← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 17851–17890 · переход к 17856.

стр. 17851

وقال عمر بن الخطاب ﵁ لما أتي بأموال كسرى: ما فتح الله هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم. وقال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، اللهم إنك منعت هذا رسولك؛ إكرامًا له وفتحته علي لتبتليني به، اللهم سلطني على هلكته في الحق واعصمني من فتنته. فهذا كله يدل على فضل الكفاف لا فضل الفقر كما خيل لهم، بل الغنى والفقر بليتان كأن ﵇ يستعيذ من فتنتهما، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية. [الإسراء: ٢٩] وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية. [الفرقان: ٦٧] وقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٥، ٦]، وقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩] وقال ﵇ لأبي لبابة وسعد ما سلف، وهذا من الغنى الذي لا يطغي، ولو كان كلما زاد كان أفضل لنهاه الشارع أن يوصي بشيء، ولقصرت أيدي الناس عن الصدقات، وعن الإنفاق في سبيل الله، وقال لعمرو بن العاصي: "هل لك أن أبعثك في جيش يسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك رغبة من المال؟ " فقال: ما للمال كانت هجرتي، إنما كانت لله ولرسوله. فقال: "نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح" (١). ولم يكن ﵇ ليحض أحدًا على ما ينقص حظه عند الله. فلا يجوز أن يقال: إن إحدى هاتين الخصلتين أفضل من الأخرى؛ لأنهما محنتان، وكأن قائل هذا يقول: إن ذهاب يد الإنسان أفضل عند

стр. 17852

الله من ذهاب رجله، وإن ذهاب سمعه أفضل من ذهاب بصره، فليس ها هنا موضع للفضل، وإنما هي محن يبلو الله بها عباده؛ ليعلم الصابرين والشاكرين من غيرهم. ولم يأت في الحديث فيما علمت أنه ﵇ كان يدعو على نفسه بالفقر، ولا يدعو كذلك على أحد يريد به الخير، بل كان يدعو بالكفاف، ويستعيذ بالله من شر فتنة الفقر وفتنة الغنى، ولم يكن يدعو بالغنى إلا بشريطة يذكرها في دعائه. فأما ما روي عنه أنه كان يقول: "اللهم أحيني مسكينًا .. ". الحديث فإن ثبت في النقل فمعناه: ألا يجاوز به الكفاف، أو يريد به الاستكانة إلى الله. يوضحه أنه ترك أموال بني النضير وسهمه من فدك وخيبر فغير جائز أن يظن به أن يدعو إلى الله ألا يكون بيده شيء، وهو يقدر على إزالته من يده بإنفاقه. وما روي عنه أنه قال: "اللهم من آمن بي .. " إلى آخره، فلا يصح في النقل ولا في الاعتبار، ولو كان إنما دعا بذلك في قلة المال وحدها، لكان محتملًا أن يدعو لهم بالكفاف، وأما دعاؤه في قلة الولد فكيف يدعو أن يقل المسلمون؟ وما يدفعه العيان (فمدفوع) (١) عنه ﵇، وأحاديثه لا تتناقض، كيف يذم معاوية ويأمر أبا لبابة وسعدًا أن يبقيا ما ذكر من المال؟ ويقول: إنه خير، ثم يخالف في ذلك، وقد ثبت أنه دعا لأنس بكثرة ماله وولده، وأن يبارك له فيما أعطيه، قال أنس: ولقد أحصت ابنتي أني قدمت من صلبي مقدم الحجاج البصرة مائة وبضعة وعشرين نسمة بدعوة رسول الله ﷺ -كما سلف، وعاش بعد ذلك ستين سنة، وولد له.

стр. 17853

فلم يدع له بكثرة المال إلا وقد قرن ذلك بقوله: "وبارك له فيما أعطيته" (١). فإن قلت: فأي الرجلين أفضل المبتلى بالفقر أو بالغنى إذا صلحت حال كل واحد منهما؟ قيل: السؤال عن هذا لا يستقيم، إذ قد يكون لهذا أعمال سوى تلك المحنة يفضل بها صاحبه وللآخر كذلك، وقد يكون هذا الذي صلح حاله على (الفقر لا يصلح حاله على) (٢) الغنى، ويصلح حال الآخر على الفقر والغنى. فإن قلت: فإن كان كل واحد يصلح حاله في الأمرين، وهما في غير ذلك من الأعمال متساويان قد أدى الفقير ما يجب عليه في فقره من الصبر والعفاف والرضا، وأدى الغني ما يجب عليه من الإنفاق والبذل والشكر والتواضع، فأي الرجلين أفضل؟ قيل: عِلْمُ هذا عند الله تعالى. فصل: وأما قوله: ("وأصحاب الجد محبوسون") فإنما يحبس لهذا أهل التفاخر والتكاثر: وأما من أدى حق الله في ماله، ولم يرد به التفاخر، وأرصد باقيه لحاجته إليه، فليس أولئك بأولى منه في السبق إلى شيء. ويدل على هذا الحديث السالف: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق". فيبين أنه لا شيء أرفع من هاتين الحالتين، وهو المبين عن الله (معنى) (٣): ما أراد، ولو كان من هذِه

