فصل:
والفراش، قال النحاس في "معانيه": صغار البق. وفي "تفسير الطبري" نحوه كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضًا (١). وكذا قال الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ [القارعة: ٤] بزيادة وكذلك الناس يوم القيامة (٢). وقال الطبري: ليس هو ببعوض ولا ذبان (٣). وهو قول أبي عبيد. وقال ابن سيده في "محكمه": دواب مثل البعوض واحدتها: فراشة (٤). وقال أبو نصر: هي التي تطير وتتهافت في السراج، وفي المثل: أطيش من فراشة، والجمع: فراش (٥). وقال القزاز: تطير بالليل، ومنه: أحد من فراشة، ويقال للرجل الخفيف فراشة تشبيهًا بذلك، وفي "مجمع الغرائب": هي ما يتهافت في النار من الطيارات، وفي "مغرب المطرزي" هو: غوغاء الجراد، وهو ما يتفرش أي: يبسط جناحيه، وسموا دود القز فراشًا؛ لأنها تطير كذلك إذا خرجت من الفيلق (٦).
وقال الداودي: هو طائر فوق البعوض.
فصل:
وقوله: ("وأنا آخذ بحجزكم"): هو جمع حجزة: وهو معقد الإزار وحجزة السراويل التي فيها التكة. وقال الداودي: يعني مرابط
стр. 17922
السراويل، كأنه يأخذ الإنسان بها من ورائه قد أشفى على السقوط فمن بين غالب له مقتحم، ومن بين ناج، والجيم يصح سكونها وفتحها. قال ابن التين: وبالفتح قرأناه.
فصل:
قوله: ("والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه") أي: قطعه وتباعد من فعله، معنى المهاجر: التام الهجرة فلا هجرة أعظم من هجر المحرمات، كما قال ﵇: "إن جهاد النفس أكبر من جهاد العدو".
فصل:
تحذلق بعض الشراح فقال: ينظر في دخول قوله ﵇: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" في هذا الباب، وقد أغفل منه قوله: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" فحذف موضع الحاجة ثم شرع يسأل.
стр. 17923
٢٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»
٦٤٨٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». [٦٦٣٧ - فتح: ١١/ ٣١٩].
٦٤٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». [انظر: ٩٣ - مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ١١/ ٣١٩].
ذكر فيه من طريق أبي هريرة وأنس ﵄.
وروى (سنيد) (١)، عن هشيم، عن كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فإذا قوم يتحدثون ويضحكون، فقال: "أكثروا ذكر الموت، أما والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا".
وخشية الله تعالى إنما تكون على مقدار العلم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ولما لم يعلم أحد كعلمه ﵇ لم يخش كخشيته، فمن نور الله قلبه وكشف الغطاء عن بصيرته، وعلم بحب ما هو لله تعالى من النعم، وما تجب عليه من الطاعة والشكر وادكر بما يستقبل من أهوال يوم القيامة، وما يلقى العباد في تلك المواقف من الشدائد، وما يعاينوه من مسائلة الله عباده عن مثاقيل الذر وعن النقير والقطمير، كان حقيقًا بطول الحزن وكثرة
стр. 17924
البكاء، ولهذا قال أبو ذر ﵁: لو تعلمون العلم لما ساغ لكم طعام ولا شراب، ولا نمتم على الفرش، ولا أحببتم النساء، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون. وقال عبد الله بن عمرو: ابكوا، فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا، فلو تعلمون العلم لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره، ولبكى حتى ينقطع صوته.
وقال الفضيل: بلغني عن طلحة أنه ضحك يومًا فوثب على نفسه فقال: فيم تضحك؟ إنما يضحك من قطع الصراط، ثم قال: آليت على نفسي أن لا أكون ضاحكًا حتى أعلم متى تقع الواقعة. فلم ير ضاحكًا حتى صار إلى الله.
وقال الحسن: يحق لمن عرف أن الموت مورده، والقيامة موعده وأن الوقوف بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول في الدنيا حزنه. وقال سفيان: في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] قال: الحزن الدائم في القلب (١)، وقال: إنما الحزن على قدر البصر، وقال بعضهم: الحزن والخشية من مواريث القلوب التي ينال بها ما قبلها من الأعمال، فمن رام أن يقيم فرضه تامًّا فيصلي لله بكمال الصلاة، ويصوم بكمال الصيام، ويؤدي كذلك سائر الفرائض، ويقوم بالحق على نفسه وأهله ومن يسأل عنه في مخالطته ومداخلته، ويقيم ما أمر به في لسانه وسمعه وبصره وجميع جوارحه حتى يدخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وجد نفسه عن ذلك عاجزًا مقصرًا، فإذا رأى بعين جلية وعلم قرب أجله وعظم خطيئته، وأن الوقوف بين يدي الله تعالى من ورائه، حزن على
стр. 17925
نفسه بتخلفه عن السابقة التي يسمعها لغيره، ووجب عليه الجد في أمره واستجلاب معونة الله بالاعتصام به.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال مطرف بن عبد الله: دع أعمال الشر، فإن في الخير شرًّا كثيرًا، فلو لم يكن لنا ذنوب إلا أن الله تعالى يؤاخذنا بصحة أعمالنا وإتقانها وإحكامها وإصلاحها وصوابها؛ لكان في هذا شغل كثير لمن يعقل؛ وقد سلف في كتاب: الإيمان، في باب: خوف العبد من أن يحبط عمله ولا يشعر، ما يشبه هذا المعنى.
