← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 17781–17820 · переход к 17786.

стр. 17781

شيء البتة -قلت: صحح بعضها ابن خزيمة والحاكم- قال: وإنما تؤخذ من نص القرآن ومما صح عن رسول الله ﷺ قال وقد بلغ إحصاؤها إلى ما نذكره، فذكر أربعة وثمانين اسمًا (١). فصل: مما يدل على أن المراد الإخبار دخول الجنة بإحصائها لا حصرها، حديث الترمذي: "أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (٢). وذكر ابن العربي القاضي عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم، قال: وهذا قليل فيها (٣).

стр. 17782

وأما نفس هذِه الأسماء فقد جاءت مفصلة في الترمذي والحاكم (١) وغيرهما، وفي بعض الأسماء خلاف، وقيل: إنها مخفية التعيين كالاسم الأعظم، وليلة القدر، ونظائرهما. فصل: واختلفوا في معنى الإحصاء، وفي رواية أخرى (فذكر البخاري) (٢) وغيره أنه حفظها (٣)، وهو الصحيح عملًا بالرواية الأخرى: "من حفظها" (٤) وقيل: معناه: عدها في الدعاء بها، وقيل: أطاقها: أي أحسن المراعاة لها، والمحافظة على ما تقتضيه، وصدق بمعانيها، وقيل: معناه: العمل بها، والطاعة بمعنى كل اسم منها. والإيمان بها لا يقتضي عملًا. وأغرب بعضهم فقال: أراد حفظ القرآن أجمع وتلاوته كله؛ لأنه مستوف لها. وقال الخطابي: يكون الاحصاء بمعنى العقل والمعرفة، فيكون معناها: من عرفها وعقل معانيها وآمن بها دخل الجنة، مأخوذ من الحصاة: وهو العقل. قال طرفة بن العبد: وإن لسان المرء ما لم يكن له … حصاة على عوراته لدليل والعرب تقول: فلان ذو حصاة: أي ذو عقل (٥).

стр. 17783

فصل: وقوله: ("يحب الوتر") معناه: في حق الله الواحد الذي لا شريك له ولا نظير، ومعنى "يحب" (١): يفضله في الأعمال وكثير من الطاعات، فجعل الصلاة خمسًا، والطهارة ثلاثًا، والطواف سبعًا سبعًا، والسعي سبعًا، ورمي الجمار سبعًا، وأيام التشريق ثلاثة، والاستنجاء ثلاثة، وشبه ذلك. وقيل: معناه ينصرف إلى من يعبد الله بالوحدانية والتصرف مخلصًا له. فصل: لما خرجها البيهقي في "الأسماء والصفات" وابن خزيمة في "صحيحه" من حديث صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وعددها (٢). قال وذكر من رواية عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان، قال: -وهو ضعيف- ثنا أيوب بن أبي تميمة، وهشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، فذكر أسماء غير المتقدمة وقال: تفرد بهذِه الرواية عبد العزيز. ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة، في حديث الوليد بن مسلم، ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد هذا في الصحيح، فإن كان محفوظًا عن رسول الله ﷺ

стр. 17784

فكأنه قصد أن من أحصى من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا دخل الجنة، سواء أحصاها مما نقلنا في حديث الوليد، أو مما نقلنا في حديث ابن الترجمان، أو من سائر ما دل عليه الكتاب والسنة. ولما خرجه الحاكم من حديث صفوان بن صالح، عن الوليد، قال: هذا حديث قد خرجاه في الصحيحين بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعلة فيه عندهما أن الوليد تفرد بسياقته بطوله، وذكر الأسامي فيه، ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعلة، فإني لا أعلم اختلافًا بين أئمة الحديث أن الوليد أوثق، وأحفظ، وأعلم، وأجل من أبي اليمان، وبشر بن شعيب، وعلي بن عياش، وأقرانهم من أصحاب [شعيب] (١)، ثم نظرنا فوجدنا الحديث قد رواه ابن الترجمان، عن أيوب، وهشام (٢). وهو حديث محفوظ عنهما مختصر دون ذكر الأسامي الزائدة عنها كلها في القرآن، وابن الترجمان ثقة، وإن لم يخرجها، وإنما خرجته شاهدًا للحديث الأول، ولما خرجه الترمذي من حديث صفوان، قال: هذا حديث غريب حدثنا به غير واحد عن صفوان، ولا نعرفه إلا من حديثه، وهو ثقة عند أهل الحديث. وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، ولا نعلم في كبير شيء من الروايات (٣) ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث.

стр. 17785

وقد روى آدم ابن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح (١).

стр. 17786

٦٩ - باب المَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ ٦٤١١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللهِ، إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقُلْنَا: أَلَا تَجْلِسُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ، وَإِلاَّ جِئْتُ أَنَا. فَجَلَسْتُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِهِ، فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أَخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ؛ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. [انظر: ٦٨ - مسلم: ٢٨٢١ - فتح ١١/ ٢٢٨] ذكر فيه حديث شَقِيقٍ قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللهِ، إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ -أي: النخعي الكوفي- فَقُلْنَا: أَلَا تَجْلِسُ؟ قَالَ: لَا، ولكن أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ، وَإِلَّا جِئْتُ أَنَا. فَجَلَسْتُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِهِ، فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أَخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ؛ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. معنى (يتخولنا): يتعهدنا وقتًا بعد وقت؛ مخافة الملل، وكان الأصمعي يقول: يتخوننا بالنون: يتعهدنا. (فائدة: يزيد بن معاوية هذا نخعي، كوفي، عابد، دخل على ابن مسعود فيما ذكره القرنفسي، وقتل غازيًا بفارس، ويزيد بن معاوية غيره خمسة، وذكر "التهذيب" واحداً منهم (١)، واستوفيناه في كتابنا) (٢). آخر الدعوات، ولله الحمد والمنَّة.

