وقال الكوفيون: لا يسلم الرجل على النساء إذا لم يكن منهن ذوات محارم، وقالوا: لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن رد السلام فلا يُسَلَّم عليهن (١).
قلت: الإقامة مستحبة عندنا على المشهور. وقال ابن وهب: بلغني عن ربيعة أنه قال: ليس على النساء التسليم على الرجال ولا عكسه.
وروى أبو نعيم من حديث بكار بن تميم عن مكحول عن واثلة مرفوعًا: "يسلم الرجال على النساء، ولا تسلم النساء على الرجال".
وحجة مالك ومن وافقه حديث الباب أنهم كانوا يسلمون على العجوز يوم الجمعة مع رسول الله ﷺ ولم تكن ذات محرم منهم، وحديث عائشة ﵂ أنه ﵇ بلَّغها سلام جبريل، وفي ذلك أعظم الأسوة والحجة.
وحاصل مذهبنا أن سلامها على الرجل إن كانت زوجته أو جاريته أو محرمًا من محارمه فهي معه كالرجل يستحب لكل واحد منهما ابتداء الآخر بالسلام، ويجب على الآخر الرد، وإن كانت أجنبية فإن كانت جميلة يخاف الافتتان بها فلا يسلم عليها الرجل، وإن سلم لم يجز لها رد الجواب. ولم تسلم هي عليه ابتداء، فإن سلمت لم تستحق جوابًا، فإن أجابها كره له، وإن كانت ممن لا يفتتن بها جاز أن تسلم على الرجل، وعلى الرجل رد السلام عليها فإن كن النساء جماعة فسلم عليهن الرجل، أو كان الرجال جماعة فسلموا على المرأة الواحدة جاز؛ إذا لم يخف عليهن، ولا عليه، ولا عليهم فتنة.
стр. 17467
فصل:
بضاعة: بضم الباء ويجوز كسرها، وإليه تنسب بئر بضاعة.
قال الجوهري: بئر بضاعة الذي في الحديث يكسر ويضم (١).
وقوله: (وما كنا نقيل). هو ثلاثي، هو بفتح النون، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤].
فصل:
اعترض الداودي على إدخاله حديث عائشة في الباب؛ لأن الملائكة لا يقال لهم: رجال ولا نساء، ولكن الله (خاطبهم) (٢) بالتذكير.
فصل:
فيه: أن المسلم عليه أن يرده أكثر، وقد سلف في قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]. وفي حديث عائشة ﵂ دلالة على أن من بلغ إليه سلام غائب أن يرد ﵇ كما يرد على الحاضر.
فصل:
قال الإسماعيلي: فيه بيان أن بئر بضاعة هي بئر ببستان، وأن ما يطرح فيها لا يكون في بئر؛ لأنها تمتلئ سريعا، ولكن يطرح في البستان فيجري من مطر إن كان منه شيء إليها.
стр. 17468
١٧ - باب إِذَا قَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقَالَ: أَنَا
٦٢٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: «مَنْ ذَا؟». فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: «أَنَا أَنَا». كَأَنَّهُ كَرِهَهَا. [انظر: ٢١٢٧ -
مسلم: ٢١٥٥ - فتح ١١/ ٣٥]
ذكر فيه حديث جَابِرٍ ﵁: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ البَابَ، فَقَالَ: "مَنْ ذَا؟ ". فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: "أَنَا أَنَا". كَأَنَّهُ كَرِهَهَا.
هذا الحديث قال به جماعة العلماء؛ لأنه لم يحصل به (تعريف) (١)، بل والإبهام باق، والذي ينبغي أن يقول فلان باسمه، وإن قال: أنا فلان فلا بأس به، كما قالت أم هانئ حين استأذنت، فقال (: "من هذا؟ " فقالت: أنا أم هانئ.
ولا بأس أن يقول: أنا أبو فلان، أو القاضي فلان، أو الشيخ فلان، إذا لم يحصل التعريف بالاسم لخفائه، فالأحسن أن يقال: أنا فلان المعروف بكذا.
وزعم ابن الجوزي أن لفظة أنا من غير أن يضاف إليها فلان تتضمن نوع كبر كأنه يقول: أنا الذي لا أحتاج أن أسمي نفسي، أو أتكبر عن تسميتها فيكره هذا أيضا.
قال المهلب: وإنما كره قول جابر: أنا؛ لأنه ليس في ذلك بيان إلا عند من يعرف الصوت، وأما عند من يمكن أن يشتبه عليه فهو من التعصب فلذلك كرهه، وقد قال بعض الناس: ينبغي أن يكون لفظ
стр. 17469
الاستئذان بالسلام. وزعم أنه ﵇ إنما كره قول جابر: (أنا)؛ ليستأذن عليه بلفظ السلام، وقال الداودي: إنما كرهه؛ لأنه أجابه بغير ما سأله عنه؛ لأنه أراد أن يعرف ضارب الباب، وقد علم أن ثم (ضارب) (١)، فأخبره أنه ضارب فأعنته، قال: وهذا كان قبل نزول آية الاستئذان.
وفيه: جواز ضرب باب الحاكم، وإخراجه من داره لبعض ما يعزى إليه، ويبينه قصة كعب بن مالك وابن أبي حدرد (٢)، وليس كما قال بعضهم أنه لا يعرض للحاكم إلا عند جلوسه.
