← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 17956–17995 · переход к 17961.

стр. 17956

صلاة الفذ (خمسًا وعشرين) (١) درجة" (٢). وسيأتي (فصل) (٣) فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمس وعشرون درجة. وعن عباد بن كثير رفعه: "بشِّر الفرارين بدينهم إيمانًا واحتسابًا من قرية إلى قرية أنهم معي ومع إبراهيم يوم القيامة كهاتين" (٤). وجمع بين الوسطي والتي تليها. وكان مكحول. يقول: إن كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة في العزلة.

стр. 17957

٣٥ - باب رَفْعِ الأَمَانَةِ ٦٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». [انظر: ٥٩ - فتح: ١١/ ٣٣٣]. ٦٤٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ». وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ على رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلاً أَمِينًا. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا أَظْرَفَهُ، وَمَا أَجْلَدَهُ. وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ". وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ، وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ الإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلاَّ فُلَانًا وَفُلَانًا. قَالَ الْفِرَبْرِيُّ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ الأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُمَا: جَذْرُ قُلُوبِ الرِّجَالِ، الْجَذْرُ: الأَصْلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْوَكْتُ: أَثَرُ الشَّيْءِ الْيَسِيرُ مِنْهُ، وَالْمَجْلُ: أَثَرُ الْعَمَلِ فِي الْكَفِّ إِذَا غَلُظَ. [انظر: ٧٠٨٦، ٧٢٧٦ - مسلم: ١٤٣ - فتح: ١١/ ٣٣٣]. ٦٤٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِائَةُ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً». [مسلم: ٢٥٤٧، فتح: ١١/ ٣٣٣]. ذكر فيه أحاديث:

стр. 17958

أحدها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". ثانيها: حديث حذيفة ﵁: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: "أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ". وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ .. " الحديث. ثالثها: حديث ابن عُمَرَ ﵄ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةُ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً". الشرح: الجذر بفتح الجيم، وكسرها، وذال معجمة ساكنة أي: أصلها، والجذر: من جذر الحساب، وهو أصل كل شيء. وحكى الأصمعي: الفتح، وكذا هو في روايتنا، وأبو عمرو الشيباني: (الكسر) (١) كما حكاه في "الصحاح" (٢)، وعبارة أبي عبيد أنه الأصل من كل شيء. وقال ابن الأعرابي: الجذر: أصل حساب ونسب، وأصل شجرة، والجذر في شعر زهير بن أبي سلمى: قرن البقرة. وقال الداودي: يعني أنها في الأصل، وأول ما نزل في القلب، فمن ذلك النية.

стр. 17959

قال: وقوله: ("ثم علموا من السنة") أي: (جذرهم) (١) على ذلك ما جعل في قلوبهم. وقوله: ("ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة") يعني: تقبض من قوم ثم قوم (ثم قوم) (٢) شيئًا بعد شيء، ووقتًا بعد وقت، على قدر فساد الدين. والأمانة الظاهر أن المراد بها: التكاليف اللاتي كلف الله بها عباده، والعهد الذي أخذه عليهم. وعبارة ابن التين في الفتن: الأمانة، إنها كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من (المرء) (٣). قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. قال ابن عباس: هي الفرائض التي على العباد (٤). وقيل: هي ما أمروا به ونهوا عنه، وقيل: هي الطاعة. (ونقله الواحدي عن أكثر المفسرين (٥)، وقال صاحب "التحرير": الأمانة هنا هي المذكوره في الآية، وهي غير الإيمان، فإذا استمكنت في قلب العبد قام بأداء التكاليف) (٦). وقوله: ("فيظل أثرها") أي: فيصير. وقال الداودي: يعني: يبقى ويقيم، وفي "الصحاح": (ظلت) (٧) أعمل كذا -بالكسر- إذا عملته بالنهار دون الليل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (٨) [الواقعة: ٦٥].

стр. 17960

وقوله: ("مثل الوكت") هو بفتح الواو، وبعد الكاف الساكنة تاء (مثناة) (١) فوق. قال أبو [المعاني] (٢) في "المنتهى": هو الأثر اليسير. وقيل: سواد يسير، وقيل: هو لون يحدث مخالف للون الذي كان قبله، يقال: البسر إذا وقعت فيه نكتة من الإرطاب وقد وكت. قال الهروي: والجمع: وكت، وقال صاحب "العين": الوكت شبه نكتة في العين وتدمع لونه، وعين موكوتة (٣) والوكت: سواد اللون، وعبارة أبي عبيد: أنه أثر الشيء اليسير منه. وعبارة ابن التين: الوكتة كالنقطة في الشيء، يقال: في عينه وكتة. أي: أثر، ووكيت البسرة توكيتًا من نقط الإرطاب، وقال الداودي: يعني الخطة الرفيعة. و ("المجل"): بميم مفتوحة، ثم جيم ساكنة: أثر العمل في اليد، يعالج به الإنسان الشيء، حتى تغلظ جلودها. يقال منه: مجلت يده -بفتح الجيم، وكسرها- لغتان، وذكر الحربي، عن ابن الأعرابي: الرجل: النفط باليد ممتلئ ماء، وقال أبو زيد: إذا كان بين الجلد واللحم ماء قيل: مجلت يده تمجل، ونفطت تنفط نَفْطًا ونِفْطًا. وما قيدناه به هو ما قال ابن دحية: كذا قيدناه، واختار أهل اللغة والنحو فتح الجيم مصدر مجلت يده تمجل مجلًا بفتح الجيم في المصدر، (وحكاهما صاحب أيضًا) (٤).