стр. 17787

٨١ كتاب الرقاق

стр. 17788

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨١ - كِتابُ الرِّقَاقِ (١ - باب مَا جَاءَ فِي الرِّقَاقِ، وَأَنْ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَةِ) (١) ٦٤١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». قَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. [فتح ١١/ ٢٢٩] ٦٤١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهْ، فَأَصْلِحِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ». [انظر: ٢٨٣٤ - مسلم: ١٨٠٥ - فتح ١١/ ٢٢٩] ٦٤١٤ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ،

стр. 17789

حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الخَنْدَقِ، وَهْوَ يَحْفِرُ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ وَيَمُرُّ بِنَا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ». تَابَعَهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. [انظر: ٣٧٩٧ - مسلم: ١٨٠٤ - فتح ١١/ ٢٢٩] كذا في الأصول، وفي بعضها: الرقائق، وفي بعضها: ما جاء في الرقائق، وفي بعضها: ما جاء في الصحة والفراغ، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة، (وفي "شرح ابن بطال": لا عيش إلا عيش الآخرة) (١). قال ابن سيده: الرقة: الرحمة، ورققت له أرق، ورق وجهه استحياء، والرقة ضد الغلظ، رق يرق رقًّا فهو رقيق ورقاق (٢). وفي "الصحاح": ترقيق الكلام: تحسينه (٣)، وفي "الجامع": الرقق في المال والعيش: القلة، (فكان في) (٤) قصد أحد هذِه المعاني، والرقائق غيره مقولة، وإن طبقت كتب العلماء. ثم ذكر فيه أحاديث: أحدها: أخبرنا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ -ابْنُ أَبِي هِنْدٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ". قَالَ عَبَّاسٌ العَنْبَرِيُّ: حَدَّثَني صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ، عَنْ أَبِيهِ: سمعت ابن عباس، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.

стр. 17790

قال الإسماعيلي بعد أن أخرجه في "مستخرجه" عن الحسن: ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد به. قال بندار: (ربما) (١) حدث به يحيى بن سعيد، ولم يرفعه، وذكره مرفوعًا من حديث ابن المبارك، وإسماعيل بن جعفر، عن عبد الله. وتعليق عباس أخرجه ابن ماجه في "سننه" (٢)، وقال الترمذي: رواه غير واحد عن عبد الله بن سعيد، ورفعوه، ووقفه بعضهم (٣)، وحديث بندار عن يحيى بن سعيد حسن صحيح، وروينا في كتاب المبرد: أنه ﵇ قال: "كفى بالسلامة داء" (٤). وقال حميد بن ثور الهلالي: أرى بصري قد رابني بعد صحة … وحسبك داء أن تصح وتسلما ولا يلبث العصران يومًا وليلة … إذا طلبا أن يدركا ما تيمما وقال النمر بن تولب: تدارك ما قبل الشباب وبعده … حوادث أيام تمر وأغفل يسر الفتى طول السلامة والتقى … فكيف ترى طول السلامة يفعل يرد الفتى بعد اعتدال وصحة … ينوء إذا رام القيام ويحمل فصل: قال بعض العلماء: إنما أراد بقوله: "نعمتان .. " إلى آخره تنبيه أمته على مقدار عظيم نعمة الله على عباده في الصحة والكفاية؛ لأن المرء

стр. 17791

لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا مؤنة العيش في الدنيا، فمن أنعم الله عليه فليحذر أن يغبنهما، ومما يستعان به على دفع الغبن: أن يعلم العبد أن الله خلق الخلق من غير ضرورة إليهم، وبدأهم بالنعمة الجليلة من غير استحقاق منهم لها، فمن عليهم بصحة الأجسام، وسلامة العقول، وتضمن أرزاقهم وضاعف لهم الحسنات، ولم يضاعف عليهم السيئات، وأمرهم أن يعبدوه ويعتبروا بما ابتدأهم به من النعم الظاهرة والباطنة، ويشكروه عليها بأحرف يسيرة، وجعل مدة طاعتهم في الدنيا منقضية بانقضاء أعمارهم، وجعل جزاءهم على ذلك خلودًا دائمًا في جنة لا انقضاء لها، مع ما ذخر لمن أطاعه مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمن أنعم النظر في هذا كان حريا أن لا يذهب عنه وقت من صحته وفراغه، إلا وينفقه في طاعة الله تعالى ويشكره على عظيم مواهبه، والاعتراف بالتقصير عن بلوغ تأدية (كنه) (١) ذلك، فمن لم يكن هكذا وغفل وسها عن التزام ما ذكرنا، ومرت أيامه عنه في سهو ولهو، وعجز عن القيام بما لزمه لربه تعالى، فقد غبن أيامه، وسوف يندم حيث لا ينفعه الندم. وفي الترمذي من حديث ابن المبارك، عن يحيى بن عبيد الله بن موهب، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما أحد يموت إلا ندم" قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: "إن كان محسنًا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون نزع" (٢).