стр. 17926
٢٨ - باب حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ
٦٤٨٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ». [مسلم: ٢٨٢٣ - فتح: ١١/ ٣٢٠].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ".
(هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: "حفت" بدل: "حجبت" (١)، وهو بمعناه أي: بينه وبينها هذا الحجاب، فإذا فعله دخلها، وهو دال على أن احتمال المكاره والمشاق بأمر وراءه الجنة سهل يسير) (٢).
وهذا من جوامع الكلم وبديع البلاغة في ذم الشهوات والنهي عنها والحض على طاعة الله وإن كرهتها النفوس وشق عليها؛ لأنه إذا لم يكن يوم القيامة غير الجنة والنار ولم يكن بد من المصير إلى إحداهما فوجب على المؤمنين السعي فيما يدخل الجنة ويبعد من النار وإن شق ذلك عليهم؛ لأن الصبر على النار أشق، فخرج هذا الخطاب منه بلفظ الخبر، وهو من باب النهي والأمر.
стр. 17927
٢٩ - باب «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ»
٦٤٨٨ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ». [فتح: ١١/ ٣٢١].
٦٤٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ». [انظر: ٣٨٤١ - مسلم: ٢٢٥٦ - فتح: ١١/ ٣٢١].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، وذكره باللفظ المذكور.
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ
الشاعر: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ".
هذان الحديثان ذكرهما ابن بطال في الباب الذي قبله. وحديث الترجمة والحديث الأول دليل واضح على أن الطاعات الموصلة إلى الجنة، والمعاصي المقربة من النار، وقد تكون في أيسر الأشياء.
ألا ترى قوله ﵇: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه" (١).
стр. 17928
فينبغي للمؤمن أن لا يزهد في قليل من الخير يأتيه، ولا يستقل قليلا من الشر يجتنيه فيحسبه هينًا وهو عند الله عظيم؛ فإن المؤمن لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا يعلم السيئة التي يسخط الله عليه بها.
وقد قال الحسن البصري: من تقبلت منه حسنة واحدة دخل الجنة.
فصل:
وقوله: ("أصدق (١) بيت .. ") إلى آخره، روينا من طريق ابن إسحاق، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عمن حدثه عن عثمان ﵁ قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه الصحابة من البلاء وهو يغدو أو يروح في أمان من الوليد بن المغيرة رد عليه جواره، ثم انصرف ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من مجالس قريش وهو ينشدهم، فجلس عثمان معهم فقال:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
فقال عثمان: صدقت
وكل نعيم لا محالة زائل.
فقال عثمان: كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش والله ما كان يؤتى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: هذا سفيه من سفهائنا فلا تجدن في نفسك من قوله. فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام ذلك الرجل فلطم عينه (٢).
وروينا في "الشعراء" تأليف أبي زرعة أحمد بن الحسن الرازي، عن أبي بكر بن يوسف بن إسحاق بن بهلول الأزرق، ثنا جدي، عن أبيه،
стр. 17929
عن أبي شيبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن من الشعر حكمًا، وأصدق بيت تكلمت به العرب: ألا كل شيء ما خلا الله باطل" (١).
فصل:
(لبيد هذا عامري ثم جعفري صحابي شاعر مشهور، وفد في وفد بني جعفر بن كلاب فأسلم وحسن إسلامه، ولم يقل شعرًا منذ أسلم، توفي عام المجاعة) (٢).
قال ابن بطال: والمراد بقوله: ("ألا كل شيء .. ") إلى آخره الخصوص؛ لأن كل ما قرب من الله تعالى فليس بباطل، وإنما أراد أن كل شيء ما خلا الله باطل من أمر الدنيا الذي لا يئول إلى طاعة الله، ولا يقرب منه تعالى فهي باطل (٣).
وكذا قال الداودي: أراد به ما عدا الأنبياء والرسل والملائكة والكتب والبعث حق، وأراد ما خلا الله: ما لم يكن لله، قال: وقوله: ("بيت") وفي رواية "كلمة" فإن أراد بالبيت كلمة فهي كلمة وإن أراد به الشطر؛ فلأن بعضه يدل على بعض، والزيادة مقبولة والذي في اللغة أن الكلمة بطولها.
стр. 17930
٣٠ - باب لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ
٦٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي المَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ». [مسلم: ٢٩٦٣ - فتح: ١١/ ٣٢٢].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي المَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ".
هذا الحديث جامع لمعاني الخير كما قال الطبري، وذلك أن العبد لا يكون بحال من عبادة ربه مجتهدًا فيها إلا وجد من هو فوقه في ذلك، فمتى طلب نفسه باللحاق بمن هو فوقه استقصر حاله التي هو عليها فهو أبدًا في زيادة تقربه من ربه.
ولا يكون على حالة خسيسة من دنياه إلا وجد من أهلها من هو أخس منه حالاً؛ فإذا تأمل الشخص ذلك وتفكره وتبين نعم الله عليه، علم أنها وصلت إليه، ولم تصل إلى كثير من خلقه، فضله الله تعالى بها من غير أمر أوجب ذلك له على خالقه ألزم نفسه من الشكر عليها؛ أن وفق لها ما يعظم به اغتباطه في معاده.
стр. 17931
٣١ - باب مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسيئةٍ
٦٤٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا جَعْدٌ أَبُو عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ قَالَ: قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً». [مسلم: ١٣١ - فتح: ١١/ ٣٢٣].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث ابن عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎ قَالَ: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً".
