← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 17816–17855 · переход к 17821.

стр. 17816

فصل: قوله في حديث أبي سعيد: "وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم": هو من أبلغ الكلام في تحذير الدنيا والركون إلى غضارتها، وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع، فتكثر أكله، فربما تفتقت سمنًا، فهلكت، فضرب ﵇ هذا المثل للمؤمن أن لا يأخذ من الدنيا إلا قدر حاجته، ولا يروقه زهرتها فتهلكه. قال الأصمعي: والحبط: هو أن تأكل الدابة فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطنها، وتمرض عنه. وقوله: ("أو يلم") يعني: يدني من الموت، وحبط بالحاء المهملة. قال الشيخ أبو الحسن: وهو الذي أعرف، ووقع في كتابي بالخاء المعجمة، و "ثلطت": بفتح اللام، ورويناه بكسرها. وقوله: "إن كل ما أنبت الربيع" قال الداودي: إن كان اللفظ الكل فقد يأتي بمعنى البعض، قال: وهي لغة سائرة، وقد سلف أيضًا في باب: الصدقة على اليتامى من كتاب الزكاة (١). فصل: قول خباب ﵁: (إن أصحاب محمد مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئًا) سببه: إنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ من الفتوحات والأموال ما كان بعده، وكان أكثر الصحابة ليس لهم إلا القوت، ولم ينالوا من طيبات العيش ما يخافون أن ينقصهم ذلك من طيبات الآخرة، ألا ترى قول عمر بن الخطاب ﵁ حين اشترى لحمًا بدرهم: أين تذهب (من) (٢)

стр. 17817

هذِه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾؟ [الأحقاف: ٢٠]. فدل أن التنعم في الدنيا، والاستمتاع بطيباتها تنقص كثيرًا من طيبات الآخرة. وقوله: (وإنا أصبنا من بعدهم شيئًا لا نجد له موضعًا إلا التراب) قال أبو ذر: يعني البنيان، ويدل على صحة هذا التأويل: أن خبابًا قال هذا القول وهو يبني حائطًا له. وقال غيره: أراد كثرة الأموال. وقال الداودي: يعني لا يكاد ينجو من فتنة، إلا من مات وصار إلى التراب. وقد سلف ذلك واضحًا في باب: تمني المريض الموت، من كتاب المرضى (١). فصل: قوله في حديث أبي عبيدة: (أجل)، أي: نعم. قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، فإذا قلت: أنت سوف تذهب؟ قلت: أجل. وكان أحسن من نعم، وإذا قلت: تذهب؟ قلت: نعم، وكان أحسن من أجل. فصل: كان قدوم أبي عبيدة سنة عشر، قدم بمائة ألف (٢) وثمانين ألف ألف درهم، كذا في "جامع المختصر"، وفي غيره: أنهم كانوا مجوسًا. وقال قتادة: كان المال ثمانين ألفًا. قال ابن حبيب: وهو أكثر مال قدم به على رسول الله ﷺ ، قال الزهري: قدم به ليلاً. قال قتادة: وصبَّ على حصير وفرقه، وما حرم منه سائلاً، وجاء العباس فجعل يحثي في حجره حتى عجز عن حمله، وكان الجمل إذا برك حمله بيديه، وكان استعان في حمله

стр. 17818

فنهاهم ﵇ عن ذلك، حتى نقص منه، وقوي على النهوض به. وفيه من الفوائد: أخذ الجزية من المجوس، وهو مذهبنا ومذهب مالك (١)، خلافًا لعبد الملك. فصل: وقوله: (صلى على أهل أُحدٍ صلاته على الميت) ظاهره أنها حقيقة، وبه قال بعضهم، وخولف، وإنما دعا، وهو قول المالكية بناء على أن القبر لا يصلي عليه (٢)، لكنهم شهداء. فصل: قوله: (والفرط) المتقدم وهو فرط بالفتح بمعنى: فارط، يقال: رجل فرط، وقوم فرط، ومنه: اجعله فرطًا لأبويه، أي: أجرًا متقدمًا حتى يرد عليه. فصل: قوله: ("خضرة حلوة") يريد أن صورة الدنيا، ومتاعها حسنة مزلقة، والعرب تسمي الشيء المشرق الناضر خضرًا تشبيها له بالنبات الأخضر، ومنه سمي الخضر لحسنه، وخضراء الدمن، فكأنه أراد ظاهرها حسن، وباطنها رديء، وقال الهروي: يعني غضة ناعمة طرية (٣).

стр. 17819

وقوله: ("لا يأتي الخير إلا بالخير") تقول: ما كان من ذلك خيرًا أخذ بحقه، ووضع في حقه، وأريد به وجه الله، لم يأت إلا بخير. وقوله: ("هذا المال خضرة حلوة") مثله بالفواكه أول ما تكون طريًّا لم يغيرها ظرف ولا مكيال ولا يد، فلا يكاد من رآها إلا اشتهاها. فصل: قوله: ("خيركم قرني") أي: أصحابي. "ثم الذين يلونهم" يعني: التابعين لهم بإحسان، واشتقاقه من الاقتران، وقيل: القرن ثمانون سنة، أو مائة أو أربعون، وقال ابن الأعرابي: القرن: الوقت من الزمان. فصل: قوله: ("يشهدون ولا يستشهدون") أي: يبادر بها، وهذا في حق الآدمي لا في حق الله، وقيل: يشهد بما لا يسمع. وقوله: ("ويخونون ولا يؤتمنون") أي: يخونون فيما لم يؤتمنوا عليه، فكيف لو ائتمنوا؟ كانوا أشد خيانة. وقوله: ("وينذرون ولا يوفون") هو بفتح الياء، من: ينذرون، ثلاثي من نذر ينذر بالكسر والضم. وقوله: ("ويظهر فيهم السمن") هو نحو قوله: "ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جعظري جواظ" (١)، أي: كثير اللحم، وهو قبيح في حق الرجال.