стр. 17854

حاله مسبوقا في الآخرة لما حضَّ الشارع على أن يتنافس (١) في عمله، ولحض أبا لبابة على الحالة التي يسبق بها إلى الجنة، ألا ترى قوله في حديث: "الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فالذي عليه وزر فرجل ربطها فخرًا ورياء ونواء لأهل الإسلام" (٢)، فهذا من المحبوسين للحساب. والأولان فهو كفافهما، غير أن آفات الغثى أكثر، والناجون من أهل الغنى أقل؛ إذ لا يكاد يسلم من آفاته إلا من عصمه الله؛ فلذلك عظمت منزلة المعصوم فيه؛ لأن الشيطان يسول فيه إما في الأخذ بغير حقه، أو الوضع في غير حقه، أو في منعه من حقه، أو في (التجبر) (٣) والطغيان من أجله، أو في قلة الشكر عليه، أو المنافسة فيه إلا ما لا يبلغ صفته. فصل: قال المهلب: دخول الفقراء قبل الأغنياء بالمدة المذكورة ليس فيه تفضيل للفقر؛ لأن تقديم دخولها لا تستحق به فضيلة؛ ألا ترى أنه ﵇ أفضل البشر ولا يتقدم بالدخول (٤) فيها حتى يشفع في أمته، وكذلك صالح المؤمنين يشفعون في قوم دونهم في الدرجة، وإنما ينظر يوم القيامة بين الناس فيتقدم الأقل حسابًا فالأقل. فلذلك قدمت الفقراء؛ لأنه لا غلبة عليهم في حساب الأموال، فيدخلون الجنة قبل الأغنياء، ثم يحاسب أصحاب الأموال فيدخلون الجنة، وينالون فيها من

стр. 17855

الدرجات ما قد لا يبلغهم الفقر. فصل: وكذلك ليس قوله: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" لا يوجب فضل الفقير، وإنما معناه أن الفقراء في الدنيا أكثر من الأغنياء فأخبر عن ذلك، كما تقول: أكثر أهل الدنيا الفقراء. لا من جهة التفضيل، وإنما هو إخبار عن الحال، وليس الفقر أدخلهم الجنة، إنما دخلوا بصلاحهم مع الفقر، أرأيت الفقير إذا لم يكن صالحًا فلا فضل له في الفقر. فصل: وحديث سهل لا يخلو أن يكون فضل الفقير عليهم لفقره أو لفضله، فإن كان الثاني فلا حجة فيه لهم، وإن كان الأول فكان ينبغي أن يشترط في ملء الأرض مثله لا فقير لهم، ولا دلالة في الحديث على تفضيله عليه مع جهة فقره؛ لأنا نجد الفقير إذا لم يكن صالحًا، فكل غني صالح خير منه. فصل: في حديث خباب أن هجرتهم لم تكن لدنيا يصيبونها ولا نعمة يستعجلونها، وإنما كانت لله؛ ليثيبهم عليها في الآخرة بالجنة والنجاة من النار، فمن قتل منهم قبل أن يفتح الله عليهم البلاد قالوا: مَرَّ ولم يأخذ من أجره شيئًا في الدنيا، وكان أجره في الآخرة موفرًا له، وكان الذي بقي منهم حتى فتح الله عليهم الدنيا ونالوا من الطيبات خشوا أن يكون عجل لهم أجر طاعتهم وهجرتهم في الدنيا بما نالوا فيها من النعيم؛ إذ كانوا على نعيم الآخرة أحرص.

стр. 17856

فصل: وتركه ﵇ الأكل على الخوان وأكل المرقق، فإنما فعل ذلك؛ لأنه رفع الطيبات للحياة الدائمة في الآخرة، ولم يرض أن يستعجل في الدنيا الفانية شيئًا منها، أخذًا منه بأفضل الدارين، وكان قد خيره الله بين أن يكون نبيًّا عبدًا أو نبيًّا ملكًا، فاختار عبدًا (١)، فلزمه أن يفي لله بما اختاره. والمال إنما يرغب فيه مع مقارنة الدين، ليستعان به على الآخرة، والشارع مغفور له، فلم يحتج إلى المال من هذا الوجوه، وكان ضمن الله له رزقه بقوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] فصل: وقول عائشة ﵂: (لقد توفي رسول الله ﷺ .. ) إلى آخره. هو في معنى حديث أنس ﵁ الذي قبله من الأخذ بالاقتصاد وبما يسد الجوعة. وفيه: بركة الشارع، وأن الطعام المكيل يكون فناؤه معلومًا للعلم بكيله، وأن الطعام غير المكيل فيه البركة؛ لأنه غير معلوم مقداره (٢). (والرف: شبه الطاق، والجمع رفوف، قاله في "الصحاح" (٣). وقال في "المطالع": الرف خشب يرفع عن الأرض في البيت يرفأ إليه ما يراد حفظه، وهو الرفوف أيضًا) (٤). فصل: قد أسلفنا أن ابن قتيبة صنف في تفضيل الغنى على الفقر، وأتى على ذلك بأخبار لا تثبت أسانيدها ولا تصح مرسلاتها، ثم أولها

стр. 17857

بتوهمه أن ذلك تأويلها، ولو صحت لكان تأويلها غير تأويله، بل لا يصح تأويله أصلاً. ثم أتى بأشعار احتج بها على الشريعة، ثم بحكايات وأوصاف ليست بحجج ولا دلائل؛ بل هي خطب وتواريخ ومحن، فلسنا نقول: أن الغنى مكروه؛ بل هو مباح، وإنما الكلام في الأفضل، فمما قاله: زعم أنه ﵇ روي عنه -بغير سند ولا إمام- أنه تعوذ من الفقر، ثم فسر ذلك بأنه لا يجوز أن يكون فقر النفس، وإنما هو فقر المال، وادعى أن له على ذلك شواهد كثيرة: منها: أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من غنى يبطر وفقر مرب أو ملب". وهو الملاصق بالأرض. وكذلك قوله: "لا غنى يطغي ولا فقر ينسي" وفسره فقال: دعا بالتوسط في الحد، فتدبروا قوله. هذا تأويله، فما أبعده مما قاله واعتقده، وحسب أن هذا له دليلٌ، وهو عليه حجة؛ وذلك أنه ذكر حديثًا لا يعرف، وقصد إلى الشواذ ثم جعله حجة في تفضيل الغنى، ولو صح ما كان في مثل هذا الغنى، ولا في مثل هذا الفقر، وكلاهما مرديان؛ لأن الغني المبطر قد عصى الله به، والفقير المنسي قد نسي الله فعصاه، قال تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وإنما الكلام في الغنى الذي لا يبطر، والفقر الذي لا ينسي. فمن قال مثل قوله هذا: هل مَرَّ به من إنعام النظر مثقال ذرة؟!: ثم فسره أيضًا بأن الفقر الذي استعاذ منه إنما هو فقر المال دون فقر النفس برواية وبغير رواية، والأولى على ظاهر الحديث أن يكون استعاذ من فقر النفس دون المال بدلالة الحديث الثابت:

