← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 17886–17925 · переход к 17891.

стр. 17886

الشرح: (معنى حديث أبي سعيد سلف في الزكاة (١)، وحديث المغيرة سلف في قيامه ﵇) (٢). ومعنى ("يستعف") لا يلحف في المسألة، كذا شرحه ابن التين. وقال ابن بطال: مَنْ يعفه الله يستعفف، وكذا: من نصره الله ينصر ومن يغنه الله يستغن، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ الآية، [الليل: ٥]، وبين صحة هذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فلولا ما سبق في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا، وكذلك في العفة والغنى والصبر، لولا ما سبق في علمه أنهم ممن يقع ذلك منهم ما قدروا على شيء من ذلك بفعلهم، يبين ذلك قوله ﵇: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (٣). وهذا حجة في أن أفعال العباد خلق الله تعالى. وقوله: ("يعفه الله") أي: يرزقه ما يعفه إما المال أو القناعة. وقوله: (ترم)، يقال: ورم يرم بالكسر فيهما وهو شاذ مثل: يئس. قال الأصمعي: يقال يئس ييئس، وحسب يحسب، ونعم ينعم بالكسر فيهن. وقال أبو زيد: علياء مضر يكسرون العين فيهن وسفلاها يفتحونها. وقال سيبويه، هذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين بمعنى، يئس ييأس، وياءس يئس لغتان، ثم ركب منهما، وأما: ورم يرم، وومق يمق و (نفق ينفق) (٤)، (وولى يلي) (٥)، وورث يرث فلا يجوز فيهن إلا الكسر لغة واحدة.

стр. 17887

فصل: أرفع الصابرين منزلة عند الله من صبر عن محارم الله، وصبر على العمل بطاعته، ومن فعل ذلك فهو من خالص عباده وصفوته، ألا ترى قوله ﵇: "لم تعطوا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر". وسئل الحسن عن قوله ﵇ حين سئل عن الإيمان، فقال: "الصبر والسماح" (١). فقيل للحسن: ما الصبر والسماح؟ قال: السماح لفرائض

стр. 17888

الله، والصبر عن محارم الله (١). وقال الحسن: وجدت الخير في صبر ساعة. فصل: الصبر في حديث المغيرة صبر على العمل بطاعة الله؛ لأنه ﵇ كان يصلي بالليل حتى ترم قدماه، ويقول: "أفلا أكون عبدًا شكورا؟! " واختلف السلف في حد الشكر كما قال الطبري، فقال بعضهم: شكر العبد ربه على أياديه عنده، ورضاه بقضائه وتسليمه لأمره فيما نابه من خير أو شر. ذكره الربيع بن أنس، عن بعض أصحابه. وقال آخرون: شكر العبد طاعته لربه، روِي ذلك عن السدي ومحمد بن كعب. وقال آخرون: هو الإقرار بالنعم أنها لله وأنه المتفضل بها، وقالوا: الحمد لله والشكر معنى واحد، روي ذلك عن ابن عباس وابن زيد. قال الطبري: والصواب في ذلك أن شكر العبد هو إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، إقرارًا بحقيقة الفعل ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال: شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك. قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك بالإقرار بنعمته؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلا منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل. وكذلك قال نبينا حين تفطرت قدماه ما سلف. فإن قلت: أي: المنزلتين أعلى الصبر أو الشكر؟ قيل: كل رفيع الدرجة شريف المنزلة، وما ذو العافية والرخاء، كذي الفاقة والبلاء

стр. 17889

وفي قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وخصوصه إياهم من الأجر على صبرهم دون سائر من ضمن له ثوابًا على عمله ما يبين عن فضل الصبر، وقد روى الأعمش عن أبي الزبير عن جابر ﵁ رفعه: "يود أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم في الدنيا كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله لأهل البلاء" (١). وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أم هانئ ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: "أبشري فإن الله قد أنزل لأمتي الخير كله، إن الحسنات يذهبن السيئات" قلت: بأبي وأمي، وما الحسنات؟ قال: "الصلوات الخمس". ودخل عليَّ فقال: "أبشري فإن الله قد نزل خيرًا لا شر بعده" قلت: بأبي وأمي، ما هو؟ قال: "أنزل الله ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فقلت: يا رب، زد أمتي". فألْزل الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] فقلت: "يا رب، زد أمتي". فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) [الزمر: ١٠]. وروى الطبراني من حديث الحسن، (عن جده)، عن رسول الله ﷺ : "إن في الجنة شجرة يقال لها: شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان ولا ينصب لهم ميزان، فيصب عليهم الأجر صبًّا" ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣).

стр. 17890

٢١ - باب ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: فِي كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ. ٦٤٧٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». [انظر: ٣٤١٠ - مسلم: ٢٢٠ - فتح: ١١/ ٣٠٥]. ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ ﵁: "يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وقد سلف (١)، وكذا أغفله ابن التين وابن بطال فمن بعدهم.

стр. 17891

٢٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ ٦٤٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ وَفُلَانٌ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ: أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ الْبَنَاتِ. وَعَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَرَّادًا يُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثَ، عَنِ المُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٨٤٤ - مسلم: ٥٩٣ - فتح: ١١/ ٣٠٦]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث المغيرة بطوله، وقد سلف (١)، وفيه: وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ. لا جرم حذفه ابن بطال. قال أبو عبيد: فيه تجوز غريب، وذلك أنه جعل القال مصدرًا كأنه قال: عن قيل، قال، وقول، يقال، قلت، قولاً، وقيلاً، وقالاً، ومعناه أنه نهى عن الإكثار مما لا يغني من أحاديث الناس، ورويناه منونًا على أنه مصدر فيهما، وروي تركه، وقيل في معناه: إنه يذكر أقوالًا للعلماء في الحادثة، ويرتكب أحدها بغير دليل. وقوله: (وعن كثرة السؤال) أي: عما لا حاجة فيه، أو السؤال المعروف، أو الإلحاف فيه أو عما لا يعني كان نهى عنه.