стр. 17820

٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥ - ٦] جَمْعُهُ: سُعُرٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] الشَّيْطَانُ. ٦٤٣٣ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ ابْنَ أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بِطَهُورٍ وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى الْمَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَهْوَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَغْتَرُّوا». [انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٦، ٢٣٢ - فتح: ١١/ ٢٥٠]. ثم ساق حديث مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ ابن أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ ﵁ بِطَهُورٍ وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى المَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رسول الله ﷺ تَوَضَّأَ وَهْوَ فِي هذا المَجْلِسِ يتوضأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هذا الوُضُوءِ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَغْتَرُّوا". كذا هو في الأصول: أن ابن أبان، وكذا عزي إلى رواية أبي زيد. وفي نسخة أبي محمد، عن أبي أحمد: أن أبان أخبره. بسقوط أبي، والصواب الأول. وفي رواية ابن السكن: أن حمران بن أبان أخبره قال: أتيت عثمان.

стр. 17821

قال أبو علي: والحديث محفوظ لحمران بن أبان، عن عثمان من طرق كثيرة لا لأبان (١). إذا تقرر ذلك؛ فقد نهى الله عباده عن الاغترار بالحياة الدنيا وزخرفها الفاني، وعن الاغترار بالشيطان، وبين لنا عداوته؛ لئلا نلتفت إلى تسويله وتزيينه لنا الشهوات المردية، وحذرنا تعالى طاعته، وأخبر أن أتباعه وحزبه من أصحاب السعير، أي: النار، فحق على المؤمن العاقل أن يحذر ما حذره منه ربه تعالى ونبيه، وأن يكون مشفقًا خائفًا وجلاً، إن واقع ذنبًا أسرع الندم عليه، والتوبة منه، وعزم أن لا يعود لمثله، وإذا أتى حسنة استقلها، واستصغر عمله، ولم يدل بها. ألا ترى قول عثمان ﵁: "ثم أتى المسجد." إلى آخره؟ وهذا لا يكون (إلا) (٢) من قوله ﵇، ثم أتبع ذلك بقوله: "لا تغتروا"، وأفهمهم عثمان من ذلك: أن المؤمن ينبغي له أن لا يتكل على عمله، ويستشعر الحذر، والإشفاق، ويتجنب الاغترار، وقد قال غير مجاهد في تفسير ﴿الْغَرُورُ﴾: هو أن يغتر بالله، فيعمل المعصية، ويتمنى المغفرة (٣).

стр. 17822

٩ - باب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ ٦٤٣٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ بَالَةً». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ: حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ. [انظر: ٤١٥٦ - فتح: ١١/ ٢٥١]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ بَالَةً". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ: حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ. الشرح: سلف في المغازي (١). ومرداس هذا هو ابن مالك، عداده في الكوفيين، شهد الحديبية، وفي الصحابة مرداس (سبعة) (٢) سواه. والحفالة، والحثالة: الرذالة من كل شيء، وهي سفلة الناس، وقيل: هي آخر ما يبقى من الشعير، أو التمر وأردؤه، وأصلها في اللغة: ما تساقط من قشور التمر والشعير، (والحشافة) (٣)، مثل ذلك، والفاء والثاء يتعاقبان مثل فوم وثوم، وحرث وحرف. وقال الداودي: هو ما يسقط من الشعير عند الغربلة، وما يبقى من التمر عندما يؤكل، وإنما شك المحدث: أيُّ الكلمتين قال؟

стр. 17823

وقوله: "لا يباليهم الله بالة" قال الخطابي: أي لا يرفع لهم قدرًا، يقال: باليت بالشيء مبالاة، بالية وبالة (١). وقال ابن بطال: هو مصدر باليت، محذوف منه الياء التي هي لام الفعل، وكان أصله بالية، فكرهوا (ما) (٢) قبلها كسرة لكثرة استعمال هذِه اللفظة في نفي كل ما لا يحفل به، وتقول العرب أيضًا في مصدر باليت: مبالاة، كما تقول: بالة (٣). وقال الشيخ أبو الحسن: سمعته بالة في الوقف، ولا أدري كيف هو في الإدراج، قال: وهو بالية بالاة، فلعله عنده لما وقف عليه اجتمع ساكنان، فحذف أحدهما، وهذا غير بين؛ لأنك تقول: معافاة، ومراماة، ولو وقفت عليه كما الجمع بين الساكنين في الوقف جائز، والصحيح ما ذكره الخطابي. قال ابن التين: ولو علم الشيخ أبو الحسن أن مصدره وقع فيه: بالة ما افتقر إلى اعتذار، ولا إلى غيره. فصل: وذهاب الصالحين من أشراط الساعة، إلا أنه إذا بقي في الناس حفالة كحفالة الشعير أو التمر، فذلك إنذار بقيام الساعة وفناء الدنيا. وهذا الحديث معناه: الترغيب في الاقتداء بالصالحين، والتحذير من مخالفة طريقهم؛ خشية أن يكون من خالفهم ممن لا يباله الله ولا يعبأ به (٤).

стр. 17824

قال الداودي: وهذا على التكثير، ولا تخلو الأرض من قائم لله بالحجة، فمنهم الراسخون في العلم، قال: والذي جاء في حديث آخر: "يكون في آخر الزمان قوم، المتمسك منهم بدينه كالقابض على الجمر، للعامل منهم أجر خمسين منكم"، قيل: بل منهم يا رسول الله؟ كالمستفهمين، قال: "بل منكم" (١)، معناه: إن صح في العمل فللصحابة فضل الصحبة، وفوق ذلك كله؛ لقوله ﵇: "لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٢).

