← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 17571–17610 · переход к 17576.

стр. 17571

فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ". هذا الباب ذكره ابن بطال في أواخر (شرحه) (١) بعد الفتن، -ولا أدري لما فعل ذلك (٢) - ومعنى الآية: إن شئت (فضلاً مني) (٣) كقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. وروي عن ابن عباس ﵄: ليس من عبد يدعو الله إلا استجاب له، وإن كان الذي دعا به رزقًا له في الدنيا، أعطاه إياه، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا ادخر له. وروي: "ما من داعٍ يدعو الله إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له؛ يعطى ما سأل، أو يصرف عنه به، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه به" (٤). ومعنى داخرين: أذلاء صاغرين. ثم قال البخاري: وَلِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ. ثم ساق من حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ". وقال معتمر: سمعت أبي عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كل نبي سأل سؤالًا -أو قال- لكل نبي دعوة قد دعاها فاستجيبت فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".

стр. 17572

الشرح: هذا التعليق أخرجه مسلم (في الإيمان) (١) من حديث محمد بن العلاء، ثنا المعتمر به (٢)، وعنده في حديث أبي هريرة "وأردت إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٣) وفي رواية: "فتعجل كل نبي دعوته، وإني أختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" (٤)، وفي رواية: "لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب فيؤتاها وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٥) (وفي رواية) (٦): "لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب، وأريد أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٧). وهذا من حسن نظره - عليه أفضل الصلاة والسلام -؛ حيث اختار أن تكون دعوته فيما ينبغي، ومن فضل كرمه أن جعلها لأمته شفاعة للمذنبين، فكأنه ﵇ هيأ النجائب للمنقطعين؛ ليلحقهم بالسابقين. نبه عليه ابن الجوزي. وقوله: ("دعا بها في أمته") يحتمل وجهين: أن يكون دعا بها لنفسه. وهو فيهم، أو دعا بها فيهم إما لصلاحهم، أو لهلاكهم.

стр. 17573

ومعنى: "لكل نبي دعوة" أي: أفضل دعائه، وكذا قوله: (كل نبي سأل سؤالًا" (١). والسؤال: ما يسأله المرء، قال تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] قرئ بالهمز وتركه. ولهم دعوات غير ذلك: فالنبي ﷺ سأل ألا تهلك أمته بالسنين فأعطيها، وسأل ألا يسلط عليهم عدوهم، وسأل ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، وجعل بأسهم بينهم كفارات (٢). وقوله: " (لكل نبي دعوة مستجابة") هذِه دعوة تخص كل نبي لدنياه، مثل قول نوح ﵇: ﴿لَا تَذَرْ على الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦]، ومثل قولة زكريا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]، ومثل قول سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] فاختباؤه ﵇ دعوته لأمته؛ رأفة بهم ورحمة عليهم لوقت شدتهم واحتياجهم وانقطاع أعمالهم، قال عمر بن عبد العزيز: لأنا أخوف من أن أحرم الدعاء من أن أمنع الإجابة. وقال ابن عيينة: لو يسر كفار جهنم إلى الدعاء بالخروج لخرجوا، ولكنهم إنما نادوا ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٧] وقد علم سبحانه أنهم سيعودون لو أخرجوا، فلو لم يشترطوا أنهم لا يعودون وأخلصوا الدعاء لخرجوا. فصل: أمر الله عباده بالدعاء وضمن لهم الإجابة في الآية المذكورة. وقيل: المعنى ادعوني بطاعتكم إياي، استجب لكم في الذي التمستم منى بعبادتكم إياي، ومن طاعة العبد ربه دعاؤه إياه، ورغبته في حاجته إليه دون ما سواه، والمخلص له العبادة المتضرع إليه في حاجته،

стр. 17574

موقن أن قضاءها بيده، مفترض لعجزها منه، ومن عبادته إياه تضرعه إليه فيها. وقد روي عن وكيع، عن سفيان، عن صالح -مولى التوأمة- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يدع الله غضب (الله) (١) عليه" (٢). وروى شعبة، عن منصور، عن ذر، عن يُسَيع الحضرمي، عن النعمان ابن بشير، عن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" وقرأ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ (٣) [غافر: ٦٠] فسمى الدعاء عبادة. وروى الأوزاعي عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، أنه ﵇ قال: "إن الله يحب الملحين في الدعاء" (٤).

стр. 17575

فإن قلتَ: قول أبي الدرداء: يكفي من الدعاء مع العمل ما يكفي من الطعام مع الملح. وقيل لسفيان: ادع الله. قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء، مخالف لما جاء في فضل الإلحاح في الدعاء، والأمر بالدعاء والضراعة إلى الله. قلتُ: لا؛ لأن الذي جبلت عليه النفوس، أن من طلب حاجة ممن هو ساخط عليه لأمرٍ تقدم منه، استوجب به سخطه، أنه بالحرمان أولى، ممن هو عنه راض لطاعته له واجتنابه سخطه فإذا علم من عبده المطيع له حاجة إليه، كفاه اليسير من الدعاء. فإن قلتَ: فما علامة الإجابة؟ قلتُ: روى شَهْر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له: يا شهرُ، إن شفق المؤمن في قلبه كسعفة أحرقتها في النار، ثم قالت: يا شهر، ألا تجد القشعريرة؟ قلت: نعم قالت: فادع الله؛ فإن الدعاء يستجاب عند ذلك. وروى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير أنه سمع أبا رهم السماعي يقول: ما يشعر به عند الدعاء العطاس. فصل: فإن قلت: ما معنى قوله: "لكل نبي دعوة مستجابة" وقد قال تعالى للناس كافة: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فعم كل الدعاء، وهذا وعد من الله لعباده وهو لا يخلف الميعاد، وإنما خص كل نبي بدعوة واحدة مستجابة فأين فضل درجة النبوة. قيل: ليس الأمر كما ظننت ولا تدل الآية على أن كل دعاء مستجاب لداعيه، وقد قال قتادة: إنما يستجاب من الدعاء ما وافق القدر. وليس الحديث مما يدل أنه