стр. 17961

قلت: ومجلت تمجل مجلًا ومجولاً، والجمع: مجل، مجال، (وأمجلها غيرها) (١)، وهو أن يكون بين الجلد واللحم، كما سلف، وكذلك: المجلة، يقال: مجلت يده مجلًا إذا انتفطت من العمل بفأس وما أشبهه. فخرج فيها نفخ يشبه البثر. قال ابن سيده: وكذلك الحافر إذا نكبته الحجارة ثم (قوي) (٢) فصلب (٣)، وفي الحديث: أن فاطمة شكت إلى علي ﵄ مجل يديها من الطحن (٤). قال الأصمعي: هو نفخ يشبه البثر من عمل. والجمر جمع: جمرة بسكون الميم. وقوله: ("فنفط"): هو بكسر الفاء كعلم قال ابن فارس: النفط: قرح يخرج في اليد من العمل (٥)، ولم يقل: نفطت، (مع أن الرجل مؤنثة، إما يكون نفي إتباعًا للفظ الرجل، وإما أن يكون إتباعًا لمعناه وهو العضو) (٦). وقوله: ("فتراه منتبرا") يعني: مرتفعًا منتفطًا، وأصل هذِه اللفظة من الارتفاع، ومنه انتبر الأمير: إذا صعد على المنبر، ومنه سمي المنبر منبرًا؛ لارتفاعه، والجرح إذا ورم، والنبر نوع من الذباب يلسع الإبل، فيرم مكان لسعته، ومنه سمي الهمز نبرًا لكون الصوت على حال من الارتفاع لا يوجد في غير هذا الحرف وكل شيء ارتفع فقد نبر. قال

стр. 17962

الطوسي: انتبر الجرح إذا ورم، ويقال: سمعت نبرات من كلامه أي: ارتفاعات من صوته. وقال أبو عبيد: منتبرا: منتفطًا. ومنه حديث عمر: إياكم والتخلل بالقصب، فإن الفم ينتبر منه. ولما قيل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله ما تهمز؟، قال: "إنا معشر قريش لا ننبر". والنبر: الهمز، ولم تكن قريش تهمز في كلامها. وصلى الكسائي مع المهدي؛ فهمز بالمدينة، فأنكر أهل المدينة همزه عليه، وقالوا: تنبر في مسجد رسول الله ﷺ ؟! والمعنى: أن الأمانة لم يبق منها في قلوب الرجال إلا مثل هذه الآثار التي ضرب بها المثل، وقد ذهبت، وزال عن القلوب شيئًا فشيئًا، وزال (منها) (١) نورها، وخلفه ظلمة كالكوكب، إذا زال منه شيء (آخر) (٢) صار كالمجل، وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذِه الظلمة فوق التي قبلها. فصل: ترجم البخاري على هذا الحديث في كتاب الفتن كما ستعلمه باب: إذا بقي في حثالة من الناس (٣). وكأن مراده أن فاعل هذا هو. والحثالة مذكورة من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ (٤). رواه ابن وهب، عن يعقوب بن (عبد الله بن) (٥) عبد الرحمن، عن عمرو مولى المطلب، عنه، وليس هو على شرطه،

стр. 17963

وهي: سفلة الناس، وأصلها عند العرب: ما سقط من قشور التمر والشعير وهي الحفالة بالفاء، وضم الحاء كالأول، (والحسافة) (١) أيضًا بالسين المهملة والفاء كما سلف. فصل: وقوله: (وما أبالي أيكم بايعت). المراد بالمبايعة: البيع والشراء المعروفان، ومعناه: إني كنت أعلم أن الأمانة لم ترفع، وأن بالناس وفاءً بالعهود، فكنت أقدم على مبايعة من اتفق (غير باحث عن حاله) (٢) وثوقًا بالناس وبأماناتهم، فإنه إن كان مسلمًا فدينه وأمانته تحمله على أداء الأمانة، وتمنعه من الخيانة، وإن كان كافرًا فساعيه وهو الوالي عليه يقوم بالأمانة ويستخرج ما خفي منه. وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة فما بقي لي وثوق بمن أبايعه، فما أبايع إلا فلانًا وفلانًا -يعني: أفرادًا من الناس أعرفهم وأثق بهم- وقال ابن التين (وغيره) (٣): تأوله بعض الناس على بيعة الخلافة، وأكثرهم على خلاف ذلك، وإنما أراد البيع والشراء كما أسلفناه فمعناه قلة الأمانة في الناس، واحتجوا بقوله: (لئن كان نصرانيًّا رده عليَّ ساعيه). وكيف يبايع النصراني، وكذا قال أبو عبيد: حمله كثير من الناس على بيعة الخلافة وهو خطأ في التأويل، وكيف يكون على بيعة الخلافة، وهو يقول: ليِّن كان يهوديًّا أو نصرانيًّا رده على ساعيه. فهو يبايع على الخلافة اليهودي والنصراني؟! ومع هذا أنه لم يكن يجوز أن يبايع كل واحد فيجعله خليفة، وهو لا يرضى بأحد بعد عمر، فكيف يتأول هذا عليه مع مذهبه فيه؟!