وقال في رد الملائكة على آدم: "السلام عليك" (١).
وفي القرآن تقديم السلام على اسم المسلَّم عليه وهو قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠]، و ﴿سَلَامٌ على مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ [الصافات: ١٢٠]، وقال في قصة إبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣].
وقد صح الوجهان عن رسول الله ﷺ إلا أنه جرت عادة العرب بتقديم اسم المدعو عليه في الشر خاصة، كقولهم: عليه لعنة الله وغضبه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [ص: ٧٨] وقال تعالى في المتلاعنين: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور: ٧] وكذا في الغضب فيه.
وروى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "السلام اسم من أسماء الله (فأفشونه) (٢) بينكم" (٣).
فإن صح فالاختيار في التسليم والأدب فيه تقديم اسم الله على اسم المخلوق وإن فعل غير ذلك، وقدم اسم (السلام) (٤) عليه على اسم الله فلم يأت محرمًا ولا خرج عليه؛ لثبوته عن رسول الله ﷺ .
стр. 17472
فصل:
المراد -والله أعلم- ("بما تيسر"): الفاتحة يدل [عليه] الرواية الأخرى الصحيحة "اقرءوا بأم القرآن وبما تيسر غيرها معها". فلا حجة إذن لمن لم يوجبها، كما هو رواية شاذة عن مالك والمشهور عنه وجوبها (١)، واختلف قوله؛ هل هي في كل ركعة، أو في الصلاة، أو في جلها؟
وفيه: وجوب الطمأنينة وهو مشهور مذهب مالك، ووقع له: إذا لم يرفع رأسه من الركوع حتى يسجد يجزئه، ونحوه لابن القاسم.
وقوله: (وقال أبو أسامة في الأخير: "حتى يستوي قائمًا") يعني الجلسة الأخيرة، وقد يقال للجالس: قائم؛ قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. قاله الداودي.
وليس بظاهر؛ لأنه إنما علمه ركعة واحدة والذي يليها هو القيام، ويكتفى بتعليمها عن تعليم باقي الركعات، ولعل تشهده كان جيدًا فلذلك لم يعلمه له.
فروع متعلقة بالسلام:
لو سلم على صبي لا يجب عليه الجواب قاله المتولي، وهو ظاهرٌ لانتفاء التكليف في حقه، لكن الأدب، والمستحب له الجواب، ولو سلم الصبي على البالغ ففي الوجوب على البالغ وجهان ينبنيان على صحة إسلامه، إن قلنا: يصح فكالبالغ، وإلا فلا يجب الرد؛ نعم يستحب.
стр. 17473
(والأصح) (١) عند النووي من الوجهين الرد (٢)؛ لقوله: ﴿فَحَيُّوا﴾ [النساء: ٨٦] وهذا البناء فاسد كما ذكر الشاشي.
ولو سلم بالغ على جماعة فيهم صبي فرد الصبي وحده فالأصح لا يسقط؛ لأنه ليس أهلًا للفرض. وثانيهما: نعم، كأذانه للرجال وكصلاته على الجنازة مع وجودهم على الأصح، وصفة السلام على الصبيان: السلام عليكم يا صبيان، ذكره أبو نعيم في كتابه "عمل اليوم والليلة" من حديث محمد بن بكار، عن عثمان بن مطر، عن ثابت عن أنس رفعه (٣).
فإن سلم على شخص ثم لقيه عن قرب أعاد ثانيًا وثالثًا وأكثر، فإذا تلاقيا فسلم كل منهما على صاحبه دفعة واحدة أو أحدهما بعد الآخر فالمختار الاكتفاء، فلا يجب على أحد منهما الرد بعد، وإذا لقي إنسان آخر فقال له: وعليك السلام، قال المتولي: لا يكون سلامًا، ولا جواب؛ لأن هذِه الصيغة لا تصلح للابتداء، فإن قال: عليك أو عليكم السلام بغير واو فقطع الواحدي بأنه سلام يتحتم على المخاطب به الجواب، وإن كان قد قلب اللفظ المعتاد، وما قاله هو
стр. 17474
الظاهر وجزم به الإمام؛ لأنه يسمى سلامًا. وفيه احتمال كما في نظيره من التحلل من الصلاة، والأصح هناك نعم، ويحتمل أن يقال: إن هذا لا يستحق فيه جوابًا بكل حال لما سلف في حديث أبي جُرَيٍّ، ويحتمل أن يكون الحديث ورد في بيان الأحسن (والأكمل) (١) ولا يكون المراد أنه ليس بسلام، وقد قال الغزالي في "الإحياء": يكره أن يقول ابتداءً: عليكم السلام (٢)؛ لحديث أبي جُري، والمختار أنه لا يكره الابتداء بهذِه الصيغة، فإن ابتدأ رد الجواب.
فروع منه أيضًا:
السنة البداءة بالسلام قبل كل كلام، والأحاديث الصحيحة وعمل الأمة سلفها وخلفها على توقف ذلك مشهور. وأما حديث "السلام قبل الكلام" زعم الترمذي أنه منكر (٣)، والابتداء بالسلام أفضل؛ لقوله ﵇: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (٤) والرد أفضل منه كما سلف، وإذا كان المسلَّم عليه مشتغلًا بالبول أو الجماع ونحوه فيكره السلام عليه، فإن سلم لا يستحق جوابًا، وكذا من كان نائمًا أو ناعسًا أو مصليًّا أو مؤذنًا في حال أذانه أو إقامته، أو كان في حمام أو كان يأكل واللقمة في فيه.