стр. 17892

وقال مالك: والله ما نعرف إن كان هو هذا الذي أنتم فيه من تفريع المسائل (١). وقيل: أراد النهي عن السؤال عن أشياء سألت عنها، وأراد السؤال عنها لئلا يحرم شيئًا كان مسكوتًا عنه. وقوله: (وإضاعة المال) أي: وضعه في غير محله وحقه. وقوله: (ومنع وهات) يعني: منع ما يجب من الحقوق وسؤال ما ليس له. وقوله: (ووأد البنات) هي البنت تدفن حية، كانوا يفعلونه في الجاهلية إذا ولد للفقير منهم بنت دسها في التراب، كما حكى الله عنهم، يقال: وأدت الوائدة ولدها تئده وأدًا، وكل هذا سلف واضحًا.

стр. 17893

٢٣ - باب حِفْظِ اللِّسَانِ وقول النبي ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ". وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. ٦٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ». [انظر: ٦٨٠٧ - فتح: ١١/ ٣٠٨]. ٦٤٧٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». [انظر: ٥١٨٥ - مسلم: ٤٧ - فتح: ١١/ ٣٠٨]. ٦٤٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الخُزَاعِيِّ قَالَ: سَمِعَ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِي النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ جَائِزَتُهُ». قِيلَ: مَا جَائِزَتُهُ؟ قَالَ: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ». [انظر: ٦٠١٩ - مسلم: ٤٨ - فتح: ١١/ ٣٠٨]. ٦٤٧٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ». [٦٤٧٨ - مسلم: ٢٩٨٨ - فتح: ١١/ ٣٠٨]. ٦٤٧٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ -يَعْنِي: ابْنَ دِينَارٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 17894

قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ». [انظر: ٦٤٧٧ - مسلم: ٢٩٨٨ - فتح: ١١/ ٣٠٨]. ثم ساق أحاديث: أحدها: حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ (على الله) (١) الجَنَّةَ". ثانيها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ باللفظ الذي علقه أولا وزيادة: "وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ". ثالثها: حديث أَبِي شُرَيْحٍ مثله. رابعها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيْهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ". خامسها: حديثه أيضًا ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ ليَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ". الشرح: المراد بحفظ اللسان: عما لا ينبغي. والقول بالحق واجب،

стр. 17895

والصمت فيه غير واسع، روِي عنه ﵇ أنه قال: "أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضًا في الباطل" (١). وقال: التقي ملجم لا يتكلم بكل ما يريد، وقال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٢). وقال عيسى ﷺ : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فيقسي قلوبكم؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله (٣). قال مالك: من لم يعد كلامه من عمله كثر كلامه، ويقال: إن من علم أن كلامه من عمله قل كلامه. قال مالك: ولم كونوا يهدرون الكلام هكذا، ومن الناس من يتكلم بكلام شهر في ساعة، وذكر عن بعض السلف أنه قال: لو كانت الصحف التي تكتب فيها أعمالنا من عندنا لأقللنا الكلام. وكان أكثر كلام أبي بكر ﵁: لا إله إلا الله، يقول: كان الأمر كذا ولا إله إلا الله، وكان كذا ولا إله إلا الله. فصل: والآية المذكورة أولاً قال فيها الحسن وقتادة: يكتبان جميع الأشياء، وقال: وخصه عكرمة بالخير والشر (٤). ويقوي الأول تفسير أبي صالح في قوله: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، إن الملائكة تكتب كل ما يتكلم به المرء، فيمحو الله تعالى منه ما ليس له ولا عليه، ويثبت ما له وما عليه. والعتيد: الحاضر المهيأ.

стр. 17896

وقال الداودي: هو الحافظ. والمعروف أن الرقيب هو: الحافظ، وأن العتيد عند أهل اللغة هو: الحاضر. فصل: وقوله: "من يضمن لي" هو بفتح الميم في مستقبله، وبكسرها في ماضيه، تقول: ضمنت الشيء أي: كفلت به، واللحى بفتح اللام وبكسرها: منبت الشعر من الإنسان وغيره. وما بين لَحْيَيْهِ: هو لسانه. وعلى هذا أورده البخاري هنا وغيره من العلماء. وقال الداودي: ("ما بين لحيَيْه") يعني: الفم، من ضمن ما يكون منه من الشر من قول أو فعل بأكل أو شرب أو غيرهما. قال: "وما بين رجليه " يعني: الفرج. فمن حفظ هذين سلم من الشر كله؛ لأنه لم يبق إلا السمع والبصر، فإذا سمع أو رأى صار الفعل إلى الفم أو الفرج، فمن حفظهما كان أصل حفظه أن يحمي سمعه وبصره مما يؤديه إلى فعل الفم والفرج. فصل: رواية أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁: "فلا يؤذي جاره"، وليس ذلك في رواية المَقْبُري، عن أبي شريح كما سقناه، ووقع في كلام الداودي أن رواية المقبري عن أبي هريرة: "فليكرم جاره". وليس كذلك فاعلمه، وإنما فيه: "فليكرم ضيفه" كما سقناه. فصل: السخط، والسخط خلاف الرضا، ومعنى: "لا يلقي لها بالًا" لا يظن أنها بلغت ما هي بالغته، وقيل: إن أكثر ذلك في مجالس ذوي الأمر المطاع. وقال ابن وهب: يريد من اللفظ بالسوء لم يرد بذلك الحجة

стр. 17897

لأمر الله في الدين، وقيل: هي الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله. وقوله: ("يهوي بها") أي: يسقط، وهو بفتح الياء في مستقبله ثلاثي، ومنه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]. وقوله: ("يزل بها") أي: يدخل بها. قال الجوهري: تقول: زللت يا فلان زليلاً، إذا أزل في ظن أو منطق (١). وقال القزاز: زللت بالكسر يزل زللا، والاسم: الزلة والزليلى، وقرأناه بكسر الزاي. فصل: وما أحق من علم أن عليه حفظة موكلين به، يحصون عليه سقط كلامه وعثرات لسانه، أن يحزنه ويقل كلامه فيما لا يعنيه، وما أحراه بالسعي في أن لا يرتفع عنه ما يطول عليه ندمه من قول الزور والخوض في الباطل، وأن يجاهد نفسه في ذلك، ويستعين بالله، ويستعيذ من شر لسانه. فصل: وقوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت". يعني: من كان يؤمن بهما الإيمان التام، فإنه ستبعثه قوة إيمانه على محاسبة نفسه في الدنيا، والصمت عما يعود عليه حسرة وندامة يوم القيامة، وكان الحسن يقول: ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسن إليه؛ فإنك إن أحسنت إليه ارتحل يحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل يذمك.