стр. 17858

"ولكن الغنى غنى النفس" (١). واحتج أيضًا بحديث مرسل لا تثبت به حجة، أنَّ الحسن قال: أنه ﵇ قال: "كاد الفقر أن يكون كفرًا". وهو غير صحيح، ولو صح لكان تأويله سترًا من النار: لأن معنى كفرت الشيء: سترته، ولو قلنا بتأويله للزم منه الفقر في الدنيا، ودخول النار في الآخرة لكفره. ويدل على أن الفقر أفضل قول عمر في غزوة نهاوند إذ جيء بمالها فصب في المسجد: ما فتح الله هذا على قوم إلا سفكوا عليه دماءهم، وقطعوا أرحامهم. فهل سَفَك الناس دماءهم، وقطعوا أرحامهم على الفقر؟! فكيف يكون المال أفضل على هذا من الفقر، وهو ذريعة إلى قطع الأرحام؟ فإن احتج متوهم بعيد الفهم بقول الله تعالى: ﴿تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] يعني: مالا؛ قلنا: قد قال أيضًا: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال، فقد عاب محبته مع تسميته خيرًا، وعابه أيضًا في آية أخرى، فقال: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ الآية [الفجر: ١٥]. واحتج أيضًا بقول الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميتُ ميت الأحياء ويرده أنه تعالى قال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] قيل: كان كافرًا فأحييناه بالإسلام، أو ضالًا فهديناه كما قال مجاهد. ولم يقل أحد أن ذلك في الفقر من المال. قال ابن قتيبة: قبض الله نبينا موسرًا إنما قال عليه، فتأول بذلك أنه لم يكن دعاؤه إذ استعاذ (من الفقر) (٢) إلا فقر المال.

стр. 17859

وقد قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٨] فالعائل: الفقير. قال البخاري: عائلاً: ذو عيال (١) خلاف قول ابن قتيبة وهو أوفق. ويقال لابن قتيبة: لو أمعنت النظر لما احتججت بمثل هذا، لأن سورة الضحى مكية، والغنى قد يكون غنى النفس، ويكون من المال كما تقدم عنه، وإنما قال: (فأغنى) ولم يقل: سأغنيك؛ لأن فدك والنضير وخيبر كان فتحها بعد هذِه السورة بسنين، وقال عمر: إن الله خص رسوله في هذا المال بشيء لم يعطه أحدًا غيره (٢)، فإذا كان مخصوصًا بشهادة عمر، فكيف يجوز أن يكون لمن لم يخص بمثل هذا الخصوص؟! وقد روى أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" كما سيأتي (٣). فإن قلت: إن الغنى أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] والخيل لا يقوم إلا بالغنى. قيل له: هذِه حال ضرورة إلى الغنى في هذِه الحال، وإذا دعت الضرورة إلى الغنى في حال يجوز أن يكون الغنى أفضل، كما أن الصلاة على هيئتها هو الغرض الذي لا يجوز غيره، وإذا دعت ضرورة الخوف إلى القصر من هيئتها في تلك الحال لم يجز على الإطلاق؛ إلا أن تكون تلك الصلاة في تلك الهيئة من القصر أفضل،

стр. 17860

بل الصلاة على هيئتها من التمام هو الواجب، فكما لم يغير حال الخوف من جواز قصر الصلاة من فرض تأديتها على هيئتها في غير الخوف، كذلك لا تغير الضرورة إلى الغنى في حال الجهاد أنَّ الفقر أفضل من الغنى. ألا ترى أنه ﵇ كان يجعل ما أفاء الله عليه بعد نفقته في الكراع والسلاح وما يحتاج الجهاد إليه؛ فإن قيل: إنما نقاتل العدو بالغنى، وهو المال. قيل: ليس كذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦] فقد نفى أن يكون المال من صفة القتال، وقال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وقال هرقل لأبي سفيان إذا سأله عن سيدنا رسول الله ﷺ : أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكر أن ضعفاءهم اتبعوه، فقال: هم أتباع الرسل (١). فقد أعلمك أن الضعفاء أتباع الرسل، وهم الذين قاتلوا الكفار. وقال أبو أمامة الباهلي: لقد فتح الفتوح أقوام ما كانت حلية سيوفهم الذهب والفضة إلا العلابي والآنك والحديد (٢). فصل: المختار عندنا: أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر؛ لأن الغنى هي الحالة التي توفي عليها الشارع، وهي أكمل الحالات. وقد سئل سيدي أبو علي الدقاق: أيهما أفضل الغنى أو الفقر؟ فقال: الغنى؛ لأنه وصف الحق، والفقر وصف الخلق، ووصف

стр. 17861

الحق أفضل من وصف الخلق، وما أحسن هذا، وأما الكفاف فهي الدرجة الرفيعة؛ لأنه ﵇ لا يَسأل إلا أفضل الأحوال. وفي ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: "ما من غني ولا فقير إلا وَدَّ يوم القيامة أنه أوتي قوتًا" (١). قال القرطبي: فعلى هذا أهل الكفاف هم -إن شاء الله- صدر كتيبة الفقراء الداخلين قبل الأغنياء بخمسمائة عام؛ لأنهم وسطهم، والوسط: العدل (٢)؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فصل: معنى (حَرِيٌّ) في حديث سهل: حقيق. والنمرة: في حديث خباب: بردة يلبسها الإماء، أو إزار من صوف مخطط، وقال الجوهري: بردة من صوف يلبسها الأعراب (٣)، وقال ابن فارس: كساء ملون (٤). والإذْخِر: نبت ريحه طيب، وهو جمع، والواحدة: إذْخِرة (٥). ومعنى (أينعت): أدركت، وكذلك ينع. قال القزاز: وأينع أكثر من ينع. (وَيهْدبُهَا): بضم الدال وكسرها أي: يجنيها. والخوان: بضم الخاء وكسرها: المائدة المعدة لذلك، ويقال فيه أيضًا: الأخوان.