فرع:
ابتداء الذمي بالسلام حرام على الأصح، فإن سلم علينا أجبنا بعليكم من غير زيادة، وقيل: بعليك، وقيل: وعليكم السلام فقط.
стр. 17475
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: السلام عليك، وفي رواية كريب عنه: كتب ابن عباس إلى يهودي حبر تيماء فسلم عليه، فقال له كريب: سلمت عليه؟! فقال: إن الله هو السلام.
وعن إبراهيم: إذا كتبت إلى اليهودي والنصراني في الحاجة فابدأه بالسلام.
وعن محمد بن كعب: ما أرى بأسًا أن أبدأهم بالسلام قال تعالى: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ﴾. وعن أبي أمامة أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا بدأه بالسلام فقيل له في ذلك، فقال: أمرنا أن نفشي.
وعن ابن عجلان أن عبد الله وأبا الدرداء وفضالة بن عبيد كانوا يبدءون أهل الشرك بالسلام، وعن ابن عجلان أيضًا عن أبي عيسى قال: من التواضع أن تبدأ بالسلام من لقيت، وعن أبي بردة أنه كتب إلى رجل من أهل الذمة فسلم عليه (١).
وحكى عياض عن جماعة: ابتدئوهم بالسلام للضرورة وشبهها، وهو قول علقمة والنخعي، وعن الأوزاعي وقد سئل عن مسلم مرَّ بكافر فسلم عليه، فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون (٢).
وسيأتي بسط ذلك قريبًا حيث ذكره البخاري.
стр. 17476
فرع:
لو سلم ولم يردَّ فَيُحَالِلْهُ منه بأن يقول: أبرأته من حقي من رد السلام، أو جعلته في حل منه ويلفظ بهذا، ويقول: واجب فينبغي لك أن ترد علي لأجل إسقاط الفرض.
فرع غريب:
في "القنية" من كتب الحنفية: لا يسلم المتفقه على أستاذه، ولو فعل لم يجب رد السلام، وكذلك الخصمان إذا سلما على القاضي، ولا يسلم على الشيخ الممازح أو المرتد أو الكذاب أو (اللاغي) (١) ومن يسب الناسَ، ومن يسب الناسُ، وينظر في وجوه الناس في الأسواق ولا تعرف توبته، والذين جلسوا في المسجد للقراءة أو التسبيح أو لانتظار الصلاة ما جلسوا فيه لدخول الزائر عليهم فليس هذا أوان السلام فلا يسلم عليهم؛ ولهذا قالوا: لو سلم عليهم الداخل وسعهم أن يجيبوه؛ لأن السلام إنما يكره على من جلس للزيارة والتحية.
стр. 17477
١٩ - باب إِذَا قَالَ: فُلَانٌ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ
٦٢٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ». قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ. [انظر: ٣٢١٧ - مسلم: ٢٤٤٧ -
فتح ١١/ ٣٨]
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ أنه ﵇ قال لها: "إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ". قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَام وَرَحْمَةُ اللهِ.
هذا حجة في أن من بلغ إليه سلام غائب عنه أن يرد السلام كما يرد على الحاضر. وروى أيوب، عن أبي قلابة أن رجلاً أتى سلمان الفارسي فقال: إن أبا الدرداء يقول: عليك السلام. قال: متى قدمت؟ قال: منذ ثلاث، قال: أما إنك لو لم ترد علي كانت أمانة عندك (١).
стр. 17478
٢٠ - باب التَّسْلِيمِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ
٦٢٥٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَهْوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ -وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ- حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ: اغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَتَوَاثَبُوا، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ: «أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ». يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ- "قَالَ: كَذَا وَكَذَا" قَالَ: اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ وَاصْفَحْ، فَوَاللهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الَّذِي أَعْطَاكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ . [انظر: ٢٩٨٧ - مسلم: ١٧٩٨ - فتح ١١/ ٣٨]
ذكر فيه حديث أسامة ﵁ أَنَّهُ ﵇ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ .. الحديث بطوله، وفيه: فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ رسول الله ﷺ ثُمَّ وَقَفَ.
وفيه: الإبانة أنه لا حرج على المرء في جلوسه مع قوم فيهم منافق أو كافر، وفي تسليمه عليهم إذا انتهى إليهم وهم جلوس، وذلك أنه ﵇ سلم على القوم الذين فيهم عبد الله بن أبي ولم يمتنع من ذلك لمكان
стр. 17479
عبد الله مع نفاقه وعداوته للإسلام وأهله إذ كان فيه من أهل الإيمان جماعة.
وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم (١). وذلك خلاف ما يقوله بعضُهم أنه غير جائز على من كان عن سبيل الحق منحرفًا إما لبدعة أو لضلالة من الأهواء الردية، أو ملك من ملوك الكفار كان بها. ونظمه غير سائغ، وذلك أنه لا ضلالة أشنع ولا بدعة أخبث ولا كفرًا أرجس من النفاق ولم يكن في نفاق عبد الله بن أبي يوم هذِه القصة شك.