стр. 17825

١٠ - باب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ المَالِ وَقَوْلِ اللهِ : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ٦٤٣٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِىَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ». [انظر: ٢٨٨٦ - فتح: ١١/ ٢٥٣]. ٦٤٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ». [انظر: ٦٤٣٧ - مسلم: ١٠٤٩ - فتح: ١١/ ٢٥٣]. ٦٤٣٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالاً لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلَا يَمْلأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا أَدْرِي مِنَ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى المِنْبَرِ. [انظر: ٦٤٣٦ - مسلم: ١٠٤٩ - فتح: ١١/ ٢٥٣]. ٦٤٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًا مَلأً مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا، وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا، أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا، وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ». [فتح ١١/ ٢٥٣]. ٦٤٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ

стр. 17826

عَلَى مَنْ تَابَ». [مسلم: ١٠٤٨ - فتح: ١١/ ٢٥٣]. ٦٤٤٠ - وَقَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيٍّ قَالَ: كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾. [التكاثر: ١] [فتح: ١١/ ٢٥٣]. ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث أبي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ … " الحديث وسلف في الجهاد في باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله (١). و (أبو بكر) هذا هو: ابن عياش بن سالم الأسدي (الحنَّاط) (٢). أحد الأعلام، مولى واصل بن حيان، الأحدب الأسدي الكوفي، انفرد به البخاري، روى له الأربعة، مات سنة ثلاث (وتسعين) (٣) ومائة، ومات عن ست وتسعين. قال أحمد: ربما غلط. وقال أبو حاتم: هو وشريك في الحفظ سواء (٤). ثانيها: حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَوْ كانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابن آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ". وفي رواية: "لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ مِثْلُ وَادٍ مَالًا لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ .. ".

стр. 17827

قَالَ ابن عَبَّاسٍ: مَا أَدْرِي مِنَ القُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا؟ وَسَمِعْتُ ابن الزُّبَيْرِ يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى المِنْبَرِ. ثم ساقه إلى عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن الزُّبَيْرِ عَلَى مِنْبَرٍ بمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رسول الله ﷺ كَانَ يَقُولُ: "لَوْ أَنًّ ابن آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًا مَلْآنٌ مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا، وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا، وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابن آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ". رابعها: حديث أَنَسِ ﵁ أنه ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ". وَقَالَ لَنَا أَبُو الوَلِيدِ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ أُبَيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَرى هذا مِنَ القُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١] وهذا من أفراده. الشرح: تعس: رويناه بكسر العين، وفي "الصحاح": تعَس بالفتح يتعس وأتعسه الله، قال: والتعس: الهلاك، وأصله: الكب، وهو ضد الانتعاش (٢). وقيل: التعس: أن يخر على وجهه. ففيه ذم مَنْ فتنه متاع الدنيا الفاني. وقوله: ("إن أُعطي رضي") أي: إن أعطاه المتولي.

стр. 17828

وقوله: ("ملآن") كذا هو في الأصول، وذكره ابن التين بلفظ: "ملأ" ثم قال: كذا وقع، وصوابه: ملآن. قال في "الصحاح": يقال: دلو ملآى ماء على (فعلاء) (١)، ويجوز: ملآن ماء، والعامة تقول: ملا ماءً (٢). (فصل) (٣): وحماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، والبخاري لا يأتي به إلا في الشواهد. قال أبو جعفر: وإنما أتى به في غير حديث ثابت من قبل ربيبه عبد الكريم بن أبي العوجاء -كان متهمًا بالزندقة- ويقال: إنه كان (يدس) (٤) في كتاب حماد بن سلمة، وهو من رجال مسلم والأربعة، وكان أحد الأعلام. قال ابن معين: إذا رأيت من يقع فيه فاتهمه على الإسلام. وقال عمرو بن عاصم: كتب عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفًا. مات سنة سبع وستين ومائة. وكذا قال خلف الواسطي؟ ليس للبخاري عن ابن سلمة محتجًا به غيره، إنما يقول: قال حماد: استشهادًا (٥). وقال الإسماعيلي: أخبرنيه ابن ناجية على شك فيه: ثنا علي بن مسلم، ثنا عفان، قال: وثنا زهير بن محمد، ثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي، أنا حماد بن سلمة .. فذكره. فصل: معنى هذا الحديث موجود في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ

стр. 17829

لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨]. ومعنى الفتنة في كلام العرب: الاختبار والابتلاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] أي: اختبرناك. والفتنة: الإمالة عن القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] أي: ليميلونك. والفتنة أيضًا: الإحراق من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أي: يحرقون، هذا قول ابن الأنباري. والاختبار والابتلاء يجمع ذلك كله، وقد أخبر الله تعالى عن الأموال والأولاد أنها فتنة، وقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] وخرج لفظ الخطاب (بذلك) (١) على العموم: لأن الله تعالى فطر العباد على حب المال والولد، ألا ترى قوله ﵇ في الواديين؟! فأخبر عن حرص العباد على الزيادة في المال، وأنه لا غاية له يقنع بها ويقتصر عليها، ثم أتبع ذلك بقوله: "ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب" يعني: إذا مات وصار في قبره ملأ جوفه التراب وأغناه بذلك عن تراب غيره حتى يصير رميمًا. وأشار ﵇ بهذا المثل إلى ذم الحرص على الدنيا والشره على الازدياد منها؛ ولذلك آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة بالكفاف؛ فرارًا من التعرض لما لا يعلم كيف النجاة من شر فتنته، واستعاذ ﵇ من شر فتنة الغنى، وقد علم كل مؤمن أن الله قد أعاذه من شر كل فتنة، وإنما دعاؤه بذلك؛ تواضعًا لله، وتعليمًا لأمته، وحضًا لهم على إيثار الزهد في الدنيا.

стр. 17830

١١ - باب قَوْلِه ﷺ : «هذا المَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ» وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ إلى قوله ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَ لنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ. ٦٤٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا المَالُ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِي: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ- خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِى يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى». [انظر: ١٤٧٢ - مسلم: ١٠٥٣ - فتح: ١١/ ٢٥٨]. ثم ساق حديث حَكِيمٍ ﵁: سَأَلْتُ رسول الله ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ .. الحديث. وسلف في الزكاة (١). وبدأ في الآية بالنساء؛ لأنهن أضر الأشياء على الرجال. ومعنى ﴿زُيِّنَ﴾ أي: زينها الشيطان، أو أنها لما كانت تعجبه كانت كأنها زينت. ومعنى ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾: المكملة، مثل: ألوف مؤلفة، والقنطار في اللغة: الشيء الكثير، مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه. وقال ابن عباس ﵁ والحسن: أنه ألف مثقال.

