وقول خباب: إنما ذكره؛ اعتذارًا من كيه، وقال مالك: لا بأس بالاكتواء. وقد اكتوى ابن عمر (من اللَّقوة (١)، وأسعد بن زرارة من الذبحة (١)، قال مالك: دعا عمر بن الخطاب ﵁ على نفسه) (٢) حين قال: اللهم كبرت سنين، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مفرط ولا مضيع (٣). قال: وقال عمر بن عبد العزيز لبعض من كان يخلو معه: ادع لي بالموت. (وسنه في الأربعين) (٤)، قاله الداودي.
وقوله: ("فإن كان لا بد متمنيًا") يدل أن من ترك ذلك بغير اشتراط أولى وأفضل، قال: وزعم قوم أن هذا ناسخ لقول يوسف ﵇: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] ويوسف لم يتمن الموت، إنما دعا أن يثبت على إسلامه حتى يموت.
قال ابن بطال: ومعنى الحديثين على الخصوص، وقد بين ﵇ ذلك في الحديث قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به" فقد يكون له في ذلك الضر خير لدينه ودنياه ومآله، إما تمحيص لذنوب سلفت له وطهور من سيئات، كما قال ﵇ للشيخ الذي زاره في مرضه، وقد أصابته الحمى فقال له: "لا بأس، طهور إن شاء الله" (٥)، وقد يكون له في المرض منافع، منها: أن يكون المرض سببًا لامتناعه من سيئات كان يعملها لو كان صحيحًا، وبلاء يندفع عنه في نفسه (وماله) (٦)، فالله أنظر لعبده المؤمن؛ فينبغي له الرضى عن ربه في مرضه وصحته، ولا يتهم قَدَرَه، ويعلم أنه أنظر له من نفسه، ولا يسأله الوفاة عند
стр. 17677
ضيق نفسه من مرضه، أو تعذر أمور دنياه عليه، وقد جاء وجه سؤال الموت فيه مباح، وهو خوف فتنة تكون سببًا لتلاف الدين، فقد قال: "وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" (١).
ووجه آخر: وهو عند خوف المؤمن أن يضعف عن القيام بما قلده الله، كما قال عمر فيما سلف، فخشي عمر أن يطول عمره، ويزيد ضعفه، ولا يقدر على القيام بما قلده الله وألزمه القيام به من أمور رعيته، وكان سنه حين دعا بذلك ستين سنة أو نحوها، وكذا ما سلف عن عمر بن عبد العزيز حرصًا على السلامة من التغيير، فهذان الوجهان مباح أن يسأل فيهما الموت، وقد سلف في كتاب المرضى في باب تمني المريض الموت (٢).
وهذا سلف في العقيقة من حديث بريدة عن أبيه عن جده (١).
ثم ساق أحاديث:
أحدها:
حديث حَاتِمٍ، عَنِ الجَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابن أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.
ثانيها:
حديث أَبِي عَقِيلٍ -واسمه زهرة بن معبد بن عبد الله بن هشام القرشي التيمي- أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ هِشَامٍ مِنَ السُّوقِ -أَوْ إِلَى السُّوقِ- فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابن الزُّبَيْرِ وَابْنُ عُمَرَ فَيَقُولَانِ: أَشْرِكْنَا فَإِنَّ رسول الله ﷺ قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ فيشركُهم فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ، فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى المَنْزِلِ.
ثالثها:
حديث مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ الذِي مَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَهْوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ.
رابعها:
حديث عَائِشَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيَدْعُو لَهُمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
стр. 17680
خامسها:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ -وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ مَسَحَ عَنْهُ- أَنَّهُ رَأى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ.
الشرح:
فيه: الذهاب بالصبيان إلى الصالحين (وسؤالهم الدعاء لهم بالبركة ومسح رءوسهم؛ تفاؤلًا لهم بذلك، وتبركًا بدعائهم. وفي حديث محمود بن الربيع مداعبة الأئمة وأهل الفضل للصبيان، وأن ذلك من أخلاق الصالحين) (١). وفي حديث أبي عقيل رغبة السلف الصالح في الربح الحلال، وحرصهم على بركة التجارة، وأنهم كانوا يتجرون في التجارات ويسعون في طلب الرزق؛ ليستغنوا بذلك عن الحاجة إلى الناس، ولا يكونوا عالة للناس، ولا كلا على غيرهم.