فإن قلت: إنه ﵇ إنما سلم عليه ونزل إليه يومئذٍ ليدعوَهُ إلى الله وذلك فرض عليه. قيل: لم يكن نزوله ﵇ ليدعوه؛ لأنه قد تقدم الدعاء منه لعبد الله بن أبي ولجماعة المنافقين في أول الإسلام فكيف يُدَعى إلى ما يظهره، وإنما نزل ﵇ هناك استئلافًا لهم ورفقًا بهم رجاء رجوعهم إلى الحق، وقد كان ﵇ يستألف بالمال فضلاً عن التحية، والكلمة الطيبة من استئلافه إذ كناه عند سعد بن عبادة فقال له سعد: (اعف عنه واصفح)، أي: لا تناصبه العداوة، كل هذا رجاء أن يراجع الإسلام.
وقد أجاز مالك في تكنية اليهودي والنصراني، وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب كما سلف قريبًا.
وروى جرير عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنت ردفًا لابن مسعود، فصحبنا دهقان من القنطرة إلى زرارة فأشعب له طريق واحد فيه، فقال عبد الله: أين الرجل؟ فقلت. أخذ في طريقه، فأتبعه
стр. 17480
بصره. وقال: السلام عليكم، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس تكره أن يُبدءوا بالسلام؟ قال: نعم، ولكن حق الصحبة (١). وكان ابن محيريز يمر على السامرة فيسلم عليهم، وقال قتادة: إذا دخلت بيوت أهل الكتاب فقل: سلام على من اتبع الهدى (٢).
فإن قلتَ: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام " أخرجه مسلم منفردًا به (٣).
قلتُ: كلاهما صحيح فهذا عام والأول خاص؛ لأن فيه أنه ﵇ لما رأى عبد الله بن أبي وحوله رجال من قومه، تذمذم أن يجاوره، فنزل فسلم فجلس، وكان نزوله إليه (بقيادٍ تام) (٤)، وفيه نظير ما سلف من التسليم على الدهقان وكلام إبراهيم النخعي فالأول بغير سبب يدعوكم أن تبدءوهم من قضاء دينكم، أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة في جوار أو سفر.
فصل:
وفيه -كما قال المهلب-: عيادة المريض على بُعد والركوب إليه، وركوب الحمر للأشراف والأنبياء.
فصل:
ومعنى: (خمر عبد الله أنفه): غطاه، وكل مغط عند العرب فهو مخمر، ومنه: "خمر إناءك ولو بعودٍ تعرضه عليه" (٥).
стр. 17481
و (البحرة): القرية، وكل قرية لها نهر ماء جارٍ أو ناقع فإن العرب تسميها بحرًا، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]: إنه عني بالبحر الأمصار التي فيها أنهار ماء، والعرب تقول: هذِه بحرتنا، أي: بلدنا.
وقوله: (يعصبوه) أي: يسودوه، والسيد المطاع يقال له: المعصب؛ لأنه يعصب الأمور برأسه، والتاج عندهم للملك، والعصابة للسيد المطاع. ومعنى (شَرِق بذلك): غص به، يقال: غص الرجل بالطعام، وشرق بالماء، وشجى بالعظم.
فصل:
فيه دليل: أنه ﵇ كان يقدر في ذلك الوقت على مقاومة ابن أبي، ومقاومة من يؤذيه من الأنصار بمدينتهم وموضع سلطانهم.
فصل:
قوله: (عبد الله بن أُبي ابن سلول) سلول: قبيلة من هوازن، وهو اسم أمهم كما ذكره الجوهري (١). فعلى هذا لا ينصرف.
стр. 17482
٢١ - باب مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا وَلَمْ يَرُدَّ سَلَامَهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ تَوْبَتُهُ، وَإِلَى مَتَى تَتَبَيَّنُ تَوْبَةُ العَاصِي ؟
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: لَا تُسَلِّمُوا عَلَى شَرَبَةِ الخَمْرِ.
٦٢٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ: وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا، وَآتِى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟ حَتَّى كَمَلَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةً، وَآذَنَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ. [انظر: ٢٧٥٧ - مسلم: ٢٧٦٩ - فتح ١١/ ٤٠]
ثم ذكر فيه حديثَ كعب حين تخلف عن تبوك ونهيه عن كلامهم.
وفيه: وَآتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟ حَتَّى كَمَلَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةً، وَآذَنَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الفَجْرَ.
الشرح:
(شَرَبَة) بفتح الشين والراء، كأنه جمع شارب مثل آكل وأكلة، ولم يجمعه اللغويون كذلك، وإنما جمعوه شارب وشرب، مثل صاحب وصحب، وجمع الشرب: شروب.
وقوله: (وإلى متى تتبين توبة العاصي) ليس في ذلك حد محدود، ولكن معناه أنه لا تتبين توبته من ساعته ولا يومه حتى يمر عليه ما يدل على ذلك.
وروى ابن وهب، عن يزيد بن أبي حبيب قال: لو مررت على قوم
стр. 17483
يلعبون بالشطرنج ما سلمت عليهم (١).
وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب (٢) لم يسلم عليهم (٣).
ورخص مالك في السلام على من لم يدمن اللعب بها (٤)، وإنما يلعب بها المرة بعد المرة.
قال الداودي: ليس ما كان من أمر كعب وصاحبيه حدًّا لذلك؛ لأنه لم يوقت لهم ذلك في أول الأمر، وإنما وقف عنه حتى شاء الله، وقد انتظر الوحي فليس يعرف توبة أحد أنها قبلت.
فصل:
قوله: (كملت) هو مثلث الميم، قال في "الصحاح": والكسر أردؤها (٥).