стр. 17964

والمراد بالساعي: الوالي الذي يلي عليه ينصفني منه إن لم يكن له إسلام، وكل من ولي على قوم، فهو ساع عليهم، وأكثر ما يقال هذا في ولاة الصدقة. قال الشاعر: سعى عقال فلم يترك لنا سيدا (١) وقوله: ("ما أظرفه"). الظرف: البراءة وذكاء القلب، تقول منه: ظرف الرجل. وقوله: ("ما أجلده")، الجلد: الصلابة، تقول منه: جلد الرجل بالضم فهو جلد، وجليد. فصل: حديث أبي هريرة ﵁ وحذيفة من أعلام النبوة؛ لأنه ﵇ ذكر فيهما فساد أديان الناس، وتغير أماناتهم، وقد ظهر كثير من ذلك. وقوله: ("إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة")، هو كلام مجمل أخبر الأعرابي السائل رسول الله شرحه له، فقال له: كيف إضاعتها؟ فأجابه بجواب عام، دخل فيه تضييع الأمانة وما كان في معناها مما لا يجري على طريق الحق كاتخاذ العلماء الجهال عند موت أهل العلم، واتخاذ ولاة الجور، وحكام الجور عند غلبة الباطل وأهله. فصل: وقد ذكر ابن أبي شيبة (٢) من حديث المقبري، عن أبي هريرة

стр. 17965

مرفوعًا: "سيأتي على الناس زمان (١) سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق الرويبضة". قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة". قال ابن بطال: وقد رأيت أكثر هذِه العلامات وما بقي منها فغير بعيد (٢)، (ورواه أحمد في مسنده بلفظ: "إنها ستأتي على الناس زمان سنون خداعة". فذكره بمثله، وفي آخره، قيل: وما الرويبضة؟ (قال) (٣): "السفيه يتكلم بأمر العامة") (٤) (٥). فصل: روى ابن عيينة عن عبد العزيز بن رفيع قال: سمعت شداد بن معقل قال: سمعت ابن مسعود يقول: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة (٦). وروى يونس، عن الزهري، عن الصُّنابحي، عن حذيفة قال: لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، ويكون أول نقضه الخشوع (٧).

стр. 17966

ورويناه مرفوعًا من حديث عوف بن مالك الأشجعي (١). وللدارقطني من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أول شيء ينزع من أمتي علم الفرائض" (٢). ولا تعارض لأنها من الأعمال الظاهرة، وما سلف من الأعمال الباطنة. فصل: وقوله: ("إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة"). يريد ﵇ أن الناس كثير والمرضي منهم قليل، كما أن المائة من الإبل لا تكاد تصاب فيها الراحلة الواحدة. وهذا الحديث إنما يراد به القرون المذمومة في آخر الزمان، ولذلك ذكره البخاري هنا، ولم يرد به ﵇ زمن أصحابه وتابعيهم؛ لأنه قد شهد لهم بالفضل، فقال: "خير الفرون قرني" (٣). الحديث. فهؤلاء أراد ﵇ بقوله: "الناس كإبل بمائة"؟! وقال ابن التين: قيل يحتمل أن يريد كل الناس، فلا يكون مؤمن إلا في مائة أو أكثر، أو يريد الصلاح في المسلمين، فيكون الكلام عليهم، والراحلة: الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك الرحول، ويقال الراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى.

стр. 17967

وقيل: معنى الحديث: أن الناس في أحكام الدين سواء، لا فضل فيها لشريف على مشروف، كالإبل المائة لا يكون فيها راحلة وهي الذلول التي ترحل وتركب، جاءت فاعلة بمعنى مفعولة أي: مرحولة، يريد أنها كلها حمولة تصلح للحمل، ولا تصلح للركوب، والعرب تقول للمائة من الإبل: إبل و (لا) (١) يقال: لفلان إبل، أي: مائة من الإبل، وإبلال إذا كان له مائتان. ووجه آخر: أن أكثر الناس أهل جهل ونقص فلا يستكثر من صحبتهم، ولا يؤاخي منهم إلا أهل الفضل، وعددهم قليل بمنزلة الراحلة في الإبل المجهولة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].

стр. 17968

٣٦ - باب الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ٦٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ. وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ -وَلَمْ أَسْمَعْ- أَحَدًا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَهُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ». [٧١٥٢ - مسلم: ٢٩٨٧ - فتح: ١١/ ٣٣٥]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث جندب ﵁: "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ". معناه: من سمع بعمله الناس، وقصد به اتخاذ الجاه والمنزلة عندهم، ولم يرد به وجه الله؛ فإن الله يسمع به خلقه، أي: يجعله حديثًا عند الناس الذي أراد نيل المنزلة عندهم بعمله، ولا ثواب له في الآخرة عليه، وكذلك من راءى بعمله الناس راءى الله به، أي: أطلعهم على أنه فعل ذلك لهم، ولم يفعله لوجهه ؛ فاستحق على ذلك سخط الله وأليم عقابه، فهذا على المجازاة، كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقوله: ﴿مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥] وكذا: من عمل عملًا على غير إخلاص، يريد الرياء جوزي عليه بالشهرة والفضيحة، فيشتهر ما يبطن (قبل) (١)، وذلك أن يظهره عليه في القيامة، ويظهر عمله إن كان رياءً وسمعةً. وقد جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه يقال للعبد يوم القيامة: فعلت كذا وكذا ليقال، فقد قيل؛ اذهبوا به إلى النار (٢).

стр. 17969

فإن قلت: كيف يسلم من الرياء والسمعة في العمل في الظاهر؟ وقد روي عن عمر وعثمان وابن مسعود ﵁، وجماعة من السلف أنهم كانوا يتهجدون من الليل في مساجدهم بحيث يعلم ذلك من فعلهم معارفهم، وكانوا (يدركون) (١) إظهار المحاسن من أعمالهم مع ما تواترت به الآثار أن أفضل العمل ما استتر به صاحبه. قلت: الناس فيه نوعان: فأما من كان إمامًا يقتدى به، ويستن بعمله، عالمًا بما لله عليه في فرائضه ونوافله، قاهرًا لكيد عدوه فسواء عليه ما ظهر من عمله وما خفي منه؛ لإخلاصه نيته لله تعالى، وانقطاعه إليه بعمله، بل إظهاره ما يدعو عباد الله إلى الرغبة في مثل حاله من أعماله السالمة أحسن -إن شاء الله- وإن كان ممن لا يقتدى به، ولا يأمن من عدوه قهره، ومن هواه غلبه حتى يفسد عليه عمله؛ فإخفاؤه النوافل أسلم له، وعلى هذا كان السلف الصالح. وروى حماد عن ثابت، عن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ ، سمع رجلاً يقرأ، ويرفع صوته بالقرآن فقال: "أواب" وسمع آخر يقرأ فقال: "مرائي"، فنظروا فإذا الأواب المقداد بن عمرو (٢). وروى الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، أن عبد الله بن حذافة صلى، فجهر بالقراءة، فقال له رسول الله ﷺ : "يا ابن حذافة، لا تسمعني، وأسمع الله" (٣). وقال وهب بن الورد: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم فقال:

стр. 17970

يرحمك الله، ما الذي أخفي من عملي؟ [قال: تخفي] (١) حتى يظن بك أنك لم تعمل حسنة قط إلا الفرائض قال: يرحمك الله فما الذي أعلن؟ قال: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر (٢). وقال الحسن: لقد أدركت أقوامًا ما كان أحدهم يقدر على أن يسر عمله فيعلنه، وقد علموا أن أحرز العملين من الشيطان عمل السر، قال: وإن كان أحدهم ليكون عنده الزور، وإنه ليصلي وما يشعر به زوره. وكان عمل الربيع بن خثيم سرًّا، كان يقرأ في المصحف، ويدخل عليه الداخل فيغطيه، وقال بشر بن الحارث: لما ودع الخضر داود قال له: ستر الله عليك طاعته (٣). وروي عن ابن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر ﵁ كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وكان عمر ﵁ يرفع صوته؛ فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي، وقد علم حاجتي، قيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ فقال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، قال: أحسنت، فلما نزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] الآية. قيل لأبي بكر: ارفع شيئًا، وقيل لعمر: اخفض شيئًا (٤). فهؤلاء الأئمة المقتدى بهم، وأصل هذا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦] قال مجاهد: هؤلاء أهل الرياء (٥).

стр. 17971

فصل: روينا في كتاب "الرقاق" لابن المبارك بإسناد جيد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به، ومن تطاول تعظيمًا خفضه الله، ومن تواضع تخشعًا رفعه الله (١). وفي "جامع الترمذي" صحيحًا عن أبي سعيد مرفوعًا: "من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به" (٢). فصل: روى الترمذي غريبًا من حديث أبي هريرة ﵁: قال رجل: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيسره، فإذا اطلع عليه أعجبه. فقال ﵇: "له أجران: أجر السر وأجر العلانية". قال الترمذي: فسره بعض أهل العلم، فقال: معناه: أن يعجبه ثناء الناس عليه لهذا، فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير، فيكرم على ذلك، ويعظم عليه، فهذا رياء، وقال بعضهم: إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل بعمله، فيكون له مثل أجرهم، فهذا له مذهب أيضًا (٣). فصل: وروينا في "الرقاق" لابن المبارك عن كهمس بن الحسن، عن أبي السليل قال: قال رجل لسعيد بن المسيب: الرجل يعطي الشيء، ويصنع المعروف، ويحب أن يؤجر ويحمد، قال: أفتحب أن تمقت (٤)؟ وأنا

стр. 17972

كهمس عن ابن بجينة المكي أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطي الشيء من مالي، وأحب أن أؤجر عليه وأحمد؛ فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا﴾ الآية [الكهف: ١١]. وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: لو أن عبدًا دخل بيتًا في جوف بيت فأمن هناك عملًا يوشك الناس أن يتحدثوا به، وما من عامل يعمل إلا كساه رداء عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر (رواه) (١) عن عوف، عن معبد الجهني، عنه. قال: وحدثنا محمد بن مسلم، عن عتبة (الراسبي) (٢) الرام، عن أبي الجوزاء قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأهل الجنة وأهل النار؟ أهل الجنة من ملئت مسامعه من الثناء الحسن وهو يسمع، وأهل النار من ملئت مسامعه من الثناء السيئ وهو يسمع" (٣).

стр. 17973

٣٧ - باب مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ تعالى ٦٥٠٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلاَّ آخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟». قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا». ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟». قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ». [انظر: ٢٨٥٦ - مسلم: ٣٠ - فتح: ١١/ ٣٣٧]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بينا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذُ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَة، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ .. ". الحديث، وقد سلف في الاستئذان (١)، ويأتي في الاعتصام (٢) في باب: وكان عرشه على الماء (٣).

стр. 17974

(وآخرة الرحل): ما يستند إليها الراكب، قال يعقوب: ولا تقل مؤخرة (١). وقال غيره: هي لغة قليلة، وقال الداودي: إنها العود الذي يكون بين وركي الراكب. قال: والرحل: سرج الجمل، وقال الجوهري: الرحل: رحل البعير، وهو أصغر من القتب (٢). وقوله: ("ما حق العباد على الله؟ ") يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون خرج مخرج المقابلة في اللفظ، كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]؛ لأنه قال في أوله: "ما حق الله على عباده؟ " فأتبع الثاني الأول. والثاني: أن يكون أراد حقًّا شرعيًّا لا واجبًا بالعقل كقول المعتزلة، وكأنه لما وعد تعالى صار حقًّا من هذِه الجهة؛ لأنه لا يخلف الميعاد. وقال الداودي فيه: أنه جعل على نفسه حقًّا بفضله وعدله، خلافًا لقول بعض الناس: إنه لو شاء عذب الخلق جميعًا، وفيهم من لا ذنب له. قلت: وهذا هو مذهب أهل الحق. فصل: (وجه مناسبة هذا الحديث للترجمة مجاهدة النفس بالتوحيد؛ فإنه لا يأمر مخير) (٣)، وجهاد المرء نفسه: هو الجهاد الأكبر، وحرب العدو الأصغر، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه وقد انصرفوا من الجهاد "أتيتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال:

