← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 17536–17575 · переход к 17541.

стр. 17536

٤٢ - باب الْجُلُوسِ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ ٦٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَالاِحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِ الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ. [انظر: ٣٦٧ - مسلم: ١٥١٢ - فتح ١١/ ٧٩]. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بُدَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [انظر: ٣٦٧ - مسلم: ١٥١٢ - فتح ١٠/ ٧٩] ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رسول الله ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ .. الحديث سلف غير مرة، وموضع الحاجة منه: (الاحتباء في ثوب واحد ليس على فرج الإنسان منه شيء). تابعه معمر ومحمد بن أبي حفصة وعبد الله بن بُديل، عن الزهري. قال المهلب: هذِه الترجمة قائمة من دليل هذا الحديث؛ وذلك أنه ﵇ نهى عن حالتين وهما: اشتمال الصماء، والاحتباء، فمفهومه إباحة غيرهما مما تيسر من الهيئات والملابس إذا ستر ذلك العورة. ورأيت لطاوس أنه كان يكره التربع ويقول: هي مملكة (١). وإنما نهى عن هاتين اللبستين في الصلاة، كما قاله ابن بطال (٢)؛ لأنهما لا يستران العورة عند الرفع والخفض وإخراج اليدين، فأما الجالس لا يصنع شيئًا ولا يتصرف بيديه وتكون عورته مستورة فلا حرج عليه فيهما؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله أنه احتبى بفناء الكعبة، كما سلف (٣).

стр. 17537

٤٣ - باب مَنْ نَاجَى بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، وَمَنْ لَمْ يُخْبِرْ بِسِرِّ صَاحِبِهِ، فَإِذَا مَاتَ أَخْبَرَ بِهِ ٦٢٨٥، ٦٢٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا فِرَاسٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُ جَمِيعًا، لَمْ تُغَادَرْ مِنَّا وَاحِدَةٌ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ ﵍ تَمْشِي، لَا وَاللهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ قَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي». ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ -أَوْ عَنْ شِمَالِهِ- ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ إِذَا هِيَ تَضْحَكُ. فَقُلْتُ لَهَا -أَنَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ-: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالسِّرِّ مِنْ بَيْنِنَا ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ! فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَأَلْتُهَا: عَمَّا سَارَّكِ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سِرَّهُ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِنِي. قَالَتْ: أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ. فَأَخْبَرَتْنِي قَالَتْ: أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الأَمْرِ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً «وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى الأَجَلَ إِلاَّ قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكَ». قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ قَالَ: «يَا فَاطِمَةُ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ" أَوْ: "سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟». [انظر: ٣٦٢٣، ٣٦٢٤ - مسلم: ٢٤٥٠ - فتح ١١/ ٧٩] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂ في إسراره لفاطمة فبكت، ثم أسر إليها فضحكت وأفشته بعد. وفيه: ما ترجم له وجواز مسارة الواحد بحضرة الجماعة، وليس ذلك من نهيه عن مناجاة الاثنين دون الواحد (١)؛ لأن المعنى الذي

стр. 17538

يخاف من ترك الواحد لا يخاف في ترك الجماعة، وذلك أن الواحد إذا تساروا دونه وقع بنفسه أنهما يتكلمان فيه بما يسوؤه، ولا يتفق ذلك في الجماعة، وهذا من حسن الأدب وكرم المعاشرة. وفيه: أنه لا ينبغي إفشاء السر إذا كانت فيه مضرة على المسر؛ لأن فاطمة ﵂ لو أخبرت بذلك في ذلك الوقت ما أخبرها به من قرب أجله؛ لحزن بذلك حزنًا شديدًا، وكذلك لو أخبرتهن بأنها سيدة نساء المؤمنين لعظم ذلك عليهن واشتد حزنهن، فلما أمنت بعد موته أخبرت بذلك. وفيه اجتماع أزواجه في بيت واحد في مرضه. ومعنى: (لم تغادَر منا واحدةٌ): لم تترك أن يحضر. وفيه العزم بغير الله، قال في "المدونة": إذا قال: أعزم عليك بالله إلا ما أكلت، فلم يأكل، لا حنث على واحد منهما بمنزلة: أسألك بالله، فإن قال: أعزم بالله إن فعلت، أرى ذلك لا شك في كونه يمينًا (١). قال ابن حبيب: ينبغي له ألا يحنثه في: أعزم عليك بالله إلا ما فعلت ما لم تكن معصية، وهو من باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. قال: يريد أن يسأل بالله وبالرحم، فإن لم يفعل فلا كفارة على واحد منهما (٢). وقولها: (لما (أخبرتني) (٣)). يحتمل آخر شيء، يحتمل أن تكون اللام بمعنى إلا وما زائدة، هذا مذهب الكوفيين، ويحتمل أن تكون ما مشددة بمعنى (إلا)، ذكره سيبويه (٤)، وأنكره الجوهري (٥).

стр. 17539

وقوله: ("ألا ترضين .. "). إلى آخره، فيه فضل فاطمة على عائشة، وقيل: ما رأيت فاطمة بعد رسول الله حتى ماتت [مبتسمة] (١) إلا حين أريتِ النعشَ كيف يُنصبُ عليها فتبسمت وقالت: سترتِني ستركِ الله (٢). وماتت بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر وقيل: ثلاثة أشهر (قال مالك) (٣): والأول أثبت، ودفنت ليلاً وصلى عليها العباس.