الشرح:
(هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الإيمان (١)، وهو حديث عظيم من قواعد الإسلام، وهو من لطف الله بعبده، ورفقه به، واعتنائه بقوله "عنده" ولم يذكر ذلك في السيئة بل قال: "كتبها الله له واحدة" أي: عليه، وأكد بـ "كاملة"؛ لشدة الاعتناء، وكذا في السيئة المتروكة، ولا شك أنه) (٢) إذا حدث العبد نفسه بالمعصية لم يؤاخذ؛ فإذا عزم
стр. 17932
فقد خرج عن حديث النفس ويصير من أعمال القلب، فإن عقد النية على الفعل فحينئذٍ يأثم.
وبيان الفرق بين الهم والعزم: أنه لو حدث نفسه في الصلاة وهو فيها بقطعها لم تنقطع، فإذا عزم انقطعت.
وسئل سفيان بن سعيد: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ قال: إذا عزم، والملكان يجدان ريح الحسنات والسيئات إذا عقد القلب.
وحديث الباب حديث شريف بين فيه الشارع مقدار فضل الله تعالى على عباده، كما أسلفناه، بأن جعل هموم العبد بالحسنة وإن لم يعملها حسنة، وجعل همومه بالسيئة إن لم يعملها حسنة، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، وإن عمل الحسنة كتبت عشرًا، ولولا هذا التفضل العظيم، لم يدخل أحد الجنة؛ لأن السيئات من العباد أكثر من الحسنات، فلطف الله بعباده بأن ضاعف لهم الحسنات دون السيئات، وإنما جعل الهم بالحسنة حسنة؛ لأن الهم بالخير هو فعل القلب لعقد النية على ذلك.
فإن قلت: فكان ينبغي على ذلك أن تكتب لمن هم بالشر ولم يعمله سيئة؛ لأن الهم بالشر عمل من أعمال القلب للشر.
قيل: ليس كما توهمت، ومن كف عن أعمال الشر فقد فسخ اعتقاده للسيئة باعتقاد آخر نوى به الخير وعصى هواه المريد للشر، فذلك عمل القلب من أعمال الخير فجوزي على ذلك بحسنة، وهذا كقوله ﵇: "على كل مسلم صدقة" قالوا: فإن لم يفعل. قال: "فليمسك عن الشر فإنه صدقة".
كما سلف في الأدب في باب: كل معروف صدقة (١).
стр. 17933
وحديث ابن عباس معناه مخصوص لمن هم بسيئة فتركها لوجه الله، (كما في "صحيح مسلم": "إنما تركها من جراي") (١)، وأما من تركها مكرهًا على تركها؛ بأن يحال بينه وبينها فلا تكتب له حسنة ولا يدخل في معنى الحديث.
قال المازَرِي: مذهب ابن الطيب أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن عليها نفسه مأثوم في اعتقاده وعزمه، وقد يحمل ما وقع من هذِه الأحاديث وشبهها على أن ذلك فيمن لم يوطن نفسه على المعصية، وإنما مر ذلك على فكره من غير استقرار ويسمي هذا الهم، ويفرق بين الهم والعزم، ويكون معنى قوله في مسلم: "لم تكتب عليه" على هذا القسم الذي هو خاطر غير مستقر، وخالفه كثير من الفقهاء و (المحدثين) (٢) أخذًا بظاهر الأحاديث ويحتج للقاضي بقوله ﵇: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما" الحديث، وفيه: "لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه" فقد جعله مأثومًا بالحرص على القتل، وهذا قد يتأولونه على خلاف هذا. فيقولون: قد قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما" (٣) فالإثم إنما يتعلق بالفعل والمقاتلة، وهو الذي وقع عليه اسم الحرص، ويتعلق بالكلام على الهم ما في قصة يوسف
وهو قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] أما على طريقة الفقهاء فذلك مغفور لهم غير مؤاخذ به إذا كان شرعه كشرعنا في ذلك، وأما على طريقة القاضي فيحمل ذلك على الهم الذي ليس هو بتوطين النفس، ولو حمل على غيره لأمكن أن يقال: هي صغيرة.
стр. 17934
وفي الصغائر عليهم فيها خلف (١).
(قال القاضي عياض: وعامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على ما ذهب إليه أبو بكر القاضي؛ للأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا: إن هذا العزم يكتب بسيئة، وليست السيئة التي هم بها لكونه لم يعملها وقطعه عنها قاطع غير خوف الله والأمانة، لكن نفس الإصرار والعزم معصية، فتكتب معصية، فإذا عملها كتبت معصية ثانية، فإن تركها خشية لله كتبت كما في الحديث: "إنما تركها من جراي" (٢) فصار تركه لها لخوف الله ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك وعصيانه هواه حسنة، فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها، ولا يصحبها عقد ولا نية، وذكر بعض المتكلمين خلافًا فيما إذا تركها لخوف الله، بل لخوف الناس، هل تكتب حسنة؟ قال: (لا) (٣) لأن ما حمله على تركها الحياء، وهذا ضعيف لا وجه له (٤).
قال النووي: هذا كلام القاضي، وهو حسن لا مزيد عليه. وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقد تظاهرت نصوص الشرع وإجماع العلماء على تحريم الحسد واحتقار المسلمين وإرادة
стр. 17935
المكروه وغير ذلك من أعمال القلوب (١).