стр. 17898

وقال عمر بن عبد العزيز لرباح بن عبيد: بلغني أن الرجل ليظلم بالمظلمة، فما يزال المظلوم يشتم ظالمه حتى يستوفي حقه ويفضل الظالم عليه، وروى أسدٌ عن الحسن البصري قال: لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب أحدًا بعيب هو فيه، وحتى يبتدئ بصلاح ذلك العيب من نفسه؛ فإنه إن فعل ذلك لم يصلح عيبًا إلا وجد في نفسه عيبًا آخر، فينبغي له أن يصلحه، فإذا كان المرء كذلك كان شغله في خاصته واجبًا، وأحب العباد إلى الله من كان كذلك. فصل: قد أسلفنا أن المراد بـ "ما بين لحييه": اللسان، فلم يتكلم بما يكتب عليه صاحب الشمال، وبـ "ما بين رجليه" يعني: فرجه، فلم يستعمله فيما لا يحل، ودل بهذا الحديث أن أعظم البلاء على العبد في الدنيا اللسان والفرج، فمن وفي شرهما فقد وقي أعظم الشر، ألا ترى قوله: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يلقى لها بالًا .. " إلى آخره. وقال أهل العلم: هي الكلمة عند السلطان بالبغي والسعي على المسلم، فربما كانت سببًا لهلاكه، وإن لم يرد ذلك الساعي، لكنها آلت إلى هلاكه؛ فكتب عليه إثم (تلك) (١)، [و] (٢) الكلمة التي يكتب الله له بها رضوانه، الكلمة يريد بها وجه الله بين أهل الباطل، أو الكلمة يدفع بها مظلمة عن أخيه المسلم، ويفرج عنه بها كربة من كرب الدنيا؛ فإن الله يفرج عنه كربة من كرب الآخرة ويرفعه بها درجات يوم القيامة.

стр. 17899

فصل: أفرد ابن أي الدنيا للصمت مصنفًا كبيرًا (١)؛ فذكر فيه حديث عقبة بن عامر ﵁: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: "املِك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (٢). ومنها حديث أسود بن أصرم المحاربي: أوصني يا رسول الله. فذكر له بعد أن قال: أملك يدي ولساني، "لا تبسط يدك إلا إلى خير، ولا تقل بلسانك إلا معروفًا" (٣). ومنها حديث معاذ: يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول؟ فقال: "ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" (٤). ومنها حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" (٥)، ومنها حديث عبد الله بن عمرو ﵁: "من صمت نجا" (٦). وغير ذلك مما يطول.

стр. 17900

٢٤ - باب البُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ٦٤٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ: رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». [انظر: ٦٦٠ - مسلم: ١٠٣١ - فتح: ١١/ ٣١٢]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّه: رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ". وقد سلف (١) ([وسيأتي] (٢) في باب: فضل من ترك الفواحش، من كتاب: المحاربين) (٣). وفي الباب أحاديث أخر منها: ما رواه أسد بن موسى، عن عمران ابن يزيد، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك مرفوعًا: "أيها الناس، ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، ثم تنقطع الدموع وتسيل الدماء، فتقرح العيون، فلو أن السفن أجريت فيها لجرت" (٤).

стр. 17901

وكان ﵇ إذا قام إلى الصلاة سمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء (١)، وهذِه كانت سيرة الأنبياء والصالحين، كان خوف الله أشرب قلوبهم واستولى عليهم الوجل حتى كأنهم عاينوا الحساب، وعن يزيد الرقاشي قال: يا لهفاه، سبقني العابدون، وقطع بي نوح يبكي على خطيئته، ويزيد لا يبكي على خطيئته، إنما سمي نوحًا لطول ما ناح على نفسه من البكاء (٢). وذكر ابن المبارك، عن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا العشب (٣)، وكان يبكي من خشية الله ما لو كان النار على عينيه لا تحرقه، ولقد كانت الدموع اتخذت في وجهه مجرى. وقال ابن عباس مرفوعًا: "كان مما ناجى الله موسى أنه لم يتعبد العابدون بمثل البكاء من خيفتي، أما البكاءون من خيفتي فلهم الرفيق لا يشاركون فيه" (٤). وعن وهيب بن الورد، أن زكريا قال ليحيى ابنه شيئًا، فقال له: يا أبتِ إن جبريل أخبرني أن بين الجنة والنار مغارة لا يقطعها إلا كل بكاء. وقال الحسن: أوحى الله إلى عيسى أن اكحل عينيك بالبكاء إذا رأيت البطالين يضحكون. وعن وهب بن منبه، عن رسول الله ﷺ قال: "لم يزل أخي داود باكيًا على خطيئته أيام حياته كلها، وكان

стр. 17902

يلبس الصوف، ويفترش الشعر، ويصوم يومًا ويفطر يومًا، ويأكل خبز الشعير بالملح والرماد، ويمزج شرابه بالدموع، ولم ير ضاحكًا بعد الخطيئة، ولا شاخصًا ببصره إلى السماء، حياءً من ربه، وهذا بعد المغفرة، وكان إذا ذكر خطيئته خر مغشيًا عليه، يضطرب كأنه أعجب منه، فقال: وهذِه خطيئة أخرى". وروي عن محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] قال: الزلفى: أول من يشرب من الكأس يوم القيامة داود وابنه - عليهما الصلاة والسلام -. قال بعضهم: أرى هذِه الخاصية؛ لشربه دموعه من خشية الله. وكان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فيقال له: قد تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه" (١). وقال أبو رجاء: رأيت مجرى الدموع من ابن عباس كالشراك البالي من البكاء (٢). فصل: ومن أحاديث الباب قوله ﵇: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين". يعني: أهل الحجر (٣). وحديث أبي هريرة ﵁: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا" (٤) من حديث أبي ذر بزيادة: "ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله" (٥).