стр. 17540

٤٤ - باب الاسْتِلْقَاءِ ٦٢٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. [انظر: ٤٧٥ - مسلم: ٢١٠٠ - فتح ١١/ ٨١] ذكر فيه حديث عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا وَاضِعًا إِحْدى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرى. هذا الحديث سلف في الصلاة مع الجواب عما عارضه (١)، وهو رد على من كرهه من العلماء، قال المهلب: إنما فعل ذلك فيه ليرى الناس أن هذا وشبهه خفيف فعله في المسجد.

стр. 17541

٤٥ - باب لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ٩ - ١٠] وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٢ - ١٣]. ٦٢٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ. وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ». [مسلم: ٢١٨٣ - فتح ١١/ ٨١] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ ﵁ أَنَّه ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانُوا ثَلَاَثةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ". أي: لا يتسار اثنان ويتركا صاحبهما؛ خشية الإيحاش له فيظن أنهما يتكلمان فيه أو يتجنبان (جهته فيحزنه ذلك. وقد جاء هذا المعنى بينًا في رواية معمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا) (١): "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه" (٢). ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] الآية. وقد جاء التغليظ في مناجاة الاثنين دون صاحبهما في السفر، وأن ذلك لا يحل لهما، من حديث ابن لهيعة، عن (ابن) (٣) هبيرة، عن أبي سالم الجيشاني، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه ﵇ قال: "لا يحل

стр. 17542

لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة، أن يتناجى [اثنان] (١) منهما دون (صاحبهما) (٢)؛ فيحزنه ذلك" (٣) والله أعلم في الفلاة من أجل الخوف فيها أغلب على المرء، والوحشة إليه أسرع، ولذلك نهى الشارع أن يسافر الواحد والاثنان. قال النووي: ونهي [عن] تناجي اثنين دون (ثلاثة) (٤)، وكذا ثالث وأكثر بحضرة واحد تحريم، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم، إلا أن يأذن، قال: ومذهب مالك (٥) وأصحابنا وجماهير العلماء، أن النهي عام في كل الأزمان وفي السفر، والحضر، وقال بعضهم: هو في السفر خاصة، وادعى بعضهم نسخه، وأنه كان في أول الإسلام فلما فشا الإسلام (وأمن) (٦) الناس سقط النهي، وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم، أما إذا كانوا أربعة فتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس، بالإجماع (٧). واختلف أهل التأويل فيمن نزلت آية ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] فقال ابن زيد: في المؤمنين، كان الرجل يأتي رسول الله ﷺ يسأله الحاجة، فيرى الناس أنه قد ناجى رسول الله ﷺ وكان

стр. 17543

- ﵇ لا يمنع أحدًا من ذلك، وكانت الأرض يومئذ حربًا، وكان الشيطان يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في جموع قد جَمعت لكم فنزلت. وقال قتادة: نزلت في المنافقين، كان بعضهم يناجي بعضًا وكان ذلك يغيظ المؤمنين، ويحزنهم، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ [المجادلة: ١٠] أي: ليس التناجي بضارهم أذى الشيطان. وقال قتادة: في الآية الثانية سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه في المسألة فقطعهم الله بها، وصبر كثير من الناس، وكفوا عن المسألة، وقال ابن زيد: نزلت؛ لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله ﷺ ، فيشق ذلك على أهل الحق فلما ثقل (ذلك) (١) على المؤمنين خففه الله عنهم ونسخه (٢)، واعترض ابن التين فقال: وقع في التبويب: (وإذا تناجيتم) والتلاوة بحذف الواو، والذي قدمته لك هو ما في الأصول. فائدة: قوله: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] قال علي ﵁: ما عمل بهذا أحد غيري، تصدقت بدينار، وناجيت رسول الله ﷺ ثم نسخت. وقال قتادة: ما أقامت إلا ساعة من نهار، وقال علي ﵁: قال لي رسول الله ﷺ : "أترى أن يكون دينارًا"؟ قلت: لا، قال: "فكم"؟ قلت: حبة من شعير، قال: "إنك لزهيد" فأنزل الله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] الآية فخفف الله عن هذِه الأمة (٣).

стр. 17544

٤٦ - باب حِفْظِ السِّرِّ ٦٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ سِرًّان فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَهُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي أُمُّ سُلَيْمٍ فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ. [مسلم: ٢٤٨٢ - فتح ١٠/ ٨٢] ذكر فيه حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قال: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ سِرًّان فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَهُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي أُمُّ سُلَيْمٍ فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ. (هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الفضائل) (١) وهو مطابق لما ترجمه، فإن السر أمانة، وحفظه واجب، وذلك من أخلاق المؤمنين، وقد روي عن أنس أنه قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين فقال: "احفظ سري تكن مؤمنًا" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن بحر بن آدم عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا التفت المحدث فهي أمانة" (٣). قال المهلب: والذي عليه أهل العلم أن السر لا يبيح به إذا كان على المسر فيه ضرر، فأكثرهم يقول: إذا مات المسر فليس يلزم من كتمانه ما يلزم في حياته، إلا أن يكون عليه فيه غضاضة في دينه.

стр. 17545

وقال الداودي: هذا مما لا ينبغي إفشاؤه بعد موته، بخلاف سر فاطمة؛ لأنه إنما أسر إليها بموته، وسؤال أم سليم لعلها سألته عما قالت له إن لم يكن سرًّا، وفي رواية أخرى: قال لها: أسر إليَّ رسول الله ﷺ شيئًا فقالت: فلا تخبر به.