وقال الشيخ عز الدين في "أماليه": الآية وهي: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] مخصوصة بعزائم الأعمال، فإن عملها كتبت له عشر حسنات لا أحد عشر لأنا نأخذها بقيد كونها مهمومًا بها، وكذلك إذا عمل السيئة، فإنه قال: كتبت له سيئة، أي: تكتب له على السيئة المهموم بها سيئة، ولا تكتب عليه واحدة للهم وواحدة للعمل) (٢).
فصل:
وفي هذا الحديث تصحيح مقالة من قال: إن الحفظة يكتبون ما يهم به العبد من حسنة أو سيئة، وتعلم اعتقاده كذلك، ورد مقالة من زعم أن الحفظة إنما تكتب ما ظهر من عمل العبد وسمع.
واحتجوا بما روى ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عائشة قالت: لأن أذكر الله في نفسي أحب إلى من أن أذكره بلساني سبعين مرة؛ وذلك لأن ملكًا لا يكتبها وبشرًا لا يسمعها، ذلك وقد جاء أن نية المؤمن خير من عمله، أي: لأنها مخفية عن الملك والبشر.
والصواب في ذلك كما قال الطبري: ما صح به الحديث عنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - أنه قال: "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة". والهم بالحسنة إنما هو فعل العبد بقلبه دون سائر الجوارح كذكر الله بقلبه، فالمعنى الذي يصل به الملكان الموكلان بالعبد إلى علم ما يهم به بقلبه، هو المعنى الذي به يصل إلى علم ذكر ربه بقلبه.
стр. 17936
ويجوز أن يكون جعل الله لهما إلى علم ذلك سبيلا، كما يجعل لكثير من أنبيائه السبيل إلى كثير من علم الغيب، وقد أخبر الله تعالى عن عيسى ﷺ أنه قال لبني إسرائيل ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقد أخبر نبينا - عليه أفضل الصلاة والسلام - بكثير من علم الغيب، قالوا: فغير مستنكر أن يكون الكاتبان الموكلان بابن آدم قد جعل لهما سبيل إلى علم ما في قلوب بني آدم من خير أو شر فيكتبانه إذا حدث به نفسه أو عزم عليه، وقد قيل: إن ذلك بريح يظهر لهما من القلب.
سئل أبو معمر عن الرجل يذكر الله بقلبه كيف يكتب الملك، قال: يجد الريح، وسيأتي في كتاب الاعتصام (١) في باب قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] اختلاف السلف في أي الذكرين أعظم (ثوابًا) (٢)، ذكر القلب أو اللسان، قال جماعة بالثاني، روي ذلك عن أبي عبيدة وعبد الله بن مسعود، والصواب في ذلك -كما قال أبو جعفر- الأول، (لمن) (٣) لم يكن إمامًا يقتدى به لا سيما إن كان في محفل اجتمع أهله لغير ذكر الله أو في سوق، وذلك أنه أسلم له من الرياء، وقد روينا في حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁ مرفوعًا: "خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي" (٤).
стр. 17937
وأخرجه العسكري في كتاب "السرائر" (١) من حديث زيد بن خالد بلفظ: "خير الذكر ما خفي، وخير الرزق ما كفى" فإن كان خليا فالذكر باللسان والقلب أفضل؛ لأن شغل جارحتين بما يرضي الله أفضل من شغل جارحة واحدة، وكذا ثلاث جوارح أفضل من جارحتين، وكلما زاد فهو أفضل عند الله.
وروى ابن أبي الدنيا من حديث جابر: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "اغدوا وروحوا في ذكر الله، واذكروه في أنفسكم" ومن حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "أفضل" أو قال: "تضاعف الذكر الخفي الذي لا تسمعه الحفظة على الذي تسمعه بسبعين ضعفًا" (٢) وحديث أبي موسى السالف: "اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا" (٣).
وروى العسكري في الكتاب السالف من طريق أبي داود الطيالسي من حديث أبي هريرة ﵁: أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أعمل العمل أسره، فإذا أطلع عليه سرني، فقال: "لك أجران: أجر السر وأجر العلانية" (٤)، وعن خُصيف أنه قال: إذا عمل رجل عملًا وحدث به قيل: اكتبوه علانية، وإن حدث به هو قيل: اكتبوه مرائيا.
стр. 17938
فصل:
لما ذكر ابن التين حديث الباب قال: تأول العلماء هذا على أنه ترك عمل السيئة على القدرة عليها، ويزاد في ذلك حسنة من الله، وقد بينه في مسلم، فقال: "فإن تركها فأنا أكتبها له حسنة، إذا تركها من جرائي (١) " (٢).
وفي حديث آخر: "من هم بالسيئة فلم يعملها لم تكتب" (٣). قال: وكثير من الفقهاء والمحدثين على ظاهر هذِه الأخبار؛ فإن هذا تفضل من الله، وأن من هم بسيئة لا إثم عليه، إن لم يعملها، وتكتب له حسنة إذا تركها من خشية الله، ومعنى ما في كتاب مسلم: لم تكتب إذا لم يتركها من خشية الله.
فصل:
قوله: فيما يرويه عن ربه، يقتضي أنه من الأحاديث الإلهية المنسوبة إلى كلام الله نحو: "أنا عند ظن عبدي بي" (٤) وليس المراد ذلك، إنما المراد فيما يحكيه عن فضل ربه أو حكم ربه أو نحو ذلك.