стр. 17792

فصل: وقوله: "مغبون" هو نقص الرأي، قال ثعلب: غبن الرجل في البيع. يغبن غبنًا، وغبن رأيه غبنًا، وقال مكي: الغبن والغبن أصلهما النقص فبالإسكان: نقص في البيع، وبالفتح: نقص في الرأي وضعف. وفي "نوادر اللحياني": الغبن، والغبن والغبانة واحد، فكأنه قال: هذان الأمران نقص في الرأي كثير من الناس فيهما، فلا يستعملوهما في وقت الاحتياج إليهما، كما في الحديث الآخر، "ومن صحتك لسقمك ومن فراغك لشغلك" (١)، فإذا لم ينظر في نفسه في هذين الوقتين، فكأنه غبن فيهما، أي: باعهما ببخس لا تحمد عاقبته، أو ليس له في ذلك رأي البتة، فإن الإنسان إذا لم يعمل الطاعات من صلاة وصيام، وحج، وغزو، وشبهها في زمن صحته وشبابه، فأجدر أن لا يعمل شيئًا من ذلك في زمن الشيخوخة، وعلى هذا يقاس الفراغ. وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحًا، ولا يكون متفرغًا للعبادة؛ لاشتغاله بأسباب المعاش، وقد يكون متفرغًا من الأشغال ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا للعبد غلب عليه الكسل عن نيل الفضائل، فذاك الغبن، كيف والدنيا سوق الأرباح، والعمر قصير، والعوائق كثير. الحديث الثاني: حديث أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى اله عليه وسلم - قَالَ: "اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ … فَأَصْلِحِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ"

стр. 17793

الحديث الثالث: حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِي ﵁ قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الخَنْدَقِ، وَهْوَ يَحْفِرُ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ وَيمُرُّ بِنَا، فَقَالَ فذكره إلا أنه قال "فاغفر" بدل "فأصلح". ونبه بذلك أمته على تصغير شأن الدنيا وتقليلها، و (كدر) (١) لذاتها، وسرعة فنائها، وما كان هكذا فلا معنى للشغل به عن العيش الدائم الذي لا كدر في لذَّاته، بل فيه ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.

стр. 17794

٢ - باب مَثَلِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] ٦٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». [انظر: ٢٧٩٤ - مسلم: ١٨٨١ - فتح: ١٣/ ٢٣٢]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث سَهْلٍ هو ابن سعد: "مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". القطعة الثانية سلفت في الجهاد (وفي) (١) باب الغدوة والروحة (٢). وقوله في الآية: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ أي: الزرع؛ لأنهم يكفرون البذر، أي: يغطونه، وقيل: هم من كفر؛ لأن الدنيا تعجبهم أكثر. وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يجف ويبقى حطامًا متحطمًا، وهذا مثل الدينا وزوالها، وقوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: لأعداء الله. وقوله: "خير من الدنيا وما فيها" سببه: أنه غير فان، ومدة الدنيا منقضية زائلة، فلو قسمت على أقل من موضع السوط لفنيت وبقي الموضع، وقد بين منزلة في الدنيا من الآخرة بأن جعل موضع السوط أو الغدوة أو الروحة خير من الدنيا وما فيها، وأراد ثواب ذلك لينبه أمته على هوان الدنيا عند الله وضعتها، ألا ترى أنه لم

стр. 17795

يرضها دار جزاءٍ لأوليائه، ولا نقمة لأعدائه، بلى هي كما وصفها: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. وفي الترمذي من حديث مستورد بن شداد الفهري ﵁ مرفوعًا: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر (بماذا) (١) يرجع" (٢)، ومن حديث سهل ﵁ مرفوعًا: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة" (٣).

стр. 17796

٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» ٦٤١٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْمُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. [فتح: ١١/ ٢٣٣]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث ابن عُمَرَ ﵄: أَخَذَ النبي ﷺ بمَنْكِبِي وَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ". وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. قال أبو الزناد: معنى هذا الحديث: الحض على قلة المخالطة، وقلة الاقتناء والزهد في الدنيا، قال ابن بطال: وبيان ذلك: أن الغريب قليل الانبساط إلى الناس، بل هو مستوحش منهم، إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه فيأنس به، ويستكثر بخلطته، فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل لا يبعد في سفره إلا بقوته عليه، وخفيف من الأثقال غير متسبب بما يمنعه من قطع سفره، معه زاد وراحلة يبلغانه إلى بغيته من قصده، وهذا دال على إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة فيها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، وكذلك يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل. وقوله: "إذا أمسيت .. " إلى آخره، خص منه إلى أن يجعل الموت نصب عينيه، فيستعد له بالعمل الصالح، وحضٌّ له على تقصير

стр. 17797

الأمل، وترك الميل إلى غرور الدنيا. وقوله: "وخذ من صحتك لمرضك" حضه على اغتنام أيام صحته، فيمهد فيها لنفسه؛ خوفًا من حلول مرض به يمنعه (١) العمل، وكذلك قوله: "ومن حياتك لموتك" تنبيه على اغتنام أيام حياته، ولا يمر عنه باطلاً في سهو وغفلة؛ لأن من مات فقد انقطع عمله، وفاته أمله، وحضره على تفريطه ندمه، فما أجمع هذا الحديث لمعاني الخير وأشرفه (٢)، لا جرم أدخله النووي في "أربعينه" (٣)، وأوضحناه في شرحها (٤). (فائدة: هذا الحديث رواه البخاري من طريق الأعمش، حدثني مجاهد، عن ابن عمر. ورواه الترمذي بزيادة من طريق سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي، فقال "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك في أهل القبور". فقال لي ابن عمر: إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا. ثم قال: قد روى هذا الحديث الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ نحوه) (٥).