стр. 17576

لا يستجاب للأنبياء إلا دعوة واحدة، وقد أجيبت لسيدنا رسول الله ﷺ دعوات بأسانيد ثابتة كما سلف، ومنها دعاؤه على المشركين بسبع كسبع يوسف (١)، ودعاؤه على صناديد قريش المعاندين له فقتلوا يوم بدر (٢)، وغير ذلك مما يكثر إحصاؤه مما أجيب من دعائه، بل لم يبلغنا أنه ردَّ من دعائه إلا سؤاله ألا يجعل (الله تعالى) (٣) بأس أمته بينهم خاصة كما سلف؛ لما سبق في أم الكتاب من كون ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. فصل: قد سلف معنى قوله: "لكل نبي دعوة مستجابة" وعبارة ابن بطال: يريد أن لكل نبي دعوة عند الله من رفيع الدرجة، وكرامة المنزلة أن جعل له أن يدعوه فيما أحب من الأمور، ويبلغه أمنيته فيدعو في ذلك وهو عالم بالإجابة، على ما ثبت عنه أن جبريل قال: "يا محمد إن أردت أن يحول الله لك جبال تهامة ذهبًا فعل"، وخيره الله بين أن يكون نبيًّا عبدًا، ونبيًا ملكًا، فاختار الآخرة على الدنيا (٤)، وليست هذِه (الدرجة) (٥) لأحد من الناس، وإنما أمرنا بالدعاء راجين الإجابة (غير) (٦) قاطعين عليها ليقفوا (بين) (٧) الرجاء والخوف.

стр. 17577

فصل: وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا على سائر الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- حين آثر أمته بما خصه الله به من إجابة الدعوة بالشفاعة له، ولم يجعل ذلك في خاصة نفسه وأهل بيته، فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء، وصلى الله عليه أطيب الصلاة، (فهو) (١) كما وصفه الله ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٢).

стр. 17578

٢ - باب أَفْضَلِ الاسْتِغْفَارِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢]، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥]. ٦٣٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِى وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، اغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ». قَالَ: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». [٦٣٢٣ - فتح ١١/ ٩٧] ثم ساق حديث بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ العَدَوِيِّ عن شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ﵁، أن النَّبِيِّ ﷺ قال: "سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إله إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ". قَالَ: "مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ". هذا الحديث أخرجه البخاري عن أبي معمر، ثنا عبد الوارث: حدثني الحسين (١) -هو ابن ذكوان- ثنا عبد الله بن بريد، عن بشير،

стр. 17579

عن شداد به. وأخرجه الترمذي من حديث الحسين بن حريث، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن عثمان بن ربيعة، عن شداد به. ثم قال: حسن غريب من هذا الوجه (١). وأخرجه النسائي من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت وأبي العوام، عن ابن بريدة، أن ناسًا من أهل الكوفةكانوا في سفر ومعهم شداد. فذكره (٢). وعند أبي داود والنسائي رواه الوليد بن ثعلبة الطائي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قوله (٣). وأخرجه أبو نعيم في "عمل يوم وليلة" عن علي بن هارون، ثنا موسى بن هارون، ثنا علي بن حرب، ثنا يزيد بن الحباب، ثنا كثير بن زيد، عن المغيرة بن شعبة، عن شداد أنه ﵇ قال له: "يا شداد، ألا أدلك على سيد الاستغفار". الحديث. ثم قال: رواه الحسين بن ذكوان عن ابن بريدة، عن بشير. ورواه محمد بن حبيب، عن السري، عن يحيى، عن هشام، عن أبي الزهير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ مثله. قال: والاستغفار يكفر الذنوب التي لا توجب على مرتكبها حكمًا في نفس ولا مال، وإن كان ذنبه من الكبائر، وأما من أوجب عليه في نفسه وماله حكمًا؛ لارتكابه ذلك الذنب، فالاستغفار لا يجزئه من

стр. 17580

دون إقامة ذلك الحكم والخروج منه؛ لأن قوله ﵇: "من قال: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفرت ذنوبه وإن كان فر من الزحف" (١). لأن الفرار منه وإن كان من الكبائر فهو من الذنوب التي لا توجب على مرتكبه حكمًا في نفس ولا مال، ولله أن يعفو أو يصفح عن كل ذنب دون الشرك، للآية الكريمة. فصل: والمدرار في الآية: المطر، أي: مدر ماء. والآية الثانية روي عن علي ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، فحدثني أبو بكر ﵁ وصدق أبو بكر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر فيحسن الطهور ثم يستغفر الله إلا غفر له". ثم تلا هذِه الآية (٢).