стр. 17903

ومن حديث يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعًا: "ابكوا"، وقد سلف للترمذي من حديث ابن عباس مرفوعًا: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين حرست في سبيل الله". ثم قال: حسن غريب (١). وبعضهم رواه عن ابن عباس، عن العباس، ذكره أبو موسى المديني. وله من حديث أبي هريرة: "ثلاثة أعين لا تمسها النار" (٢) فذكرهما، وزاد: "وعين فقئت في سبيل الله". قال المديني: قوله: "فقئت " غريب لا أعرفه إلا من هذا الوجه. وذلك نحو ما روي عن عثمان بن مظعون، وقتادة بن النعمان ﵄، وغيرهما، وروي هذا العدد أيضًا عن معاوية بن حيدة وابن عباس وأبي ريحانة إلا أنهم قالوا يدل فقء العين الغض عن محارم الله، وفي حديث أسامة بن زيد مرفوعًا: "كل عين باكية يوم القيامة إلا أربعة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين غضت عن محارم الله، وعين حرست في سبيل الله، وعين باتت ساهرة فباتت ساجدة لله تعالى" (٣). ومن حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا يدخل النار عين بكت من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع" (٤). قال أبو موسى: وهو على شرط الترمذي والنسائي. ومن حديث زيد بن أرقم: قال رجل: يا رسول الله بما أتقي النار؟ قال: "بدموع عينيك فإن عينًا بكت من

стр. 17904

خشية الله لا تمسها النار أبدًا" (١). وقال: هذا إسناد غريب، ويروى من حديث ابن عمر ﵄ أيضًا (٢). ومن حديث ابن مسعود مرفوعًا: "ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع وإن كانت مثل رأس الذباب من خشية الله لم تصب شيئًا من خروجه إلا حرمه الله على النار" (٣). ثم قال: هذا الحديث من هذا الوجه يعرف بمحمد بن أبي حميد رواه عنه جماعة، ومن حديث قتادة، عن أنس رفعه: "ما اغرورقت عين بمائها إلا حرمه الله على النار" (٤). قال: ورواه عبيدة بن حسان، عن النضر بن حميد رفعه فزاد فيه: "من خشية الله إلا حرم الله جسدها على النار؛ فإن فاضت على وجهه لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة" (٥). ومن حديث أنس مرفوعًا: "إن العبد ليمرض المرض فيرق قلبه فيذكر ذنوبه التي سلفت منه، فيقطر من عينه مثل رأس الذباب من الدمع، فيطهره الله من ذنوبه؛ فإن بعثه بعث مطهرًا وإن قبضه قبضه مطهرًا" (٦).

стр. 17905

ومن حديث ثابت عنه: نزل جبريل على رسول الله ﷺ قال: "وعزتي وجلالي لا تبكين عين عبد في الدنيا من خشيتي إلا أكثرت ضحكها في الجنة" (١). ومن حديث القاسم، عن أبي أمامة رفعه: "ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دمع من خشية الله، وقطرة دم تراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله" (٢). وقال أبو موسى: رواه أبو النضر، عن (أبي) (٣) الوليد، عن القاسم، عن أبي أمامة موقوفًا. وذكر ابن منجويه الدينوري في كتاب "الوجل" من حديث العباس مرفوعًا: "إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما تحات عن الشجرة اليابسة ورقها" (٤). قال أبو موسى: لا أعرفه إلا من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي. قلت: أخرجه ابن منجويه أيضًا من حديث الليث بن سعد أيضًا.

стр. 17906

٢٥ - باب الخَوْفِ مِنَ اللهِ - ٦٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأَهْلِهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ اللهُ ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِي إِلاَّ مَخَافَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ». [انظر: ٣٤٥٢ - فتح: ١١/ ٣١٢]. ٦٤٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَ رَجُلاً فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ أَوْ قَبْلَكُمْ آتَاهُ اللهُ مَالاً وَوَلَدًا -يَعْنِي: أَعْطَاهُ- قَالَ: "فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا -فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ- وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللهِ يُعَذِّبْهُ فَانْظُرُوا، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي -أَوْ قَالَ: فَاسْهَكُونِي- ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَأَذْرُونِى فِيهَا. فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي فَفَعَلُوا، فَقَالَ اللهُ كُنْ. فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ عَبْدِي، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ -أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ- فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ ﵀». فَحَدَّثْتُ أَبَا عُثْمَانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ "فَأَذْرُونِي فِي الْبَحْرِ". أَوْ كَمَا حَدَّثَ. وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ عُقْبَةَ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٤٧٨ - مسلم: ٢٧٥٧ - فتح: ١١/ ٣١٢]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث حذيفة وأبي سعيد ﵄ السالفين: كان رجل ممن كان قبلكم قال لأهله: إذا متُّ فأحرقوني وذرّروني في البحر. وأسلفنا أن القشيري روى في "رسالته" من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:

стр. 17907

"بينا رجل ممن كان قبلكم لم يعمل خيرا إلا التوحيد فقال لأهله: إذا متُّ فأحرقوني" وفيه: "ما حملك على ما فعلت قال: استحياء منك يا رب فغفر له" (١). وذكر البخاري في باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، قال حذيفة: كان نباشا (٢) فغفر له لشدة مخافته، فأقرب الوسائل إلى الله خوفه، وأن لا يأمن المؤمن مكره. قال (خالد) (٣) الربعي: وجدت فاتحة زبور داود: رأس الحكمة خشية الرب (٤)، وكان السلف الصالح قد (أشرب) (٥) الخوف من الله قلوبهم، واستقلوا أعمالهم ويخافون أن لا تقبل منهم مع مجانبتهم للكبائر. وروي عن عائشة ﵂: أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] قال: "يا ابنة الصديق هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويفرقون أن لا يقُبل منهم" (٦). وقال مطرف بن عبد الله: كاد خوف النار يحول بيني وبين أن أسأل الله الجنة. وقال بكر لما نظر إلى أهل عرفات: ظننت أنهم قد غفر لهم لولا أني كنت معهم (٧). فهذِه صفة العلماء بالله الخائفين له يعدون أنفسهم من الظالمين الخاطئين وهم أنزاه (أبرار) (٨) مع

стр. 17908

المقصرين، وهم أكياس مجتهدون لا يدلون عليه بالأعمال، فهم مروعون خاشعون وجلون معترفون. قال ابن مسعود ﵁: وددت أني انقلبت روثة لا أنسب إلا إليها فيقال عبد الله بن روثة وإن الله قد غفر لي ذنبًا واحداً (١). وقال الحسن البصري: يخرج من النار رجل بعد ألف عام، وليتني كنت ذلك الرجل، لقد شهدت أقوامًا كانوا أزهد فيما أحل لهم منكم فيما حرم عليكم ولهم كانوا أبصر بقلوبهم منكم بأبصاركم، ولهم كانوا أشفق أن لا تقبل حسناتهم منكم أن لا تؤخذوا بسيئاتكم. وقال حكيم من الحكماء: إذا أردت أن تعلم قدرك عند الله فاعلم قدر طاعة الله في قلبك. وقال ميمون بن مهران: ما فينا خير إلا نظرنا إلى أقوام ركبوا الجرائم وعففنا عنها وظننا أن فينا خيرًا وليس فينا خير. فصل: فإن قلت: كيف غفر لهذا الذي أوصى أهله بإحراقه، وقد جهل قدرة الله على إحيائه، وذلك أنه قال: "إن يقدر عليه يعذبه". وقال في رواية أخرى: "فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه"؟ قلت: اختلف الناس في تأويل هذا الحديث كما سلف، وعبارة الطبري: اختلف الناس في تأويله، فقال بعضهم: أما ما كان من عفو الله عما كان منه في أيام صحته من المعاصي فلندمه عليها وتوبته منها عند موته؛ ولذلك أمر ولده بإحراقه وتذريره في البر والبحر خشية من عقاب ربه، والندم توبة. ومعنى رواية من روى: " (فوالله) (٢) لئن قدر الله علي" أي: إن ضيق الله عليه؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾

стр. 17909

[الطلاق: ٧] وقوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] لم يرد بذلك وصف بارئه بالعجز عن إعادته حيًّا، يوضحه قوله حين أحياه ربه تعالى فقال: "ما حملك على الذي صنعت" قال: "ما حملني إلا مخافتك". وفي حديث أبي سعيد: "ما حملك على ما فعلت" قال: "مخافتك" أو "فرق منك" وبالخوف والتوبة نجا من عذابه تعالى. وقال آخرون في معنى: "لئن قدر الله علي" القدرة التي هي خلاف العجز، وكان عنده أنه إذا أحرق في البر والبحر أعجز ربه عن إحيائه، قالوا: وإنما غفر له جهله بالقدرة؛ لأنه لم يكن تقدم من الله في ذلك الزمان فإنه لا يغفر الشرك به، وليس في العقل دليل على أن ذلك غير جائز في حكمة الله، بل الدليل فيه على أنه ذو الفضل والإحسان والعفو عن أهل الآثام، وإنما نقول: لا يجوز أن يغفر الشرك بعد قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فأما جواز غفران الله ذلك لولا الخبر في كتابه فهو كان أولى بفضله والأشبه بإحسانه أنه لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه إيمان مؤمن. وقال آخرون: غفر له وإن كان كفرًا من قوله، من أجل أنه قاله على جهل منه بخطئه، وظن أن ذلك صواب، قالوا: وغير جائز في عدل الله وحكمته أن يسوي بين من أخطأ وهو يقصد الصواب، وبين من تعمد الخطأ والعناد للحق في العقاب. وقال آخرون: إنما غفر له وإن كان كفرًا ممن قصد كفره وهو يعقل ما يقول؛ لأنه قاله وهو لا يعقل ما يقول، وغير جائز وصف من نطق بكلمة كفر وهو لا يعلمها كفرًا بالكفر، وهذا قاله وقد غلب على فهمه من الجزع الذي كان لحقه؛ لخوفه من عذاب الله وهذا نظير

стр. 17910

الخبر المروي عن رسول الله ﷺ في الذي يدخل الجنة آخر من يدخلها، فيقال له: إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها فيقول للفرح الذي يدخله فيقول: يا رب، أنت عبدي (١) وأنا ربك مرتين، قالوا: فهذا القول لو قاله على فهم منه بما يقول كان كفرًا، وإنما لم يكن منه كفرًا؛ لأنه قاله وقد استخفه الفرح من بدائه أن يقول: أنت ربي وأنا عبدك، فلم يكن مأخوذًا بما قال من ذلك، ويشهد لصحة هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وسيأتي مذهب الأشعري في باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾ [الفتح: ١٥] من كتاب الاعتصام (٢) فهو حديث أكثر الناس فيه القول، وادعت المعتزلة أنه إنما غفر له من أجل توبته التي تابها، فوجب على الله قبولها عقلاً، ومذهب أهل السنة أن الرب لا يجب لعبده عليه شيء، وإنما هو من باب التفضل والإحسان. والشيخ أبو الحسن الأشعري يقطع بقبول التوبة سمعًا، ومن سواه من أهل السنة يجوزه كسائر الطاعات، وعلى هذا يجوز الغفران بفضله عليه بقبول توبته. وقال قوم: غفر له بأصل توحيده الذي لا يضر معه معصية، وعُزي إلى المرجئة. فصل: قوله: ("فذروني") أي: فرقوني وهو بضم الذال ثلاثي متعد.