стр. 17798

٤ - باب الأَمَلِ وَطُولِهِ وَقَوْله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ الآية ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ الآية [الحجر: ٣]. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ. ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ [البقرة: ٩٦] بِمُبَاعِدِهِ. ٦٤١٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُنْذِرٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ، مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: «هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ -أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ- وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا». [فتح: ١١/ ٢٣٥] ٦٤١٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: «هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُ». [فتح: ١١/ ٢٣٦]. ثم ساق حديث عَبْدِ اللهِ -وهو ابن مسعود- ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هذا الذِي فِي الوَسَطِ، مِنْ جَانِبِهِ الذِي فِي الوَسَطِ وَقَالَ: "هذا الإِنْسَانُ، وهذا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ -أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ- وهذا الذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وهذِه

стр. 17799

الخُطُطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هذا نَهَشَهُ هذا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هذا نَهَشَهُ هذا". ثم ساق حديث أَنَس بن مالك أيضًا قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: "هذا الأَمَلُ وهذا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ". الشرح: حديث أنس أخرجه النسائي (١)، وليس في السماع، ولم يذكره ابن عساكر (٢)، (وأخرجه الترمذي من حديث حماد بن سلمة، عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس بلفظ "هذا ابن آدم وهذا أجله" ووضع يده عند قفاه، ثم بسطه، فقال: وثم أمله؟) (٣). ومعنى ﴿زُحْزِحَ﴾ بُوعِدَ ونُحِّيَ. وقوله ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣] يعني: عن عمل الآخرة، وأثر علي أخرجه ابن المبارك في "رقائقه" (٤)، ورواه نعيم بن حماد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، مطرف بن عبد الله، عنه؛ وأخرجه ابن الجوزي في كتابه من حديث خلاد، حدثنا سفيان، عن زبيد اليامي، عن مهاجر العامري عنه. فصل: الأمل مذموم لجميع الناس إلا العلماء. فلولا أملهم وطوله لما صنفوا، ولما ألفوا، وقد نبه عليه ابن الجوزي.

стр. 17800

وآمال الرجال لهم وضوح … سوى أمل المصنف ذي العلوم والفرق بينه وبين الأماني: أن الأمل: ما أملته عن سبب، والتمني: ما تمنيته من غير سبب. قيل لعبد الرحمن بن أبي بكر: أي شيء أطول إمتاعًا؟ قال: المنى (١)، ذكره الجاحظ في "كتاب النساء". وقيل: لرقبة بن مصقلة: أنت بعيد الدار من المسجد، وتنصرف بلا مؤنس، قال: إني حين أخرج من المسجد أؤمل تأميلًا فلا أملي ينقضي حتى أبلغ المسجد، وقال بعض الحكماء: الإنسان لا ينفك من أمل، فإن فاته الأمل عول على المنى. وقال يزيد بن معاوية: كثرة المنى تحلق العقل، وتفسد الدين، وتطرد القناعة. وقال الشاعر: الله أصدق والآمال كاذبة … وجل هذي المنى في الصدر وسواس فصل: وهذا صفة ما في الحديث (٢) ................

стр. 17801

وقوله: (خط خططًا صغارًا) (١)، قال ابن التين: رويناه بضم الحاء وكسرها. قال الجوهري: الخط: واحد الخطوط، والخطة: أيضًا من الخطط، كالنقطة من النقط (٢). وقوله: "نهشه" هو بالمعجمة، والمهملة، (قال ابن التين: رويناه بهما) (٣)، ومعناه: أخذ الشيء بمقدم الأسنان، وسبقه إليه ابن بطال قال: والنهش: تناول بالفم كالنهس، والحية تنهش إذا عضت، والنهس أيضًا: نثر (٤) اللحم، ونهش ينهش من كتاب "العين" (٥)، قال: ومثل الشارع أمل ابن آدم وأجله، وأعراض الدنيا التي لا تفارقه بالخطوط، فجعل أجله الخط المحيط، وجعل أمله وأعراضه خارجًا من ذلك الخط، ومعلوم في العقول أن ذلك الخط المحيط به الذي هو أجله، أقرب إليه من الخطوط الخارجة منه. ألا ترى قوله في حديث أنس: "فبينا هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب"؟ يريد: أجله، وفي هذا تنبيه منه لأمته على تقصير الأمل، واستشعار الأجل خوف تغيبه (٦)، ومن غيب عنه أجله فهو حري بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه في حال غرة وغفلة -ونعوذ بالله من ذلك-، فليرض المؤمن نفسه على استعمال ما نبه عليه، ويجاهد أمله وهواه، كما قال ﵇ -في الباب بعد هذا-: "لا يزال قلب الكبير شابًا في حب الدنيا وطول الأمل" (٧).