стр. 17581

ومعنى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾: لم يمضوا، قاله مجاهد، والمعروف أصر إذا دام، وفي الحديث: "ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة" (١). وقيل: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يعلمون أنهم إن (تابوا) (٢) تاب الله عليهم. فصل: وقوله: ("سيد الاستغفار"): أي: أفضله وأعظمه نفعًا؛ لأن فيه الإقرار بالإلهية والعبودية، وأن الله خالق، وأن العبد مخلوق. وقوله: ("وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت"). يعني: العهد الذي أخذه الله على عباده في أصل خلقهم حين أخرجهم من أصلاب آبائهم أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟! قالوا: بلى. فأقروا له في أصل خلقهم بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية. والوعد: ما وعدهم أنه من مات منهم لا يشرك بالله شيئًا وأدى ما افترض (الله) (٣) عليه أن يدخله الجنة. فينبغي لكل مؤمن أن يدعو الله أن يميته على ذلك العهد، وأن يتوفاه على الإيمان؛ لينال ما وعد مَنْ وفي بذلك؛ اقتداء بالشارع في دعائه بذلك، ومثل ذلك سأل الأنبياء ربهم في دعائهم فقال إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي

стр. 17582

مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقال أيضًا نبينا - عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام -: "وإذا أردت بقوم فتنة قاقبضني إليك غير مفتون" (١). وأعلم ﵇ أمته بقوله: "أنا على عهدك ووعدك ما استطعت". أن أحدًا لا يقدر على الإتيان بجميع ما امتن الله عليه، ولا الوفاء بكمال الطاعات، والشكر على النعم، إذ نعمه تعالى كثيرة ولا يحاط بها، ألا ترى قوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] فمن يقدر مع هذا أن يؤدي شكر النعم الظاهرة، فكيف الباطنة! لكن قد رفق الله بعباده فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم، وتجاوز عما فوق ذلك، وكان ﵇ يمتثل هذا المعنى في مبايعته للمؤمنين فيقول: "أنا معكم على السمع والطاعة فيما استطعتم" (٢). وقال ابن التين: يريد: أنا على ما عهدتك عليه، وأوعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك ما استطعت من ذلك. وقد يكون معناه: إني مقيم على ما عهدت إليَّ من أمرك، ومتمسك بك ومنتجز وعدك في المثوبة والأجر عليه. واشتراطه في ذلك الاستطاعة معناه: الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى، (ثم قال: قاله أبو سليمان -يعني الخطابي) (٣) (٤) -.

стр. 17583

وقال الداودي: عهد الله الإسلام، ووعده الإقرار بالجزاء يوم الدين. (قال) (١): وقوله "ما استطعت" أي: من قول أو عمل. فصل: فإن قلت: أين لفظ الاستغفار في هذا الدعاء، وقد سماه الشارع سيد الاستغفار؟ قيل: الاستغفار في لسان العرب: هو طلب المغفرة من الله. وسؤاله غفران الذنوب السالفة، والاعتراف بها، وكل دعاء كان فيه هذا المعنى فهو استغفار. مع أن في الحديث لفظ الاستغفار، وهو قوله: "فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". فصل: معنى: "أبوء": أقر بنعمتك وألزمها نفسي، وأصل البواء: اللزوم، يقال: أباء الإمام فلانًا بفلان إذا ألزمه دمه وقتله به، وفلان بواءٌ لفلان إذا قتل به، وهو كقوله: بوأه الله منزلًا. أي: ألزمه الله إياه وأسكنه إياه. وعبارة صاحب "الأفعال": باء بالذنب: أقر (٢)، أي: أقر بالنعمة والاستغفار والذنب. وقيل: "أبوء بذنبي" أي: أحمله كرهًا، لا أستطيع صرفه عن نفسي، ومنه ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]. فصل: (قوله) (٣): "من قالها موقنًا بها .. " إلى آخره. يعني: مخلصًا من قلبه، ومصدقًا بثوابها فهو من أهل الجنة، وهذا كقوله ﵇: "من قام

стр. 17584

رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١) وقال الداودي: هذا يحتمل أن يكون من قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وعادته التبشير بالشيء، ثم (باء) (٢) بأفضل منه لا بأقل مع ارتفاع الأول. ويحتمل أن يكون ذلك ناسخًا، وأن يكون فيمن قاله. و"مات": قبل فعل ما يغفر لديه ذنوبه.

стр. 17585

٣ - باب اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ٦٣٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً». [فتح ١١/ ١٠١] ذكر فيه حديث أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "والله إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً". الشرح: أراد ﷺ بذلك تعليم أمته وملازمته الخضوع والعبودية، والاعتراف بالتقصير، وإلا فهو مبرأ من كل نقص، قال ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً" (١)، وقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (٢)، وقال: "إني أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقى" (٣)، وهذا أولى من قول ابن الجوزي: هفوات الطباع (ما يسلم) (٤) منها أحد، فالأنبياء وإن عصموا من الكبائر، فلم يعصموا من الصغائر، وتتحدد للطبع غفلات (٥) تفتقر إلى الاستغفار، فإن المختار عصمتهم منها أيضًا.

