مكالمتهن بذلك خائنة الأعين أو سرعة شيطان، وفي رَدِّهِنَ من الفتنة مما خيف من ذلك أن يكون ذريعه توقف عنه؛ إذ ليس ابتداؤه مفترضًا، وإنما المفترض منه الرد، وأما المتجالات والعجائز فهو حسن؛ إذ ليس فيه خوف ذريعة، هذا قول قتادة، وإليه ذهب مالك (٥) وطائفة من العلماء.
стр. 17466
وقال الكوفيون: لا يسلم الرجل على النساء إذا لم يكن منهن ذوات محارم، وقالوا: لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن رد السلام فلا يُسَلَّم عليهن (١).
قلت: الإقامة مستحبة عندنا على المشهور. وقال ابن وهب: بلغني عن ربيعة أنه قال: ليس على النساء التسليم على الرجال ولا عكسه.
وروى أبو نعيم من حديث بكار بن تميم عن مكحول عن واثلة مرفوعًا: "يسلم الرجال على النساء، ولا تسلم النساء على الرجال".
وحجة مالك ومن وافقه حديث الباب أنهم كانوا يسلمون على العجوز يوم الجمعة مع رسول الله ﷺ ولم تكن ذات محرم منهم، وحديث عائشة ﵂ أنه ﵇ بلَّغها سلام جبريل، وفي ذلك أعظم الأسوة والحجة.
وحاصل مذهبنا أن سلامها على الرجل إن كانت زوجته أو جاريته أو محرمًا من محارمه فهي معه كالرجل يستحب لكل واحد منهما ابتداء الآخر بالسلام، ويجب على الآخر الرد، وإن كانت أجنبية فإن كانت جميلة يخاف الافتتان بها فلا يسلم عليها الرجل، وإن سلم لم يجز لها رد الجواب. ولم تسلم هي عليه ابتداء، فإن سلمت لم تستحق جوابًا، فإن أجابها كره له، وإن كانت ممن لا يفتتن بها جاز أن تسلم على الرجل، وعلى الرجل رد السلام عليها فإن كن النساء جماعة فسلم عليهن الرجل، أو كان الرجال جماعة فسلموا على المرأة الواحدة جاز؛ إذا لم يخف عليهن، ولا عليه، ولا عليهم فتنة.
стр. 17467
فصل:
بضاعة: بضم الباء ويجوز كسرها، وإليه تنسب بئر بضاعة.
قال الجوهري: بئر بضاعة الذي في الحديث يكسر ويضم (١).
وقوله: (وما كنا نقيل). هو ثلاثي، هو بفتح النون، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤].
فصل:
اعترض الداودي على إدخاله حديث عائشة في الباب؛ لأن الملائكة لا يقال لهم: رجال ولا نساء، ولكن الله (خاطبهم) (٢) بالتذكير.
فصل:
فيه: أن المسلم عليه أن يرده أكثر، وقد سلف في قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]. وفي حديث عائشة ﵂ دلالة على أن من بلغ إليه سلام غائب أن يرد ﵇ كما يرد على الحاضر.
فصل:
قال الإسماعيلي: فيه بيان أن بئر بضاعة هي بئر ببستان، وأن ما يطرح فيها لا يكون في بئر؛ لأنها تمتلئ سريعا، ولكن يطرح في البستان فيجري من مطر إن كان منه شيء إليها.
стр. 17468
١٧ - باب إِذَا قَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقَالَ: أَنَا
٦٢٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: «مَنْ ذَا؟». فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: «أَنَا أَنَا». كَأَنَّهُ كَرِهَهَا. [انظر: ٢١٢٧ -
مسلم: ٢١٥٥ - فتح ١١/ ٣٥]
ذكر فيه حديث جَابِرٍ ﵁: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ البَابَ، فَقَالَ: "مَنْ ذَا؟ ". فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: "أَنَا أَنَا". كَأَنَّهُ كَرِهَهَا.
هذا الحديث قال به جماعة العلماء؛ لأنه لم يحصل به (تعريف) (١)، بل والإبهام باق، والذي ينبغي أن يقول فلان باسمه، وإن قال: أنا فلان فلا بأس به، كما قالت أم هانئ حين استأذنت، فقال (: "من هذا؟ " فقالت: أنا أم هانئ.
ولا بأس أن يقول: أنا أبو فلان، أو القاضي فلان، أو الشيخ فلان، إذا لم يحصل التعريف بالاسم لخفائه، فالأحسن أن يقال: أنا فلان المعروف بكذا.
وزعم ابن الجوزي أن لفظة أنا من غير أن يضاف إليها فلان تتضمن نوع كبر كأنه يقول: أنا الذي لا أحتاج أن أسمي نفسي، أو أتكبر عن تسميتها فيكره هذا أيضا.
قال المهلب: وإنما كره قول جابر: أنا؛ لأنه ليس في ذلك بيان إلا عند من يعرف الصوت، وأما عند من يمكن أن يشتبه عليه فهو من التعصب فلذلك كرهه، وقد قال بعض الناس: ينبغي أن يكون لفظ
стр. 17469
الاستئذان بالسلام. وزعم أنه ﵇ إنما كره قول جابر: (أنا)؛ ليستأذن عليه بلفظ السلام، وقال الداودي: إنما كرهه؛ لأنه أجابه بغير ما سأله عنه؛ لأنه أراد أن يعرف ضارب الباب، وقد علم أن ثم (ضارب) (١)، فأخبره أنه ضارب فأعنته، قال: وهذا كان قبل نزول آية الاستئذان.
وفيه: جواز ضرب باب الحاكم، وإخراجه من داره لبعض ما يعزى إليه، ويبينه قصة كعب بن مالك وابن أبي حدرد (٢)، وليس كما قال بعضهم أنه لا يعرض للحاكم إلا عند جلوسه.