стр. 17802

وقال الطبري: في قوله ﴿ذَرْهُمْ﴾ [الحجر: ٣] الآية يعني: ذر المشركين يا محمد يأكلوا في هذِه الدنيا، ويتمتعوا من لذاتها وشهواتها إلى أجلهم الذي أجلت لهم، ويلههم الأمل عن الأخذ بحظهم من الطاعة فيها، وتزودهم لمعادهم منها بما يقربهم من ربهم، فسوف يعلمون غدًا إذا وردوا عليه وقد هلكوا بكفرهم بالله حين يعاينون عذابه؛ أنهم كانوا في تمتعهم بلذات الدنيا في خراب وتباب (١). فصل: روينا له مثالًا آخر من طريق أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ إلى أبي هريرة الصيرفي، حدثنا حرمي، عن عمارة، عن علي بن أبي علي الرفاعي، ثنا أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري: أخذ النبي ﷺ أعوادًا فغرز عودًا بين يديه، وآخر إلى جنبه، وأما الثالث فأبعده، فقال: "هل تدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: "هذا الإنسان، وهذا الأجل، وهذا الأمل يتعاطاه ابن آدم يختلجه الأجل دون الأمل" (٢). فصل: روينا في كتاب أبي الليث السمرقندي، قال ﵇: "صلاح أول هذِه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك أخرها بالبخل والأمل" (٣)، ثم قال: من قصر أمله أكرمه الله بأربع كرامات:

стр. 17803

أحدها: أنه يقويه على طاعته؛ لأنه إذا علم أنه يموت عن قريب، لا يهتم لما يستقبله من المكروه، ويجتهد في الطاعة؛ فكثر علمه. ثانيها: تقل همومه؛ لأنه إذا علم أنه يموت عن قريب، فإنه لا يهتم بما يستقبله. ثالثها: يجعله راضيًا بالقليل. رابعها: ينور قلبه، فينبغي للمسلم أن يقصر أمله، فإنه لا يدري في أي نفس، أو في أي قدم يموت، وينبغي للمسلم أن يكثر ذكر الموت، فإنه لا غنى به عن ست خصال: علم يدله على الآخرة، ورفيق يعينه على الطاعة، والحذر من عدوه، وعبرة يعتبر بها من آيات الله في اختلاف الليل والنهار، وإنصاف (الحق) (١) من نفسه، والاستعداد للموت قبل نزوله.

стр. 17804

٥ - باب مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ لِقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] يعني: الشيب. ٦٤١٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً». تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ. [فتح: ١١/ ٢٣٨]. ٦٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الأَمَلِ». قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ وَابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ. [مسلم: ١٠٤٦ - فتح: ١١/ ٢٣٩]. ٦٤٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ الْمَالِ، وَطُولُ الْعُمُرِ». رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ. [مسلم: ١٠٤٧ - فتح: ١١/ ٢٣٩]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رسول الله ﷺ فَقَالَ: "أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً". تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُ عَجْلَانَ، عَنِ المَقْبُرِيِّ. حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:

стр. 17805

سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الأَمَلِ". قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ وَابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ. ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا هِشَامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَكْبَرُ ابن آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ المَالِ، وَطُولُ العُمُرِ". رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ. الشرح: معنى الآية: أولم نعمركم حتى شبتم، وهذا قول ابن عباس، والأكثر أن ﴿النَّذِيرُ﴾: هو رسول الله ﷺ ، وهو قول علي وابن زيد، وجماعة، وفيه قول ثالث: أنه الموت إذا رآه ينزل بغيره، وحجة الثاني: أن الله تعالى بعث الرسل مبشرين ومنذرين إلى عباده قطعًا لحجتهم ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ومتابعة أبي حازم أخرجها الإسماعيلي من حديث ولده عبد العزيز بن أبي حازم، حدثني أبي، عن سعيد، به. قال: ورواه هارون بن معروف، فقال عن أبيه قال: أنا به أبو يعلى عنه قال: ثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ به؛ ورواه النسائي، عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن سعيد، عن أبي هريرة. ومتابعة ابن عجلان أخرجها الطبراني في "الأوسط" (١) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور بن المعتمر عنه.

стр. 17806

وقوله: (وقال الليث .. ) إلى آخره، كذا في الأصول، وقد وصله الإسماعيلي، فقال: حدثنا الحسن، ثنا حميد بن زنجويه، وحدثنا القاسم، ثنا الرمادي جميعًا عن أبي صالح، عن الليث به. والتعليق عن شعبة في حديث أنس أخرجه النسائي من حديث ابن المبارك عنه عن قتادة بلفظ: "يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان" (١). فصل: إذا تقرر ذلك، فلما كان أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه، أحب بقاءها فأحب العمر، وأحب سبب بقائها وهو المال، والهرم إنما يعمل في بدنه لا غير، وإذا أحس بقرب التلف عند الهرم قوى حبه للبقاء لعلمه بقرب الرحيل، وكراهته له، نبه عليه ابن الجوزي. فصل: معنى "أعذر .. أخر أجله حتى بلغ ستين" أي: أعذر الله إليه غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده، أي: أقام العذر في تطويل العمر، وأبانه له، فلم يبق له عذر، ولا حجة، إذ الستين قريب من معترك المنايا، وهو (سن) (٢) الإنابة والخشوع، والاستسلام لله تعالى، وترقب المنية، ولقاء الله تعالى، فهذا إعذار بعد إعذار في عمر ابن آدم لطفًا من الله لعباده حين نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، وأعذر إليهم مرة بعد أخرى، ولم يعاقبهم إلا بعد الحجج اللائحة المنكية لهم، وإن كانوا قد فطرهم الله على حب الدنيا، وطول الأمل، فلم يتركهم مهملين، دون إعذار إليهم، وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثه

стр. 17807

الرسل إليهم، والأسنان أربعة: سن الصبا: وهو الذي يكون فيه دائم النمو، وهو إلى خمس عشرة سنة، وسن الشباب: وهو الذي يتكامل فيه النمو ومبتدأ الوقوف، كأن القوة وقفت فيه، ومنتهاه في غالب الأحوال خمس وثلاثون سنة، وقد بلغ أربعين ثم منها يأخذ في النقص، قال الشاعر: كأن الفتى يرقى من العمر سلما … إلى أن يجوز الأربعين وينحط وسن الكهولة وهو الذي قد يبين فيه الانحطاط والنقصان مع بقاء من القوة، ومنتهاه في أكثر الأحوال ستون سنة، فمن بلغ الستين انتهى، وأثر فيه ضعف القوة، وجاءته نذر الموت، ودخل في سن المشايخ، ومن ذلك الزمان يزيد انحطاطه، ويقوى ظهور الضعف إلى آخر العمر، وقد قال يحيى بن يمان: سمعت سفيان بن سعيد يقول: من بلغ سن رسول الله ﷺ فليرتد لنفسه كفنًا. وروي عن علي وابن عباس وأبي هريرة في الآية السالفة ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] قال: يعني ستين سنة، وعن ابن عباس أيضًا: أربعون، وعن الحسن البصري ومسروق مثله، وحديث أبي هريرة في الباب حجة لقول علي ومن وافقه في تأويل الآية، وقول من قال: أربعون سنة له وجه صحيح أيضًا، والحجة له قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] فذكر الله تعالى: أن من بلغ الأربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه، وعلى والديه، ويشكرها. قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم، ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس، واشتغلوا بالعبادة حتى يأتيهم. فبلوغ الأربعين نَقْلُ

стр. 17808

لابن آدمَ من حالة إلى حالة أرفع فيها في الاستعبار، والإعذار إليه، وقد أسلفنا قولاً: أن النذير: الشيب (١)، وله وجه، وذلك أنه يأتي في سن الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سن الصِّبا الذي هو سن اللهو واللعب، وهو نذير أيضًا، ألا ترى قول إبراهيم ﵇ حين رأى الشيب: يا رب ما هذا، فقال له: وقار، قال: رب زدني وقارًا؟ فبان رفق الله تعالى بعباده المؤمنين، وعظيم لطفه بهم، حتى أعذر عليهم ثلاث مرات، الأولى بنبيه، ثم بالأربعين، ثم بالستين لتتم حجته عليهم، وهذا أجل لإعذار الحكام إلى المحكوم عليهم مرة بعد أخرى. فصل: ذكر ابن بطال حديث عتبان الآتي في الباب بعده في هذا الباب، وحديث أبي هريرة الآتي فيه، ثم قال: فإن قيل: ما وجه حديث عتبان في هذا الباب؟ قيل: له وجه صحيح المعنى، وذلك أنه لما كان بلوغ الستين غاية الإعذار إلى ابن آدم، خشي البخاري أن يظن من لا يتسع فهمه أن من بلغ الستين وهو غير تائب أن ينفذ عليه الوعيد، فذكر قوله ﵇: "لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله إلا حرم الله عليه النار" (٢). وسواء أتى بها بعد الستين، أو بعد المائة لو عمرها. وقد ثبت بالكتاب والسنة: أن التوبة مقبولة مالم يغرغر ابن آدم (٣)، ويعاين قبض روحه، وكذلك قوله ﵇ في حديث أبي هريرة: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه

стр. 17809

إلا الجنة" (١)، وهذا عام المعنى في كل عمر ابن آدم بلغ الستين أو زاد عليها، فهو ينظر إلى معنى حديث عتبان في قوله: "ما لعبدي .. " إلى آخره، دليل أن من مات له ولد واحد فاحتسبه أن له الجنة، وهو تفسير قول المحدث: ولم نسأله عن الواحد، حين قال ﵇: "من مات له ثلاثة من الولد أدخله الله الجنة". قيل: واثنان يا رسول الله؟ قال: "واثنان"، ولم نسأله عن الواحد. إذ لا صفي أقرب إلى النفوس من الولد، وقد سلف في الجنائز (٢).

стр. 17810

٦ - باب العَمَلِ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ فِيهِ سَعْدٌ ﵁. ٦٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ -وَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَالَ: وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ. [انظر: ٧٧ - فتح: ١١/ ٢٤١]. ٦٤٢٣ - قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ قَالَ: غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «لَنْ يُوَافِيَ عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللهِ، إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ». [انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٣٣ - فتح: ١١/ ٢٤١]. ٦٤٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلاَّ الْجَنَّةُ». [فتح: ١١/ ٢٤١]. (يريد حديث) (١) سعد بن أبي وقاص السالف: "إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله" (٢). ثم ذكر حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وأبي هريرة السالفين في الباب قبله، وسلف الأول في الصلاة (٣)، والثاني في الجنائز (٤). قال ابن التين: استدل بعضهم بحديث أبي هريرة: على أن من مات له ولد واحد فاحتسبه يدخل به الجنة، ومنصوص الحديث: ثلاثة واثنان، وكأنه يشير بذلك إلى كلام ابن بطال السالف، قال ابن فارس

стр. 17811

والجوهري: احتسب فلان ابنه إذا مات كبيرًا، وإن مات صغيرًا قيل: افترطه (١).