стр. 17586

وقال بعضهم: إنه لم يزل في الترقي، فإذا ترقى إلى حال، رأى ما قبلها دونه، استغفر منه، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين (١). وما ألطفه، ومثله المراد به عن الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه على الدوام عليه، أو هَمَّه بسبب أمته، وما اطلع عليه من أحوالها بعد، أو سببه اشتغاله بالنظر في مصالح الأمة عن عظيم مقامه، أو شكرًا لما أُولي. ولا شك أن أولى العباد بالاجتهاد في العبادة الأنبياء؛ لما حباهم به من معرفته، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير ولا يُدلّون عليه بالأعمال؛ مستكنون خاشعون، قال أبو هريرة ﵁ -فيما رواه مكحول عنه-: ما رأيت أحدًا أكثر استغفارًا من رسول الله ﷺ ، وقال مكحول: ما رأيت (أحدًا) (٢) أكثر استغفارًا من أبي هريرة. وكان مكحول كثير الاستغفار وقال أنس: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين مرة (٣). وروى أبو إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ فسمعته يقول: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه" مائة مرة قبل أن يقوم (٤).

стр. 17587

وروي عن حذيفة أنه شكا إلى رسول الله ﷺ ذرب لسانه على أهله، فقال: "أين أنت يا حذيفة من الممحاة؟ " قال: وما هي؟ قال: "الاستغفار، إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" (١). وقال ﵇ لعائشة ﵂ وقت الإفك: "إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه" (٢). وروي أن التوبة (من الذنب) (٣): الندم والاستغفار، وقالت عائشة ﵂: كان ﵇ قبل أن يموت يكثر من قوله: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه". فسألته عن ذلك، فقال: "أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من ذلك، فقد رأيتها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ " (٤). وقال أبو أيوب الأنصاري: ما من مسلم يقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. ثلاث مرات إلا غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر، وإن كان فر من الزحف. وكان ابن عمر ﵄ كثيراً ما يقول: الحمد لله وأستغفر الله. فقيل له في ذلك، فقال: إنما هي نعمة فأحمد الله عليها، أو خطيئة فأستغفر الله منها. وقال عمر بن عبد العزيز: رأيت أبي في النوم كأنه في بستان فقلت له: أي عملك وجدت أفضل؟ قال: الاستغفار.

стр. 17588

وروى أبو عثمان عن سلمان ﵁ قال: إذا كان العبد يدعو الله في الرخاء فنزل به البلاء فدعا، قالت الملائكة: صوت معروف من امرئ ضعيف فيشفعون له. وإذا كان لا يكثر من الدعاء في الرخاء فنزل به البلاء فدعا، قالت الملائكة: صوت منكر من امرئ ضعيف فلا يشفعون له. ولم يزد ابن التين في شرح هذا الحديث على أن قال: في بعض الأثر عنه ﵇ "من استغفر الله تعالى سبعين مرة غفر له سبعمائة خطيئة"، وأي عبد أو أمة تذنب كل يوم سبعمائة ذنب؟ فائدة: فوائد الاستغفار: محو الذنوب، وستر العيوب، وإدرار الرزق، وسلامة الخلق، والعصمة في المال، وحصول الآمال، وجريان البركة في الأموال، وقرب المنزلة من الديان، (فالثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور؛ ليزول الأثر؛ وتنشرح الصدور) (١).

стр. 17589

٤ - باب التَّوْبَةِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ. ٦٣٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ على أَنْفِهِ. فَقَالَ بِهِ هَكَذَا -قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ- ثُمَّ قَالَ: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلاً وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي. فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ». تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَجَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ. وَقَالَ شُعْبَةُ وَأَبُو مُسْلِمٍ: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ. وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. [مسلم: ٢٧٤٤ - فتح ١١/ ١٠٢] ٦٣٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَحَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ». [مسلم: ٢٧٤٧ - فتح ١١/ ١٠٢]

стр. 17590

ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث أَبي شِهَابٍ -واسمه عبد ربه بن نافع الحناط المدائني، أصله كوفي، ومات بالموصل سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، اتفقا عليه، وعلى عبد ربه بن سعيد، أخي يحيى بن سعيد، وانفرد مسلم بأبي نعامة عبد ربه، سعدي بصري. روى عن النهدي وأبي نضرة- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِه، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا -قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ- ثُمَّ قَالَ: "لله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ العبد مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي. فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ". تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَجَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. وَقَالَ (أَبُو أُسَامَةَ) (١): ثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ: سَمِعْتُ الحَارِثَ. وَقَالَ شُعْبَةُ وَأَبُو مُسْلِمٍ وهو قائد الأعمش واسمه عبيد الله بن سعيد، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ. وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ.

стр. 17591

الحديث الثاني: حدثنا إِسْحَاقُ، ثَنَا حَبَّانُ، أيْ: بفتح الحاء والباء الموحدة، ثَنَا هَمَّامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عن أَنَس بْنُ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَحَدَّثَنَا هُدْبَةُ، ثَنَا هَمَّامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ". الشرح: الكلام عليه من وجوه: أحدها: الذي رواه عن نفسه هو من أوله إلى قوله فوق أنفه، وإن كان روي رفعها، ولكنها واهية، كما نبه عليها أبو أحمد الجرجاني، والمرفوع من قوله: "لله أفرح" إلى آخره. ومتابعة جرير وأبي أسامة. أخرجها مسلم عن عثمان وإسحاق عنهما، عن الأعمش ثنا الحارث بن سويد (١). وقال البزار: ثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن الأعمش، عن عمارة، عن الحارث، عن عبد الله، وعن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بنحوه (٢).