فصل:
الحديث الأولى رواه في فضائل رسول الله ﷺ من حديث حاتم عن الجعيد مصغرًا (٢). وبالوجهين، ذكره الكلاباذي وغيره.
والسائب هذا: هو أبو يزيد السائب بن يزيد بن سعيد، المعروف بابن أخت نمر، قيل: إنه ليثي كناني، وقيل: أزدي، وقيل: كندي، حليف بني أمية، ولد في السنة الثانية من الهجرة، وخرج في الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقى رسول الله ﷺ مقدمه من تبوك، وشهد حجة الوداع، وعمَّر أربعًا وثمانين، وليس في الصحابة السائب بن يزيد سواه، وأما ابن منده فقال: السائب بن يزيد، قال عطاء مولى السائب:
стр. 17681
أنه كان مقدم رأسه أسود؛ لأنه ﵇ مسحه (١). كذا فصله عن الذي قبله، وهو هو. وأما السائب: ففي الصحابة خلق فوق العشرين، وشاب رأس السائب بن يزيد كله إلا موضع يد رسول الله ﷺ التي كان وضعها على رأسه لما مسحه، وبقي ذلك الموضع أسود حتى مات ﵁.
فصل:
فسر الترمذي زر الحجلة ببيضة الحمامة، وروى من حديث جابر بن سمرة: (كان خاتم النبي ﷺ الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة) (٢)، والحجلة على هذا الطائر الذي يسمى القبج، والمشهور أنها واحدة الحجال وهي الستور، وأن الزر واحد الأزرار التي تدخل في العرى، وقال فيه الخطابي: إنه بتقديم الراء على الزاي، أخذه من رز الجراد وهو بيضها (٣)، فاستعير للطائر.
وذكر البخاري في خاتم النبوة في الفضائل، عن شيخه محمد بن عبيد الله: الحجلة، وحجل الفرس: الذي بين عينيه (٤)، وقال ابن التين: من رواه بفتح الحاء: (المكحلة) (٥)، ومن رواه بضمها يعني: محلة الفرس: وهو الشعر الذي يجتمع في مؤخر الرجل في الرسغ، قال: والزر الذي يصنع بالبندقة من خرقة (تدخل) (٦) في عروة تزر به. وقرأته بفتح الحاء والجيم، وفي "الصحاح": الحجلة
стр. 17682
بالتحريك: واحدة حجال العرس وهو بيت يزين بالثياب والأسرة والستور (١).
فصل:
قال الداودي: في دعائه لعبد الله بن هشام بالبركة دليل على فضل الكفاف على الفقر.
فصل:
محمود بن الربيع بن سراقة الخزرجي، مات سنة تسع وتسعين، قال الداودي: توفي رسول الله ﷺ -وهو ابن خمس سنين فحفظ عنه مجه في وجهه، فكانت له بذلك صحبة. ومعنى مجه رمى به.
فصل:
عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير بالعين المهملة له صحبه إن شاء الله، مات سنة سبع وثمانين، وهو حليف بني زهرة.
فصل:
الرواي عن محمود بن الربيع الزهري عده ابن الصلاح في صغار التابعين (٢)، ورددنا ذلك عليه في "المقنع في علوم الحديث" (٣)، ووقع في ابن التين: أدرك نحو عشرة من الصحابة (٤) منهم: أنس، وسهل ابن سعد، وعبد الرحمن بن أزهر، والسائب بن يزيد، ومحمود هذا وعبد الله ابن ثعلبة، قال: ويقال: إنه سمع من عبد الله بن عمر حديثين.
стр. 17683
فصل:
وقوله (أشركنا) هو رباعي، أي: اجعلنا من شركائك، ومنه ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه: ٣٢] وضبط ثلاثي في بعض الكتب، والصحيح ما تقدم، وإنما يقال: شركته في الميراث والبيع إذا ثبتت الشركة، وأما إذا سألته الشركة فإنما تقول له: أشركنى رباعيًّا، نبه عليه ابن التين.