стр. 17911

قال الجوهري وغيره: يقول: ذررت الملح والدواء والحب أذروه ذرًّا، أي: فرقته (١). ومنه الذريرة، ويصح فتح الذال من ذرت الريح الشيء تذروه أي: تفرقه، ومنه قوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]. وقال ابن التين: قرأناه بالفتح، ورويناه بالضم. وقوله: ("فلما حضر") أي: حضره الموت. وقوله: ("فإنه لم يبتئر عند الله خيرًا". فسرها قتادة: لم يدخر) وهو تفسير صحيح. قال في "الصحاح" وغيره: بأرت الشيء، وابتأرته: ادخرته، (والبئيرة) (٢): الذخيرة (٣)، وكان الأصمعي والكسائي يقولان فيه: لم يقدم خيرًا. وكان غيرهما يقول معناه أنه لم يقدم خيرًا لنفسه حياته. وقال: إن أصل الابتئار: الإخفاء. يقال منه: بأرت الشيء وابتأرته ابتئارًا، ومنه سميت الحفرة البؤرة، وفيه لغتان: ابتأرت وائتبرت، ومصدره ابتئارًا. وقال صاحب "العين": (البئرة بوزن) (٤) فعلة: ما دخرت من شيء (٥). وقوله: ("إذا مت فأحرقوني"). هو رباعي من أحرق فهو مقطوع الألف. والفحم: جمع فحمة، وقد تحرك حاؤه. وقوله: ("فاسحقوني"). هو ثلاثي وألفه ألف وصل، وكذلك "فاسهكوني" ثلاثي أيضًا. قال الخطابي: السهك دون السحق، وهو أن يفت الشيء أو يدق

стр. 17912

قطعًا صغارًا (١). وقال الجوهري: السهك لغة في السحق (٢). وقوله: ("فإذا كان ريح عاصف فأذروني"). يصح أن يقرأ موصول الألف من ذروت الشيء: فرقته. ويصح أن يكون أصله رباعيًا فتقطع ألفه من قولهم: أذرت العين دمعها، وأذرت الرجل عن (قوسه) (٣) أي: رميته. ذكره ابن التين. وقال: قرأناه بقطع الهمزة. وقوله: "فما تلافاه أن رحمه". أي: تلقاه برحمته. فصل: روى الحافظ أبو موسى المديني في "ترغيبه وترهيبه" من حديث سليمان بن عمرو، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا: "من خاف الله تعالى خوف الله تعالى منه كل شيء، ومن لم يخف الله تعالى خوفه من كل شيء" (٤). ثم قال: هذا حديث يعرف لسليمان هذا وهو النخعي، وقد رواه عن إسحاق بن وهب العلاف غير محمد بن أحمد بن معدان أيضًا كذلك، ورواه أبو حنيفة الواسطي، عن إسحاق، عن علي بن المبارك، وكان الأول أصح، ثم ساقه من حديث علي مرفوعًا كذلك، ثم قال: قيل: تفرد به القاسم وقد رواه غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد، لم يذكر فيه عليًّا، ويروى بإسناد منقطع أيضًا مرفوعًا، ويروى عن

стр. 17913

عبد الله بن مسعود موقوفًا. ثم ساق من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "إنما سلط على ابن آدم من خافه ابن آدم، فلو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم يسلط عليه غيره، وإنما وكل ابن آدم إلى من رجاه، فلو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم يكله إلى غيره" (١). ثم ساقه من حديث أبي كأهل (٢) قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اعلم يا أبا كأهل أنه لن يغضب الله على من كان في قلبه مخافته، ولا تأكل النار منه هدبة" (٣). ثم قال: هذا حديث لا يعرف إلا بهذا الإسناد من حديث الفضل بن عطاء. فصل: روى الجُوزي من حديث معاذ مرفوعًا: "يا معاذ، إن المؤمن لا ينام قلبه، ولا يسكن روعه، ولا يطمئن من اضطرابه، يخاف جسر جهنم، المؤمن التقوى رقيته، والقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والوجل شعاره" (٤). الحديث.

стр. 17914

ومن حديث أنس ﵁ أنه ﵇ دخل على شاب وهو في الموت فقال: "كيف تجدك؟ " قال: أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي، فقال ﵇: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف" (١). ومن حديث عبد الله بن مصعب بن خالد بن زيد بن خالد الجهني، عن أبيه، عن جده زيد بن خالد ﵁ قال: تلقفت هذِه الخطبة من في رسول الله ﷺ بتبوك، سمعته يقول، فذكر حديثًا طويلًا فيه: "وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما ألقي في القلب اليقين" (٢). فصل: عند السمرقندي من رواية الحسن، عن جابر ﵁ مرفوعًا: "المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما الله قاض فيه". الحديث (٣).

стр. 17915

وروي عن منصور بن عمار قال: كنت تحت منبر عدي بن أرطاة فقال: ألا أحدثكم بحديث ما بيني وبين رسول الله ﷺ رجل، قال رسول الله ﷺ : "إن لله تعالى ملائكة في السماء السابعة، سجود منذ خلقهم الله تعالى إلى يوم القيامة، ترعد فرائصهم من مخافة الله". الحديث (١). فصل: قال أبو الليث: علامة الخوف من الله تتبين في سبعة أشياء: أولهن: في لسانه، فيمنعه من الكذب والغيبة وكلام الفضول، ويجعل لسانه مشغولًا بالذكر والتلاوة ومذاكرة أهل العلم. ثانيها: أن يخاف من أمر بطنه، فلا يدخل بطنه إلا قليلا حلالاً، ويأكل مقدار حاجته. ثالثها: أن يخاف من أمر بصره، فلا ينظر إلى الحرام ولا إلى الدنيا بعين الرغبة، وإنما يكون نظره إليها على وجه العبرة. رابعها: أن يخاف من أمر سمعه، حتى لا يسمع ما لا يعنيه. خامسها: أن يخاف من أمر قدميه، فلا يمشي في غير طاعة الله، وإنما يمشي في طاعته. سادسها: أن يخاف من أمر يديه، فلا يمد يده إلى الحرام، وإنما يمدها إلى ما فيه طاعة الله.