стр. 17592

ومتابعة أبي معاوية أخرجها النسائي عن أحمد بن حرب، عنه، عن الأعمش، عن عمارة، عن الحارث والأسود، وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث، عن عبد الله: "لله أفرح بتوبة عبده". الحديث (١). وأخرجه الترمذي، عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة (بن عمير) (٢)، عن الحارث بن سويد، ثنا عبد الله بحديثين الحديث، ثم قال: صحيح (٣). ومتابعة أبي عوانة، أخرجها الإسماعيلي عن الحسن، ثنا محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن حماد عنه. ثانيها: مراده بالناصحة التي لا مداهنة فيها، (وقد فسرها البخاري عن قتادة: بأنها الصادقة) (٤). قال صاحب "العين": التوبة النصوحة: الصادقة (٥). وقيل: إنما سيمت بذلك؛ لأن العبد ينصح فيها نفسه ويقيها النار؛ لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] وأصل نصوحًا: توبة منصوحًا فيها، إلا أنه أخبر عنها باسم الفاعل للنصح على ما ذكره سيبويه، عن الخليل، في قوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ١١] أي: ذات رضا وذكر أمثلة لهذا كثيرة عن العرب، كقولهم: ليل نائم

стр. 17593

وهم ناصب، (أي: ينام فيه) (١) وينصب (٢)، وكذلك توبة نصوحًا أي: ينصح فيها. وقال عمر بن الخطاب ﵁: هي أن يتوب من الذنب ثم لا يعود. وقال أبو إسحاق: بالغة في النصح، مأخوذ من النصح، وهي الخياطة كأن العصيان يخرق والتوبة ترقع. والنصاح: الخيط الذي يخاط به، وقيل: مثله في الحديث الآخر: من اغتاب خرق، ومن استغفر رَفَأَ، وقيل: هو مأخوذ من: نصحت الإبل في الشرب أي قصدت. وقرأ عاصم: (نُصوحًا) بضم النون (٣)، أي: ذات نصح. ومعنى "أفرح": أرضى بالتوبة، وأقبل لها. والمهلَكة والمهلِكة: المفازة. قاله في "الصحاح" (٤). ومعنى: "سقط على بعيره": عثر على موضعه وظفر به، ومنه قولهم: على الخبير سقطت. وقوله (أضله) قال ابن السكيت: أضللت بعيري: إذا ذهب منى، وضللت المسجد والدار إذا لم تعرف موضعهما (٥)، وكذلك كل شيء لا يهتدى له.

стр. 17594

الثالث: التوبة: فرض من الله على كل من علم من نفسه ذنبًا صغيرًا أوكبيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ على اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] فكل مذنب فهو عند مواقعة الذنب جاهل، وإن كان عالمًا، ومن تاب قبل الموت تاب من قريب. وقال ﵇: "الندم توبة" (١)، وقال: "إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة" قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "يكون بين عينيه تائبًا منه فارًّا حتى يدخل الجنة" (٢). وقال سفيان بن عيينة: التوبة نعمة من الله تعالى أنعم بها على هذِه الأمة دون غيرهم من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل. وقال الزهري: لما قيل لهم: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] قاموا صفين، وقتل بعضهم بعضًا حتى قيل لهم: كفوا فكانت لهم شهادة للمقتول وتوبة للحي، وإنما رفع الله عنهم القتل

стр. 17595

لما بذلوا المجهود في قتل أنفسهم، فما أنعم الله على هذِه الأمة نعمة بعد الإسلام، هي أفضل من التوبة. إن الرجل ليفني عمره، وما أفنى منه في المعاصي والآثام، ثم يندم على ذلك ويقلع عنه فيحطها الله عنه، ويقوم وهو حبيب الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقال ﵇ "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١). وقال ابن المبارك: حقيقة التوبة لها ست علامات: أولها: الندم على ما مضى، الثانية: العزم على ألا يعود، والثالثة: أن (يعمد) (٢) إلى كل فرض ضيعه فيؤديه، والرابعة: أن يعمد إلى مظالم العباد فيؤدي إلى كل ذي حق حقه، والخامسة: أن تعمد إلى (البدن) (٣) الذي ربيته بالسُحت والحرام فتذيبه بالهموم، والأحزان، حتى يلصق الجلد بالعظم، ثم تنشئ بينهما لحمًا طيبًا، إن هو نشأ. والسادسة: أن تذيق البدن ألم الطاعة كما أذقته لذة المعصية. وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵄ (قال) (٤): كم من تائب يرد يوم القيامة يظن أنه تائب وليس بتائب؛ لأنه لم يحكم أبواب

стр. 17596

التوبة (١)، وقال عبد الله بن سميط: ما دام قلب العبد مصرًّا على ذنب واحدٍ فعمله معلق في الهواء، فإن تاب من ذلك الذنب وإلا بقي عمله أبدًا معلقًا. وروى الأصيلي عن أبي القاسم يعقوب بن محمد بن صالح (المصري) (٢) إلى عبد الوهاب، عن محمد بن زياد، عن علي ابن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: إذا تاب عبدي إلىّ نسَّيت جوارحه ونسَّيت البِقَاع ونسَّيت حافظيه حتى لا يشهدوا عليه" (٣). فصل: وفي حديث ابن مسعود الذي حدث عن نفسه أنه ينبغي لمن أراد أن يكون من جملة المؤمنين أن يخشى ذنوبه؛ ويعظم خوفه منها ولا يأمن عقاب الله تعالى فيستصغرها، فإن الله (يعاقب) (٤) على القليل وله الحجة البالغة في ذلك. فصل: أسلفنا معنى فرح الربِّ ﷻ بتوبة العبد، وهو ما صرح به ابن فورك، حيث قال: الفرح في كلام العرب بمعنى السرور، من ذلك قوله: ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢] أي: سُرُّوا، ولا يليق ذلك بالله؛ لا يقتضي جواز الحاجة (عليه) (٥) ونيل المنفعة، وبمعنى البطر والأشر ومنه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وبمعنى: الرضى من