стр. 17975

"مجاهدة النفس" (١)، وقال سفيان الثوري: ليس عدوك الذي إن قتلته كان لك به أجر، إنما عدوك نفسك التي بين جنبيك، فقاتل هواك أشد مما تقاتل عدوك، وقال أويس القرني لهرم بن حبان: ادع الله أن يصلح قلبك ونيتك، فإنك لن تعالج شيئًا أشد عليك منهما، بينما قلبك مقبل، إذ هو مدبر، فاغتنم إقباله قبل إدباره، والسلام عليك. وقال علي ﵁: أول ما تفقدون من دينكم جهاد أنفسكم. وقد يكون جهاد النفس منعها الشهوات المباحة؛ توفيرًا لها في الآخرة لئلا يدخل في معنى قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٠]. وعلى هذا جرى سلف الأمة، وقال سالم الخواص: أوحى الله إلى داود: لا تقرب الشهوات فإني خلقتها لضعفاء خلقي؛ فإن أنت قربتها أهون ما أصنع بك أسلبك حلاوة مناجاتي، يا داود قل لبني إسرائيل: لا تقربوا الشهوات؛ فالقلب المحجوب بالشهوات حجبت صوته عني (٢).

стр. 17976

٣٨ - باب التَّوَاضُعِ ٦٥٠١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ تُسَمَّى العَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: سُبِقَتِ العَضْبَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ وَضَعَهُ». ٦٥٠٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ، بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ». [فتح: ١١/ ٣٤٠]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث أَنَسٍ ﵁ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ. وفي لفظ: كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ تُسَمَّى العَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ وَقَالُوا: سُبِقَتِ العَضْبَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ". وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَئ أَحَبَّ

стр. 17977

إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ التِي يَبْطُشُ، بِهَا وَرِجْلَهُ التِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ". الشرح: اللفظ الثاني: حديث أنس أخرجه البخاري، عن محمد وهو ابن سلام البيكندي، أنا الفزاري، وهو مروان بن معاوية، وأبو خالد الأحمر، وهو سليمان بن حيان الكوفي أزدي، نزل في بني جعفر بن كلاب. فصل: ومعنى: ("آذنته بالحرب"): أعلمته، رباعي، وهو ممدود؛ لأنه رباعي، والتقرب المراد به: قرب المنزلة، وقبول العمل. وقوله: ("كنت سمعه .. ") إلى آخره، هو من المجاز، يعني: أنه يحفظه كما يحفظ العبد جوارحه لئلا يقع في مهلكة، قاله الداودي، وقال الخطابي: هذِه أمثال، والمعنى: ترقيه في الأعمال التي يباشرها بهذِه الأعضاء، ويسمع الخير له فيها، فيحفظ جوارحه عليه، ويعصمه من مواقعة ما يكره الله من إصغاء إلى لهو، ونظر إلى ما نهي عنه، وبطش إلى ما لا يحل، وسعي إلى باطل. قال: وقد يكون معناه: سرعة إجابة الدعاء، والإلحاح في الطلب، وذلك أن مساعي الإنسان إنما تكون لهذِه الجوارح (١).

стр. 17978

(فصل) (١): وفي حديث أنس: بيان الدنيا عند الله من الهوان والضعة. ألا ترى قوله: "إن حقًّا على الله .. " إلى آخره، فنبه بذلك أمته على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، وأن ما كان عند الله في منزل الضعة فحق على كل ذي عقل الزهد فيه، وقلة المنافسة في طلبه، وترك الترفع. والغبطة بنيله؛ لأن المتاع به قليل، والحساب عليه طويل. (فصل) (٢): وفي حديث أبي هريرة ﵁ من معنى الباب: أن التقرب إلى الله بالنوافل حتى يستحق المحبة منه تعالى لا يكون ذلك إلا بغاية التواضع والتذلل له، وهذا وجه مناسبته الباب، وإن كان قال الداودي: إنه ليس من الباب، وقال في حديث أنس أيضًا: إن إدخاله هنا ليس من شكله، وقد يحتمل أن يريد أن قوله: "إلا وضعه". فيه: تواضعه ﵇، وإعلامه أن أمور الدنيا ناقصة، ففي مضمونه الأمر بالتواضع، وأن يكون المرء يجتنب التعاظم والكبر، ويستعمل الخضوع. فصل: فيه: أن النوافل، إنما يزكو ثوابها عند الله لمن حافظ على فرائضه وأداها. قال ابن بطال: ورأيت لبعضهم أن وجه البصر، وكذا الأذن في رواية، واليد، والرجل أنه لا يحرك جارحة من جوارحه إلا لله وفي الله، فجوارحه كلها تعمل بالحق، فمن كان كذلك لم ترد له دعوة (٣).

стр. 17979

فصل: وفيه: جواز المسابقة بالإبل، وهو الإجماع، ولا بأس بالرهن فيه، ولم يقل مالك بالمحلل، والحديث جاء به. قال الداودي: وليس سبق العضباء ينقص من فضله ﵇، ولا يزيد في صاحب القعود. والعضباء: التي قطع طرف أذنها أو شق، ولم تكن عضباء بل كان علمًا لها، وعبارة ابن فارس: شاة عضباء مكسورة القرن (١). والقعود: الناقة الكبيرة التي طعنت في السن بفتح القاف. قال في "الصحاح": وهو من الإبل البكر حين تركب، أي يمكن ظهره من الركوب، وأدنى ذلك أن تأتي عليه سنتان، إلى أن يثني، فإذا أثنى سمي جملًا، ولا تكون البكرة قعودًا بل قلوصًا (٢). قال أبو عبيد: القعود من البعير الذي يقتعد الراعي في كل حاجة. قال: وهو بالفارسية وجب، ويقال له: قعدة بضم القاف. وقال ابن فارس: القعود: الدابة المقتعدة للركوب خاصة، والقعود من الإبل كذلك (٣). (فصل) (٤): وقد جاء في فضل التواضع آثار كثيرة، فروى الطبري من حديث شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "ما تواضع رجل إلا رفعه الله بها درجة" (٥).