стр. 17546

٤٧ - باب إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ بِالْمُسَارَّةِ وَالْمُنَاجَاةِ ٦٢٩٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، أَجْلَ أَنْ يُحْزِنَهُ». [مسلم: ٢١٨٤ - فتح ١١/ ٨٢] ٦٢٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ. قُلْتُ: أَمَا وَاللهِ لآتِيَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ وَهْوَ فِي مَلأٍ فَسَارَرْتُهُ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: «رَحْمَةُ اللهِ عَلَى مُوسَى، أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ». [انظر: ٣١٥٠ - مسلم: ١٠٦٢ - فتح ١١/ ٨٣] ذكر فيه حديث أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁: قَالَ رسول الله ﷺ : "إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثنانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، أَجْلَ أَنْ يُحْزِنَهُ". وحديث شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنَّ هذِه لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ. قُلْتُ: أَمَا والله لآتِيَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ وَهْوَ فِي ملأ فَسَارَرْتُهُ، فَغَضِبَ .. الحديث، وقد سلف (١). وقوله: ("أجل أن يحزنه") أي: (من أجل) (٢) هو إخبار منه ﵇ عن السبب في ذلك، وهو أن الواحد إذا بقي فردًا وتناجوا دونه حزن لذلك إذ لم يسارروه فيها؛ ولأنه قد يقع في نفسه أن سرهم في مضرته.

стр. 17547

وفي "جامع المختصر": نهى أن يتركوا واحداً اجتناب سوء الظن والحسد والكذب. قال الخطابي: ابن حرب يقول: إنما يكره ذلك في السفر؛ لأنه مظنة التهمة، فيخاف الثالث أن يكونا قد ساقا إليه غائلةً أو مكروهًا (١)، بخلاف أن يخص جماعة وأما مناجاة جماعة دون جماعة، فالجماعة على جوازه؛ لأن الناس معه يشركونه فيما أسر عنهم فيزول الحزن، وفي بعض نسخ ابن (الجلاب) (٢)، وكذلك يكره أن يتناجى جماعة دون جماعة، وفي بعضها: لا بأس به. وعن مالك: لا ينبغي ذلك، وحديث فاطمة السالف دال على جوازه، وقيل: إذا (ساررا) (٣) دون واحد بإذنه فلا بأس، وقد سلف في الحديث. وروى مالك عن عبد الله بن دينار قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يسارر رجلاً -وكانوا ثلاثة- دعا رابعًا ثم قال لاثنين: استأخرا شيئًا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتناجى اثنان دون واحد". وناجى صاحبه (٤). فإذا كانوا أكثر من ثلاثة بواحد جازت، وكلما كثرت الجماعة كان أحسن وأبعد من التهمة والظنة، ألا ترى ابن مسعود سار رسول الله ﷺ -وهو في ملأ من الناس وأخبره بقول القائل.

стр. 17548

وروى أشهب عن مالك أنه قال: لا يتناجى ثلاثة دون واحد؛ لأنه قد نهي أن يترك واحد، قال: ولا أرى ذلك، ولو كانوا عشرة (لم) (١) يتركوا واحداً. وهذا القول يستنبط من هذا الحديث؛ لأن المعنى في ترك الجماعة للواحد كترك الاثنين له. وهو ما جاء في الحديث: "حتى تختلطوا بالناس أجل أن يحزنه". وهذا كله من حسن الأدب وكرم الأخلاق؛ لئلا يتباغض المؤمنون ويتدابروا، كما سلف

стр. 17549

٤٨ - باب طُولِ النَّجْوى وقوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتُ، فَوَصفَهُمْ بِهَا، وَالْمَعْنَى: يَتَنَاجَوْنَ. ٦٢٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، -عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَرَجُلٌ يُنَاجِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَمَا زَالَ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. [انظر: ٦٤٢ - مسلم: ٣٧٦ - فتح ١١/ ٨٥] ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَرَجُلٌ يُنَاجِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَمَا زَالَ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ، فقَامَ فَصَلَّى. وقد سلف في الصلاة في باب: الإمام تعرض له الحاجة (١)، وليس فيه أكثر من جواز طول المناجاة بحضرة الجماعة في الأمر يهم السلطان، ويحتاج إلى تعرفه، وإن كان فيه بعض الضرر على بعض من في الحضرة، وقد جاء ذلك في بعض طرق الحديث. وقوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾. قال الأزهري أي: ذو نجوى. قال: والنجوى اسم يقوم مقام المصدر (٢). وقد قيل: نجوى: يتناجون. وفي الحديث رد على الكوفيين القائلين أنه إذا تحدث بعد الإقامة أعادها.