стр. 17597

قوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] أي: راضون، ولما كان من يُسَرُّ بالشيء قد رضيه، قيل: إنه فرح به على معنى أنه به راضٍ، وعلى هذا تتأول الآثار؛ لأن البطر والسرور لا يليقان بالرب ﷻ (١). فصل: للتوبة أركان: الندم على ما وقع، والعزم على ألا تعود، والإقلاع عن المعصية، فإن تعلقت بآدمي (توقف على) (٢) استحلاله منه، وهي فرض على الإنسان إجماعًا في كل وقت وآن، ومن كل ذنب أو غفلة أو تقصير في كمال. وما منا أحد خلا من ذلك بالقلب والجوارح (واللسان) (٣)، وأصلها الرجوع، وعلامتها حسن الحال، وصدق المقال، وخلق الله لها في الحال، (وتجب في) (٤) الحرام، وتستحب في المكروه، وتوبة الزهاد عن الشهوات، والمقربين عن الشبهات. فمن لطفه بنا توبة من قبلنا بالقتل بالمحدد، وتوبتنا بإظهار الندم والتجلد، وتلك في لحظة، وتوبتنا مستمرة ولله الحمد.

стр. 17598

وفي التوبة والاستغفار معنى لطيف؛ وهو استدعاء محبة الله كما سلف، لا جرم جرى عليها السلف والخلف، والأنبياء أكثروا منها، ومن الاستغفار، والأوبة والإنابة في كل حين، والبراءة من الحوبة استدعاء للمحبة، والاستغفار فيه معني التوبة: قال ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ على النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧]. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣].

стр. 17599

٥ - باب الضَّجْعِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ ٦٣١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ على شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَجِئَ الْمُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ. [انظر: ٦٢٦ مسلم: ٧٢٤، ٧٣٦ - فتح ١١/ ١٠٨] بفتح (١) الضاد وإسكان الجيم، ضجع الرجل: وضع جنبه بالأرض يضجع ضجعًا وضجوعًا فهو ضاجع، ومن العرب من يزعم فيقول: اضطجع. وحكي الطَجع (باللام) (٢) كراهة الجمع بين حرفين مطبقين، فيبدل مكان الضاد أقرب الحروف إليها وهي اللام. ثم ساق حديث عَائِشَةَ ﵂ السالف: كَانَ ﵇ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَجِيءَ المُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ (٣). الشرح: هذِه هيئة من الهيئات كان يفعلها ﵇ -والله أعلم- للأرفق به في الاضطجاع، وإن كان يفعلها لفضل (الميامن) (٤) على المياسر -ذكره ابن بطال -وهو مباح ليس من باب الوجوب (٥).

стр. 17600

٦ - باب إِذَا بَاتَ طَاهِرًا وفضله ٦٣١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، وَقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِى إِلَيْكَ، رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ». فَقُلْتُ: أَسْتَذْكِرُهُنَّ: وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. قَالَ: «لَا، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ». [انظر: ٢٤٧ - مسلم: ٢٧١ - فتح ١١/ ١٠٩] ساق فيه حديث البَرَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، وَقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وجهي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، واجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ". فَقُلْتُ: أَسْتَذْكِرُهُنَّ: وَبِرَسُولِكَ الذِي أَرْسَلْتَ. قَالَ: "لَا، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلْتَ". هذا الحديث أخرجه البخاري، عن مسدد، ثنا (معتمر) (١) سمعت منصورًا، عن سعد بن عبيدة، حدثني البراء ﵁. قال الإسماعيلي: ورواه إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن الحكم، عن سعد بن عبيدة. ومعنى: "إذا أتيت مضجعك" يعني: إذا أردت النوم فيه، وهو بفتح

стр. 17601

الميم، والمقصود: النوم على طهارة، فإن كان على طهارة كفاه، وفائدته: مخافة أن يموت في ليلته فيموت على طهارة؛ لأنه أصدق لرؤياه، وأبعد من لعب الشيطان به في منامه، وترويعه إياه. وقد بين ابن عباس معنى المييت على طهارة، فيما ذكره عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عيَّاش، قال: أخبرني أبو يحيى أنه سمع مجاهدًا يقول: قال لي ابن عباس: لا تنامَنَّ إلا على وضوء؛ فإن الأرواح تبعث على ما قبضت عليه (١). وهذا معنى قوله: "فإن مت مت على الفطرة". وذكر عن الأعمش أنه قال: ثم تيمم بالجدار، فقيل له في ذلك، فقال: (إني) (٢) أخاف أن يدركني الموت، قبل أن أتوضأ (٣). وعن الحكم بن عتيبة أنه سأله رجل: أينام الرجل على غير وضوء؟ قال: يكره ذلك، وإنا لنفعله (٤). وروى معمر، عن سعيد الجُريري، عن أبي السليل، عن أبي توبة العجلي، قال: من أوى إلى فراشه طاهرًا أو نام ذاكرًا، كان فراشه مسجدًا، وكان في صلاة أو ذكر، حتى يستيقظ (٥). وقال طاوس: من بات على طُهرٍ وذِكرٍ، كان فراشه له مسجدًا حتى يصبح. ومثل هذا لا يدرك بالرأي، وإنما يؤخذ بالتوقيف.