стр. 17916

سابعها: أن يخاف من أمر قلبه، فيخرج منه العداوة والبغضاء وحسد الإخوان، ويدخل فيه النصيحة، وشفقة المسلمين، حتى يكون خائفًا في أمر طاعته، فيجعل طاعته خالصًا لوجهه، ويخاف الرياء والنفاق، فإذا فعل ذلك فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥].

стр. 17917

٢٦ - باب الانْتِهَاءِ عَنِ المَعَاصِي ٦٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَا النَّجَاءَ. فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ». [٣٤٧٨ - مسلم: ٢٧٥٧ - فتح: ١١/ ٣١٦]. ٦٤٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا». [انظر: ٣٤٢٦ - مسلم: ٢٢٨٤ - فتح: ١١/ ٣١٦]. ٦٤٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ». [انظر:١٠ - مسلم: ٤٠ - فتح: ١١/ ٣١٦]. ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فذكر حديث: "وأنا النذير العريان". ثانيها: حديث أبي هريرة ﵁: "مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وهذِه الدَّوَابُّ التِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا" الحديث. ثالثها: حديث عبد الله بن عمرو: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ".

стр. 17918

وكلها أمثال ضربها الشارع لأمته؛ لينبههم بها على استشعار الحذر خوف التورط في محارم الله والوقوع في معاصيه، ومثل ذلك لهم بما عاينوه وشاهدوه من أمور الدنيا، فيقرب ذلك من إفهامهم، ويكون أبلغ في موعظتهم، فمثل ﵇ اتباع الشهوات المؤدية إلى النار بوقوع الفراش في النار؛ لأن الفراش من شأنه إتباع (حر) (١) النار حتى يقع فيها. فكذلك متبع شهوته يئول به ذلك إلى عذاب النار، وشبه جهل راكب الشهوات بجهل الفراش؛ لأنها لا تظن أن النار تحرقها حتى تقتحم فيها. فصل: و ("العريان"): رجل من خثعم حمل عليه رجل يوم ذي الخلصة. قال ابن السكيت: هو عوف بن عامر، فقطع يده ويد امرأته (٢)، فرجع إلى قومه، فضرب ﵇ المثل لأمته؛ لأنه تجرد لإنذارهم لما يصير إليه من اتبعه من كرامة [الله] (٣)، وبما يصير إليه من عصاه من نقمته وعذابه، يجرد من رأى من الحقيقة ما رأى النذير العريان المذكور حتى ضرب به المثل في تحقيق الخبر، ولم يذكر ابن بطال غيره (٤). وزعم ابن الكلبي أن النذير العريان هي امرأة رقبة بن عامر بن كعب لما خشي زوجها ابن المنذر بن ماء السماء لقتله أولاد أبي دواد جار

стр. 17919

المنذر فركبت جملًا (ولحقت) (١) بقومها وقالت: أنا النذير العريان. ويقال: أول من فعله إبرهة الحبشي لما أصابته الرمية بتهامة حين غزا البيت (ورجع إلى اليمن وقد سقط لحمه. وقال الفضل بن سلمة: إنما يقال النذير العريان) (٢)؛ لأن الرجل إذا رأى الغارة فجئتهم وأراد إنذار قومه تجرد من ثيابه وأشار بها؛ ليعلم أن قد فجئهم أمر، ثم صار مثلًا لكل أمر يخاف بمفاجأته، وفي "المختلف والمؤتلف" لأبي بشر الآمدي: زنير -بالنون- بن عمرو الخثعمي الذي يقال له النذير العريان، وكان ناكحًا في آل زبيد فأرادت زبيد أن تغزو خثعمًا فخشوا أن ينذر قومه، فحرسه أربعة نفر، فصادف غرة بعد أن رمى ثيابه، وكان من أشد الناس عدوًّا. وقال أبو عبد الملك: هذا مثل قديم، وذلك أن رجلاً لقي جيشًا فجردوه وعروه، فجاء إلى المدينة فقال: إني رأيت الجيش -بعيني- وإني أنا النذير لكم وتروني عريانا، جردني الجيش، فالنجاء النجاء. فصل: وقوله: ("العريان") هو بمثناه تحت. قال الخطابي: رواه محمد بن خالد بباء موحدة فإن كان محفوظًا فمعناه: الفصح بالإنذار ولا يكني ولا يوري، يقال: رجل عربان أي: فصيح اللسان ويقال: أعرب الرجل عن حاجة: إذا أفصح عنها. قال: وروي العريان، ومعناه: أن الرَّبيئة (٣) إذا كان على مركب عال فبصر بالعدو ونزع ثوبه فأشاح به

стр. 17920

فنذر القوم، فيبقى عريانًا (١). فصل: قوله: ("فالنجاء النجاء"): هو ممدود، قال ابن فارس: يقال: نجا الإنسان ينجو نجاة، ومن السرعة نجاء، وناقة ناجية ونجاة: سريعة (٢). وهو منصوب على الإغراء أي: الزموا النجاء، والمعنى: أسرعوا. فصل: وقوله: ("فادلجوا"): هو بتشديد الدال، كذا ضبطه الدمياطي، قال الجوهري: أدلج إذا سار أول الليل، رباعي (٣)، وكذلك ذكر الخطابي (٤) وقال ابن فارس: أدلج القوم، إذا قطعوا الليل كله سيرًا، وادلجوا بتشديد الدال: إذا ساروا من آخره (٥). وقال الداودي: أدلجوا: ساروا في طائفة من الليل. قال ابن التين: ورويناه رباعيًّا على أنه بقطع الهمزة. فصل: وقوله: ("على مهلهم") هو بفتح الميم والهاء. وقوله: ("فصبحهم الجيش") أي: أتاهم صباحًا. ("فاجتاحهم") أي: استأصلهم، ومنه الجائحة التي تفسد الثمار، وأصله من جُحْتُ الشيء أجُوْحُهُ أي: أستأصله.