стр. 17980

وعن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ رفعه: "ما من بني آدم أحد إلا وفي رأسه سلسلتان: إحداهما في السماء السابعة، والأخرى في الأرض السابعة، فإذا تواضع رفعه الله بالسلسلة التي في السماء، وإذا أراد أن يرفع رأسه وضعه الله" (١). وفي كتاب الجوزي قالت عائشة ﵂: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة التواضع. وفيه من حديث إسماعيل بن عياش، عن مطعم بن المقدام الصنعاني، وعنبسة بن سعيد، عن نصيح العنسي، عن ركب الحميري (٢) قال رسول الله ﷺ : "طوبى لمن تواضع من غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسكنةٍ" (٣). الحديث، ومن حديث الحجاج بن يوسف الأصبهاني، عن بشر بن الحسين، ثنا الزبير بن عدي، عن أنس رفعه: "إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله تعالى" (٤).

стр. 17981

ومن حديث نعيم بن مورق، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: "من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله" (١)، ومن حديث محمد بن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبيه، (عن جده) (٢)، عن طلحة بن عبيد الله بمثله مرفوعًا (٣). وعن الحسن: قال رسول ﷺ : "أوحى الله إلى أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد" (٤). وروينا في "رقائق ابن المبارك"، عن معاذ بن جبل أنه قال: لن يبلغ ذروة الإيمان، حتى تكون الضعة أحب إليه من الشرف، وما قل من الدنيا أحب إليه مما كثر (٥). فصل: قال الطبري: التواضع من المحن التي امتحن الله بها عباده المؤمنين؛ لينظر كيف طاعتهم فيها إياه، ولما علم تعالى من مصلحة خلقه في ذلك في عاجل دنياهم وآجل أخراهم، فمصلحة الدنيا به لو استعمله الناس لارتفع -والله أعلم- الشحناء بينهم والعدواة،

стр. 17982

واستراحوا من تعب المباهاة، والمفاخرة والتذوا بما قسم لهم، وكان لهم فيه صلاح ذات البين، وارتفاع الحسد والشح. روى النعمان بن بشير، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "للشيطان (مصائد) (١) وفخوخ، منها البطر بما أنعم الله، والفخر بعطاء الله، والتكبر على عباد الله" (٢). فصل: وتواضعه ﵇ معلوم لا يخفى، ومنه أنه لما دخل مكة جعل الناس يقولون: هو هذا، هو هذا، فجعل يحني ظهره على الرحل، ويقول: "الله أعلى وأجل" (٣). وهذِه سيرة السلف المهديين؛ روى سفيان، عن أيوب الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع خفيه، فأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره؛ فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنعًا عظيمًا عند أهل الأرض فصك في صدره، وقال له: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبون العز في غيره يذلكم الله (٤).

стр. 17983

وروى ابن وهب بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أنه أقبل في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسعوا الطريق للأمير فقيل له: يكفي أصلحك الله، فقال: أوسع الطريق للأمير، فقيل له: يكفي أصلحك الله، فقال: أوسع الطريق والحزمة عليه (١). وعن عبد الله بن سلام أنه خرج من حائط له بحزمة حطب يحملها، فقيل له: قد كان في ولدك وعبيدك من يكفيك هذا قال: أردت أن أجرب قلبي هل ينكر هذا (٢). وعن سالم بن عبد الله أنه كان يخرج إلى السوق، فيشتري حوائج نفسه، وكان الربيع بن خثيم يكنس الحش بنفسه، فقيل له: إنك تكفى هذا. فقال: أحب أن آخذ بنصيبي من المهنة (٣). واستقصاء ذلك مما يطول. فصل: وقوله: ("وما ترددت عن شيء .. ") إلى آخره. أي: ما عطفت وشفقت، والكراهية من الله، والمحبة، والرضا، والسخط، والغضب ما يكون منه من ذلك قد سبق في علمه، فليس هو محتمل الحوادث. وقال الخطابي: هو مثل، والتردد في صفات الله غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير ثابت، وتأويله على وجهين: أحدهما: أن العبد قد يشرف مرات على المهالك فيدعو الله فيشفيه، يكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرًا، ثم يبدو له ولا مرد له منه إذا بلغ الكتاب أجله؛ فإنه كتب الفناء على خلقه، وهذا على معنى ما ورد: أن الدعاء يرد البلاء.

стр. 17984

والثاني: ما ترددت رسلي في شيء أنا فاعله ترددي إياهم في ذلك، وكما روي في قصة موسى وملك الموت، وما كان من لطمه وتردده إليه، وحقيقة المعنى في الوجهين بقاء عطف الله على العبيد، وشفقته عليهم (١).