стр. 17831

وقال قتادة: مائة رطل. وقال مجاهد: سبعون ألف دينار. وقال عطاء: سبعة آلاف دينار. وقال معاذ: هو ألف ومائتا أوقية. وقيل: مائة وعشرون رطلًا. وقيل: سكة النور ذهبا. وأخبر الفاروق بما لا يكاد ينجو منه أحد، وكان من الزهاد، وقيل لبعضهم: من أزهد عمر أو أويس؟، قال: عمر؛ لأنه قدر فزهد. وقوله: ("اليد العليا خير من اليد السفلى") ليس على عمومه، وقد استطعم موسى والخضر أهل قرية، وقال ﵇ في لحم بريرة: "هو عليها صدقة ولنا هدية" (١). وهذا الباب هو في معنى الذي قبله، يدل على أن فتنة المال والغنى مخوفة على من فتحه الله عليه لتزيين الله تعالى له ولشهوات الدنيا في نفوس عباده، فلا سبيل لهم (إلى) (٢) نقفته إلا بعون الله عليه؛ ولهذا قال عمر ﵁ ما قال، ثم دعا أن يعينه على إنفاقه في حقه، فمن أخذ المال من حقه ووضعه في حقه فقد سلم من فتنته وحصل على ثوابه، وهذا معنى قوله: "فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه"، وفي قوله أيضًا: "ومن أخذه بطيب نفس" تنبيه لأمته على الرضا بما قسم لهم. وفي قوله: "ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه" إلى آخره: ذم الحرص والشره إلى الاستكثار، ألا ترى أنه شبه فاعل ذلك بالبهائم التي تأكل ولا تشبع؟ وهذا غاية الذم له؛ لأن الله وصف الكفار بأنهم يأكلون كما تأكل الأنعام، يعني أنهم لا يشبعون كهم؛

стр. 17832

لأن الأنعام لا تأكل لإقامة أرماقها وإنما تأكل للشره والنهم، فينبغي للمؤمن العاقل الفهم عن الله وعن رسوله أن يتشبه بالسلف الصالح في أخذ الدنيا، ولا يتشبه بالبهائم التي لا تعقل. وقد سلف تفسير "خضرة حلوة" (١).

стр. 17833

١٢ - باب مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهْوَ لَهُ ٦٤٤٢ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ». [فتح ١١/ ٢٦٠]. ذكر فيه حديث الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عن عَبْدِ اللهِ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: "فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ". هذا الحديث رواه البخاري عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش: حدثني إبراهيم التيمي، عن الحارث به. وعند الإسماعيلي: عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه أو الحارث بن سويد عنه، وفيه: قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه. فقال: "اعلموا ما تقولون" فقالوا: ما نعلم إلا ذاك. الحديث وهذا الحديث تنبيه للمؤمن على أن يقدم من ماله لآخرته، ولا يكون خازنًا له وممسكه عن إنفاقه في الطاعة، فيخيب من الانتفاع به يوم الحاجة إليه، وربما أنفقه وارثه في الطاعة فيفوز بثوابه. فإن قلت: هذا الحديث يدل على أن إنفاق المال في وجوه البر أفضل من تركه لوارثه، وهذا يعارض الحديث الآخر وهو قوله لسعد: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس" (١). قيل: لا تعارض بينها، وإنما حضَّ الشارع سعدًا على أن يترك مالاً

стр. 17834

لورثته؛ لأن سعدًا أراد أن يتصدق بماله كله في مرضه، وكان وارثه ابنته، والبنت لا طاقة لها على الكسب، فأمره أن يتصدق منه بثلثه، ويكون باقيه لابنته وبيت المال. وله أجر في كل من يصل إليه من ماله شيء بعد موته. وحديث الباب إنما خاطب به أصحابه (في صحتهم) (١)، ونبه به (من شح على ماله) (٢)، ولم تشح نفسه بإنفاقه في وجوه البر أن ينفق منه في ذلك؛ لئلا يحصل وارثه عليه كاملًا موفرًا ويخيب هو من أجره، وليس الأمر فيه بصدقة المال كله، فيكون معارضًا لحديث سعد، بل حديث عبد الله مجمل، يفسره حديث سعد، يوضح ذلك ما ذكره أهل السير عن ابن شهاب: أن أبا لبابة قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأنخلع من مالي كله صدقة إلى الله ورسوله، قال: "يجزيك الثلث"، فلم يأمره بصدقة ماله كله.

стр. 17835

١٣ - باب المُكْثِرُونَ هُمُ المُقِلُّونَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. ٦٤٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ. قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ، فَرَآنِي فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟». قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ». قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: «إِنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلاَّ مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا». قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ لِي: «اجْلِسْ هَا هُنَا». قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: «اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ». قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُقْبِلٌ وَهْوَ يَقُول: «وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى». قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا. قَالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الحَرَّةِ، قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟! "قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ». قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالأَعْمَشُ وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ. قِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا. إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. عِنْدَ الْمَوْتِ. [انظر: ١٢٣٧ - مسلم: ٩٤ سيأتي بعد ٩٩١ برقم (٣٣) - فتح: ١١/ ٢٦٠].

стр. 17836

ثم ذكر حديث زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إِنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا" الحديث بطوله، وفي آخره: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ شَرِبَ الخَمْرَ". ثم قال: قَالَ النَّضْرُ: ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالأَعْمَشُ وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ (رُفَيْعٍ) (١)، ثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بهذا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ. قِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هذا. إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ. عِنْدَ المَوْتِ. الشرح: أما الآية فقال فيها سعيد بن جبير: من عمل عملًا يريد به غير الله جوزي عليه في الدنيا. (ومنه: قصة القارئ والمتصدق والمجاهد. وعن أنس: هم اليهود والنصارى إن أعطوا سائلًا أو وصلوا رحمًا عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن. وقيل: هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله ﷺ ، فأسهم لهم من الغنائم. وقال الضحاك: يعني: المشركين إذا عملوا عملًا جوزوا عليه في الدنيا) (٢). وهذا أبين؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: ١٦] ونقله ابن بطال عن أهل التأويل، فقال عنهم: هي عامة في اللفظ خاصة