стр. 17602

فصل: والاضطجاع على الشق الأيمن لشرفه، وقد كان يحب التيامن (١)، ولأنه أسرع إلى الانتباه. فصل: وقوله: "أسلمت وجهي إليك" روي: "نفسي" (٢) أي: استسلمت وجعلت نفسي منقادة لك طائعة لحكمك، والوجه والنفس هنا بمعنى الذات كلها يقال: أسلم ويسلم واستسلم بمعنى. ومعنى: "ألجأت ظهري إليك": توكلت عليك واعتمدتك في أمري كله، كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده. وقوله: "رغبة ورهبة" أي: طمعًا في ثوابك وخوفًا من عقابك، و"الفطرة": الإسلام. فصل: واختلف العلماء في سبب إنكاره على قائل: (وبرسولك) فقيل: لأن قوله: (وبرسولك) يحتمل غيره من حيث اللفظ كجبريل وغيره من الملائكة. وفيه بُعد؛ لأن الرسول يتضمن النبوة. واختيار المازري (٣)

стр. 17603

وغيره؛ أن سببه أنه ذِكرٌ ودعاءٌ فينبغي فيه الاقتصار على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء (١) بالحروف (٢)، ولعله أوحي إليه هذِه الكلمات، فيتعين أداؤها بحروفها. وقيل: لأن قوله: ("ونبيك الذي أرسلت") فيه جزالة من حيث صنعة الكلام، وفيه جمع للنبوة والرسالة فإذا غيره فات هذان الامران مع ما فيه من تكرير لفظ رسول وأرسلت، وأهل البلاغة يعيبونه، والمعروف أن الرسالة من لوازمها النبوة بخلاف العكس. وقال الداودي: في الأول جمع بينهما بخلاف ما إذا قال: (ورسولك) وقد ذكر الله بقوله: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١] قال: ويظهر لي ثم ذكر الأول. فصل: واحتج بعض العلماء بهذا الحديث على منع الرواية بالمعنى، وأجاب المجوزون عنه بأن المعنى يختلف. ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى.

стр. 17604

٧ - باب مَا يَقُولُ إِذَا نَامَ ٦٣١٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا». وَإِذَا قَامَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ». [٦٣١٤، ٦٣٢٤، ٧٣٩٤ - فتح ١١/ ١١٣] ٦٣١٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ رَجُلاً. وَحَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -أَوْصَى رَجُلاً فَقَالَ: «إِذَا أَرَدْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ». [انظر: ٢٤٧ - مسلم: ٢٧١٠ - فتح ١١/ ١١٣] ذكر فيه حديث حُذَيْفَةَ بن اليماني ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: "بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا". وَإِذَا قَامَ قَالَ: "الْحَمْدُ لله الذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ". ثم ذكر حديث البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر رجلاً وفي لفظ عن أبي إسحاق الهمداني عنه أنه ﵇ أَوْصَى رَجُلًا فَقَالَ: "إِذَا أَرَدْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ (نَفْسِي) (١) إِلَيْكَ. الحديث، بزيادة: "وجهت وجهي إليك" ومعنى أوى: انضم، مقصور (٢).

стр. 17605

وقوله في الحديث (الآخر) (١): "وآوانا" ممدود، هذا هو الصحيح المشهور، وحكي القصر والمد فيهما. وقوله: "باسمك أموت وأحيا" معناه: بذكر اسمك أحيا ما حييت، وعليه أموت، وقيل معناه: بك أحيا، أنت تحييني وأنت تميتني، والاسم هنا هو المسمى. والمراد بالموت هنا: النوم، والنشور: هو الإحياء للبعث يوم القيامة، نبه بإعادة اليقظة بعد النوم الذي هو موت على إثبات البعث بعد الموت. وحكمة الدعاء عند إرادة النوم -وهو مستحب- أن يكون خاتمة أعماله، وإذا أصبح أن يكون أول عمله بذكر التوحيد والكلم الطيب. وآخر شيء أنت أول هجعةٍ … وأول شيء أنت عند هبوبي وقد قال: "واجعلهن آخر ما تقول" (٢) أي: لا تتكلم بعدهن بشيء من أحاديث الدنيا دليل خاتمة عملك، ألا ترى قوله: "فإن مت مت على الفطرة".

стр. 17606

٨ - باب وَضْعِ اليَدِ تَحْتَ الخَدِّ الأَيْمَنِ ٦٣١٤ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا». وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ». [انظر: ٦٣١٢ - فتح ١١/ ١١٥] ذكر فيه حديث حُذَيْفَةَ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا". وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: "الْحَمْدُ لله الذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ". سلف حديث حذيفة قريبًا (١)، وساقه هنا؛ لأجل الزيادة، وهي: وضع اليد تحت الخد، ويحتمل أن يكون ذلك منه تذللًا واستشعارًا بحال الموت، وتمثيله لنفسه لتتأسى أمته بذلك، ولا يأمنوا هجوم الموت عليهم في حال نومهم، ويكونوا على أهبة من مفاجأته فيتأهبوا له في يقظتهم وجميع أحوالهم؛ ألا ترى قوله عند ذلك: "أموت وأحيا"، إلى آخره. لكنه لم يذكر فيه: الأيمن. قال الإسماعيلي: ليس في حديث أبي عوانة ذلك، وإنما هو تحت خده، وعلى خده. وقد ترجم البخاري بهذا، وهذا إنما ذكره محمد بن جابر وشريك، عن عبد الملك بن عمير فيما أعلم.