стр. 17939
ومعنى ("كتب") أمر الحفظة بكتابتها، أو كتبها في علم على وفق الواقع فيها. وقوله: ("ثم بين ذلك") أي: فصله، يعني: النبي ﷺ ، فصَّل بقوله: "من هم بحسنة .. " إلى آخره ما أجمله بقوله: "إن الله كتب الحسنات والسيئات") (١).
стр. 17940
٣٢ - باب مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ
٦٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُوبِقَاتِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ. [فتح ١١/ ٣٢٩].
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَنَسٍ ﵁، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا نعدها عَلَى عَهْدِ رسول الله ﷺ المُوبِقَاتِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي: المُهْلِكَاتِ.
إنما كانوا يعدون الصغائر من الموبقات؛ لشدة خشيتهم لله، وإنه لم يكن لهم كبائر، ألا ترى أن إبراهيم ﵇ إذا سئل الشفاعة يوم القيامة يذكر ذنبه بتلك الكلمات الثلاث: في زوجته، وإني سقيم، وفعله كبيرهم. فرأى ذلك من الذنوب، وإن كان لقوله وجه صحيح فلم يقنع من نفسه إلا بظاهر يطابق الباطن، وهذا غاية الخوف، والمحقرات إذا كثرت صارت كبائر؛ للإصرار عليها والتمادي فيها، وقد روى ابن وهب، عن عمرو بن حريث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم
أبي عمران أنه سمع أبا أيوب يقول: إن الرجل ليعمل الحسنة (فيثق) (١) بها، ويعمل المحقرات فيلقى الله يوم القيامة، وقد أحاطت به خطيئته، وإن الرجل ليعمل السيئة فما يزال منها مشفقًا حذرًا حتى يلقى الله يوم القيامة آمنًا.
وذكر أسد بن موسى، عن ابن مسعود ﵁ قال: إياكم ومحقرات الذنوب، فإنها تجمع حتى تهلك صاحبها، وإن رسول الله ﷺ قد ضرب لنا مثلًا كمثل ركب نزلوا بأرض فلاة، فلم يجدوا فيها حطبًا؛
стр. 17941
فانطلق كل واحد منهم فجاء بعود حتى اجتمعت أعواد؛ فأوقدوا نارًا أنضجت ما جعل فيها (١). ورواه سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ (٢).
وقال أبو عبد الرحمن الحُبلي: مثل الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات كرجل لقاه سبع فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل إبل فاتقاه فنجا منه، فلدغته نملة فأوجعته، ثم أخرى ثم أخرى حتى اجتمعن عليه فصرعنه؛ فكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات.
وقال الصديق ﵁: إن الله يغفر الكبير فلا تيأسوا، ويعذب على الصغير فلا تغتروا.
والغناء -ممدود- الكفاية من قولهم: أغنيت (كغنى) (١) فلان أي: أجزاه عنك مجزاة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ [الحاقة: ٢٨].
وقوله: (فوضعه بين ثدييه). قال ابن فارس: ثندؤة الرجل كثدي المرأة، وهو مهموز إذا ضم (٢).
ويقال: خاتم بفتح التاء وكسرها، وخاتام، وخيتام، و (ختام) (٣)، وختم فهو ست لغات بمعنى، والجمع: الخواتيم.
وفي تغييب الله عن عباده خواتم أعمالهم، حكمة بالغة، وتدبير لطيف، وذلك أنه لو علم أحد خاتمة عمله، لدخل الإعجاب والكسل من علم أنه يختم له بالإيمان، ومن علم أنه يختم له بالكفر يزداد غيًّا وطغيانًا وكفرًا؛ فاستأثر الله بعلم ذلك؛ ليكون العباد بين خوف ورجاء، فلا يعجب المطيع لله بعمله، ولا ييأس العاصي من رحمته؛ ليقع الكل تحت الذل والخضوع لله تعالى والافتقار إليه.
وقال حفص بن حميد: قلت لابن المبارك: أرأيت رجلاً قتل رجلاً فوقع في نفسي أني أفضل منه؛ فقال عبد الله: أمنك على نفسك أشد من ذنبه، أي: أمنك على نفسك أنك من الناجين عند الله من عذابه أشد من ذنب القاتل؛ لأنه لا يدري ما يؤول إليه أمره وعلى ما يموت، ولا يعلم أيضًا حال القاتل إلى ما يصير إليه، لعله يتوب فيموت تائبًا فيصير إلى عفو الله، وتصير أنت إلى عذابه لتغير حالك من الإيمان بالله إلى الشرك به، فالمؤمن في حال إيمانه وإن كان عالمًا بأنه محسن فيه غير
стр. 17944
عالم على ما هو ميت عليه وإلى ما هو صائر إليه، فغير جائز أن يقضي لنفسه وإن كان محسنًا بالحسنى عند الله ولغيره، وإن كان مسيئًا بالسوء، وعلى ذلك مضى خيار السلف.
مَعْمَرٌ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ -أَوْ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ يُونُسُ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَيحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا المَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَن أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زمَانٌ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ الغَنَمُ، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ".
الشرح:
قد سلف اسم الأوزاعي ووفاته.
ومتابعة الزبيدي أخرجها مسلم، عن منصور بن أبي مزاحم، ثنا يحيى بن حمزة، عن الزبيدي (١).
واسم الزبيدي: محمد بن الوليد أبو الهذيل الشامي، اتفقا عليه، مات سنة ثمان وأربعين ومائة.
والنعمان: هو ابن راشد الجزري الرقي أخو إسحاق، ضعفه ابن المديني. وقال البخاري: كثير الوهم (٢).