стр. 17812

٧ - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا [وَالتَّنَافُسِ فِيهَا] (١) ٦٤٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ -وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، كَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَتْهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ؟». قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ على مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ». [انظر: ٣١٥٨ - مسلم: ٢٩٦١ - فتح: ١١/ ٢٤٣]. ٦٤٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ على المَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ -أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ- وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا». [انظر: ١٣٤٤ - مسلم: ٢٢٩٦ - فتح: ١١/ ٢٤٣]. ٦٤٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ

стр. 17813

اللهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ». قِيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِ؟ قَالَ: «زَهْرَةُ الدُّنْيَا». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ فَقَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟». قَالَ: أَنَا. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَقَدْ حَمِدْنَاهُ حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ. قَالَ: «لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلاَّ بِالْخَيْرِ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ، إِلاَّ آكِلَةَ الخَضِرَةِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَاجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ. وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ». [انظر: ٩٢١ - مسلم: ١٠٥٢ - فتح: ١١/ ٢٤٤]. ٦٤٢٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ: فَمَا أَدْرِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ». [انظر: ٢٦٥١ - مسلم: ٢٥٣٥ - فتح: ١١/ ٢٤٤]. ٦٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ». [انظر: ٢٦٥٢ - مسلم: ٢٥٣٣ - فتح: ١١/ ٢٤٤]. ٦٤٣٠ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَبَّابًا وَقَدِ اكْتَوَى يَوْمَئِذٍ سَبْعًا فِي بَطْنِهِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِالمَوْتِ، إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ، وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلاَّ التُّرَابَ. [انظر: ٥٦٧٢ - مسلم: ٢٦٨١ - فتح: ١١/ ٢٤٤].

стр. 17814

٦٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ قَالَ: أَتَيْتُ خَبَّابًا وَهْوَ يَبْنِى حَائِطًا لَهُ فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ مَضَوْا لَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا شَيْئًا وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ شَيْئًا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلاَّ التُّرَابَ. [انظر: ٥٦٧٢ - مسلم: ٢٦٨١ - فتح ١١/ ٢٤٤]. ٦٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ خَبَّابٍ ﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [انظر: ١٢٧٦ - مسلم: ٩٤٠ - فتح: ١١/ ٢٤٥]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أنه ﵇ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ إِلَى البَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا .. الحديث سلف في الجزية (١). وحديث عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ: "ولكن أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا". وسلف في الجنائز (٢). وحديث أَبِي سَعِيدٍ: "إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكمْ مَا يُخرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ". وسلف في الزكاة، في باب: الصدقة على اليتامى (٣). وحديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "خَيْرُ القُرُون قَرْنِي" سلف في الفضائل (٤). وكذا حديث ابن مسعود (٥). وحديث خَبَّابٍ، وقد سلف قريبًا (٦).

стр. 17815

وفي هذِه الأحاديث: التنبيه على أن زهرة الدنيا ينبغي أن يخشى سوء عاقبتها، وشر فتنتها من فتح الله عليه الدنيا، ويحذر التنافس فيها، والطمأنينة إلى زخرفها الفاني؛ لأنه ﵇ خشي ذلك على أمته، وحذرهم منه لعلمه أن الفتنة مقرونة بالغنى. ودل حديث عمران وعبد الله أن فتنة الدنيا لمن يأتي بعد القرن الثالث أشد، حيث قال في سبق الشهادة وظهور السمن، فجعل ظهور السمن فيهم وشهادتهم بالباطل، وخيانتهم الأمانة، ومنافستهم في الدنيا، وأخذهم لها من غير وجهها، كما قال ﵇ في حديث أبي سعيد: "ومن أخذه بغير حقه فهو كالذي يأكل ولا يشبع"، وكذلك خشي عمر بن الخطاب ﵁ فتنة المال، فروي عنه: أنه لما أتي بأموال كسرى بات هو وأكابر الصحابة عليه في المسجد، فلما أصبح وأصابته الشمس (ابتلقت) (١) تلك التيجان فبكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ليس هذا حين بكاء، إنما هو حين شكر، فقال عمر ﵁: إني أقول: ما فتح الله هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم، وقال: اللهم منعت هذا رسولك؛ إكرامًا منك له، وفتحته عليَّ لتبتليني به، اللهم اعصمني من فتنته. فهذا كله يدل أن الغنى بلية وفتنة، ولذلك استعاذ ﵇ من شر فتنته، وقد أخبر الله تعالى بهذا المعنى، فقال لرسوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] وقرن الفتنة به، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الانفال: ٢٨] ولهذا آثر أكثر سلف الأمة التقلل من الدنيا، وأخذ البلغة، إذ التعرض للفتن غرر.

стр. 17816

فصل: قوله في حديث أبي سعيد: "وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم": هو من أبلغ الكلام في تحذير الدنيا والركون إلى غضارتها، وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع، فتكثر أكله، فربما تفتقت سمنًا، فهلكت، فضرب ﵇ هذا المثل للمؤمن أن لا يأخذ من الدنيا إلا قدر حاجته، ولا يروقه زهرتها فتهلكه. قال الأصمعي: والحبط: هو أن تأكل الدابة فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطنها، وتمرض عنه. وقوله: ("أو يلم") يعني: يدني من الموت، وحبط بالحاء المهملة. قال الشيخ أبو الحسن: وهو الذي أعرف، ووقع في كتابي بالخاء المعجمة، و "ثلطت": بفتح اللام، ورويناه بكسرها. وقوله: "إن كل ما أنبت الربيع" قال الداودي: إن كان اللفظ الكل فقد يأتي بمعنى البعض، قال: وهي لغة سائرة، وقد سلف أيضًا في باب: الصدقة على اليتامى من كتاب الزكاة (١). فصل: قول خباب ﵁: (إن أصحاب محمد مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئًا) سببه: إنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ من الفتوحات والأموال ما كان بعده، وكان أكثر الصحابة ليس لهم إلا القوت، ولم ينالوا من طيبات العيش ما يخافون أن ينقصهم ذلك من طيبات الآخرة، ألا ترى قول عمر بن الخطاب ﵁ حين اشترى لحمًا بدرهم: أين تذهب (من) (٢)