فصل:
قوله يوتر بركعة: يريد: أنه لا شفع قبلها وذكر نحوه عن معاوية وذكر لابن عباس فقال: إنه فقيه، ومذهب أكثر الفقهاء استحباب الشفع قبله، واختلف: هل يسقط للعذر؟ فذكر عن سحنون أنه أوتر في مرضه بواحدة، وذكر نحوه في المسافر، وقيل: لا بد من شفع قبله وهو وجه عندنا. وفيه حجة على أبي حنيفة في قوله: الوتر ثلاث ركعات.
الشرح:
قوله: "اللهم" هو دعاء أدخلت الميم في آخره عوضًا عن (يا) من أوله، هذا قول البصريين، وقال الكوفيون: المعنى: يا الله أمنا بخير، والمسألة مبسوطة في "العربية" (١).
واختلف العلماء في الصلاة على النبي ﷺ هل هي فرض أم لا؟ فعندنا أنها واجبة في الصلاة، ووافق الشافعيَّ على ذلك جماعةٌ من الصحابة (٢)، ولم ينفرد كما نسب إليه. وهو رواية عن أحمد أيضًا، وحكاه الروياني في "البحر" عن عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وأبي مسعود البدري، ونقله الماوردي عن محمد بن كعب القرظي التابعي (٣).
ورواه البيهقي عن الشعبي وغيره عن علي بن الحسين (٤)، وبه قال ابن المواز المالكي فيما حكاه ابن القصار.
ومذهب مالك وأبي حنيفة أنها سنة فيها (٥)، ووافقهما ابن المنذر والخطابي والطبري، وحكاه ابن بطال عن جمهور العلماء، قال: والمشهور عن أصحابنا أنها واجبة في الجملة على الإنسان أن يأتي بالشهادتين مرة في دهره مع القدرة عليها، ثم قال: وشذ الشافعي فزعم أن ذلك فرض في الصلاة (٦)، وهذِه العبارة قالها غير واحد من المالكية، ولا أرضاها، فقد علمت أن جماعة من الصحابة ﵃ سبقوه
стр. 17686
إليها وابن المواز منهم أيضًا وفي حديث كعب بن عجرة: "وذلك في الصلاة"، أخرجه عن إبراهيم بن محمد (عن) (١) سعيد بن إسحاق (عن [ابن أبي ليلى]) (٢) كعب بن عجرة (٣).
قال الطحاوي: وكان من حجة من خالفه عليه أن إبراهيم بن محمد ليس ممن يحتج بحديثه، ولو ثبت هنا لم يكن فيه دليل أن ذلك فرض؛ لأنا قد وجدنا مثل ذلك في الصلاة عن رسول الله ﷺ من آي القرآن، ومن الأمر فيه أن يجعل ذلك في الصلاة فلم يكن مراده بذلك الفرض، وهو حديث عقبة بن عامر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه لما نزل ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤] قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قال: "اجعلوها في سجودكم" (٤) وكان من ترك التسبيح في الركوع والسجود غير مفسد صلاته، وكذلك روي عن رسول الله ﷺ أنه علمهم التشهد في الصلاة، وليس منه الصلاة على رسول الله ﷺ وقد سلف ذلك في الصلاة (٥)،
стр. 17687
لكن فيه حديث أبي مسعود (١)، وفضالة بن عبيد (٢) نص في ذلك (٣).
عمرو بن سعد بن سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة، أخي عوف، وجدُّ أبي أسيد بن مالك بن ربيعة بن البدر بن عمرو، وقيل: عامر بن عوف أبي حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر، مات أبو حميد في أول ولاية يزيد وآخر خلافة معاوية، قاله الواقدي.
والصلاة على غير رسول الله ﷺ جائزة؛ بدليل الكتاب والسنة؛ ألا ترى أنه ﵇ كان يصلى على من أتاه بصدقته، وفي حديث أبي حميد: أمرنا بالصلاة على (أزواجه، وذريته) (١)، وأزواجه من غير نسبه. وهذا الباب رد لقول من أنكر الصلاة على غير رسول الله.
وروى ابن أبي شيبة من حديث عثمان بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: ما أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على رسول الله ﷺ (٢)، والحجة في السنة لا فيما خالفها وعندنا يصلى عليهم تبعًا لهذا الحديث.