стр. 17921

فصل: والفراش، قال النحاس في "معانيه": صغار البق. وفي "تفسير الطبري" نحوه كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضًا (١). وكذا قال الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ [القارعة: ٤] بزيادة وكذلك الناس يوم القيامة (٢). وقال الطبري: ليس هو ببعوض ولا ذبان (٣). وهو قول أبي عبيد. وقال ابن سيده في "محكمه": دواب مثل البعوض واحدتها: فراشة (٤). وقال أبو نصر: هي التي تطير وتتهافت في السراج، وفي المثل: أطيش من فراشة، والجمع: فراش (٥). وقال القزاز: تطير بالليل، ومنه: أحد من فراشة، ويقال للرجل الخفيف فراشة تشبيهًا بذلك، وفي "مجمع الغرائب": هي ما يتهافت في النار من الطيارات، وفي "مغرب المطرزي" هو: غوغاء الجراد، وهو ما يتفرش أي: يبسط جناحيه، وسموا دود القز فراشًا؛ لأنها تطير كذلك إذا خرجت من الفيلق (٦). وقال الداودي: هو طائر فوق البعوض. فصل: وقوله: ("وأنا آخذ بحجزكم"): هو جمع حجزة: وهو معقد الإزار وحجزة السراويل التي فيها التكة. وقال الداودي: يعني مرابط

стр. 17922

السراويل، كأنه يأخذ الإنسان بها من ورائه قد أشفى على السقوط فمن بين غالب له مقتحم، ومن بين ناج، والجيم يصح سكونها وفتحها. قال ابن التين: وبالفتح قرأناه. فصل: قوله: ("والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه") أي: قطعه وتباعد من فعله، معنى المهاجر: التام الهجرة فلا هجرة أعظم من هجر المحرمات، كما قال ﵇: "إن جهاد النفس أكبر من جهاد العدو". فصل: تحذلق بعض الشراح فقال: ينظر في دخول قوله ﵇: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" في هذا الباب، وقد أغفل منه قوله: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" فحذف موضع الحاجة ثم شرع يسأل.

стр. 17923

٢٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» ٦٤٨٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». [٦٦٣٧ - فتح: ١١/ ٣١٩]. ٦٤٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». [انظر: ٩٣ - مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ١١/ ٣١٩]. ذكر فيه من طريق أبي هريرة وأنس ﵄. وروى (سنيد) (١)، عن هشيم، عن كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فإذا قوم يتحدثون ويضحكون، فقال: "أكثروا ذكر الموت، أما والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا". وخشية الله تعالى إنما تكون على مقدار العلم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ولما لم يعلم أحد كعلمه ﵇ لم يخش كخشيته، فمن نور الله قلبه وكشف الغطاء عن بصيرته، وعلم بحب ما هو لله تعالى من النعم، وما تجب عليه من الطاعة والشكر وادكر بما يستقبل من أهوال يوم القيامة، وما يلقى العباد في تلك المواقف من الشدائد، وما يعاينوه من مسائلة الله عباده عن مثاقيل الذر وعن النقير والقطمير، كان حقيقًا بطول الحزن وكثرة

стр. 17924

البكاء، ولهذا قال أبو ذر ﵁: لو تعلمون العلم لما ساغ لكم طعام ولا شراب، ولا نمتم على الفرش، ولا أحببتم النساء، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون. وقال عبد الله بن عمرو: ابكوا، فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا، فلو تعلمون العلم لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره، ولبكى حتى ينقطع صوته. وقال الفضيل: بلغني عن طلحة أنه ضحك يومًا فوثب على نفسه فقال: فيم تضحك؟ إنما يضحك من قطع الصراط، ثم قال: آليت على نفسي أن لا أكون ضاحكًا حتى أعلم متى تقع الواقعة. فلم ير ضاحكًا حتى صار إلى الله. وقال الحسن: يحق لمن عرف أن الموت مورده، والقيامة موعده وأن الوقوف بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول في الدنيا حزنه. وقال سفيان: في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] قال: الحزن الدائم في القلب (١)، وقال: إنما الحزن على قدر البصر، وقال بعضهم: الحزن والخشية من مواريث القلوب التي ينال بها ما قبلها من الأعمال، فمن رام أن يقيم فرضه تامًّا فيصلي لله بكمال الصلاة، ويصوم بكمال الصيام، ويؤدي كذلك سائر الفرائض، ويقوم بالحق على نفسه وأهله ومن يسأل عنه في مخالطته ومداخلته، ويقيم ما أمر به في لسانه وسمعه وبصره وجميع جوارحه حتى يدخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وجد نفسه عن ذلك عاجزًا مقصرًا، فإذا رأى بعين جلية وعلم قرب أجله وعظم خطيئته، وأن الوقوف بين يدي الله تعالى من ورائه، حزن على

стр. 17925

نفسه بتخلفه عن السابقة التي يسمعها لغيره، ووجب عليه الجد في أمره واستجلاب معونة الله بالاعتصام به. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال مطرف بن عبد الله: دع أعمال الشر، فإن في الخير شرًّا كثيرًا، فلو لم يكن لنا ذنوب إلا أن الله تعالى يؤاخذنا بصحة أعمالنا وإتقانها وإحكامها وإصلاحها وصوابها؛ لكان في هذا شغل كثير لمن يعقل؛ وقد سلف في كتاب: الإيمان، في باب: خوف العبد من أن يحبط عمله ولا يشعر، ما يشبه هذا المعنى.
следующие страницы →