ومتابعة معمر رواها مسلم أيضًا عن ابن حميد، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد، عن عطاء أو عبيد الله (٣).
وقال أبو مسعود الدمشقي: قال عبد الرزاق: كان معمر يشك (٤).
стр. 17947
ثم حدث به مرة عن عطاء بغير شك كأنه يريد ما رواه الخطابي عن محمد بن هاشم، ثنا الفربري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عطاء من غير شك (١).
وقوله: (وحدثنا محمد بن يوسف .. ) إلى آخره، أخرجه مسلم أيضًا عن عبد الله بن عبد الرحمن عنه (٢). ومتابعة سليمان بن كثير، أخرجها أبو داود، عن أبي الوليد الطيالسي، عن سليمان به (٣).
فصل:
ابن مسافر: هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر أبو خالد، وقيل: أبو الوليد (الفهمي) (٤) المصري، واليها لهشام سنة ثمان عشرة ومائة، وعزل عنها سنة تسع عشرة ومائة، وهو مولى الليث بن سعد من فوق.
والماجشون: هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة دينار، مولى آل المنكدر، أبو عبد الله؛ مات سنة أربع وستين ومائة على الأصح، وصلى عليه المهدي ببغداد، متفق على ثقته.
وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري النجاري المازني، أخو محمد بن عبد الله، انفرد البخاري بهما وأبيهما.
стр. 17948
فصل:
وقوله: ("جاهد بنفسه وماله") أي: وقام بالحقوق الواجبة، كالصلاة وغيرها.
والشعب بكسر الشين: الطريق في الجبل، وكذا صرح به صاحب "العين" أنه ما انفرج بين جبلين (١). وقال الشعبي: هو مواضع الجبل، قال: وقوله: "في شعب من الشعاب" هذا في غير زمن رسول الله ﷺ ؛ لأن الجهاد كان فيه فرضًا على أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب، إن خرج رسول الله ﷺ خرجوا جميعًا إلا من له عذر، وإن خرج قوم بقي معه آخرون.
وقوله: ("شعف الجبال") الشعف بالشين المعجمة وتحريك العين: رأس الجبل، والجمع: شعف، وشعوف، وشعاف، وقال صاحب "العين": شعف الجبال: رءوسها (٢). وكذلك شعف الأثافي، وشعفة كل شيء: أعلاه.
("ومواقع القطر"): بطون الأودية.
فصل:
في الحديث: أن اعتزال الناس عند ظهور الفتن والهرب عنهم أسلم للدين من مخالطتهم. ذكر علي بن معبد، عن الحسن بن واقد قال: قال ﵇: "إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد أحلت لأمتي الغربة والعزلة، والترهيب في رءوس الجبال" (٣) وذكر علي بن معبد عن عبد الله بن
стр. 17949
المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق، وجحر إلى جحر، فإذا كان ذلك لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله، فإذا كان ذلك (حلت العزلة". قالوا: يا رسول الله، كيف تحل العزلة وأنت تأمرنا بالتزوج؛ قال:) (١) "إذا كان ذلك كان هلاك الرجل على يدي أبويه، فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي زوجته، فإن لم يكن له زوجة كان هلاكه على يدي ولده، فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على (يدي) (٢) القرابات والجيران" قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؛ قال: "يعيرونه بضيق المعيشة، ويكلفونه ما لا يطيق، فعند ذلك يورد نفسه المهالك التي يهلك فيها".
وروينا في كتاب "العزلة" للخطابي من حديث الحسن عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "ليأتين على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من قرية إلى قرية، أو من شاهق إلى شاهق، ومن جحر إلى جحر، كالثعلب الذي يروغ" (٣).
وفي حديث إسحاق بن راشد عن عمرو بن وابصة الأسدي، عن أبيه قال: حدثني ابن مسعود ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الفتنة وأيام الهرج
стр. 17950
قال: "حين لا يأمن الرجل جليسه" قلت: فبم تأمرني إن أدركت ذلك الزمان؟ قال: "تكف نفسك ويدك، وادخل دارك" قلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل علي داري؟ قال: "فادخل بيتك"، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: "فادخل في مسجدك، واصنع كذا -وقبض بيمينه على الكوع- وقيل: ربي الله. حتى تموت" (١).
وفي حديث ابن المبارك أنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، أن عمر ﵁ قال: خذوا حظكم من العزلة (٢). وفي رواية قال عمر: العزلة راحة من خليط السوء (٣).
وفي حديث محمد بن سنان القزاز، أنا أبو بكر، عن بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كان سعد في إبل وغنم له، فأتاه ابنه عمر، فلما رآه قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب. فلما انتهى إليه قال: يا أبة، أرضيت أن تكون أعرابيًّا والناس يتنازعون الملك، فضرب سعد صدر عمر فقال: اسكت يابني، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي" (٤).
وفي "مشكل الآثار" للطحاوي عن ابن عباس مرفوعًا: "ألا أخبركم
стр. 17951
بخير الناس منزلًا". قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، وأخبركم بالذي يليه، رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس" (١). الحديث.