стр. 17607

٩ - باب النَّوْمِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ ٦٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِى إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ". وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ». ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف:١١٦] مِنَ الرَّهْبَةِ، مَلَكُوتٌ مُلْكٌ مَثَلُ: رَهَبُوتٌ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ، تَقُولُ: تَرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ. [انظر: ٢٤٧ - مسلم: ٢٧١٠ - فتح ١١/ ١١٥] ذكر فيه حديث العَلَاءِ بْنِ المُسَيَّبِ، عن أبيه، عَنِ البَرَاءِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَوى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ". الحديث كما سلف (١)، وفي آخره: وقال رسول الله ﷺ : "من قالهن ثم مات تحت ليلته، مات على الفطرة". (﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ من الرهبة. ملكوت: مثل: رهبوت خير من رحموت تقول: ترهب خير من أن ترحم). وقد سلف فقهه وحكمته.

стр. 17608

١٠ - باب الدُّعَاءِ إِذَا انْتَبَهَ من اللَّيْلِ ٦٣١٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى حَاجَتَهُ، غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ فَأَتَى القِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ، فَصَلَّى، فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَتَّقِيهِ، فَتَوَضَّأْتُ، فَقَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ -وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ- فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِى نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِى نُورًا، وَفَوْقِى نُورًا، وَتَحْتِى نُورًا، وَأَمَامِى نُورًا، وَخَلْفِى نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا». قَالَ كُرَيْبٌ: وَسَبْعٌ فِي التَّابُوتِ. فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ، فَذَكَرَ عَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي، وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٣٠٤، ٧٦٣ - فتح ١١/ ١١٦] ٦٣١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ" -أَوْ- "لَا إِلَهَ غَيْرُكَ". [انظر: ١١٢٠ - مسلم: ٧٦٩ - فتح ١١/ ١١٦] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄: بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ ﵂ -

стр. 17609

وحديث ابن عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ". وقد سلفا في الصلاة (١). وكان ﵇ يدعو في أوقات ليله ونهاره، وعند نومه ويقظته بنوع من الدعاء يصلح لحاله تلك ولوقته ذلك، فمنها: أوقات كان يدعو فيها، ويعين له ما يدعو فيه في أوقات الخلوة، وعند فراغ باله، وعلمه بأوقات الغفلة التي يرجى فيها الإجابة، فكان يلح عند ذلك، ويجتهد في دعائه، ألا ترى سؤاله أنه حين انتبه من نومه أن يجعل في قلبه نورًا، وفي بصره نورًا، وفي سمعه نورًا، وجميع جوارحه؟! ومنها: أوقات كان يدعو فيها بجوامع الدعاء ويقتصر على المعاني دون تعيين وشرح، فينبغي الاقتداء به في دعائه في تلك الأوقات والتأسي به في كل الأحوال. فصل: قوله في آخر حديث ابن عباس ﵄ الأول بعد قوله: "واجعل لي نورًا": (قال كريب: وسبع في التابوت. فلقيت رجلاً من ولد العباس فحدثني بهن فذكر: عصبي، ودمي، ولحمي، وشعري، وبشري، وذكر خصلتين). يعني أنه أنسي سبع خصال من الحديث على ما يقال لمن لم يحفظ العلم: علمه في التابوت، وعلمه مستودع في الصحف. وليس كريب القائل: (فلقيت رجلاً). وإنما قاله سلمة بن كهيل الراوي عن كريب: سأل (العباسي) (٢) عنهن حين

стр. 17610

نسيهن كريب، فحفظ سلمة منهن خمسًا ونسي أيضًا خصلتين، كذا في ابن بطال أنه سأل العباسي، والذي في البخاري ما سلف. قال: وقد وجدت الخصلتين (من) (١) رواية داود بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه وهما: "اللهم اجعل نورًا في عظامي، ونورًا في قبري" (٢). وقال الداودي أيضًا: قوله: (وسبع في التابوت). يقول: هن في صحيفة في تابوت ولد العباس وأتى بهن كناية جعلهن جوارح قال: والخصلتان العظم والمخ، وقيل: يريد: (في تابوت). أي: في صدره. فصل: قوله: (فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أتقيه). وذكره ابن بطال بلفظ: أبغيه. بالغين المعجمة، ثم قال: التمطي: التمدد أي: تمددت، فظهر استيقاظه حينئذٍ، (أرتقبه) (٣): أرصده، قال الخليل (٤): يقال: بغيت الشيء أبغيه: إذا نظرت إليه ورصدته. وإنما فعل ابن عباس ذلك ليُري رسول الله _ ﷺ _ أنه كان نائمًا، وأنه لم يرصده؛ إذ كل أحد إذا خلا في بيته قد يأتي من الأفعال ما يحب ألا يطلع عليه أحد، وإنما حمل ابن عباس على ذلك الحرصُ على التعليم ومعرفة حركاته ﵇ في ليله، وقد أسلفنا في الصلاة أن العباس والده كان أوصاه بذلك (٥).
следующие страницы →