стр. 17862

فصل: قوله: (تابعه أيوب وعوف. وقال صخر وحماد بن نجيح: عن أبي رجاء عن ابن عباس)، أما متابعة أيوب فأخرجها النسائي عن بشر بن هلال، عن عمران بن موسى، عن عبد الوارث، عن أبي أيوب، عن أبي رجاء، عن عمران (١). وأما متابعة عوف، فذكرها في النكاح عن عثمان بن الهيثم. ثنا عوف، عن أبي رجاء (٢). وقال أبو مسعود الدمشقي: إنما رواه عن أيوب -كما قاله البخاري- عبدُ الوارث، وسائر أصحاب أيوب يقولون: عن أيوب، عن أبي رجاء، عن ابن عباس. وقد رواه أبو الأشهب وابن أبي عروبة وابن علية والثقفي وعاصم بن هلال وجماعة؛ عن أيوب، عن أبي رجاء، عن ابن عباس. قلت: رواه النسائي عنه عن أبي رجاء، عن عمران، وأخرجه الترمذي عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي وغندر وعبد الوهاب؛ عن عوف، عن أبي رجاء، ثم قال: حسن صحيح. قال: وهكذا يقول عوف، عن أبي رجاء، عن عمران. وكذا روى غيره. ويقول أيوب: عن أبي رجاء عن ابن عباس، وكلا الإسنادين ليس فيهما مقال، ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمعه منهما (٣).

стр. 17863

ومتابعة صخر أخرجها النسائي عن يحيى بن مخلد المقسمي، ثنا المعافى بن عمران عن صخر بن جويرية، عن أبي رجاء (١). ومتابعة حماد بن نجيح أخرجها النسائي أيضًا عن محمد بن معمر البحراني، ثنا عثمان بن عمر، عن حماد بن نجيح، عن أبي رجاء (٢)

стр. 17864

١٧ - باب كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَتَخَلِّيهِمْ مِنَ الدُّنْيَا ٦٤٥٢ - حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا على طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: «أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «الْحَقْ». وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟». قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ -فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ-. قَالَ: «أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي». قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ. قَالَ: «يَا أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «خُذْ فَأَعْطِهِمْ». قَالَ: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ رَوِىَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ». قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ». فَقَعَدْتُ

стр. 17865

فَشَرِبْتُ. فَقَالَ: «اشْرَبْ». فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ». حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ: «فَأَرِنِي». فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الفَضْلَةَ. [انظر:٥٣٧٥ - فتح: ١١/ ٢٨١]. ٦٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: إِنِّي لأَوَّلُ العَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ، مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ، خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي. [انظر: ٣٧٢٨ - مسلم: ٢٩٦٦ - فتح: ١١/ ٢٨٢]. ٦٤٥٤ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ. [انظر: ٥٤١٦ - مسلم: ٢٩٧٠ - فتح: ١١/ ٢٨٢]. ٦٤٥٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -هُوَ الأَزْرَقُ- عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلاَّ إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ. [مسلم: ٢٩٧١ - فتح: ١١/ ٢٨٢]. ٦٤٥٦ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَدَمٍ، وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ. [مسلم: ٢٠٨٢ - فتح: ١١/ ٢٨٢]. ٦٤٥٧ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، وَقَالَ: كُلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا، حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ، وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ. [انظر: ٥٣٨٥ - فتح: ١١/ ٢٨٢]. ٦٤٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلاَّ أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ. [انظر: ٢٥٦٧ - مسلم: ٢٩٧٢ (٢٨) - فتح: ١١/ ٢٨٢].

стр. 17866

٦٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ. فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ، فَيَسْقِينَاهُ. [انظر: ٢٥٦٧ - مسلم: ٢٩٧٢ (٢٨) - فتح: ١١/ ٢٨٣]. ٦٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا». [مسلم: ١٠٥٥ - فتح: ١١/ ٢٨٣] ذكر فيه أحاديث: أحدها: حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هذا الحَدِيثِ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، ثَنَا مُجَاهِدٌ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ .. فذكر حديث اللبن وأهل الصفة مطولا. وسلف في الاستئذان مختصرًا (١). فقال: حدثنا أبو نعيم: ثنا عمر بن ذر. وعن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن (عمر بن ذر) (٢)، ثنا مجاهد به، ولعله النصف المشار إليه هاهنا. وأخرجه النسائي من حديث محمد بن يحيى، ثنا أبو نعيم، عن عمر بن ذر (٣). والترمذي عن هناد، عن يونس بن بكير، عن عمر، ثم قال: صحيح (٤).

стр. 17867

ثم ساق البخاري بعده أحاديث: أحدها: حديث سعد ﵁: إِنِّي لأَوَّلُ العَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ وهذا السَّمُرُ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ، خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي. ثانيها: حديث عَائِشَةَ ﵂: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ. ثالثها: وعنها: مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلَّا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ. رابعها: وعنها قالت: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ. خامسها: حديث قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، قَالَ: كُلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ رَأى رَغِيفًا مُرَقَّقًا، حَتَّى لَحِقَ باللهِ ، وَلَا رَأى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ. سادسها: حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ وَمَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ. سابعها: حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابن أُخْتِي إِنْ كُنَّا

стр. 17868

لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أَوْقَدُوا فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارًا. فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ، فَيَسْقِينَا. ثامنها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا". الشرح: قوله في الحديث الأول: (إنَّ أبا هريرة كان يقول: آللهِ الذي لا إله إلا هو) يجوز في الله الخفض والنصب. قال ابن التين: ورويناه بالنصب. قال ابن جني: إذا حذفت حرف القسم نصبت الاسم بعده بالفعل المقدر تقول: الله لأذهبن. قال امرئ القيس: فقالت: يمين الله ما لك حيلة … وما إن أرى عنك الغواية تنجلي ومن العرب من يجر اسم الله وحده مع حذف حرف الجر، فيقول: اللهِ لأقومن؛ وذلك لكثرة ما يستعملون هذا الاسم، وتقول: أي هاللهِ ذا، فتجر الاسم بها؛ لأنها صارت بدلاً من الواو، وكذلك قولهم في الاستفهام: ألله لتذهبن؟ صارت همزة الاستفهام عوضًا من الواو فجررت الاسم، وتقول في التعجب: لله لأقومن (١)! وقوله: (إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض) الكبد بكسر الباء وسكونها مثل فخذ وفخذ. وقوله: (وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع) قال الخطابي:

стр. 17869

أشكل الأمر في شد الحجر على البطن من الجوع على قوم، حتى توهموا أنه تصحيف، فزعموا (أنما هو) (١) الحجز جمع الحجزة التي يشد بها المرء وسطه، قال: ومن أقام بالحجاز، وعرف عاداتهم علم أن الحجر واحد الحجارة؛ وذلك أن المجاعة تصيبهم دهرًا، فلما خوى البطن هزم فلم (يمكن معه) (٢) الانتصاب؛ فيعمد حينئذ إلى صفائح رقاق من طول الكف فتربط على البطن، وتشد (بحجزه) (٣) فوقها فتعتدل قامة الإنسان بعض الاعتدال (٤). وقوله: (إلا ليشبعني) أي: ليأمرني أن أتبعه. وقوله: (قال: "الْحَق" ومضى) أي: اتبعني. قوله: (وأشركهم فيها) قال ابن القوطية: شركك في الأمر شركًا وشركه: ضرب له شريكًا، وفي المال كذلك، وأشرك الكافر بالله: جعل له شريكًا، والنعل: جعلت له شراكًا (٥). وقوله: (فيشرب حتى يروى) هو بفتح الواو في مستقبله، وبكسرها في ماضيه. فصل: الحُبْلَةَ بالضم، وسكون الباء: ثمر العضاه قاله الجوهري (٦) وابن فارس (٧).

стр. 17870

وقال أبو (عبيد) (١): الحبلة وورق السمر: ضربان من الشجر أو النبات. وقال ابن الأعرابي: الحبلة: ثمر السمر يشبه اللوبياء. وقال الجوهري: السمُرة بضم الميم: من شجر الطلح، والجمع: سمر وسمرات وأسمر في أدنى الجمع (٢)، والتعزير: التأديب، والبر جمع: برة من القمح. وجوز المبرد أن يجمع على أبرار خلافًا لسيبويه (٣). فصل: وقوله في سند حديث عائشة الأخير: (حدثني ابن أبي حازم عن أبيه): هو عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار، (ويزيد بن رومان) هو أبو روح مولى آل الزبير بن العوام، مات سنة ثلاثين ومائة. وحديث سعد ﵁ سلف في الأطعمة، في باب: ما كان ﵇ وأصحابه يأكلون (٤)، وتقدم فيه أيضًا الكلام في حديث عائشة وأنس وأبي هريرة ﵁ مع الأحاديث المعارضة لها. فصل: قال الطبري: في اختيار الشارع وخيار السلف من الصحابة والتابعين (شظف) (٥) العيش، والصبر على مرارة الفقر والفاقة، ومقاساة خشونة (خشن) (٦) الملابس والمطاعم، على خفض ذلك ودعته حلاوة الغنى

стр. 17871

ونعيمه، ما أبان عن فضل الزهد في الدنيا وأخذ البلغة والقوت خاصة، وكان نبينا - عليه أفضل الصلاة والسلام - يطوي الأيام، ويعصب على بطنه الحجر من الجوع، إيثارًا منه شظف العيش والصبر عليه، مع علمه بأنه لو سأل ربه أن يسير له جبال تهامة ذهبًا وفضة لفعل، وعلى هذِه الطريقة جرى الصالحون. ألا ترى قول أبي هريرة ﵁: أنه كان يشد الحجر على بطنه من الجوع، وخرج يتعرض من يمر به من الصحابة يسأله عن آي من القرآن ليحمله ويطعمه (١). فصل: وفيه: أنَّ كتمان الحاجة خير من إظهارها، وأشبه بإخلاص الصالحين والصابرين، وإن كان جائزًا له الإخبار بباطن أمره وحاجته لمن يرجوه لكشف فاقته. فصل: وهذا الحديث علم عظيم من أعلام النبوة؛ وذلك أنه ﵇ عرف ما في نفس أبي هريرة، ولم يعلم ذلك أبو بكر ولا عمر ﵄. وفيه: شرب العدد الكثير من اللبن القليل حتى شبعوا ببركة النبوة (٢)، وذلك من أعلامها أيضًا. فصل: وفيه أيضًا: ما كان عليه ﵇ من إيثار البلغة، وأجود العرب في كرم نفسه؛ وأنه لم يستأثر بشيء من الدنيا دون أمته.

стр. 17872

فصل: وقوله: "اللهم ارزق آل محمد قوتًا" فيه: دليل على فضل الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفيره نعيم الآخرة، وإيثارًا لما يبقى على ما يفنى لتقتدي بذلك أمته، ويرغبوا فيما رغب فيه نبيهم - عليه أفضل الصلاة والسلام -. فصل: روى الطبري بإسناده، عن ابن (١) مسعود ﵁ قال: حبذا المكروهان: الموت والفقر، والله ما هو إلا الغنى والفقر، ولا أبالي بأيهما ابتليت، إن حق الله في كل واحد منهما واجب، إن كان الغنى ففيه العطف، وإن كان الفقر ففيه الصبر (٢). قال الطبري: فمحنة الصابر أشد من محنة الشاكر، وإن كانا شريفي المنزلة غير أني أقول كما قال مطرِّف بن عبد الله: لأن أعافى فأشكر، أحب إلى من أبتلى فأصبر. فصل: ومن فضل قلة الأكل: ما روى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "إنَّ أهل البيت ليقل طعمهم فتستنير بيوتهم" (٣). وروى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن محمد بن علي، عن أبيه أنه ﵇ قال: "من سره أن يكون حكيمًا فليقل طعمه، فإنه يغشى جوفه بنور الحكمة".