فصل:
المبتدع ومن اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يتب منه، فينبغي ألا يسلم عليه ولا يرد ﵇، كما ذكره البخاري وغيره من العلماء محتجين بقصة كعب، فإن اضطر إلى السلام على الظلمة سلم عليهم، وينوي أن السلام اسم من أسمائه تعالى، المعنى: الله عليكم رقيب.
قال المهلب: ترك الكلام على العصاة -بمعنى التأديب لهم- سنة ماضية، لحديث كعب بن مالك وصاحبيه -الثلاثة الذين خلفوا- وبذلك قال كثير من أهل العلم في أهل البدع: لا يسلم عليهم أدبًا لهم.
стр. 17484
وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: لا تسلموا على مدمني الخمر، ولا على (المسيء) (١) بأبويه، ذكره الطبري، وكذلك كان في قطع الكلام عن كعب وصاحبيه حين تخلفوا وإظهار الموجدة عليهم أبلغ في الأدب لهم، فالإعراض أدب بالغ؛ ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤].
ذكره بقي بن مخلد في "تفسيره") (١) عن سعيد، عنه -أعني قتادة- عن أنس، أنه ﵇ بينما هو جالس مع أصحابه إذ أتى يهودي فسلم عليه، فردوا عليه، فقال ﵇: "هل تدرون ما قال؟ "، قالوا: سلم يا رسول الله، قال: "قال: سام عليكم. أي: تسأمون دينكم" (٢).
وفي رواية: قالت: عليكم السام والذَّام (٣)، بالدال المهملة، والمعجمة، فأما من قال بالمهملة أي: الموت الدائم، فحذفت الياء؛ لأجل السام، وبالذال المعجمة: العيب، تهمز ولا تهمز. ورواية من روى: عليكم، بغير واو، أحسن من رواية من روى بالواو، كما قاله الخطابي (٤)؛ لأن معناه بغير واو: رددت ما قلتموه عليكم، وإذا أدخلت الواو صار المعنى: عليَّ وعليكم؛ لأن الواو حرف تشريك (٥). وقال ابن حبيب: إذا قلت: وعليك. حققت على نفسك ما قال، ثم أشركته معك فيه، ولكن قل: عليك. كأنه رد عليه بما قال، ولعله لم يبلغه الحديث.
وقد اختلف العلماء في رد السلام على أهل الذمة فقيل: فرض، وهذا تأويل قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية [النساء: ٨٦]. قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: هي عامة في الرد على المؤمنين والكفار. قال: وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾. بقول: وعليكم. للكفار. قال ابن عباس:
стр. 17487
ومن سلم عليك من خلق الله فاردد عليه ولو كان مجوسيًّا (١).
وروى ابن وهب عن مالك: لا ترد على اليهودي والنصراني، فإن رددت فقل: عليك (٢).
وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يجوز تكنية اليهودي والنصراني وعيادته (٣)، وهذا أكثر من رد السلام.
وروى يحيى عن مالك أنه سئل عمن سلم على يهودي أو نصراني هل يستقيله ذلك؟ قال: لا (٤).
وقال ابن وهب: يسلم عليهما (٥)، وتلا قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] واحتج بقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩].
ورد بأنه لو كان كما قال لكان سلامًا بالنصب، وإنما يعني به على اللفظ والكناية.
وقيل: إن الآية منسوخة؛ بأية القتال، وقيل: لا يرد عليهم. والآية في أهل الإسلام خاصة عن عطاء (٦)، ورد الشارع على اليهودي: "وعليكم". حجة لمن (رأى) (٧) الرد على أهل الذمة، فسقط قول عطاء، ورواه أشهب وابن وهب عن مالك.
стр. 17488
قال المهلب: وفي الحديث من الفقه جواز انخداع الرجل الشريف لمكائد أو عاص أو معارضته من حيث لا يشعر إذا رجا رجوعه وتوبته.
وفيه: الانتصار للسلطان ووجوب ذلك على حاشيته وحشمه.
فصل:
حديث ابن عمر هنا بالواو، وحذفها في "الموطأ" (١).
فصل:
في "المعونة": في اختيار بعضهم أنه يرد عليهم بكسر السين، وهي الحجارة، قال: والأولى أن يقال: وعليك (٢). والصواب أن يقال لهم: السلام على من اتبع الهدى، كما كتب الشارع إلى هرقل (٣).
فرع:
سلم على من ظنه مسلمًا فبان كافرًا استحب أن يرد سلامه فيقول: رُدَّ علي سلامي، والمقصود من ذلك أن يوحشه، ويظهر له أن ليس بينهما ألفة، روي عن ابن عمر ﵄ أنه سلم على رجل، فقيل له: إنه يهودي. فتبعه وقال: ردَّ علي سلامي (٤).
وأن ذلك حرام، وما جاء في التغليظ فيه (١)، فإنما ذلك لمن يظن به في كتابه إلا الخير، فإن كان متهمًا على المسلمين فلا حرمة لكتابه ولا له، ألا ترى أن المرأة لا يجوز النظر إليها عريانة لغير ذي محرم منها؛ لأنها عورة، وقد أراد عليٌّ تجريدها لو لم تخرج الكتاب، وأقسم إن لم تخرجه ليجردنها، وحرمة المرأة أكثر من حرمة الكتاب، وقد سقطت عند خيانتها، فكذلك حرمة الكتاب.