فإن قلت: أين ما روي عن رسول الله ﷺ ؟ "المسلم الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، خير من المسلم الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم" (٢)، فيجاب بأنه لا تضاد؛ لأن قوله: "رجل آخذ بعنان فرسه". خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص، فالمعنى فيه؛ أنه من خير الناس؛ لأنه قد ذكر غيره بمثل ذلك، فقال: "خير الناس من طال عمره، وحسن عمله" (٣) وقال: "خياركم من تعلم القرآن وعلمه" (٤). وقال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٦] ولم تؤت مما اختص به سليمان شيئًا، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنه من خير أهلها، وإذا جاز ذلك جاز أن تكون المنزلة التي هو بها بينها وبين المنزلة المذكورة قبلها منزلة (أكمل) (٥) أو لعلها فوق المنزلة التي هي قبلها أيضًا فيكون من يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم باعتزاله، ويحتمل أن يكون أراد بتفضيله في وقت من الأوقات ولم يرد به كل الأوقات، كما في حديث أبي (ثعلبة) (٦): "إذا رأيت شحًّا مطاعًا،
стр. 17952
وهوًى متبعًا، فعليك بنفسك، وإياك وأمر العوام" (١) فيكون اعتزال الناس في ذلك الزمان أفضل من مخالطتهم، ويكون ما سواه من الأزمنة بخلافه، ويكون المراد بتفضيل مخالطة الناس فيه على ترك مخالطتهم، حتى لا يكون بين الحديثين تضاد، ومما يدل على هذا التأويل في اختلاف الأزمنة قوله ﵇: "ستكون فتن المضطجع فيها خير من القاعد" (٢). الحديث، وفيه: "من كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه" (٣).
فصل:
قال (الخطابي) (٤): العزلة عزلتان، والفرقة فرقتان: فرقة الآراء والأديان، وفرقة الأشخاص والأبدان، والجماعة جماعتان: الأئمة والأمراء، والعامة والدهماء، فأما الافتراق في الآراء والأديان فإنه محظور في العقول، محرم في قضايا الأصول؛ لأنه داعية الضلال، وسبب التعطيل والإهمال، ولو ترك الناس متفرقين؛ لتفرقت الآراء والنحل؛ ولكثرت الأديان والملل، ولم تكن فائدة في بعثة الرسل، وهذا هو الذي عابه الله من التفرق في كتابه وذمه في آي كثيرة، وعلى هذِه الوتيرة يجري الأمر أيضًا في الافتراق على الأئمة والأمراء؛ لأن في مفارقتهم مفارقة الألفة، وزوال العصمة والخروج من كنف الطاعة
стр. 17953
وظل الأمن، وهو الذي نهى عنه الشارع وأراده بقوله: "من فارق الجماعة فمات، فميتته جاهلية" (١). وذلك أن أهل الجاهلية لم يكن لهم إمام يجمعهم على دين، ويتألفهم على رأي واحد، بل كانوا (طوائف) (٢) شتى، وفرقًا مختلفين، آراؤهم متناقضة، وأديانهم متباينة، وذلك الذي دعا كثيرًا منهم إلى عبادة الأصنام، وطاعة الأزلام رأيًا فاسدًا اعتقده في أن عندها خيرًا، أو أنها تملك لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا.
فأما عزلة الأبدان ومفارقة (الجماعة) (٣) التي هي العوام، فإن من حكمها أن تكون تابعة للحاجة، وجارية مع المصلحة، وذلك أن عظم الفائدة اجتماع الناس في المدن وتجاورهم في الأمصار، إنما هو أن يتضافروا ويتعاونوا على المصالح ويتوازروا فيها إذ كانت مصالحهم لا تكمل إلا به ومعايشهم لا تزكو إلا عليه، فللإنسان أن يتأمل حال نفسه فينظر في أية طبقة يقع منهم، وفي أي جهة ينحاز من جملتهم؛ فأما من كانت أحواله تقتضي المقام بين ظهراني العامة، لما يلزمه من إصلاح المهنة التي لا غنية له به عنها، ولا يجد بدًّا من الاستعانة بهم فيها. ولا وجه لمفارقتهم في الدار ومباعدتهم في السكن والجوار، فإنه إذا فعل ذلك تضرر بوحدته، وأضر من وراءه من أهله وأسرته، وإن كانت نفسه بكلها مستقلة، وحاله في ذاته وذويه متماسكة فالاختيار له في هذا الزمان اعتزال الناس، ومفارقة عوامهم، فإن السلامة في مجانبتهم، والراحة في التباعد منهم، ولسنا نريد -رحمك
стр. 17954
الله- بهذِه العزلة التي نختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعة، وترك حقوقهم في العيادات، وإفشاء السلام، ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها على سبيلها ما لم يحل دونها حائل شغل، ولم يمنع عنها مانع عذر، وإنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة ونبذ الزيادة عنها وحظ العلاقة التي لا حاجة بك إليها؛ فإن من جرى في صحبة الناس، والاستكثار من معرفتهم على ما يدعو إليه شغف النفوس، وإلف العادات، وترك الاقتصاد فيها، والاقتصار على القدر الذي تدعو الحاجة إليه كان جديرًا أن لا يحمد غبه، وأن تستوخم عاقبته، وأن سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته؛ فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مدنفة وأسقام متلفة، وليس من علم كمن جهل، ولا من جرب وامتحن كمن بادر وخاطر، ولله در أبي الدرداء حيث يقول: وجدت الناس اخبر نقلة.
أنشدني ابن (أبي) (١) الدق، أنشدنا شكر، أنشدني ابن أبي الدنيا:
من حمد الناس ولم يبلهم … ثم بلاهم، ذم من يحمدِ
وصار بالوحدة مستأنسًا … بوحشة الأقرب والأبعد (٢)
فصل:
وروينا في كتاب "الطاعة والمعصية" لابن معبد: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن (طاوس) (٣)، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "خير
стр. 17955
الناس في الفتن رجل معتزل يؤدي حق الله عليه" (١).