стр. 17550

٤٩ - باب لَا تُتْرَكُ النَّارُ فِي الْبَيْتِ عِنْدَ النَّوْمِ ٦٢٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ». [مسلم: ٢٠١٥ - فتح ١١/ ٨٥] ٦٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ». [مسلم: ٢٠١٦ - فتح ١١/ ٨٥] ٦٢٩٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ كَثِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ». [انظر: ٣٢٨٠ - مسلم: ٢٠١٢ - فتح ١١/ ٨٥] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن عمر ﵄ عَنِ رسول الله ﷺ قَالَ: "لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ". ثانيها: حديث أَبِي مُوسَى قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ هذِه النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ". ثالثها: حديث كَثِيرٍ -هو ابن شنظير، أبو قرة الأزدي، ويقال: المازني البصري- عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :

стр. 17551

"خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا المَصَابِيحَ، فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ البَيْتِ". الشرح: التخمير: التغطية، ومنه سميت الخمر؛ لأنها تغطي العقل، وخمار المرأة، والخَمَر -بالتحريك- ما سُتِر عنك، تقول: توارى الصيد عني في خمر الوادي. "وأجيفوا": أغلقوا؛ أي: للحفظ من السارق والشيطان. والفويسقة: الفأرة، سماها بذلك وإن كانت لم تؤمر ولم تنه؛ لأن فعلها فعله في الفساد، ومثله: "خمس فواسق يقتلن في الحرم" (١) وكذلك قوله في النار: "إنها عدو لكم" أي: تفعل فعله في الإحراق، وإنما أمر بالتغطية، وكذا إيكاء السقاء كما سيأتي، وهي القربة لما نبه ﵇ في مسلم: "إن في السنة ليلة ينزل فيها (٢) وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك" (٣). قال الليث: كانت الأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول. قلت: وهو في شهور القبط كيهك. وفي هذِه الأحاديث الإبانة عن أن من الحق على من أراد المبيت في بيت، ليس فيه غيره وفيه نار، أو مصباح، أن لا يبيت حتى يطفئه، أو يحرزه، بما يأمن به إحراقه وضره، وكذلك إن كان فيه جماعة، فالحق عليهم إذا أرادوا النوم ألا ينام آخرهم حتى يفعل به ما ذكرت؛

стр. 17552

لأمر الشارع بذلك، فإن فرط فيه مفرط فلحقه ضر في نفس، أو مال، كان لوصيته لأمته مخالفا، ولأدبه تاركًا، وقد روى عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت فأرة (فجرت) (١) الفتيلة فألقتها بين يدي رسول الله على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم (٢).

стр. 17553

٥٠ - باب إِغْلَاقِ الأَبْوَابِ بِاللَّيْلِ ٦٢٩٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا الأَبْوَابَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ». -قَالَ هَمَّامٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ:- وَلَوْ بِعُودٍ». [انظر: ٣٢٨٠ - مسلم: ٢٠١٢ - فتح ١١/ ٨٧] ذكر فيه حديث هَمَّامٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ إِذَا رَقَدْتُمْ (وأغلقوا) (١) الأَبْوَابَ، وَأَوْكوا الأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ -قَالَ هَمَّامٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ:- وَلَوْ بِعُودٍ (يعرضه) (٢) ". قد أسلفنا حكمة ذلك. وفي الأشربة في باب: تغطية الإناء، وأن من جملة أمره لغلق الأبواب ليلاً؛ خشية انتشار الشياطين وتسليطهم على ترويع المؤمنين وأذاهم، وقد جاء في حديث آخر أنه ﵇ قال: "إذا جنح الليل فاحبسوا أولادكم؛ فإن الله يبث من خلقه بالليل ما لا يبث بالنهار؛ وإن للشياطين انتشارًا و (خطفة) (٣) " (٤). وقد قال عقيل: يتوقى على المرأة أن تتوضأ عند ذلك. فعلم أمته ما فيه المصلحة لهم في نومهم ويقظتهم.

стр. 17554

وقد روى مالك في حديث جابر ﵁: "فإن الشيطان لا يفتح غلقًا ولا يحل وكاء ولا يكشف إناء" (١) وإن كان قد أعطي منها ما هو أكثر منها من الولوج حيث لا يلج الإنسان. فائدة: الوكاء -بالمد-: الخيط الذي يربط به فم السقاء.

стр. 17555

٥١ - باب الخِتَانِ بَعْدَ الكِبَرِ وَنَتْفِ الإِبْطِ ٦٢٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قُزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ». [انظر: ٥٨٨٩ - مسلم: ٢٥٧ - فتح ١١/ ٨٨] ٦٢٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ». مُخَفَّفَةً. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَقَالَ: «بِالْقَدُّومِ». [انظر: ٣٣٥٦ - مسلم: ٢٣٧٠ - فتح ١١/ ٨٨] ٦٢٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ. قَالَ: وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ. [٦٣٠٠ - فتح ١١/ ٨٨] ٦٣٠٠ - وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا خَتِينٌ. [انظر: ٦٢٩٩ - فتح ١١/ ٨٨] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ رسول الله ﷺ : "الْفِطرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ". ثانيها: حديث أَبُي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّه ﷺ قَالَ:

стр. 17556

"اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ". مُخَفَّفَةً. حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَقَالَ: "بِالْقَدُّومِ" مشددة. ثالثها: حديث إِسْرَائِيلَ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) (١) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ رسول الله ﷺ ؟ قَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ. قَالَ: وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ. قال أبو عبد الله: القدوم بالتخفيف موضع، والقدُّوم بالتشديد قدوم النجارين. وَقَالَ ابن إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا خَتِينٌ. الشرح: الكبر في الترجمة بفتح الباء وكسر الكاف مصدر كبر يكبر كبرًا أي: (أسن) (٢) ويكبر بكسر الباء، قال الإسماعيلي: وقول من قال: وكانوا إلى آخره. لا يدرى من قول إسرائيل، أو أبي إسحاق، أو من بعدهم. وسلف معنى الفطرة. والختان واجب عندنا على الرجال والنساء على أظهر الأقوال (٣). ثانيها: سنة فيهما. ثالثها: أنه واجب على الرجال دون النساء (٤).