стр. 17690
٣٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ آذَيْتُهُ فاجعلها لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً»
٦٣٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [مسلم: ٢٦٠١ - فتح ١١/ ١٧١]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ القِيَامَةِ".
هذا الحديث يصدقه ما ذكره الله في كتابه من صفة رسول الله ﷺ في
قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وهو ﵇، لا يسب أحدًا ولا يؤذيه ظالمًا له، وإنما يفعل ذلك من الواجب في شريعته، وقد يدع الانتقام لنفسه لما جبله الله عليه من العفو وكرم الخلق. ومعنى هذا الحديث -والله أعلم- التأنيس للمسبوب؛ لئلا يستولي عليه الشيطان، ويقنطه، ويوقع بنفسه أن سيلحقه من ضرر سبه ما يحبط به عمله، إذ سبه دعاء على المسبوب، ودعاؤه مجاب، فسأل الله تعالى أن يجعل سبه للمؤمنين قربة عنده يوم القيامة، وصلاة ورحمة، ولا يجعله نقمة، ولا عذابًا، وهذا مما خُص به، فإنه كان يسب على جهة التأديب غير أنه لا يتجاوز، وربما كان (سبه) (١) دعاء يستجاب له، فجعل عوضًا من ذلك دعاؤه لمن دعا عليه ليكون الفضل إليه.
стр. 17691
٣٥ - باب التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ
٦٣٦٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ الْمَسْأَلَةَ، فَغَضِبَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ». فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالاً، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «حُذَافَةُ»، ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولاً، نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الحَائِطِ». وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عِنْدَ الْحَدِيثِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. [المائدة: ١٠١] [انظر: ٩٣ - مسلم: ٢٣٥٩ - فتح ١١/ ١٧٢].
ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁: سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ المَسْأَلَةَ، فَغَضِبَ، فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُونِي اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ". فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "حُذَافَةُ" .. الحديث. ويأتي في الفتن (١).
(وأحفوه): أكثروا عليه، يقال: أحفى وألحف، وقال الداودي: يريد سألوا عما يكره الجواب فيه؛ لئلا يضيق على أمته، وهذا في مسائل الدين لا في مسائل المال. وقوله: (لاحى الرجال): تسابوا، وهذا السائل هو عبد الله بن حذافة السهمي، وألحقه بأبيه الذي كان يدعى به، واندفع عنه القيل، ولما رجع إلى أمه قالت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: كنا أهل جاهلية، وإن كنت لا أعرف أبي من كان.
ومعنى (يحوي وراءه) أي: يجعل لها حوية، خيفة أن تسقط، وهي التي تعمل حول سنام البعير.
قال القاضي: كذا رويناه يُحَوِّي: بضم الياء، وفتح الحاء، وتشديد الواو، وذكر ثابت والخطابي (١) بفتح الياء وإسكان الحاء وتخفيف الواو، ورويناه كذلك عن بعض رواة البخاري، وكلاهما صحيح، وهي أن يجعل لها حوية، وهي كساء محشو بليف يدار حول سنام الراحلة، وهي مركب من مراكب النساء، وقد رواه ثابت يحول باللام، وفسره: يصلح لها عليه مركبًا (٢).
أما تعوذه من الهم فهو: الغم والحزن، قال القزاز: ويحتمل أن يكون من همه المرض وأنحله، مأخوذ من هم الشحم إذا أذابه، فيكون تعوذه من المرض الذي ينحل جسمه، والبخل بفتح الباء والخاء وبضم الباء وسكون الخاء كما سيأتي.
والجبن: بضم الجيم والباء وسكونها.
وضلع الدين: ثقله بفتح الضاد واللام، وقد تؤدي ضرورته إلى أن يحدث فيكذب، ويعد فيخلف.
ويقال: ما دخل هم الدين قلب أحد إلا ذهب من عقله ما لا يعود إليه أبدًا، وهذا في الدين الفادح.
فصل:
قوله: (فلم أزل أخدمه). يعني: إلى موته ثم ابتدأ فقال: (حتى إذا أقبلنا)، تقول: فلما أقبلنا.