стр. 17985

٣٩ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧] ٦٥٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ هَكَذَا». وَيُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّ بِهِمَا. [انظر: ٤٩٣٦ - مسلم: ٢٩٥٠ - فتح: ١١/ ٣٤٧]. ٦٥٠٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ الْجُعْفِيُّ- حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ». [مسلم: ٢٩٥١ - فتح: ١١/ ٣٤٧]. ٦٥٠٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ». يَعْنِي: إِصْبَعَيْنِ. تَابَعَهُ إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ. [فتح: ١١/ ٣٤٧]. ثم ساق حديث سَهْلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ هَكَذَا". وُيشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ فيمدهما. وحديث أَنَسٍ ﵁، عَنِ رسول الله ﷺ قَالَ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ". يعني: إصبعين. وحديث أبي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن رسول الله ﷺ قَالَ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ". يَعْنِي: إِصْبَعَيْنِ. تَابَعَهُ إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ. الشرح: قوله: ("كهاتين" يعني: إصبعين)، أي: السبابة والوسطى، والمعنى: أنه ليس بينه وبينها نبي. وقيل: إن بينهما يسيرًا كما بينهما في الطول.

стр. 17986

ومن هنا إلى كتاب القدر حذفه ابن بطال، وذكر عقبه باب فضائل القرآن، وقد أسلفناه نحن، وعند الطبري: زيادة في الحديث، وإنما سبقها بما سبقت هذِه هذِه، يعني الوسطى السبابة، قال: وأورده من طرق كثيرة صححها، وأورد معه قوله ﵇ -يعني: ما رواه من حديث راشد، عن سعد بن أبي وقاص- "لن يعجز الله أن يؤخر هذِه الأمة نصف يوم" (١) يعني: خمسمائة عام، وأخرجه أبو داود أيضًا (٢). قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، قال: وفي حديث زمل (٣) الخزاعي حين قص على رسول الله ﷺ رؤياه، وفيها: رأيتك يا رسول الله على منبر سبع درجات، وإلى جنبك ناقة عجفاء، كأنك تنعتها. ففسر له ﵇ الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها، وقال في المنبر ودرجاته: "الدنيا السبعة آلاف سنة بعثت في آخرها". والحديث وإن كان ضعيف الإسناد، فقد نقل عن ابن عباس من طرق صحاح أنه قال: الدنيا سبعة أيام، كل يوم ألف سنة، وبعث رسول الله ﷺ في آخر يوم منها.

стр. 17987

وصحح الطبري هذا الأصل، وعضده بآثار ثم قال: وهذا في معنى ما قبله يشهد له، وبينه أن الوسطي تزيد على السبابة بنصف سبع، كما أن نصف يوم من سبعة نصف سبع، قال: وليس قوله: "لن يعجز الله أن يؤخر هذِه الأمة نصف يوم"، ما ينفي الزيادة على النصف، ففي قوله: "بعثت أنا والساعة كهاتين". ما يقطع به على صحة تأويلها (١). وقد قيل في تأويله غير هذا، وهو أنه ليس بينه وبين الساعة نبي غيره ولا شرع غير شرعه مع التقريب بحينها، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ و ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل: ١]، ولما نزلت هذِه وثب رسول الله ﷺ ، فلما نزلت ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] جلس. قال بعضهم: إنما وثب خوفًا أن تكون قد قامت. فإن قلت: قد ثبت أنه قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" (٢)، وهو دال على أنه لم يكن عنده علم منها، وحديث الباب دال على أنه كان عالمًا بها؟ قيل له: قد نطق القرآن بقوله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] فلم يكن يعلمها هو ولا غيره، وحديث الباب معناه أنه النبي الآخر فلا يليني نبي آخر، إنما تليني القيامة، كما تلي السبابة الوسطي، وليس بينهما إصبع. وهذا لا يوجب أن يكون له علم بها، قال السهيلي: ولكن إذا قلنا إنه بعث في الألف الآخر بعد ما مضت منه سنون، ونظرنا بعده إلى الحروف المقطعة في أوائل السور وجدناها أربعة عشر حرفًا تجمعها: (ألم يسطع نص حق كره)، ثم نأخذ الحساب

стр. 17988

على أبي جاد ولم يسم الله سبحانه في أوائل السور إلا هذِه الحروف، فليس يبعد أن يكون من بعض مقتضياتها، وبعض فوائدها الإشارة إلى هذا العدد من السنين لما قدمناه من حديث الألف السابع الذي بعث فيه، غير أن هذا الحساب يحتمل أن يكون من مبعثه، أو من وفاته، وكل قريب بعضه من بعض، فقد جاء أشراطها، ولكن لا تأتيكم إلا بغتة، وقد روي أن المتوكل العباسي سأل جعفر بن عبد الواحد العباسي عما بقي من الدنيا، فحدثه بحديث رفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم" (١) ففي هذا الحديث تتميم الحديث المتقدم، وبيان له (٢). هذا كلامه. وقد رددنا عليه فيما مضى، وأن قوله: (زملًا) صوابه ابن زمل، وأن العسكري وابن منده وابن حبان (٣)، سموه عبد الله، وأن الطبري سماه الضحاك، وتبعه أبو نعيم (٤)، قال ابن الأثير: وأراهما ذهبا غير مذهب، ولعلهما حفظا اسم الضحاك من زمل الذي من أتباع التابعين، فظناه ذاك (٥). وقال أبو موسى المديني: أما ابن زمل هذا فلا أعلمه سمي في شيء من الروايات، ثم إنه جعله خزاعيًّا، وإنما هو جهني، كما بينه الكلبي وغيره، وأن قوله: وإن كان حديث زمل ضعيف الإسناد لا يقال فيه.

стр. 17989

وقد قال ابن الأثير في كتابه "مثالب الطالبين": إن الفاظه (موضوعة) (١)، قال: وذكر بعض الحفاظ أنه موضوع، وقال أبو حاتم: لا أعتمد على إسناده، ولما ذكره ابن الجوزي وصف بعض رواته بالوضع، واحتجاجه بحديث جعفر أعجب منه لقول الدارقطني فيه: كان كثير الوضع.