стр. 17837

بالكفار بدليل هذِه الآية؛ وذكرها البخاري هنا لتحذير المؤمنين من مشابهة أفعال الكافرين في بيعهم الآخرة الباقية بزينة الحياة الدنيا الفانية، فيدخلون في معنى قوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ الآية (١) [الأحقاف: ٢٠]. (و ﴿نُوَفِّ﴾: نوصل إليهم أجور أعمالهم كاملة وافية من غير بخس، وهي ما يرزقون فيها من الصحة والرزق، وقرئ: (يوفِّ) بالياء على أن الفعل لله، وبالتاء على أن البناء للمفعول، ويوفي بالتخفيف وإثبات الياء؛ لأن الشرط وقع ماضيًا (٢). وحبط في الآخرة ما صنعوه أو صنيعهم يعني: لم يكن لهم ثواب؛ لأنهم لا يريدون به الآخرة. ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: عملهم في نفسه باطلاً. وقرئ: (وبطل) على الفعل. وعن عاصم: (وباطلاً) قراءة بالنصب أي: باطل كانوا يعملون، ويجوز أن يكون بمعنى المصدر على وبطل بطلانًا ما كانوا يعملون (٣). فصل) (٤): وقوله: (وقال النضر، أنا شعبة .. ) إلى آخره، قال الإسماعيلي: ليس في حديث شعبة قصة المكثرين والمقلين. إنما فيه قصة: من مات لا يشرك بالله شيئًا، والعجب من أبي عبد الله كيف أطلق فيه الكلام، ثم ساقه (من حديث) (٥) الحسن: ثنا حميد -يعني:

стр. 17838

ابن زنجويه- حدثنا النضر بن شُميل به: "إن جبريل أتاني، فبشرني أن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" قلت: "وإن زنا وإن سرق؟ " قال: "وإن زنا وإن سرق". قال سليمان: وإنما يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء، قال: أما أنا فإنما سمعته من أبي ذر أخبرنيه يحيى بن محمد الجياني، ثنا عبد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا (شعبة) (١)، عن حبيب. وبلال والأعمش وعبد العزيز المكي سمعوا زيد بن وهب، عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ الحديث، قال: ورواه أبو داود عن شعبة فذكرهم ولم يذكر بلالا ولم يزد على هذِه القصة. ثم ساق من حديث أبي داود: ثنا شعبة، عن بلال وهو ابن مرداس، ويقال: ابن معاذ، وتفرد بهذا الحديث عنه. ورواه شعبة أيضًا عن المعرور بن سويد سمع أبا ذر عن رسول الله ﷺ مثل قصة من مات لا يشرك بالله شيئًا ثم ساقه بإسناده. وقوله: (وقال أبو عبد الله: حديث أبي صالح .. ) إلى آخره، وقد أخرجه النسائي بإسناد صحيح من حديث ابن إسحاق عن عيسى بن مالك، عن زيد، عن أبي الدرداء (٢). ولما ذكر الدارقطني رواية الحسن وعيسى مع رواية من رواه عن أبي ذر قال: يشبه أن يكون القولان صحيحين (٣). وقوله: (وحديث عطاء بن يسار مرسل)، قد أخرجه الطبراني بإسناد جيد مصرحًا بسماعه منه: أخبرني أبو الدرداء أنه ﵇ قال .. فذكره، ثم ساقه من حديث محمد بن سعد بن مالك، عن أبي الدرداء قال رسول الله

стр. 17839

- ﷺ .. فذكره. وأخرجه أبي محمد بن سعد، وأحذرته أن يكون ابن أبي وقاص. قال: وثنا معاذ بن المثنى، ثنا ابن المديني، ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم، عن أبي الدرداء أظنه مرفوعًا .. فذكره. وهذا إسناد جيد، وأخرجه من حديث عمران (١) بن داود عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء. ومن حديث بقية، عن صفوان بن عمرو قال: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير وشريح بن عبيد، عن عمرو بن الأسود، عن أبي الدرداء. وذكر الدارقطني في حديث الأعمش، عن زيد بن وهب عنه: إن صحت فهي تقدح في صحته، وهي رواية حرير بن حازم عن الأعمش فقال رجل: عن (زيد) (٢) بن وهب عن أبي ذر (٣). فصل: هذا الحديث يدل على أن كثرة المال يؤول بصاحبه إلى الإقلال من الحسنات يوم القيامة إذا لم ينفقه في طاعة الله، فإن أنفقه فيها كان غنيًّا من الحسنات يوم القيامة. فصل: قد احتج به من فضل الغنى على الفقر؛ لأنه استثنى فيه من المكثرين من نفع بالمال عن يمينه وشماله وبين يديه، وقد اختلف في هذِه المسألة، وسيأتي في باب: من فضل الفقر بعد.

стр. 17840

فصل: وأبو ذر: اسمه جندب بن جنادة. وأبو الدرداء: عويمر. فصل: قوله: ("يا أبا ذر تعال"). وروي: "تعاله" أي: جئ، وألحق الهاء ليقف على ساكن؛ لأن العرب لا تقف بمتحرك، وإذا وقف على (اللام) (١) جمع بين ساكنين، قاله الداودي. ومعنى (نفح) بالحاء المهملة: أعطى منه، وصرفه في وجوه البر، قال صاحب "الأفعال": نفح بالعطاء: أعطى، والله نفاح بالخيرات (٢). ولصاحب "العين": نفح بالمال والسيف، ونفحات المعروف: دفعه. ونفحت الدابة: رمت بحافرها الأرض (٣). وقوله: (ووراءه) قيل: معناه: يوصي فيه ويبقيه لوارثه أو حبس يحبسه، والحرة: أرض بركتها حجارة سود كأنها أحرقت بالنار، قاله الجوهري وابن فارس (٤)، وعبارة ابن الأعرابي: هي حجارة سود بين جبلين. والقاع: المستوي من الأرض. وقوله: ("وإن زنا وإن سرق") تمثيل يحتمل معنيين: أحدهما: أن هذه الأمة يغفر لجميعها، والثاني: يدخل الجنة من عوقب ببعض ذنوبه فأدخل النار وأخرج منها بإيمانه، وإن عوفوا جميعًا كان (الذي) (٥) جاء فيهم الخبر أنهم يخرجون من النار المؤمنين غير هذِه الأمة.