وفيه دليل أنه لا بأس بالنظر إلى عورة المرأة عند الأمر ينزل فلا يجد من النظر إليها بدًّا، ويشهد لصحة ذلك ما رواه مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال ﵇: "نعم" (٢).
стр. 17491
قال الطبري: ولو كان الشهداء الأربعة إذا حضروا لم يجز لهم النظر إلى فروجهما لم يكن حضورهم وغيبتهم إلا سواء؛ لأن الشهادة على الزنا لا تصح، إلا أن يشهد الشهود أنهم رأوا ذلك مهما كالمرود في المكحلة.
وقد سلف بعض معاني هذا الحديث في باب: (الجاسوس) في كتاب الجهاد (١)، وسيأتي في باب: المتأولين، في آخر الديات (٢).
فصل:
شيخ البخاري (في هذا الحديث) (٣): يوسف بن بُهلول بضم الباء وهو نعت ومعناه الضحاك، وسمي به وليس وزنه مثل: سُبوح وقُدوس؛ لأن هذا فعلول بالضم وذلك فعول لم يأت سواهما، وفيهما الفتح، والروح ثالثهما ليس فيه إلا الضم، وليس في الكلام فعلول (بالفتح سوى صعفوق كما نبه عليه الجوهري، قال: وأما خرنوب فإن الفصحاء يضمونه أو يشددونه مع حذف النون وإنما يفتحها العامة) (٤).
فصل:
وقول عليّ ﵁: (بعثني والزبير وأبا مرثد الغنوي). هؤلاء من شجعان الصحابة، وفيه تجريد المرأة للضرورة إذا عصت بعد (التهديد) (٥) بذلك، كما سلف.
стр. 17492
وقوله: (فلما رأت الجد) الجد بالكسر نقيض الهزل، تقول منه: جد في الأمر، يجد بالكسر جدًّا.
وقول عمر ﵁: (دعني أضرب عنقه) لعله لم يسمع قوله ﵇: ("ولا تقولوا له إلا خيرًا") أو كان قبل قول ذلك.
стр. 17493
٢٤ - باب كَيْفَ يُكْتَبُ إِلَى أَهْلِ الكِتَابِ ؟
٦٢٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ -وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ- فَأَتَوْهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ». [انظر: ٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح ١١/ ٤٧]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ -وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ- فَذَكَرَ الحَدِيثَ. (ثم قَالَ:) (١) ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (فَقُرِئَ) (٢) فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أَمَّا بَعْدُ".
وقد سلف، وأهل الكتاب لا بأس أن يكتب إليهم بالبسملة ويقدم الكاتب اسمه في الكتابة كما يفعل إذا كتب إلى مسلم. وفي الحديث حجة لمن أجاز بداءة أهل الذمة بالسلام عند الحاجة تكون إليهم؛ لأنه ﵇ إنما كتب إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام.
فائدة:
هرقل: ملك الروم بكسر الهاء وإسكان الراء، ويجوز فتحها، ذكره الجوهري، (وقد سلف ذلك) (٣).
стр. 17494
٢٥ - باب بِمَنْ يُبْدَأُ فِي الكِتَابِ
٦٢٦١ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نَجَرَ خَشَبَةً، فَجَعَلَ الْمَالَ فِي جَوْفِهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ صَحِيفَةً: مِنْ فُلَانٍ إِلَى فُلَانٍ». [انظر: ١٤٩٨ - فتح ١١/ ٤٨]
وقال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ. وقد سلف.
وأخرجه الإسماعيلي عن محمد بن سليمان، ثنا عاصم، ثنا الليث به.
وقال عمر بن أبي سلمة عن أبيه، سمع أبا هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "نَجَرَ خَشَبَةً، فَجَعَلَ المَالَ فِي جَوْفِهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ صَحِيفَةً: مِنْ فُلَانٍ إِلَى فُلَانٍ".
(ونقر) (١) بالنون أي: نقبها بالمنقاب.
أما فقه الباب: فقال الداودي: كتب ابن عمر إلى أبيه ﵄ فبدأ بنفسه، وسأله رجل كتابًا إلى معاوية في امرأته، فأراد أن يبدأ بنفسه فقيل له: إن بدأت به كان أنجح للحاجة ففعل. وهو جائز عند مالك البداءة بالمكتوب إليه، قال: تطابق الناس اليوم على ذلك، وكان يأباه بعض العراقيين.
стр. 17495
وقال المهلب: السنة أن يبدأ صاحب الكتاب بذكر نفسه. فلذلك هي في جميع الأشياء؛ إلا أنه قد جاء في الحديث: "صاحب الدابة أولى بمقدمها" (١).
وروى معمر، عن أيوب قال: قرأت كتابًا: من العلاء بن الحضرمي إلى محمد رسول الله.
وقال الشعبي: كتب أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل: من أبي عبيدة، ومعاذ لعبد الله عمر أمير المؤمنين.
وقال نافع: كان عمال عمر ﵁ إذا كتبوا إليه بدءوا بأنفسهم.
وقال معمر عن أيوب، عن نافع: كان ابن عمر يأمر غلمانه إذا كتبوا إليه أن يبدءوا بأنفسهم، وإلا لم يرد لهم جوابًا (٢).
стр. 17496
وأجاز قوم أن يبدأ باسم غيره قبله، قال معمر؛ وكان أيوب ربما بدأ باسم الرجل قبله إذا كتب إليه (١).