стр. 17557

والثاني قول مالك والكوفيين (١)؛ لقوله: "الفطرة خمس" فذكر الختان. والفطرة: السنة؛ لأنه ﵇ جعلها من جملة السنن فأضافها إليها، كذا احتج به ابن القصَّار. وروي مرفوعًا: "الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء" -قلت: هو ضعيف (٢) - ولما أسلم سلمان لم يأمره الشارع بالاختتان ولو كان فرضًا لم يترك أمره بذلك، واحتج الشافعي بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وكان من ملته الختان؛ لأنه ختن نفسه بالقدوم كما سلف. وقد يقال: أصل الملة: الشريعة والتوحيد. وقد ثبت أن في ملة إبراهيم (فرائضًا) (٣) وسننًا، فيجوز أن يكون الختان من السنن. والفطرة فطرة الإسلام وهي سننها وهي الفعلة. من قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] يعني: خالقهما، وهي علامة لمن دخل في الإسلام، فهي من شعائر المسلمين.

стр. 17558

وقال القزاز: الأولى أن المراد بالفطرة هنا ما جبل الله الخلق وطباعهم عليه، وهو كراهة ما هو في جسمه مما ليس من زينته. فرع: اختلف في وقت الختان: فعندنا بعد البلوغ، ويستحب في السابع بعد الولادة (١)؛ اقتداء بأمر رسول الله ﷺ في الحسن والحسين، فإنه ختنهما يوم السابع من ولادتهما، رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عائشة، وقال: صحيح الإسناد (٢). وقال الليث: الختان للغلام ما بين السبع سنين إلى العشر. وقال مالك: عامة ما رأيت الختان ببلدنا إذا اثّغر (٣). وقال مكحول: إن إبراهيم خليل الرحمن ختن ابنه إسحاق لسبعة أيام، وختن ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة. وروي عن أبي جعفر أن فاطمة كانت تختن ولدها اليوم السابع (٤)، وكره ذلك الحسن البصري، ومالك بن أنس؛ خلافًا لليهود، قال مالك: والصواب في خلافهم (٥). وقال الحسن: هو خطر وهو وجه عندنا. قال المهلب: وليس اختتان إبراهيم بعد ثمانين سنة مما (يوجب علينا) (٦) مثل فعله، إذ عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين، وإنما اختتن إبراهيم وقت أوحي إليه بذلك وأمر به ففعل. والنظر يدل أنه ما كان ينبغي إلا قرب

стр. 17559

وقت الحاجة لاستعمال ذلك العضو بالجماع، كما اختتن ابن عباس عند مناهزة الاحتلام وقال: كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك؛ لأن الختان تنظيف لما يجتمع من الوضوء تحت الغرلة، ولذلك -والله أعلم- أمر بقطعها واختتان الناس في الصغر -والله أعلم- لتسهيل الألم على الصغير؛ لضعف عضوه؛ وقلة فهمه. فائدة (١): من خفف القدوم أراد الحديدة التي اختتن إبراهيم بها، ومن شدد فهو المكان، وقد يجوز أن يجتمع له الأمران، ذكره أجمع ابن بطال (٢). أخرى: الاستحداد: حلق شعر العانة والأرفاغ بالحديد، وهو استفعال من الحديد، وعن (الأصمعي) (٣): استحد الرجل إذا بور ما تحت إزاره. وهو خلاف المعروف. وتقليم الأظفار: وقصها. وعبارة ابن التين ما ينجر به مخفف، قال الجوهري: ولا تشديد، ومن شدد قال: موضع. قال الهروي: يقال: هو مقيل إبراهيم ﵇، وقيل: هو قرية بالشام. وقال الداودي: من شدد يقول: بالفأس الصغير.

стр. 17560

وقول ابن بطال وقد يجمع له الأمران يعني به قدوم الذي يختن به في القدوم هو موضع. فائدة: قوله: (وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) يقال: ختنه، يخْتِنه ويختنه، ذكره القزار، والختان: ما ينتهي إليه القطع من الصبي والجارية. ومعنى: أدرك: بلغ. قال الداودي: والذي هنا في سن ابن عباس صحيح. وقيل: توفي رسول الله ﷺ -وهو ابن عشر سنين. وهو أصح. وقوله: (وأنا ختين): أي: مختون، كقتيل: بمعنى: مقتول.

стр. 17561

٥٢ - باب كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ - وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ. وقال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦]. ٦٣٠١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى. فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ». [انظر: ٤٨٦٠ - مسلم: ١٦٤٧ - فتح ١١/ ٩١] ثم ذكر حديث أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزى. فَلْيَقُلْ: لَا إله إِلَّا اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ". وقد سلف. واختلف المفسرون في اللهو في الآية، فقال الضحاك: الشرك (١). وقال ابن مسعود: الغناء. وحلف عليه ثلاثًا (٢). وقال: الغناء ينبت النفاق في القلب (٣). وقاله مجاهد، وزاد: إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء، وإلى مثله من الباطل (٤) وقاله ابن عباس (٥) وجماعة من أهل التأويل أيضًا أنه الغناء، وقال القاسم بن محمد:

стр. 17562

الغناء باطل، والباطل في النار (١). ولذلك ترجم البخاري ما سلف. وقيل: المعنى: ما يلهي من الغناء وغيره، فمن قال شيئًا ليريح نفسه ويستعين به على الطاعة مما لا خفاء فيه فهو جائز. وقيل: إذا قل جاز. وكرهه مالك وإن قَلَّ؛ سدًّا للذريعة، وروى ابن وهب عنه ما سيأتي. وأما قوله: إذا شغله عن طاعة الله. فهو مأخوذ من قوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦] فدلت الآية على أن الغناء وجميع اللهو إذا شغل عن طاعة الله. وعن ذكره أنه محرم، وكذلك قال ابن عباس: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦] أي: عن قراءة القرآن وذكر الله (٢). ودلت أيضًا أن اللهو إذا كان يسيرًا لا يشغل عن الطاعة، ولا يصد عن ذكره أنه غير محرم، ألا ترى أن الشارع أباح للجاريتين يوم العيد الغناء في بيت عائشة؛ من أجل العيد كما سلف (٣)، كما أباح لعائشة النظر إلى لعب الحبشة بالحراب في المسجد، وسترها وهي تنظر إليهم حتى شبعت، قال لها: "حسبك" (٤)، وقال ﵇ لعائشة وقد حضرت زفاف امرأة إلى رجل من الأنصار: "يا عائشة، ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو" (٥). وقد سلف في باب: (سنة) (٦) العيدين لأهل الإسلام في كتاب

стр. 17563

الصلاة ما يرخص فيه من الغناء وما يكره، فدلت هذِه الآثار على ما دلت عليه الآية من أن يسير الغناء واللهو الذي لا يصد عن ذكر الله وطاعته مباح. وأجاز سماعه أهل الحجاز، وقيل لمالك: إن أهل المدينة يسمعون الغناء قال: إنما يسمعه عندنا الفساق (١). وقال الأوزاعي: يترك من قول أهل الحجاز سماع الملاهي. وروى ابن وهب، عن مالك أنه سئل عن ضرب الكير والمزمار، وغير ذلك من اللهو الذي ينالك سماعه وتجد لذته وأنت في طريق أو مجلس: أيؤمر من ابتلي بذلك أن يرجع من الطريق، أو يقوم من المجلس؟ قال: أرى أن يقوم إلا أن يكون جالسًا لحاجة، أو يكون على حالة لا يستطيع القيام، ولذلك يرجع صاحب الطريق، أو يتقدم أو يتأخر. وقد جاء فيمن نزه سمعه عن قليل اللهو وكثيره ما روى أسد بن موسى، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر قال: بلغنا أن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين عبادي الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أحلهم رياض المسك وأخبروهم أني قد أحللت عليهم رضواني (٢). وسلف اختلاف العلماء في فضائل القرآن قراءة القرآن بالألحان، ومن كرهه ومن أجازه.

стр. 17564

فصل: وإنما أدخل البخاري حديث أبي هريرة في الباب لقوله في الترجمة: ("ومن قال تعالَ أقامرك فليتصدق"). ولم يختلف العلماء في تحريم القمار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]. واتفق أهل التأويل أن الميسر هنا القمار. وكره مالك اللعب بالنرد وغيرها من الباطل (١)، وتلا: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٢) [يونس: ٣٢] وقال: من أدمن اللعب بها فلا تقبل له شهادة -وبذلك قال الشافعي- إذا شغله اللعب بها عن الصلاة حتى يفوته وقتها (٣). والأصح عندنا تحريم اللعب بالنرد (٤). وقد قال أبو ثور: من تلاهى ببعض الملاهي حتى تشغله عن الصلاة لم تقبل شهادته. وأمره بالصدقة على الندب عند العلماء؛ لأنه لم يفعل شيئًا (لا) (٥) الوجوب؛ لأن الله تعالى لا يؤاخذ بالقول في غير الشرك حتى يصدقه الفعل أو يكذبه، حتى لو قال لامرأة: تعالي أزن بك أو أشرب ولم يفعل، لم يلزمه حد في الدنيا ولا عقوبة في الآخرة؛ إذا كان مجتنبًا للكبائر لكن ندب من جرى مثل هذا القول على لسانه ونواه قلبه وبتَّ قوله أن يتصدق خشية أن تكتب عليه صغيرة؛ أو يكون ذلك من اللمم، وكذلك ندب من حلف باللات والعزى أن يشهد شهادة

стр. 17565

التوحيد والإخلاص فينسخ بذلك ما جرى على لسانه من كلمة الإشراك والتعظيم لها وإن كان غير معتقد لذلك، والدليل على أن ذلك على الندب أن الله لا يؤاخذ العباد من الأيمان إلا بما انطوت الضمائر على اعتقاده وكانت به شريعة لها، وكل محلوف به باطل فلا كفارة وإنما الكفارات في الأيمان المشروعة. فإن قلت: فما معنى أمره ﵇ الداعي إلى المقامرة بالصدقة من بين سائر أعمال البر؟ قيل له: معنى ذلك -والله أعلم- أن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جعلًا في المقامرة ويستحقونه منهم، فنسخ الله تعالى أفعال الجاهلية، وحرم القمار، وأمرهم بالصدقة عوضًا عما أرادوا استباحته من الميسر المحرم وكانت الكفارات من جنس الذنب؛ لأن المقامر لا يخلو أن يكون غالبًا أو مغلوبًا، فإن كان غالبًا فالصدقة كفارة لما كان يدخل في يده من الميسر، وإن كان مغلوبًا فإخراجه الصدقة لوجه الله أولى من إخراجه عن يده شيئًا لا يحل له إخراجه.