стр. 17841

١٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا» ٦٤٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلاَّ شَيْئًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ، إِلاَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا». عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. ثُمَّ مَشَى فَقَالَ: «إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا -عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ». ثُمَّ قَالَ لِي: «مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ». ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي: «لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ» فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ، فَذَكَرْتُ لَهُ. فَقَالَ: «وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟! قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». [انظر: ١٢٣٧ - مسلم: ٩٤ - فتح: ١١/ ٢٦٣]. ٦٤٤٥ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ شَيْئًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ». [انظر: ٢٣٨٩ - مسلم: ٩٩١ - فتح: ١١/ ٢٦٤]. ذكر فيه حديث أبي ذَرٍّ: قال ﵇: "مَا أُحِبُّ أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ .. ". الحديث بطوله.

стр. 17842

وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ، ثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، لَسَرَّنِي أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَئ، إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عليَّ ". في هذا الحديث: أن المؤمن لا ينبغي له أن يتمنى كثرة المال، إلا بشريطة أن يسلطه الله تعالى على إنفاقه في طاعته اقتداء بالشارع في ذلك. وفيه: أن المبادرة إلى الطاعة مطلوبة، وهي أفضل من التواني فيها. ألا ترى أنه ﵇ لم يحب أن يبقى عنده من مقدار جبل أحد ذهبًا لو كان بعد ثلاث إلا دينار يرصده لدَين؟ وفيه: أنه ﵇ كان يكون عليه الدين؛ لكثرة مواساته بقوته وقوت عياله وإيثاره على نفسه أهل الرضا والحاجة، والرضا بالتقلل والصبر على خشونة العيش، وهذِه سيرة الأنبياء والصالحين. وهذا كله يدل على أن فضل المال في إنفاقه في سبيل البر، لا في إمساكه وإدخاره. فصل: و ("أرصده") بضم الهمزة، قال الكسائي والأصمعي: أرصدت له: أعددت له ورصدته: ترقبته قال تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧] أي: عدة.

стр. 17843

١٥ - باب الغِنَى غِنَى النَّفْسِ وَقَوْلُه تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥)﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٦٣]. قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: لَمْ يَعْمَلُوهَا، لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلُوهَا. ٦٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ». [مسلم: ١٠٥١ - فتح: ١١/ ٢٧١]. قلت: وافقه الحسن وزاد أنها أعمال رديئة. وعبارة مجاهد: لهم خطايا لا بد أن يعملوها (١). قال قتادة: ورجع إلى أهل البر (فقال) (٢): ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] أي: سوى ما عددتم. قال البخاري: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ -هو ابن عياش السالف قريبا- ثَنَا أَبُو حَصِينٍ -هو عثمان بن عاصم وهو بفتح الحاء- عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، ولكن الغِنَى غِنَى النَّفْسِ". الشرح: الآية نزلت في الكفار فليست بمعارضة لدعائه لأنس بكثرة المال والولد، والمعنى: أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين مجازاة لهم وخيرًا؟ بل هو استدراج؛ ولذلك قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون ٦٣] أي: في غطاء عن المعرفة أن الذي يمدهم به من مال استدراج لهم.

стр. 17844

وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ هي الخيرات، فالمعنى: نسارع فيه، ثم أظهر فقال: ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي: نسارع لهم في الخيرات. والخبر محذوف، والمعنى: نسارع لهم به. وقيل: (أنه ما) (١)، فالمعنى: نسارع لهم، وقرئ بالياء مضمومة وكسر الراء (٢)، وهذا على حذف، أي: الإمداد ويسارع لهم به في الخيرات. والمراد بالحديث: ليس حقيقة الغنى كثرة متاع الدنيا؛ لأن كثيرًا ممن وسع الله عليه في المال يكون فقير النفس لا يقنع بما أعطى فهو يجهد دائمًا في الزيادة ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير من المال لشدة شرهه وحرصه على الجمع، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس الذي استغنى صاحبه بالقليل وقنع به، ولم يحرص على الزيادة فيه، ولا ألح في الطلب، فكأنه غني واجد (٣) أبدًا، وغنى النفس: هو باب الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره، علما أن ما عند الله خير للأبرار. وفي قضائه لأوليائه الخيار. روى الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ارض بما قسم لك تكن أشكر الناس" (٤).

стр. 17845

فصل: العَرض -بفتح الراء -: كل ما ينتفع به من متاعها وحطامها، وهو بالإسكان: الأمتعة التي يتجر فيها، قال الجوهري: العرض بالتحريك ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه، وعرض الدنيا أيضًا: ما كان من مال قل أو كثر، يقال: الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر (١). وقال أبو عبد الملك: أتصل بي عن شيخ من شيوخ القيروان أنه قال: عرض -بتحريك الراء- الواحد من العروض، وهو خطأ؟ قال تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩]. ولا خلاف بين أهل اللغة في أنه ما يعرض فيه، وليس بواحد، قال: وهو بإسكان الراء: المتاع لكل شيء سوى الدنانير والدراهم، فإنها عين. وقال أبو عبيد: العروض: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن ولا تكون حيوانًا، ولا عقارًا. فصل: الغنى مقصور، وربما مده الشاعر اضطرارًا، وهو من الصوت ممدود، يقال: غنى غناء، والغناء -بالفتح والمد-: الكفاية.

стр. 17846

١٦ - باب فَضْلِ الفَقْرِ ٦٤٤٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا». [انظر: ٥٠٩١ - فتح: ١١/ ٢٧٣]. ٦٤٤٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: عُدْنَا خَبَّابًا فَقَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نُرِيدُ وَجْهَ اللهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَإِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدُبُهَا. [انظر: ١٢٧٦ - مسلم: ٩٤٠ - فتح: ١١/ ٢٧٣]. ٦٤٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». [انظر: ٣٢٤١ - مسلم: ٢٧٣٨ - فتح: ١١/ ٢٧٣]. تَابَعَهُ أَيُّوبُ وَعَوْفٌ، وَقَالَ صَخْرٌ وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ٦٤٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ. [انظر: ٥٣٨٦ - فتح: ١١/ ٢٧٣].