стр. 17694
فصل:
العباءة بالمد: ضرب من الأكسية، والصهباء: من أدنى خيبر إلى جهة المدينة، والحيس: تمر يخلط بسمن أو أقط قال الراجز:
الحيس إلا أنه لم يختلط … التمر والسمن معًا ثم الأقط
وقال الداودي: هو شيء يصنع من التمر والسويق والسمن أو الزيت، وربما كان مع ذلك أقط.
وقوله: (وكان ذلك بناءه بها)، فيه حجة على من أنكر أن يقال: بني الرجل بأهله، وقال: إنما يقال: بنى عليها. وقوله: ("وبارك لهم في مدهم وصاعهم") أي: فيما يكال بهما.
وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا -يَعْنِي: فِتْنَةَ الدَّجَّالِ- وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ".
الثالث:
قال البخاري: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ. فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَجُوزينِ. وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: "صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ في قبورهم عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا". فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.
الشرح:
أم خالد بنت خالد، هو ابن سعيد بن العاصي بن أمية، تأخرت وفاتها، من أفراد البخاري، وفي الصحابة أيضًا أم خالد بنت يعيش بن قيس النجارية، زوجة حارثة بن النعمان، وقال ابن سعد: بايعته (١) وليس في الصحابة أم خالد بنت خالد غيرها.
وقال الجياني في حديث عائشة: كذا إسناد هذا الحديث، وفي نسخة أبي ذر عن أبي إسحاق المستملي (جرير، عن منصور، عن أبي وائل ومسروق عن عائشة)، عطف مسروقًا على أبي وائل وهو وهم، وإنما يرويه أبو وائل عن مسروق، ولا أحفظ لأبي وائل رواية عن عائشة (٢).
стр. 17697
قلت: صرح عبد الغني وغيره بسماع أبي وائل من عائشة (١).
فائدة:
أرذل العمر: الهرم الذي ينقص القوة والعقل، والعجوز: المرأة الكبيرة، قال ابن السكيت: ولا تقل عجوزةٌ (٢)، والجمع عجائز، وعجز.
وقولها: (ولم أنعم) هو بضم الهمزة؛ لأنه رباعي، يقال: أنعم له، أي: قال له: نعم.
وقولها: (فما رأيته بعد) .. إلى آخره، يدل على شدة الاعتناء بذلك.
٣٩ - باب التَّعَوُّذِ مِنَ المَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ
٦٣٦٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». [انظر: ٨٣٢ - مسلم: ٥٨٩ - فتح ١١/ ١٧٦].
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ وَعَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ".
الشرح:
المسيح: بفتح أوله وكسر ثانيه، وكسرهما مشدد السين، فمن شدد فهو ممسوح العين، ومن خفف فهو من المساحة؛ لأنه يمسح الأرض؛ أو لأنه ممسوح العين اليمنى، أي: أعورها، وقال ابن فارس: المسيح الذي أحد شِقَّي وجهه ممسوح، لا عين له، ولا حاجب (١).
стр. 17700
والدجال من الدجل وهي التغطية؛ لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير، أو لتغطيته الحق بكذبه، أو لأنه يقطع الأرض.
وذكر "الثلج والبرد"؛ لإنقائهما ولبعدهما من مخالطة النجاسة، وذكر التنقية والإبعاد للتأكيد، وقال الداودي: هو مجاز يعني: كما يغسل ماء الثلج وماء البرد ما يصيبه.
و"الدنس": الوسخ، و"خطاياي": جمع خطيئة، وأصلها: خطائئ، على وزن فعائل، فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء؛ لأن قبلها كسرة ثم استثقلت فقلبت الياء ألفًا ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفاء ما بين الألفين، وقيل: لما سهل صار مثل هدية وهدايا.
و"البرد" بفتح الباء والراء: حب الغمام، يقال: منه بردت الأرض وبرد بنو فلان (١).
стр. 17701
(٤٠ - باب الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْجُبْنِ وَالْكَسَلِ
﴿كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. وكسالى واحد.
٦٣٦٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ». [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح ١١/ ١٧٨]
(وكسالى واحد) يعني: بالضم والفتح، ويجوز كسر اللام، كما في الصحاري، وهو جمع كسلان، يقال: كسل بالكسر فهو كسلان، يقال: وفي "موارد الصغاني": الكسالي بالكسر لغة في الكسالى والكسالي. وقرأ: (إلا وهم كسالي) [التوبة: ٥٤]. يحيى والنخعي.