стр. 17566

٥٣ - باب مَا جَاءَ فِي البِنَاءِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: إِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ البَهْمِ فِي البُنْيَانِ". [انظر: ٥٠] ٦٣٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي مِنَ الْمَطَرِ وَيُظِلُّنِي مِنَ الشَّمْسِ، مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ. [فتح ١٠/ ٩٢] ٦٣٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللهِ مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً، مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ سُفْيَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ بَنَى [بَيْتًا]. قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ. [فتح ١١/ ٩٢] وقد سلف مسندًا. ثم ساق حديث ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي مِنَ المَطَرِ وَيُظِلُّنِي مِنَ الشَّمْسِ، مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ . وفي رواية عنه: والله مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ سُفْيَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ: والله لَقَدْ بَنَى. قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ. الشرح: أشراط الساعة: علاماتها، جمع: شرط -بفتح الراء- والبهم -بفتح الباء-: جمع بهمة، وهي صغار الضأن، قاله الجوهري (١). وقال أبو عبيد في "مصنفه": البهم: من أولاد المعز، يقال ذلك للذكر

стр. 17567

والأنثى. وقال ابن فارس: البهم: صغار الغنم (١). ولبنة ككلمة ما يبنى بها، وجمعها: لبن، وقال ابن السكيت: ومن العرب من يقول: لبنة أي: بإسكان الباء. وقوله: (ما أعانني عليه أحد). يريد لخفة مؤنته، وتأويل سفيان فيما قيل عن ابن عمر، أنه بني بعد أن قال صحيح؛ لأن العالم إذا روي عنه قولان مختلفان أو قول مخالف لفعله ينبغي حملهما على ما لا تناقض فيه؛ ألا ترى أن قريب ابن عمر لم يكذبه في قوله. وقوله: (ولا غرست نخلة)، ليس الغرس من ذلك في شيء؛ لأن من غرس بنية طلب الكفاف أو لفضل ما ينال منها، ففي ذلك الفضل لا الإثم. قاله الداودي. وقوله: (يكنُّنِي من المطر)، هو بضم الياء من أكنَّ، قال ابن التين: كذا قرأناه. وفي "الصحاح" عن الكسائي: كننت الشيء: سترته، وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي: أسررته. وقال أبو زيد: كننته وأكننته بمعنى واحد في الكن وفي النفس جميعًا تقول: كننت العلم وأكننته، وكننت الجارية وأكننتها (٢). فصل: والتطاول في البنيان من أشراط الساعة، وذلك أن يبنى ما يفضل عما يكنه من الحر والبرد، ويستره عن الناس، وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩] يعني: قصورًا، وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أنفق ابن آدم في التراب فلن يخلف له

стр. 17568

ولا يؤجر عليه" (١). فأما من بني ما يحتاج إليه ليكنه من الحر و (البرد) (٢) فمباح له ذلك، وكذلك فعل السلف؛ ألا ترى قول ابن عمر ﵄: (بنيت بيدي بيتًا يكنني من المطر .. ) إلى آخره، وقد روي مثل ذلك عن رسول الله ﷺ ، ذكر الطبري، عن الحسن، عن حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان أنه ﵇ قال: "كل شيء سوى جلف هذا الطعام - (يعني: كثير الطعام) (٣) - وهذا الماء وبيت يقله وثوب يستره، فليس لابن آدم فيه حق" فأباح من البناء ما يقيه أذى الشمس والمطر اللذين لا طاقة لأحد باحتمال مكروههما، كما أباح من الغذاء ما به قوام بدنه، من مطعم أو مشرب، ومن الملبس ما يستر عورته، وما زاد على ذلك فلا حق له فيه، يعني: إذا لم يصرفه في الوجوه المقربة له إلى الله تعالى فإذا فعل ذلك فله الحق في أخذه وصرفه في حقه. وروى ابن وهب وابن نافع عن مالك قال: كان سلمان يعمل الخوص بيده، وهو أمير، ولم يكن له بيت إنما كان يستظل بالجدر والشجر وأن رجلاً قال له: ألا أبني لك بيتًا تسكن فيه؟ فقال: ما لي به حاجة فما زال به الرجل حتى قال: أعرف البيت الذي يوافقك قال: فصفه لي قال: أبني لك بيتًا إذا قمت فيه أصاب رأسك سقفُه وإن أنت مددت فيه رجليك أصابهما الجدار. قال: نعم كأنك كنت في نفسي والله أعلم. آخر كتاب الاستئذان بحمد الله ومنِّه

стр. 17569

٨٠ كتاب الدعوات

стр. 17570

٨٠ - كِتابُ الدَّعَوَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. [فتح ١١/ ٩٤] ١ - [باب] وَلِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ ٦٣٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ». [٧٤٧٤ - مسلم: ١٩٨، ١٩٩ - فتح ١١/ ٩٦] ٦٣٠٥ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: قَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤْلاً -أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا- فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [مسلم: ٢٠٠ - فتح ١١/ ٩٦] حدثنا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ" وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: قَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤْلًا -أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا-

стр. 17571

فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ". هذا الباب ذكره ابن بطال في أواخر (شرحه) (١) بعد الفتن، -ولا أدري لما فعل ذلك (٢) - ومعنى الآية: إن شئت (فضلاً مني) (٣) كقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. وروي عن ابن عباس ﵄: ليس من عبد يدعو الله إلا استجاب له، وإن كان الذي دعا به رزقًا له في الدنيا، أعطاه إياه، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا ادخر له. وروي: "ما من داعٍ يدعو الله إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له؛ يعطى ما سأل، أو يصرف عنه به، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه به" (٤). ومعنى داخرين: أذلاء صاغرين. ثم قال البخاري: وَلِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ. ثم ساق من حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ". وقال معتمر: سمعت أبي عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كل نبي سأل سؤالًا -أو قال- لكل نبي دعوة قد دعاها فاستجيبت فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".