стр. 17847

٦٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلاَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. [انظر: ٣٠٩٧ - مسلم: ٢٩٧٣ - فتح: ١١/ ٢٧٤]. ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: "مَا رَأْيُكَ فِي هذا؟ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هذا والله حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وقد سلف (١). ثانيها: حديث خباب: (هَاجَرْنَا) (٢) مَعَ رسول الله ﷺ نُرِيدُ وَجْهَ اللهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ .. الحديث، وسلف أيضًا (٣). ثالثها: حديث سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ". تَابَعَهُ أَيُّوبُ وَعَوْفٌ، وَقَالَ صَخْرٌ وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ.

стр. 17848

رابعها: حديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ. خامسها: حديث عائشة ﵂ قالت: لَقَدْ تُوُفِّيَ رسول الله ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُوكَبِدٍ، إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. الشرح: ظاهر هذِه الأحاديث فضل الفقر كما ترجم له، لكن اعترض عليه بأن الشارع إنما فضله باعتبار الأعمال، غير أن الغنى أعز، والفضل في الكفاف، وقد طال تنازع الناس في هذِه المسألة، وأفردت بالتأليف، فذهب قوم إلى تفضيل الفقر، وممن ألف فيه ابن الفخَّار. وذهب آخرون إلى تفضيل الغنى، وممن ألف فيه ابن قتيبة. واحتج من فضل الفقر بهذِه الآثار وغيرها. فمنها: حديث أنس في الترمذي -وقال: غريب-: أنه ﵇ كان يقول في دعائه: "اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين" (١). وأخرجه الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي سعيد، ثم قال: صحيح الإسناد (٢).

стр. 17849

ومنها: أنه ﵇ قال: "اللهم من آمن بي وصدق ما جئت به فأقلل له من المال والولد" (١). ومنها قوله ﵇: "إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وأصحاب الجد محبوسون" أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، ثم قال: صحيح (٢). واحتج من فضَّل الغنى بقوله ﵇: "إن المكثرين هم (الأقلون) (٣) إلا من قال هكذا أو هكذا" (٤). وبقوله ﵇: "لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل أتاه الله مالا فيسلطه الله على هلكته في الحق .. " الحديث (٥). وبقوله ﵇ لسعد: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (٦). وقال لأبي لبابة: "أمسك عنك بعض مالك، فإنه خير لك" (٧). وقال في معاوية: "إنه صعلوك لا مال له" (٨).

стр. 17850

ولم يكن ﵇ يذم حالة فيها الفضل. قال ابن بطال: وأحسن ما رأيت في هذِه المسألة ما قاله أحمد بن نصر الداودي قال: الفقر والغنى محنتان من الله، وبليتان يبلو بهما خيار عباده؛ ليبدي صبر الصابرين وطغيان البطرين، وإنما أشكل ذلك على غير الراسخين، فوضع قوم الكتب في تفضيل الغنى على الفقر، وعكس آخرون وأغفلوا الوجه الذي يجب الحض عليه والندب إليه. وأرجو لمن صحت نيته، وخلصت له طويته، وكانت لوجهه مقالته أن (يجازيه) (١) الله على نيته ويعلمه، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقال: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا على الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ﴾ الآية [الإسراء: ٨٣]. وقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ الآية [المعارج: ١٩] وقال: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَهَانَنِ﴾ (٢) [الفجر ١٥ - ١٦] وقال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾ الآية [الزخرف: ٣٣] وقال: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧] وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨] يعني: لحب المال. وقال رسول الله ﵇: "ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخاف أن تفتح الدنيا عليكم .. " الحديث (٣). وكان ﵇ يستعيذ من فتنة الفقر وفتنة الغنى، فدل هذا كله على أن ما فوق الكفاف محنة لا يسلم منها إلا من عصم، وقد قال ﵇: "ما قل وكفى خير مما كثر وألهى" (٤).

стр. 17851

وقال عمر بن الخطاب ﵁ لما أتي بأموال كسرى: ما فتح الله هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم. وقال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، اللهم إنك منعت هذا رسولك؛ إكرامًا له وفتحته علي لتبتليني به، اللهم سلطني على هلكته في الحق واعصمني من فتنته. فهذا كله يدل على فضل الكفاف لا فضل الفقر كما خيل لهم، بل الغنى والفقر بليتان كأن ﵇ يستعيذ من فتنتهما، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية. [الإسراء: ٢٩] وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية. [الفرقان: ٦٧] وقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٥، ٦]، وقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩] وقال ﵇ لأبي لبابة وسعد ما سلف، وهذا من الغنى الذي لا يطغي، ولو كان كلما زاد كان أفضل لنهاه الشارع أن يوصي بشيء، ولقصرت أيدي الناس عن الصدقات، وعن الإنفاق في سبيل الله، وقال لعمرو بن العاصي: "هل لك أن أبعثك في جيش يسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك رغبة من المال؟ " فقال: ما للمال كانت هجرتي، إنما كانت لله ولرسوله. فقال: "نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح" (١). ولم يكن ﵇ ليحض أحدًا على ما ينقص حظه عند الله. فلا يجوز أن يقال: إن إحدى هاتين الخصلتين أفضل من الأخرى؛ لأنهما محنتان، وكأن قائل هذا يقول: إن ذهاب يد الإنسان أفضل عند