ذكر فيه حديث أنس قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ". وقد سلف) (١)(٢).
٤٢ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ
﴿أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] (سقَاطُنَا) (١).
٦٣٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ». [انظر: ٢٨٢٣ - مسلم: ٢٧٠٦ - فتح ١١/ ١٧٩]
(سقاط) (٢): جمع ساقط وهو اللئيم في حسبه ونفسه، يقال: قوم سقطى وسقاط.
ثم ذكر حديث أَنَسٍ: كَانَ ﷺ يَتَعَوَّذُ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ".
وقد سلف (٣).
وجميع أبواب الاستعاذة ما سلف، وما يأتي تدل آثارها على أنه ينبغي سؤال الله والرغبة إليه في كل ما ينزل بالمرء من حاجاته، وأن يعين كل ما يدعو به. ففي ذلك إطالة الرغبة إلى الله، والتضرع إليه، وذلك طاعة الله، وكان ﵇ يتعوذ بالله من كل ذلك، ويعينه باسمه، وإن كان الله قد عصمه من كل شر؛ ليلزم نفسه خوف الله وإعظامه؛ وليسن ذلك لأمته، ويعلمهم كيف الاستعاذة من كل شيء.
وقد روى ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 17704
"ليسأل أحدكم ربه حاجاته كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع" (١)؛ ليستشعر العبد الافتقار إلى ربه في كل أمر، وإن دق، ولا يستحي من سؤاله ذلك.
فالتعوذ من المحيا والممات دعاء جامع لمعان كثيرة لا تحصى، وكذلك التعوذ من المأثم والمغرم، روي عن عائشة ﵂ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : ما أكثر ما تستعيذ من المأثم والمغرم! فقال ﵇: "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف" (٢).
و"ضلع الدين": هو الذي لا يجد دينه من حيث يؤديه، وهو مأخوذ من قول العرب: حمل مضلع -أي: ثقيل- ودابة (مضلع) (٣): لا تقوى على الحمل. عن صاحب "العين" (٤). فمن كان هكذا فلا محالة أنه يوكد ذلك عليه الكذب في حديثه، والخلف في وعده.
فإن قلت: كيف استعاذ من المغرم، وكيف قال: "إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن فيه ما يكره الله"، فيما رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، وكان عبد الله بن جعفر يقول: اذهب فخذ لي بدين؛ فإني أكره أن أبيت ليلة إلا والله معي، بعد ما سمعت من رسول الله ﷺ (٥).
стр. 17705
قلت: كلاهما صحيح، ولا تناقض بينهما، فالثاني في المستدين الذي ينوي قضاء دينه، وعنده في الأغلب ما يقضيه، فالله في عونه على قضائه، والأول الذي استدان على ثلاثة أوجه: إما فيما يكرهه الله، ثم يجد سبيلًا إلى قضائه، فحق على الله أن يؤديه، أو فيما لا يكرهه، ولكن لا وجه عنده لقضائه إن طالبه به صاحبه، فهو معرض لهلاك أموال الناس، ومتلف لها، أو نوى ترك القضاء وعزم على الجحد فهو عاصٍ لربه وظالم لنفسه -نبه عليه الطبري- فكل هؤلاء في القضاء مخلفون، وفي حديثهم كاذبون، فكان معلومًا بذلك أن الحال التي كره فيها ﵇ الدين غير الحال التي ترخَّص لنفسه فيها، وذلك أنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بعشرين صاعًا من شعير.
وأما فتنة الغنى فيخشى منها بطر المال وما يئول من عواقب الإسراف في إنفاقه وبذله فيما لا ينبغي، ومنع حقوق الله فيه، ففتنة الغنى متشعبة إلى ما لا يحصى عده، وكذلك فتنة الفقر يخشى منها قلة الصبر على الإقلال والتسخط له وتزيين الشيطان للمرء حال الغنى، وما يئول من عاقبة ذلك لضعف البشرية.
وكذلك الاستعاذة من العجز والكسل؛ لأنهما يمنعان العبد من أداء حقوق الله تعالى وحقوق نفسه وأهله، وتضييع النظر في أمر معاده وأمر دنياه، وقد أمر المؤمنين بالاجتهاد في العمل، والإجمال في الطلب، وألا يكون عالة ولا عيالًا على غيره ما متع بصحة جوارحه وعقله.