ومن حديث كرز بن حبيش الخزاعي أنه ﵇، فذكر حديثًا فيه: "وأفضل الناس يومئذ مؤمن معتزل في شعب من الشعاب يتقى ربه، ويدع الناس من شره" (٢).
ومن حديث عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "يا عقبة، املك عليك نفسك وليسعك بيتك" (٣).
ومن حديث عطاء بن يزيد، عن رجل له صحبة أنه قال: يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل؟ قال: "مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله". قالوا: ثم من؟ قال: "مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله، ويدع الناس من شره" (٤).
ومن حديث الحسين بن واقد: أظنه من أحاديث بهز بن حكيم رفعه: "إذا كانت سنة ثمانين ومائة" (٥). الحديث. وقد سلف.
وعن جبر بن (أبي) (٦) الأسود وقال: "تفضل صلاة الجماعة على
стр. 17956
صلاة الفذ (خمسًا وعشرين) (١) درجة" (٢).
وسيأتي (فصل) (٣) فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمس وعشرون درجة.
وعن عباد بن كثير رفعه: "بشِّر الفرارين بدينهم إيمانًا واحتسابًا من قرية إلى قرية أنهم معي ومع إبراهيم يوم القيامة كهاتين" (٤). وجمع بين الوسطي والتي تليها.
وكان مكحول. يقول: إن كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة في العزلة.
أحدها:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ".
ثانيها:
حديث حذيفة ﵁: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: "أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ". وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ .. " الحديث.
ثالثها:
حديث ابن عُمَرَ ﵄ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةُ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً".
الشرح:
الجذر بفتح الجيم، وكسرها، وذال معجمة ساكنة أي: أصلها، والجذر: من جذر الحساب، وهو أصل كل شيء.
وحكى الأصمعي: الفتح، وكذا هو في روايتنا، وأبو عمرو الشيباني: (الكسر) (١) كما حكاه في "الصحاح" (٢)، وعبارة أبي عبيد أنه الأصل من كل شيء.
وقال ابن الأعرابي: الجذر: أصل حساب ونسب، وأصل شجرة، والجذر في شعر زهير بن أبي سلمى: قرن البقرة. وقال الداودي: يعني أنها في الأصل، وأول ما نزل في القلب، فمن ذلك النية.
стр. 17959
قال: وقوله: ("ثم علموا من السنة") أي: (جذرهم) (١) على ذلك ما جعل في قلوبهم.
وقوله: ("ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة") يعني: تقبض من قوم ثم قوم (ثم قوم) (٢) شيئًا بعد شيء، ووقتًا بعد وقت، على قدر فساد الدين.
والأمانة الظاهر أن المراد بها: التكاليف اللاتي كلف الله بها عباده، والعهد الذي أخذه عليهم. وعبارة ابن التين في الفتن: الأمانة، إنها كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من (المرء) (٣). قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. قال ابن عباس: هي الفرائض التي على العباد (٤). وقيل: هي ما أمروا به ونهوا عنه، وقيل: هي الطاعة. (ونقله الواحدي عن أكثر المفسرين (٥)، وقال صاحب "التحرير": الأمانة هنا هي المذكوره في الآية، وهي غير الإيمان، فإذا استمكنت في قلب العبد قام بأداء التكاليف) (٦).
وقوله: ("فيظل أثرها") أي: فيصير. وقال الداودي: يعني: يبقى ويقيم، وفي "الصحاح": (ظلت) (٧) أعمل كذا -بالكسر- إذا عملته بالنهار دون الليل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (٨) [الواقعة: ٦٥].
стр. 17960
وقوله: ("مثل الوكت") هو بفتح الواو، وبعد الكاف الساكنة تاء (مثناة) (١) فوق. قال أبو [المعاني] (٢) في "المنتهى": هو الأثر اليسير. وقيل: سواد يسير، وقيل: هو لون يحدث مخالف للون الذي كان قبله، يقال: البسر إذا وقعت فيه نكتة من الإرطاب وقد وكت. قال الهروي: والجمع: وكت، وقال صاحب "العين": الوكت شبه نكتة في العين وتدمع لونه، وعين موكوتة (٣) والوكت: سواد اللون، وعبارة أبي عبيد: أنه أثر الشيء اليسير منه.
وعبارة ابن التين: الوكتة كالنقطة في الشيء، يقال: في عينه وكتة. أي: أثر، ووكيت البسرة توكيتًا من نقط الإرطاب، وقال الداودي: يعني الخطة الرفيعة.
و ("المجل"): بميم مفتوحة، ثم جيم ساكنة: أثر العمل في اليد، يعالج به الإنسان الشيء، حتى تغلظ جلودها. يقال منه: مجلت يده -بفتح الجيم، وكسرها- لغتان، وذكر الحربي، عن ابن الأعرابي: الرجل: النفط باليد ممتلئ ماء، وقال أبو زيد: إذا كان بين الجلد واللحم ماء قيل: مجلت يده تمجل، ونفطت تنفط نَفْطًا ونِفْطًا. وما قيدناه به هو ما قال ابن دحية: كذا قيدناه، واختار أهل اللغة والنحو فتح الجيم مصدر مجلت يده تمجل مجلًا بفتح الجيم في المصدر، (وحكاهما صاحب أيضًا) (٤).