وروى أشهب أن مالكًا سئل عن الذي يبدأ في الكتاب بأصغر منه، ولعله ليس بأفضل منه، قال: لا بأس بذلك. أرأيت لو أوسع له في المجلس إذا جاء أعطى ماله. وقال: إن أهل العراق يقولون: لا تبدأ بأحد قبلك، وإن كان أباك أو أكبر منك. يعيب ذلك من قولهم. وفي الحديث: "كبر كبر" للذي أراد أن يتكلم قبل صاحبه (٢).
فصل:
قال بعضهم: في الحديث الأول دليل على إثبات كرامات الأولياء. وعليه جمهور الأشعرية خلافًا لأبي إسحاق الشيرازي، ووافقه ابن أبي زيد وأبو الحسن القابسي، كذا في ابن التين، فليحرر.
стр. 17497
٢٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»
٦٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ فَجَاءَ، فَقَالَ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ». أَوْ قَالَ: «خَيْرِكُمْ». فَقَعَدَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ». قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَي ذَرَارِيُّهُمْ. فَقَالَ: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِمَا حَكَمَ بِهِ الْمَلِكُ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَفْهَمَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: "إِلَى حُكْمِكَ". [انظر: ٣٠٤٣ - مسلم: ١٧٦٨ - فتح ١١/ ٤٩]
ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ في قصة أهل قريظة فقال: "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَفْهَمَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي، عَنْ أَبِي الوَلِيدِ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: "إِلَى حُكْمِكَ".
فيه: أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المسلمين، وجواز إكرام أهل الفضل في مجلس السلطان الأكبر والقيام فيه لغيره من أصحابه، وإلزام الناس كافة للقيام إلى سيدهم.
وأما حديث مسعر عن أبي العنبس، عن أبي العدبس، عن أبي مرزوق، عن أبي غالب، عن أبي أمامة ﵁ قال: خرج علينا النبي ﷺ متوكئًا على عصاةٍ فقمنا له، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم بعضهم لبعض"، فضعيف (١).
стр. 17498
قال الطبري: لا يجوز الاحتجاج به، وذلك أن أبا العدبس وأبا مرزوق غير معروفين، مع اضطراب من ناقليه في سنده، فمن قائل فيه: عن أبي العدبس عن أبي أمامة.
قال: فإن ظن ظان أن حديث عبد الله بن بريدة أن أباه دخل على معاوية فأخبره أنه ﵇ قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا وجبت له النار" (١)، حجة لمن أنكر القيام للسادة، فقد ظن غير الصواب وذلك أن هذا الخبر إنما يبنى عن نهي رسول الله ﷺ للذي يقام له بالسرور بما يفعل له من ذلك، لا عن نهيه القائم عن القيام (٢). وهو خلاف قول مالك فإنه قال: يكره للرجل أن يقوم (للرجل) (٣) له الفضل والفقه، فيجلسه في مجلسه (٤).
وقد روى حماد بن زيد عن ابن عون قال: كان المهلب بن أبي صفرة يمر بنا -ونحن غلمان- في الكتاب فنقوم، ويقوم الناس سماطين (٥).
وقال ابن قتيبة: معنى حديث معاوية وبريدة: من أراد أن يتمثل الرجال على رأسه كما يقام بين يدي الملوك والأمراء. وليس قيام الرجل لأخيه إذا سلم عليه من هذا في شيء؛ لقوله: "من سره أن يقوم له الرجال صفونًا".
والصافن: هو الذي أطال القيام، فاحتاج لطول قيامه أن يرفع إحدى رجليه ليستريح، وكذلك الصافن من الدواب.
стр. 17499
وروى النسائي بإسناد جيد عن عائشة ﵂ قالت: كان ﵇ إذا رأى فاطمة ابنته قد أقبلت رحب بها، ثم قام إليها فقبلها، ثم أخذ بيدها حتى يجلسها في مكانه (١).
وقال ابن التين: قوله: "قوموا إلى سيدكم" هو إجلال له؛ لموضعه من الدين ومن رسول الله ﷺ ، وأمن عليه الفتنة، وقد قام طلحة إلى كعب بن مالك حين تيب عليه (٢). فلم ينكره رسول الله ﷺ ، وإنما يكره القيام تعظيمًا لأهل الدنيا.
وسئل مالك عن المرأة تبالغ (في بر) (٣) زوجها فتلقاه، وتنزع ثيابه، وتفليه وتقف بين يديه حتى يجلس، فقال: أما تلقيها ونزعها فلا بأس، وأما قيامها حتى يجلس فلا، وهذا فعل الجبابرة، وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طلع قاموا إليه، فليس هذا من أمر الإسلام. ويقال: إن عمر بن عبد العزيز فُعل ذلك له أول ما ولي حين خرج إلى الناس فأنكره، وقال: إن تقوموا نقم وإن تقعدوا نقعد، وإنما يقوم الناس لرب العالمين (٤).
فصل:
قال الداودي: فيه أيضًا جواز الدعاء بـ (يا سيدي). ومالك يكرهه ويقال: يدعى بما في القرآن ولعله لم يبلغه الحديث، وليس فيه ما يرد قوله بل هو مؤيد لقوله في "جامع المختصر" يقول العبد: يا سيدي قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ [يوسف: ٢٥]، وقال: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾
стр. 17500
[آل عمران: ٣٩].