стр. 17572

الشرح: هذا التعليق أخرجه مسلم (في الإيمان) (١) من حديث محمد بن العلاء، ثنا المعتمر به (٢)، وعنده في حديث أبي هريرة "وأردت إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٣) وفي رواية: "فتعجل كل نبي دعوته، وإني أختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" (٤)، وفي رواية: "لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب فيؤتاها وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٥) (وفي رواية) (٦): "لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب، وأريد أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٧). وهذا من حسن نظره - عليه أفضل الصلاة والسلام -؛ حيث اختار أن تكون دعوته فيما ينبغي، ومن فضل كرمه أن جعلها لأمته شفاعة للمذنبين، فكأنه ﵇ هيأ النجائب للمنقطعين؛ ليلحقهم بالسابقين. نبه عليه ابن الجوزي. وقوله: ("دعا بها في أمته") يحتمل وجهين: أن يكون دعا بها لنفسه. وهو فيهم، أو دعا بها فيهم إما لصلاحهم، أو لهلاكهم.

стр. 17573

ومعنى: "لكل نبي دعوة" أي: أفضل دعائه، وكذا قوله: (كل نبي سأل سؤالًا" (١). والسؤال: ما يسأله المرء، قال تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] قرئ بالهمز وتركه. ولهم دعوات غير ذلك: فالنبي ﷺ سأل ألا تهلك أمته بالسنين فأعطيها، وسأل ألا يسلط عليهم عدوهم، وسأل ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، وجعل بأسهم بينهم كفارات (٢). وقوله: " (لكل نبي دعوة مستجابة") هذِه دعوة تخص كل نبي لدنياه، مثل قول نوح ﵇: ﴿لَا تَذَرْ على الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦]، ومثل قولة زكريا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]، ومثل قول سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] فاختباؤه ﵇ دعوته لأمته؛ رأفة بهم ورحمة عليهم لوقت شدتهم واحتياجهم وانقطاع أعمالهم، قال عمر بن عبد العزيز: لأنا أخوف من أن أحرم الدعاء من أن أمنع الإجابة. وقال ابن عيينة: لو يسر كفار جهنم إلى الدعاء بالخروج لخرجوا، ولكنهم إنما نادوا ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٧] وقد علم سبحانه أنهم سيعودون لو أخرجوا، فلو لم يشترطوا أنهم لا يعودون وأخلصوا الدعاء لخرجوا. فصل: أمر الله عباده بالدعاء وضمن لهم الإجابة في الآية المذكورة. وقيل: المعنى ادعوني بطاعتكم إياي، استجب لكم في الذي التمستم منى بعبادتكم إياي، ومن طاعة العبد ربه دعاؤه إياه، ورغبته في حاجته إليه دون ما سواه، والمخلص له العبادة المتضرع إليه في حاجته،

стр. 17574

موقن أن قضاءها بيده، مفترض لعجزها منه، ومن عبادته إياه تضرعه إليه فيها. وقد روي عن وكيع، عن سفيان، عن صالح -مولى التوأمة- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يدع الله غضب (الله) (١) عليه" (٢). وروى شعبة، عن منصور، عن ذر، عن يُسَيع الحضرمي، عن النعمان ابن بشير، عن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" وقرأ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ (٣) [غافر: ٦٠] فسمى الدعاء عبادة. وروى الأوزاعي عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، أنه ﵇ قال: "إن الله يحب الملحين في الدعاء" (٤).

стр. 17575

فإن قلتَ: قول أبي الدرداء: يكفي من الدعاء مع العمل ما يكفي من الطعام مع الملح. وقيل لسفيان: ادع الله. قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء، مخالف لما جاء في فضل الإلحاح في الدعاء، والأمر بالدعاء والضراعة إلى الله. قلتُ: لا؛ لأن الذي جبلت عليه النفوس، أن من طلب حاجة ممن هو ساخط عليه لأمرٍ تقدم منه، استوجب به سخطه، أنه بالحرمان أولى، ممن هو عنه راض لطاعته له واجتنابه سخطه فإذا علم من عبده المطيع له حاجة إليه، كفاه اليسير من الدعاء. فإن قلتَ: فما علامة الإجابة؟ قلتُ: روى شَهْر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له: يا شهرُ، إن شفق المؤمن في قلبه كسعفة أحرقتها في النار، ثم قالت: يا شهر، ألا تجد القشعريرة؟ قلت: نعم قالت: فادع الله؛ فإن الدعاء يستجاب عند ذلك. وروى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير أنه سمع أبا رهم السماعي يقول: ما يشعر به عند الدعاء العطاس. فصل: فإن قلت: ما معنى قوله: "لكل نبي دعوة مستجابة" وقد قال تعالى للناس كافة: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فعم كل الدعاء، وهذا وعد من الله لعباده وهو لا يخلف الميعاد، وإنما خص كل نبي بدعوة واحدة مستجابة فأين فضل درجة النبوة. قيل: ليس الأمر كما ظننت ولا تدل الآية على أن كل دعاء مستجاب لداعيه، وقد قال قتادة: إنما يستجاب من الدعاء ما وافق القدر. وليس الحديث مما يدل أنه
следующие страницы →