стр. 17817

هذِه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾؟ [الأحقاف: ٢٠]. فدل أن التنعم في الدنيا، والاستمتاع بطيباتها تنقص كثيرًا من طيبات الآخرة. وقوله: (وإنا أصبنا من بعدهم شيئًا لا نجد له موضعًا إلا التراب) قال أبو ذر: يعني البنيان، ويدل على صحة هذا التأويل: أن خبابًا قال هذا القول وهو يبني حائطًا له. وقال غيره: أراد كثرة الأموال. وقال الداودي: يعني لا يكاد ينجو من فتنة، إلا من مات وصار إلى التراب. وقد سلف ذلك واضحًا في باب: تمني المريض الموت، من كتاب المرضى (١). فصل: قوله في حديث أبي عبيدة: (أجل)، أي: نعم. قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، فإذا قلت: أنت سوف تذهب؟ قلت: أجل. وكان أحسن من نعم، وإذا قلت: تذهب؟ قلت: نعم، وكان أحسن من أجل. فصل: كان قدوم أبي عبيدة سنة عشر، قدم بمائة ألف (٢) وثمانين ألف ألف درهم، كذا في "جامع المختصر"، وفي غيره: أنهم كانوا مجوسًا. وقال قتادة: كان المال ثمانين ألفًا. قال ابن حبيب: وهو أكثر مال قدم به على رسول الله ﷺ ، قال الزهري: قدم به ليلاً. قال قتادة: وصبَّ على حصير وفرقه، وما حرم منه سائلاً، وجاء العباس فجعل يحثي في حجره حتى عجز عن حمله، وكان الجمل إذا برك حمله بيديه، وكان استعان في حمله

стр. 17818

فنهاهم ﵇ عن ذلك، حتى نقص منه، وقوي على النهوض به. وفيه من الفوائد: أخذ الجزية من المجوس، وهو مذهبنا ومذهب مالك (١)، خلافًا لعبد الملك. فصل: وقوله: (صلى على أهل أُحدٍ صلاته على الميت) ظاهره أنها حقيقة، وبه قال بعضهم، وخولف، وإنما دعا، وهو قول المالكية بناء على أن القبر لا يصلي عليه (٢)، لكنهم شهداء. فصل: قوله: (والفرط) المتقدم وهو فرط بالفتح بمعنى: فارط، يقال: رجل فرط، وقوم فرط، ومنه: اجعله فرطًا لأبويه، أي: أجرًا متقدمًا حتى يرد عليه. فصل: قوله: ("خضرة حلوة") يريد أن صورة الدنيا، ومتاعها حسنة مزلقة، والعرب تسمي الشيء المشرق الناضر خضرًا تشبيها له بالنبات الأخضر، ومنه سمي الخضر لحسنه، وخضراء الدمن، فكأنه أراد ظاهرها حسن، وباطنها رديء، وقال الهروي: يعني غضة ناعمة طرية (٣).

стр. 17819

وقوله: ("لا يأتي الخير إلا بالخير") تقول: ما كان من ذلك خيرًا أخذ بحقه، ووضع في حقه، وأريد به وجه الله، لم يأت إلا بخير. وقوله: ("هذا المال خضرة حلوة") مثله بالفواكه أول ما تكون طريًّا لم يغيرها ظرف ولا مكيال ولا يد، فلا يكاد من رآها إلا اشتهاها. فصل: قوله: ("خيركم قرني") أي: أصحابي. "ثم الذين يلونهم" يعني: التابعين لهم بإحسان، واشتقاقه من الاقتران، وقيل: القرن ثمانون سنة، أو مائة أو أربعون، وقال ابن الأعرابي: القرن: الوقت من الزمان. فصل: قوله: ("يشهدون ولا يستشهدون") أي: يبادر بها، وهذا في حق الآدمي لا في حق الله، وقيل: يشهد بما لا يسمع. وقوله: ("ويخونون ولا يؤتمنون") أي: يخونون فيما لم يؤتمنوا عليه، فكيف لو ائتمنوا؟ كانوا أشد خيانة. وقوله: ("وينذرون ولا يوفون") هو بفتح الياء، من: ينذرون، ثلاثي من نذر ينذر بالكسر والضم. وقوله: ("ويظهر فيهم السمن") هو نحو قوله: "ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جعظري جواظ" (١)، أي: كثير اللحم، وهو قبيح في حق الرجال.

стр. 17820

٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥ - ٦] جَمْعُهُ: سُعُرٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] الشَّيْطَانُ. ٦٤٣٣ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ ابْنَ أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بِطَهُورٍ وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى الْمَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَهْوَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَغْتَرُّوا». [انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٦، ٢٣٢ - فتح: ١١/ ٢٥٠]. ثم ساق حديث مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ ابن أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ ﵁ بِطَهُورٍ وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى المَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رسول الله ﷺ تَوَضَّأَ وَهْوَ فِي هذا المَجْلِسِ يتوضأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هذا الوُضُوءِ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَغْتَرُّوا". كذا هو في الأصول: أن ابن أبان، وكذا عزي إلى رواية أبي زيد. وفي نسخة أبي محمد، عن أبي أحمد: أن أبان أخبره. بسقوط أبي، والصواب الأول. وفي رواية ابن السكن: أن حمران بن أبان أخبره قال: أتيت عثمان.
следующие страницы →