فصل:
قوله: ("بما حكم به الملك") وهو بكسر اللام وفتحها، والأول ضبط الأصيلي، ويوضحه رواية: "بحكم الله" (١) ومعنى الثاني جبريل.
стр. 17501
٢٧ - باب المُصَافَحَةِ
وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ ﵁: عَلَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ التَّشَهُّدَ، وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ. [انظر: ٦٢٦٥] وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَإِذَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي. [انظر: ٤٤١٨]
٦٢٦٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أَكَانَتِ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. [فتح ١١/ ٥٤]
٦٢٦٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. [انظر: ٣٦٩٤ - فتح ١١/ ٥٤]
ثم ساق حديث قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ ﵁: أَكَانَتِ المُصافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وحديث عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ ابْنِ الخَطَّابِ ﵁.
الشرح:
معنى: (يهرول): يسعى، والهرولة: بين المشي والعدو، و (هنأني) مهموز، وما ذكره دالٌّ على جواز ما ترجم له.
والمصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد (استحبها) (١) مالك بعد أن كرهها، وقال لما سئل عنها: إن الناس لا يفعلون ذلك، وأنا أفعله. وكره معانقة الرجلين، وقال: قال الله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠] وروي عنه أنه صافح سفيان بن عيينة، وهي
стр. 17502
مما يثبت (الود) (١) ويؤكد المحبة (٢)؛ ألا ترى قول كعب بن مالك في حديثه الطويل حين قام إليه طلحة وصافحه: فوالله لا أنساها لطلحة أبدًا. فأخبر بعظيم قيام طلحة إليه من نفسه، ومصافحته له وسروره له بذلك، وكان عنده أفضل الصلة والمشاركة له.
وقد قال أنس ﵁: إن المصافحة كانت في أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم الحجة والقدوة للأمة، ثم أتباعهم.
وقد ورد فيها آثار حسان.
روى ابن أبي شيبة عن أبي خالد وابن نمير، عن الأجلح، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا" (٣).
وروى حماد، عن حميد، عن أنس ﵁، عن رسول ﷺ أنه قال: "أهل اليمن أول من جاء بالمصافحة" (٤).
وروى ابن المبارك من حديث أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا استقبله الرجل صافحه لا ينزع يده حتى يكون هو الذي نزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه (٥).
وروي: "تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تذهب الشحناء" (٦).
стр. 17503
فرع:
في "القنية" من كتب الحنفية: لا بأس بمصافحة المسلم جاره النصراني إذا رجع بعد الغيبة، وينادي بترك المصافحة. وفي "المصنف" عن ابن محيريز أنه صافح نصرانيًّا في مسجد دمشق (١). قال: والسنة في المصافحة بكلتا يديه. ويأتي بعده.
стр. 17504
٢٨ - باب الأَخْذِ بِالْيَدَيْنِ
وَصَافَحَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ابن المُبَارَكِ بِيَدَيْهِ.
٦٢٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفٌ قَالَ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ- التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". وَهْوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ. يَعْنِي: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٨٣١ - مسلم: ٤٠٢ - فتح ١١/ ٥٦]
ورواه ابن سعد عن معنٍ قال: رأيت حمادًا فذكره.
ثم ذكر فيه حديث ابن مَسْعُودٍ ﵁: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ- التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: "التَّحِيَّاتُ لله .. "
الحديث، وفي آخره فائدة جليلة: وَهوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ. يَعْنِي: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . وظاهره أن الإشارة والخطاب بقوله: "السلام عليك". إنما كان في حياته، وأنه يقال بعد وفاته ما ذكره فتنبه (له وقد سلف في بابه، وقد أوضحت ذلك في "شرح "المنهاج" فراجعه منه) (١).
وقوله: (كفِّي بين كفيه). هذا هو مبالغة المصافحة وذلك مستحب عند العلماء، واختلفوا في تقبيل اليد: فأنكره مالك وأنكر ما روي فيه (٢)، وأجازه آخرون، واحتجوا بأن أبا لبابة وكعب بن مالك قبَّلا يد
стр. 17505
رسول الله ﷺ حين تاب الله عليهم، وكذا صاحباه، ذكره الأبهري وقال: إنما كرهه مالك إذا كان على وجه (التحية) (١) وأما إذا قبل على وجه القربة لدينه أو لعلمه أو لشرفه، فإن ذلك جائز، وتقبيل يد رسول الله ﷺ مما يقرب إلى الله. وما كان لدنيا أو لسلطان أو لغيره من وجوه التكبر فهو مكروه.
وحديث ابن عمر ﵄ في قصة السرية لما قال: "أنتم العكارون"، فقبَّلنا يده (٢). حجة أيضًا لما قلناه.
وقد قبَّل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب حين قدم من سفر (٣)، وقبل زيد بن ثابت يد ابن عباس حين (أخذ) (٤) ابن عباس (بركابه) (٥). وقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. وقال زيد: هكذا أمرنا أن نفعل بآل رسول الله ﵊.
وروى الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ أن يهوديين أتيا رسول الله ﷺ ، فسألاه عن تسع آيات بينات، فذكرهن ثم قال: "وعليكم خاصة اليهود ألا تعدوا في السبت" فقبلوا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي الله.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٦). وفي الباب عن زيد بن أسود وابن عمر وكعب بن مالك.