وكذلك الجبن مهانة في النفس وذلة، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون
стр. 17706
ذليلاً، بالإيمان ولزوم طاعة الله التي تؤدي إلى النعيم المقيم، فينبغي للمؤمن أن يكثر التعوذ من ذلك.
"والهرم": هو أرذل العمر الذي ينتهي بصاحبه إلى الخرف وذهاب العقل، فيعود العالم جاهلًا، ويصير إلى حال من لا ميز له، ولا يقدر على أداء ما يلزمه من حقوق الله وحاجة نفسه، ومثل هذا خشي- عمر ﵁ حين قال لما كبر ما سلف، وكان سنه حنيئذٍ -كما قال مالك- ستين سنة، وقيل: خمسة وخمسين. فخشي زيادة الضعف فيضيع مما قلده الله شيئًا، ومن متعه الله بصحته لم يزده طول العمر إلا خيرًا يستكثر من الحسنات ويستغيث من السيئات.
وكذلك الهم والحزن لا ينبغي للمؤمن أن يكون مهمومًا بشيء من أمور الدنيا، فإن الله قد قدر الأمور وأحكمها، وقدر الأرزاق، فلا يجلب الهم للعبد في الدنيا خيرًا، ولا يأتيه بما لم يقدر له، وفي طول الهم قلة الرضا بقدر الله، وسخطه على ربه، وقد كان عمر بن عبد العزيز يقول: اللهم رضني بالقضاء، وحبب إلى القدر، حتى لا أحب تقديم ما أخرت، ولا تأخير ما قدمت.
ومن آمن بالقدر فلا ينبغي له أن يهتم على شيء فاته من الدنيا ولا يتهم ربه، فيما قضى له الخيرة، وإنما ينبغي للعبد الاهتمام بأمر الآخرة، ويفكر في معاده وعرضه على ربه، وكيف ينجو من سؤاله عن الفتيل والنقير والقطمير؛ ولذلك قال ﵇: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً" (١) فههنا يحسن الهم والبكاء، وغلبة الرجال أشد
стр. 17707
من الموت؛ لأن المغلوب يصير كالعبد من غلبة قهره، وكذلك البخل استعاذ منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، وقال ﵇: "وأي داء أدوى من البخل" (١) ومعنى ذلك: أن البخيل يمنع حقوق الله وحقوق الآدميين ويمنع معروفه ورفده، ويسيء عشرة أهله وأقاربه.
فإن قلت: قد دعا ﵇ بالمفصلات والجوامع، وكان السلف يستحبون الدعاء إلى الله بالجوامع كنحو الرغبة والخوف والعفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، اكتفاء منه بعلم الله بموضع حاجتهم ومبلغًا؟
قيل: لكل نوع من ذلك حالة يختار العمل به فيها على الآخر، فالجوامع تحتاج في حال الحاجة إلى الإيجاز والاقتصاد، والمفصلات بالأسماء والصفات في حالة الحاجة إلى إدامة الرغبة إلى من بيده مفاتيح خزائن السموات والأرض؛ استفتاحًا بذلك مغاليقها، وقد دعا ﵇ بكل ذلك في مواضعه.
وقد سلف غير مرة (١)، ولم يذكر هنا دعاءه له برفع الوجع، وسلف في المرض في باب: دعاء العائد للمريض، وقال فيه: "اللهم اشف سعدًا" (٢).
وفي دعائه ﵇ برفع الوباء والوجع رد على من زعم أن الولي لا يكره شيئًا مما قضى الله عليه، ولا يسأله كشفه عنه، ومن فعل ذلك لم تصح له ولاية الله، ولا خفاء بسقوط هذا؛ لأنه ﵇ قال: "اللهم حبب إلينا المدينة وانقل حماها" فدعا بنقلها عن المدينة ومن فيها، وهو داخل في تلك الدعوة، ولا توكل أحد يبلغ توكله، فلا معنى لقولهم، وقد سلف مستقصى في الحج (٣).