стр. 17990

٤٠ - باب طلوع الشمس من مغربها ٦٥٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا». [انظر: ٨٥ - مسلم: ٢٩٥٤ - فتح: ١١/ ٣٥٢]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تقومن السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ الرجل أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا". الشرح: هذا الحديث سلف في آخر سورة الأنعام مختصرًا (١). والشمس تجري بقدرة الله ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، ثم تبلغ العرش فتسجد، ثم تستأذن؛ فيؤذن لها، فتعود إلى المطلع، فإذا كان تلك الليلة لم يأذن لها إلى ما شاء الله، ثم يؤذن لها، وقد مضى

стр. 17991

وقت فتسير سيرًا فيعلم أنها لا تبلغ إلى المطلع في باقي ليلتها فتعود إلى مغربها؛ فتطلع منه فمن كان قبل ذلك كافرًا لم ينفعه إيمانه، ومن كان مؤمنًا مذنبًا لم تنفعه توبته، وروي عنه ﵇: "باب التوبة مفتوح من قبل المغرب، وعرضه سبعون ذراعًا، فإذا طلعت الشمس منه لم يقبل من أحد توبة". ثم تلا هذِه الآية (١)، وقال ابن مسعود: تطلع الشمس من مغربها مع القمر في وقت واحد، فإنهما يغربان، ثم تلا: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة: ٩] (٢). فصل: قال ابن فارس: اللقيحة: الناقة تحلب (٣). وقال ابن السكيت: هي لقحة، ولقوح، وقال غيره: لِقحة، ولقحة، وقد لقحت لقاحًا ولقحًا وهي التي تنجب حديثًا، وقال الجوهري: اللقحة: اللقوح، وقال عن أبي عمرو: إذا نتجت في لقوح شهرين أو ثلاثة ثم هي لبون (٤). فصل: معنى (٥) "يليط حوضه": يصلحه، وفي رواية: (يلوط) بالواو (٦). فصل: قال الجوهري وابن فارس: لطت الحوض بالطين لوطًا، أي: لطته

стр. 17992

به وطينته (١). وقال الخطابي: يقال: لاط حوضه إذا مدره، وهو أن يعمل من فخاره تلبيد حصاصه، وبالمدر ونحوه لئلا يتسرب الماء (٢). فعلى هذا يكون يُليط: رباعيًا، وذكر القزاز أنها لغة، ومنه حديث ابن عمر ﵄ كان يُليط أولاد الجاهلية لمن ادعاهم في الإسلام، وأصله اللصوق، ومنه: قيل للشيء إذا لم يوافقك: هذا لا يلتاط بظهري. أي: يلصق بقلبي، ومنه حديث الباب يقال: لاط به، يلوط، ويليط، لوطًا وليطًا، ولياطًا إذا لصق به، أي: الولد ألصق بالقلب، ومنه قول البحتري: ما أزعم أن عليًّا أفضل من أبي بكر ولا عمر، ولكن أجد له من اللوط مالا أجد لأحد بعد رسول الله. فصل: الأكلة بالضم: اللقمة، وهي القرصة أيضًا، وبالفتح: المرة الواحدة حتى تشبع. فصل: هذا كله إخبار عن الساعة أنها تأتي فجأة، وأسرع ما فيه دفع اللقمة إلى الفم، وعند مسلم: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض" (٣) وفي لفظ: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة" (٤). وفي لفظ: "من تاب قبل

стр. 17993

أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" (١). وعند البخاري، عن أبي ذر ﵁ يرفعه، وذكر الشمس أنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها، قال: "وكأنها قد قيل لها اطلعي من حيث جئت؛ فتطلع من مغربها"، ثم قرأ في قراءة عبد الله: (وذلك مستقرها) (٢). وعند مسلم: "يقال لها: ارجعي اطلعي من مغربك، فتطلع من مغربها، أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" (٣). وروى الترمذي وقال: صحيح عن صفوان بن عسال قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن بالمغرب بابًا مفتوحًا للتوبة، (منذ) (٤) سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" (٥). فائدة: روي عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال: إنما لم تقبل التوبة وقت الطلوع؛ لأنه تكون صيحة يهلك فيها كثير من الناس، فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت، وهلك لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته. ذكره أبو الليث في "تفسيره" (٦).

стр. 17994

٤١ - باب «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ» ٦٥٠٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». قَالَتْ عَائِشَةُ -أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ- إِنَّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ. قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». اخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَمْرٌو، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [مسلم: ٢٦٨٣، ٢٦٨٤ - فتح: ١١/ ٢٥٧]. ٦٥٠٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». [مسلم: ٢٦٨٦ - فتح: ١١/ ٣٥٧]. ٦٥٠٩ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ». فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى». قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ. قَالَتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ قَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى». ذكر فيه: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، ثنا هَمَّامٌ، ثنا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ ابْنِ الصَّامِتِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ،

стр. 17995

وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ". فقَالَتْ عَائِشَةُ -أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ- إِنَّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَلكِ، ولكن المُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فكَرِهَ لِقَاءَ اللهِ فكره اللهُ لِقَاءَهُ". اخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَمْرٌو، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ رسول الله ﷺ . ثم ساق حديث أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ". وحديث سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، أَنَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ". فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى". فقُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَدِيثُ الذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ. قَالَتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى". الشرح: قوله: (اختصره أبو داود، وعمرو، عن شعبة)، كأنه يريد بحديث أبي داود (١) ما رواه الترمذي عن محمود بن غيلان، عنه بلفظ حديث أبي موسى سواء من غير زيادة (٢).
следующие страницы →