стр. 17873

وقال مالك بن دينار: سمعت عبد الله الرازي يقول: كان أهل العلم بالله والقبول عنه يقولون: إن الشبع يقسي القلب، ويفتر البدن. فصل: ومن سيرهم (١) في تخليهم من الدنيا ما روى وكيع، عن الأعمش، عن شقيق (٢)، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: قال أبو بكر في مرضه الذي مات فيه: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الخلافة، فابعثوا به إلى الخليفة بعدي فإني قد كنت أستحله، وقد كنت أصبت من الودك نحوًا مما كنت أصيب من التجارة، قالت عائشة ﵂: لما مات نظرنا فإذا عبد نوبي يحمل صبيانه، وناضح كان يسنى عليه فبعثناهما إلى عمر، فأخبرني جدي أن عمر بكى، وقال: رحمة الله على أبي بكر، لقد أتعب من بعده (٣). فصل: روينا في كتاب "الجوع" لابن أبي الدنيا من حديث خالد بن معدان عن المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن" (٤)

стр. 17874

ومن حديث المحبر بن هارون، عن أبي يزيد المديني، عن (عبد الرحمن) (١) بن المرقع (٢)؛ ومن حديث موسى الجهني عن زيد بن وهب مثله مرفوعًا (٣). وروينا في كتاب (الجوزي) (٤) من حديث شقيق البلخي، عن إبراهيم بن أدهم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي جالسًا فسألته، فقال: "من الجوع". فبكيت، فقال: "لا تبك فإن شدة الحساب لا تصيب الجائع إذا احتسب". وكان بشر بن الحارث يقول: الجوع يصفي الفؤاد، ويميت الهوى، ويورث العلم الدقيق. ورأى يحيى بن طاهر العلوي سيدنا رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول: يا طاهر أطعم هؤلاء المتصوفة -يعني: الذين شكوا الجوع- وقيل لهم: من لم يصبر على الجوع (فليخرج) (٥) من جواري. وقال عروة بن الزبير: من ضبط نفسه ضبط الأخلاق الصالحة.

стр. 17875

١٨ - باب الْقَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى العَمَلِ ٦٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَىَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ. [انظر: ١١٣٢ - مسلم: ٧٤١ - فتح: ١١/ ٢٩٤]. ٦٤٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. [انظر: ١١٣٢ - فتح: ١١/ ٢٩٤]. ٦٤٦٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ. وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا». [انظر: ٣٩ - مسلم: ٢٨١٦ - فتح: ١١/ ٢٩٤]. ٦٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللهِ، وَإِنْ قَلَّ». [١٩٧٠، ٦٤٦٥، ٦٤٦٧ - مسلم: ٧٨٢، ٢٨١٨ - فتح: ١١/ ٢٩٤]. ٦٤٦٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». وَقَالَ: «اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ». [انظر: ١٩٧٠ - مسلم: ٧٨٢، ٧٨٣ - فتح: ١١/ ٢٩٤]. ٦٤٦٦ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، عَائِشَةَ قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ

стр. 17876

- ﷺ ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَطِيعُ؟!. [انظر: ١٩٨٧ - مسلم: ٧٨٣ - فتح: ١١/ ٢٩٤]. ٦٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ». قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا». وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَدَادًا ﴿سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] وَسَدَادًا صِدْقًا. [انظر: ٦٤٦٤ - مسلم: ٢٨١٨ - فتح: ١١/ ٢٩٤]. ٦٤٦٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «قَدْ أُرِيتُ الآنَ -مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ- الجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قُبُلِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ». [انظر: ٩٣ - مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ١١/ ٢٩٥]. ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث مسروق: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رسول الله ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَيَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارخَ. ثانيها: حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ العَمَلِ إِلَى

стр. 17877

رَسُولِ اللهِ ﷺ الذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. ثالثها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَدَادًا وتسديدًا: صِدْقًا. رابعها: حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّه ﷺ قَالَ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ. خامسها: حديثها أَيضًا قَالَتْ: سُئِلَ رسول الله ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: "أَدْوَمُه وَإِنْ قَلَّ". وَقَالَ: "اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ". سادسها: حديث عَلْقَمَةَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رسول الله ﷺ ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَطِيعُ؟!. سابعها: حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، ثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الجَنَّةَ عَمَلُهُ". قَالُوا:

стр. 17878

وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ". قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ عَفَّانُ: ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا". قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدَادًا وسَدِيدًا: صِدْقًا. ثامنها: حديث أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ ﵁ أنه ﷺ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَقِيَ المِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ المَسْجِدِ فَقَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الآنَ -مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ- الجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قُبُلِ هذا الجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ في الخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ". الشرح: حديث عفان كأن البخاري أخذه عنه مذاكرة، وأخرجه مسلم عن محمد بن حاتم، ثنا بهز، ثنا وهيب، عن موسى به (١). وأغرب ابن مَنده فقال في جزء له: إن البخاري حيث قال: قال فلان، فهو تدليس. وهو بعيد. وقد قال ابن القطان لما ذكر تدليس الشيوخ قال: لم يصح ذلك عن البخاري قط. ومعنى: ("يتغمد"): يغمر، ومعناه لغة: الستر. يقال: تغمدت فلانًا أي: سترت ما كان منه وغطيت، ومنه: غمد السيف. قال أبو عبيد: لا أحسب يتغمدني إلا مأخوذًا من غمد السيف؛ لأنك إذا غمدته فقد ألبسته إياه وغشيته به.