فصل:
الوباء: مهموز يمد ويقصر، فجمع المقصور: أوباء. والممدود: أوبئة. ولما دعابنقلها إلى الجحفة لم تزل من يومئذٍ أكثر بلاد الله حمى، وأنه يتقى شرب الماء من عينها التي يقال لها: عين حم، وَقلَّ من شرب منها إلا حُمَّ.
стр. 17710
وقيل: إن أهل الجحفة كانوا مشركين يوم دعا بنقل الحمى إليهم.
فصل:
وقوله: (في حجة الوداع) هو الصواب، وغلط (ابن عيينة) (١) حيث قال: كان ذلك يوم الفتح. (وأشفيت): قاربت الموت.
وقوله: (بلغ بي من الوجع ما ترى)، ولم ينكره عليه، ففيه ذكر المرء لما نزل به إذا لم يرد الشكوى، وكان ترجى بركة دعائه، وقد قال ﵇: "وا رأساه" (٢) وقال أيوب ﵇: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وقوله: (أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا") احتج به أهل الظاهر أن من أوصى بأكثر من ثلثه لا يجوز، وإن أجازه الوارث. قالوا: ولم يقل: إن أجاز ورثتك جاز (٣).
وقوله: ("الثلت كثير") وقال ابن عباس: لو غض الناس من الثلث إلى الربع فإن رسول الله ﷺ قال: "الثلث والثلث كثير" (٤) وبه قال سحنون، وقال جماعة: الخمس (٥).
(والعالة): الفقراء، أو الفاقة، والمعنى: ذوي فاقة، و"يتكففون": يسألون بأكفهم. وقوله: (أخلف بعد أصحابي؟) قيل معناه: بمكة، يبقى بعدهم لما به من الوجع. وقيل: لما قال له: "لن تنفق نفقة" فهم عنه أنه
стр. 17711
لا يموت من مرضه، فأجابه وهو: "إنك لن تخلَّف" إلى آخره.
وقوله: ("حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون") قيل: هم من قتلوهم إذ لم يسلموا. وقيل: إن عبيد الله أَمَّر عمر بن سعد ولده على الجيش الذين لقوا الحسين فقتلوه بأرض كربلاء.
وقوله: ("لكن البائس سعد بن خولة") قيل: هو مرفوع. وقيل: من قول الراوي.
والبائس: من أصابه البؤس.
وقول سعد: رثى له رسول الله ﷺ أن مات بمكة، كذا هو هنا مبين أنه من قول سعد، وقالت جماعة: هو من قول الزهري.
وقد قال ابن مزين: إنما رثى له أنه أسلم وأقام بمكة ولم يهاجر، وأنكر ذلك عليه؛ لأنه معدود عند أهل (الحديث) (١) فيمن شهد بدرًا، كما ذكره البخاري وغيره.
واختلفوا متى رجع إلى مكة؟ فقيل: مات بها في حجة الوداع، وإنما رثى له؟ لأنه قال: "كل من يهاجر من بلده يكون له ثواب الهجرة من الأرض التي هاجر منها إلى الأرض التي هاجر إليها إلى يوم القيامة" فحرم ذلك لما مات بمكة.
وقيل: رجع إلى مكة بعد شهوده بدرًا.
وفي البخاري فيما سلف: "يرحم الله ابن عفراء" (٢). قيل: هذا هو الذي رثى له رسول الله ﷺ .
стр. 17712
وقال الداودي: لم يكن للمهاجرين الأولين أن يقيموا بمكة حياة رسول الله ﷺ إلا ثلاثة أيام بعد الصدر، فدلَّ ذلك أن سعد بن خولة توفي قبل تلك الحجة. وقد أطال المقام بها بغير عذر، ولو كان له عذر لم يأثم؛ لأنه قال حين قيل له: إن صفية حاضت: "أحابستنا هي؟ " (١) وليس تلك الحجة حجة الوداع. ومات سعد بن خولة، وكان بدريًّا، وإنما أقام أكثر مما أبيح له من المقام. قال: وقد تحتمل هذِه اللفظة أن يقولها رسول الله ﷺ ثم يحج بعد ذلك، فقرنها المحدث بهذا الحديث؛ لأنها من تكملته. انتهى كلامه.
والمعروف أنه لم يحج بعد أن هاجر إلا حجة واحدة، حجة الوداع.