стр. 17852

الله من ذهاب رجله، وإن ذهاب سمعه أفضل من ذهاب بصره، فليس ها هنا موضع للفضل، وإنما هي محن يبلو الله بها عباده؛ ليعلم الصابرين والشاكرين من غيرهم. ولم يأت في الحديث فيما علمت أنه ﵇ كان يدعو على نفسه بالفقر، ولا يدعو كذلك على أحد يريد به الخير، بل كان يدعو بالكفاف، ويستعيذ بالله من شر فتنة الفقر وفتنة الغنى، ولم يكن يدعو بالغنى إلا بشريطة يذكرها في دعائه. فأما ما روي عنه أنه كان يقول: "اللهم أحيني مسكينًا .. ". الحديث فإن ثبت في النقل فمعناه: ألا يجاوز به الكفاف، أو يريد به الاستكانة إلى الله. يوضحه أنه ترك أموال بني النضير وسهمه من فدك وخيبر فغير جائز أن يظن به أن يدعو إلى الله ألا يكون بيده شيء، وهو يقدر على إزالته من يده بإنفاقه. وما روي عنه أنه قال: "اللهم من آمن بي .. " إلى آخره، فلا يصح في النقل ولا في الاعتبار، ولو كان إنما دعا بذلك في قلة المال وحدها، لكان محتملًا أن يدعو لهم بالكفاف، وأما دعاؤه في قلة الولد فكيف يدعو أن يقل المسلمون؟ وما يدفعه العيان (فمدفوع) (١) عنه ﵇، وأحاديثه لا تتناقض، كيف يذم معاوية ويأمر أبا لبابة وسعدًا أن يبقيا ما ذكر من المال؟ ويقول: إنه خير، ثم يخالف في ذلك، وقد ثبت أنه دعا لأنس بكثرة ماله وولده، وأن يبارك له فيما أعطيه، قال أنس: ولقد أحصت ابنتي أني قدمت من صلبي مقدم الحجاج البصرة مائة وبضعة وعشرين نسمة بدعوة رسول الله ﷺ -كما سلف، وعاش بعد ذلك ستين سنة، وولد له.

стр. 17853

فلم يدع له بكثرة المال إلا وقد قرن ذلك بقوله: "وبارك له فيما أعطيته" (١). فإن قلت: فأي الرجلين أفضل المبتلى بالفقر أو بالغنى إذا صلحت حال كل واحد منهما؟ قيل: السؤال عن هذا لا يستقيم، إذ قد يكون لهذا أعمال سوى تلك المحنة يفضل بها صاحبه وللآخر كذلك، وقد يكون هذا الذي صلح حاله على (الفقر لا يصلح حاله على) (٢) الغنى، ويصلح حال الآخر على الفقر والغنى. فإن قلت: فإن كان كل واحد يصلح حاله في الأمرين، وهما في غير ذلك من الأعمال متساويان قد أدى الفقير ما يجب عليه في فقره من الصبر والعفاف والرضا، وأدى الغني ما يجب عليه من الإنفاق والبذل والشكر والتواضع، فأي الرجلين أفضل؟ قيل: عِلْمُ هذا عند الله تعالى. فصل: وأما قوله: ("وأصحاب الجد محبوسون") فإنما يحبس لهذا أهل التفاخر والتكاثر: وأما من أدى حق الله في ماله، ولم يرد به التفاخر، وأرصد باقيه لحاجته إليه، فليس أولئك بأولى منه في السبق إلى شيء. ويدل على هذا الحديث السالف: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق". فيبين أنه لا شيء أرفع من هاتين الحالتين، وهو المبين عن الله (معنى) (٣): ما أراد، ولو كان من هذِه

стр. 17854

حاله مسبوقا في الآخرة لما حضَّ الشارع على أن يتنافس (١) في عمله، ولحض أبا لبابة على الحالة التي يسبق بها إلى الجنة، ألا ترى قوله في حديث: "الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فالذي عليه وزر فرجل ربطها فخرًا ورياء ونواء لأهل الإسلام" (٢)، فهذا من المحبوسين للحساب. والأولان فهو كفافهما، غير أن آفات الغثى أكثر، والناجون من أهل الغنى أقل؛ إذ لا يكاد يسلم من آفاته إلا من عصمه الله؛ فلذلك عظمت منزلة المعصوم فيه؛ لأن الشيطان يسول فيه إما في الأخذ بغير حقه، أو الوضع في غير حقه، أو في منعه من حقه، أو في (التجبر) (٣) والطغيان من أجله، أو في قلة الشكر عليه، أو المنافسة فيه إلا ما لا يبلغ صفته. فصل: قال المهلب: دخول الفقراء قبل الأغنياء بالمدة المذكورة ليس فيه تفضيل للفقر؛ لأن تقديم دخولها لا تستحق به فضيلة؛ ألا ترى أنه ﵇ أفضل البشر ولا يتقدم بالدخول (٤) فيها حتى يشفع في أمته، وكذلك صالح المؤمنين يشفعون في قوم دونهم في الدرجة، وإنما ينظر يوم القيامة بين الناس فيتقدم الأقل حسابًا فالأقل. فلذلك قدمت الفقراء؛ لأنه لا غلبة عليهم في حساب الأموال، فيدخلون الجنة قبل الأغنياء، ثم يحاسب أصحاب الأموال فيدخلون الجنة، وينالون فيها من

стр. 17855

الدرجات ما قد لا يبلغهم الفقر. فصل: وكذلك ليس قوله: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" لا يوجب فضل الفقير، وإنما معناه أن الفقراء في الدنيا أكثر من الأغنياء فأخبر عن ذلك، كما تقول: أكثر أهل الدنيا الفقراء. لا من جهة التفضيل، وإنما هو إخبار عن الحال، وليس الفقر أدخلهم الجنة، إنما دخلوا بصلاحهم مع الفقر، أرأيت الفقير إذا لم يكن صالحًا فلا فضل له في الفقر. فصل: وحديث سهل لا يخلو أن يكون فضل الفقير عليهم لفقره أو لفضله، فإن كان الثاني فلا حجة فيه لهم، وإن كان الأول فكان ينبغي أن يشترط في ملء الأرض مثله لا فقير لهم، ولا دلالة في الحديث على تفضيله عليه مع جهة فقره؛ لأنا نجد الفقير إذا لم يكن صالحًا، فكل غني صالح خير منه. فصل: في حديث خباب أن هجرتهم لم تكن لدنيا يصيبونها ولا نعمة يستعجلونها، وإنما كانت لله؛ ليثيبهم عليها في الآخرة بالجنة والنجاة من النار، فمن قتل منهم قبل أن يفتح الله عليهم البلاد قالوا: مَرَّ ولم يأخذ من أجره شيئًا في الدنيا، وكان أجره في الآخرة موفرًا له، وكان الذي بقي منهم حتى فتح الله عليهم الدنيا ونالوا من الطيبات خشوا أن يكون عجل لهم أجر طاعتهم وهجرتهم في الدنيا بما نالوا فيها من النعيم؛ إذ كانوا على نعيم الآخرة أحرص.
следующие страницы →