стр. 17879

("واغدوا وروحوا") هو مثل ضربه للعمل أي: يعمل ثم (يجمر) (١) نفسه فيعمل طرفي النهار ويستريح وسطه لئلا يمل، والدلجة بضم الدال وفتحها مثل: برهة من الدهر وبرهة، وأراد بذلك زيادة صلاة الليل. وقوله: ("والقصدَ القصدَ") هو منصوب على الإغراء أي: الزموا القصد. و ("اكلفوا") بفتح اللام. وقال ابن التين: قرأناهما بالضم، وهو بالفتح في كتب أهل اللغة. ويقال: كلف بهذا الأمر بالكسر كلفًا وهو الإبلاغ بالشيء. وقوله: (ديمة) أي: دائمًا مثل الديمة من المطر، وأصل الديمة: المطر الدائم مع سكون، فشبهت عائشة ﵂ عمله في دوامه مع الاقتصاد وترك الغلو بديمة المطر. وقال ابن فارس: هو الذي يقيم أيامًا (٢)، وقال الجوهري: الديمة: المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق، أقله ثلث النهار أو ثلث الليل، وأكثره ما بلغ من العدد (٣). وقوله: ("ممثلتين في قبل هذا الجدار") قال الداودي: يريد قدامه. وقال الجوهري: يقال: انزل بقبل هذا الجدار أي: بسفحه (٤) وهو أسفله حيث يتفسح فيه الماء. فصل: قال المهلَّب: إنما حضَّ الشارع أمته على القصد والمداومة على

стр. 17880

العمل وإن قل، خشية الانقطاع عن العمل الكثير، فكأنه رجوع عن فعل الطاعات، وقد ذم الله ذلك، ومدح من أوفى بالنذر. وقد سلف بيان هذا المعنى في أبواب صلاة الليل من كتاب الصلاة. فإن قلت: إن قول عائشة ﵂: لم يكن رسول الله ﷺ يخص شيئًا من الأيام بالعمل يعارضه قولها: ما رأيت رسول الله ﷺ أكثر صيامًا منه في شعبان (١). قيل: لا تعارض بينهما، وذلك أنه ﵇ كان كثير الأسفار في الجهاد، فلا يجد سبيلًا إلى صيام الثلاثة الأيام من كل شهر، فيجمعهما في شعبان. ألا ترى إلى قول عائشة ﵂: كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم (٢)، فهذا يبين أنه لم يخص شيئًا من الزمان، إنما كان يوقع العبادة على قدر نشاطه وفراغه من جهاده وأسفاره، فيقل مرة ويكثر أخرى، وقد قيل في معنى (كثرة صيامه في شعبان وجوهٌ أخرى) (٣)، قد ذكرتها في باب: صوم شعبان في كتاب الصيام، فإن قلت: فما معنى ذكر حديث أنس في هذا الباب؟ قيل: معناه أن يوجب ملازمة العمل وإدمانه ما مثل له من الجنة للرغبة، ومن النار للرهبة، فكان في ذلك فائدتان: إحداهما (٤): ينبغي للناس أن يتمثلوا الجنة والنار بين أعينهم إذا وقفوا بين يدي الله تعالى، كما مثلهما الله لنبيه، وشغله بالفكرة

стр. 17881

فيهما عن سائر الأفكار الحادثة عن تذكير الشيطان بما يسهيه حتى لا يدري كم صلى. والثانية: أن يكون الخوف من النار الممئلة، والرغبة في الجنة، نصب عيني المصلي، فيكونا باعثين له على الصبر، والمداومة على العمل المبلغ إلى رحمة الله، والنجاة من النار برحمته. فإن قلت: قوله: "لن يدخل أحدكم الجنة عمله" يعارض قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]. قيل: لا تعارض؛ فإن دخولها هو برحمة الله لا بعمله، والله أخبر أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، أي: كما هو مبين في الحديث. ومعلوم أن درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم. فمعنى الآية في ارتفاع الدرجات وانخفاضها، والنعيم فيها، ومعنى الحديث في الدخول في الجنة والخلود فيها، فلا تعارض. فإن قلت: فقد قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] فأخبر أن دخولها بالأعمال أيضًا. فالجواب أن قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كلام مجمل وتقديره ادخلوا منازل الجنة وبيوتها بما كنتم تعملون، فالآية مفتقرة إلى بيان الحديث. وللجمع بين الحديث وبين الآيات، وجه آخر، هو أن يكون الحديث مفسرًا للآيات، ويكون تقديرها: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢] و: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [الطور: ١٩]، و ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم؛ لأن فضله ورحمته لعباده في اقتسام

стр. 17882

المنازل في الجنة، كما هو في دخولها لا ينفك منه حين ألهمهم إلى ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازات الله عباده من رحمته وتفضله، ألا ترى أنه جازى على الحسنة عشرًا وعلى السيئة واحدةً، وأنه ابتدأ عباده بنعم لا تحصى، لم يتقدم لهم فيها سبب ولا فعل، منها: أن خلقهم بشرًا سويا، ومنها: نعمة الإسلام، ونعمة العافية، ونعمة تضمنه لأرزاق عباده، وأنه كتب على نفسه الرحمة، وأن رحمته سبقت غضبه (١)، إلى ما لا يهتدى إلى معرفته من ظاهر النعم وباطنها. فصل: وقول مجاهد: (سدادًا سديدًا: صدقًا)، كأنه يريد به ما رواه الطبري في "تفسيره" عن موسى بن هارون، ثنا عمرو بن طلحة، ثنا أسباط، عن السدي، عن ابن أبي نجيح، عن ورقاء، عن مجاهد (٢).

стр. 17883

١٩ - باب الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ وَقَالَ سُفْيَانُ: مَا فِي القُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]. ٦٤٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ». [انظر: ٦٠٠٠ - مسلم: ٢٧٥٢ - فتح: ١١/ ٣٠١]. هذا مذكور في تفسيره، والمراد: حتى تعملوا بما فيهما (وتقرأوا بما فيهما) (١) عن محمد وعيسى ﵉، وقيل: من صفات نبينا، وقال غيره: أخوف آية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. ثم ساق حديث (عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ) (٢) أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ بِكُلِّ الذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ العَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ". (وهذا الحديث سلف في كتاب الأدب من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة) (٣).

стр. 17884

وفيه: بيان أن الرحمة التي جعلها في عباده مخلوقة، وكذلك سائر المائة، بخلاف الرحمة التي هي صفة من صفاته. واليأس: القنوط، يقال: يئس بالكسر: ييأس، وفيه لغة أخرى بكسر الهمزة من مستقبله، وهو شاذ. قال المبرد: منهم من يبدل في المستقبل الياء الثانية ألفًا؛ فيقول: يائس وآيس، وعلى هذا ما تقدم.

стр. 17885

٢٠ - باب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ - وقول الله تعالى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ. ٦٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ أَعْطَاهُ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ: «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». [انظر: ١٤٦٩ - مسلم: ١٠٥٣ - فتح: ١١/ ٣٠٣]. ٦٤٧١ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ -أَوْ تَنْتَفِخَ- قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟». [انظر: ١١٣٠ - مسلم: ٢٨١٩ - فتح: ١١/ ٣٠٣]. ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ: "مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فلم أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ". وحديث المُغِيرَةِ ﵁ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يقوم حَتَّى تَرِمَ -أَوْ تَنْتَفِخَ- قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: "أَفلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟! ".

стр. 17886

الشرح: (معنى حديث أبي سعيد سلف في الزكاة (١)، وحديث المغيرة سلف في قيامه ﵇) (٢). ومعنى ("يستعف") لا يلحف في المسألة، كذا شرحه ابن التين. وقال ابن بطال: مَنْ يعفه الله يستعفف، وكذا: من نصره الله ينصر ومن يغنه الله يستغن، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ الآية، [الليل: ٥]، وبين صحة هذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فلولا ما سبق في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا، وكذلك في العفة والغنى والصبر، لولا ما سبق في علمه أنهم ممن يقع ذلك منهم ما قدروا على شيء من ذلك بفعلهم، يبين ذلك قوله ﵇: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (٣). وهذا حجة في أن أفعال العباد خلق الله تعالى. وقوله: ("يعفه الله") أي: يرزقه ما يعفه إما المال أو القناعة. وقوله: (ترم)، يقال: ورم يرم بالكسر فيهما وهو شاذ مثل: يئس. قال الأصمعي: يقال يئس ييئس، وحسب يحسب، ونعم ينعم بالكسر فيهن. وقال أبو زيد: علياء مضر يكسرون العين فيهن وسفلاها يفتحونها. وقال سيبويه، هذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين بمعنى، يئس ييأس، وياءس يئس لغتان، ثم ركب منهما، وأما: ورم يرم، وومق يمق و (نفق ينفق) (٤)، (وولى يلي) (٥)، وورث يرث فلا يجوز فيهن إلا الكسر لغة واحدة.

стр. 17887

فصل: أرفع الصابرين منزلة عند الله من صبر عن محارم الله، وصبر على العمل بطاعته، ومن فعل ذلك فهو من خالص عباده وصفوته، ألا ترى قوله ﵇: "لم تعطوا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر". وسئل الحسن عن قوله ﵇ حين سئل عن الإيمان، فقال: "الصبر والسماح" (١). فقيل للحسن: ما الصبر والسماح؟ قال: السماح لفرائض

стр. 17888

الله، والصبر عن محارم الله (١). وقال الحسن: وجدت الخير في صبر ساعة. فصل: الصبر في حديث المغيرة صبر على العمل بطاعة الله؛ لأنه ﵇ كان يصلي بالليل حتى ترم قدماه، ويقول: "أفلا أكون عبدًا شكورا؟! " واختلف السلف في حد الشكر كما قال الطبري، فقال بعضهم: شكر العبد ربه على أياديه عنده، ورضاه بقضائه وتسليمه لأمره فيما نابه من خير أو شر. ذكره الربيع بن أنس، عن بعض أصحابه. وقال آخرون: شكر العبد طاعته لربه، روِي ذلك عن السدي ومحمد بن كعب. وقال آخرون: هو الإقرار بالنعم أنها لله وأنه المتفضل بها، وقالوا: الحمد لله والشكر معنى واحد، روي ذلك عن ابن عباس وابن زيد. قال الطبري: والصواب في ذلك أن شكر العبد هو إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، إقرارًا بحقيقة الفعل ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال: شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك. قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك بالإقرار بنعمته؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلا منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل. وكذلك قال نبينا حين تفطرت قدماه ما سلف. فإن قلت: أي: المنزلتين أعلى الصبر أو الشكر؟ قيل: كل رفيع الدرجة شريف المنزلة، وما ذو العافية والرخاء، كذي الفاقة والبلاء

стр. 17889

وفي قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وخصوصه إياهم من الأجر على صبرهم دون سائر من ضمن له ثوابًا على عمله ما يبين عن فضل الصبر، وقد روى الأعمش عن أبي الزبير عن جابر ﵁ رفعه: "يود أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم في الدنيا كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله لأهل البلاء" (١). وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أم هانئ ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: "أبشري فإن الله قد أنزل لأمتي الخير كله، إن الحسنات يذهبن السيئات" قلت: بأبي وأمي، وما الحسنات؟ قال: "الصلوات الخمس". ودخل عليَّ فقال: "أبشري فإن الله قد نزل خيرًا لا شر بعده" قلت: بأبي وأمي، ما هو؟ قال: "أنزل الله ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فقلت: يا رب، زد أمتي". فألْزل الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] فقلت: "يا رب، زد أمتي". فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) [الزمر: ١٠]. وروى الطبراني من حديث الحسن، (عن جده)، عن رسول الله ﷺ : "إن في الجنة شجرة يقال لها: شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان ولا ينصب لهم ميزان، فيصب عليهم الأجر صبًّا" ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣).

стр. 17890

٢١ - باب ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: فِي كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ. ٦٤٧٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». [انظر: ٣٤١٠ - مسلم: ٢٢٠ - فتح: ١١/ ٣٠٥]. ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ ﵁: "يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وقد سلف (١)، وكذا أغفله ابن التين وابن بطال فمن بعدهم.
следующие страницы →