وقت فتسير سيرًا فيعلم أنها لا تبلغ إلى المطلع في باقي ليلتها فتعود إلى مغربها؛ فتطلع منه فمن كان قبل ذلك كافرًا لم ينفعه إيمانه، ومن كان مؤمنًا مذنبًا لم تنفعه توبته، وروي عنه ﵇: "باب التوبة مفتوح من قبل المغرب، وعرضه سبعون ذراعًا، فإذا طلعت الشمس منه لم يقبل من أحد توبة". ثم تلا هذِه الآية (١)، وقال ابن مسعود: تطلع الشمس من مغربها مع القمر في وقت واحد، فإنهما يغربان، ثم تلا: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة: ٩] (٢).
فصل:
قال ابن فارس: اللقيحة: الناقة تحلب (٣). وقال ابن السكيت: هي لقحة، ولقوح، وقال غيره: لِقحة، ولقحة، وقد لقحت لقاحًا ولقحًا وهي التي تنجب حديثًا، وقال الجوهري: اللقحة: اللقوح، وقال عن أبي عمرو: إذا نتجت في لقوح شهرين أو ثلاثة ثم هي لبون (٤).
فصل:
معنى (٥) "يليط حوضه": يصلحه، وفي رواية: (يلوط) بالواو (٦).
فصل:
قال الجوهري وابن فارس: لطت الحوض بالطين لوطًا، أي: لطته
стр. 17992
به وطينته (١). وقال الخطابي: يقال: لاط حوضه إذا مدره، وهو أن يعمل من فخاره تلبيد حصاصه، وبالمدر ونحوه لئلا يتسرب الماء (٢). فعلى هذا يكون يُليط: رباعيًا، وذكر القزاز أنها لغة، ومنه حديث ابن عمر ﵄ كان يُليط أولاد الجاهلية لمن ادعاهم في الإسلام، وأصله اللصوق، ومنه: قيل للشيء إذا لم يوافقك: هذا لا يلتاط بظهري. أي: يلصق بقلبي، ومنه حديث الباب يقال: لاط به، يلوط، ويليط، لوطًا وليطًا، ولياطًا إذا لصق به، أي: الولد ألصق بالقلب،
ومنه قول البحتري: ما أزعم أن عليًّا أفضل من أبي بكر ولا عمر، ولكن أجد له من اللوط مالا أجد لأحد بعد رسول الله.
فصل:
الأكلة بالضم: اللقمة، وهي القرصة أيضًا، وبالفتح: المرة الواحدة حتى تشبع.
فصل:
هذا كله إخبار عن الساعة أنها تأتي فجأة، وأسرع ما فيه دفع اللقمة إلى الفم، وعند مسلم: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض" (٣) وفي لفظ: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة" (٤). وفي لفظ: "من تاب قبل
стр. 17993
أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" (١).
وعند البخاري، عن أبي ذر ﵁ يرفعه، وذكر الشمس أنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها، قال: "وكأنها قد قيل لها اطلعي من حيث جئت؛ فتطلع من مغربها"، ثم قرأ في قراءة عبد الله: (وذلك مستقرها) (٢).
وعند مسلم: "يقال لها: ارجعي اطلعي من مغربك، فتطلع من مغربها، أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" (٣).
وروى الترمذي وقال: صحيح عن صفوان بن عسال قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن بالمغرب بابًا مفتوحًا للتوبة، (منذ) (٤) سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" (٥).
فائدة: روي عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال: إنما لم تقبل التوبة وقت الطلوع؛ لأنه تكون صيحة يهلك فيها كثير من الناس، فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت، وهلك لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته. ذكره أبو الليث في "تفسيره" (٦).
وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ". فقَالَتْ عَائِشَةُ -أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ- إِنَّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَلكِ، ولكن المُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فكَرِهَ لِقَاءَ اللهِ فكره اللهُ لِقَاءَهُ". اخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَمْرٌو، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ رسول الله ﷺ .
ثم ساق حديث أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ".
وحديث سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، أَنَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ". فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى". فقُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَدِيثُ الذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ. قَالَتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى".
الشرح:
قوله: (اختصره أبو داود، وعمرو، عن شعبة)، كأنه يريد بحديث أبي داود (١) ما رواه الترمذي عن محمود بن غيلان، عنه بلفظ حديث أبي موسى سواء من غير زيادة (٢).
стр. 17996
والتعليق عن عمرو المذكور، أخرجه الطبراني في "أكبر معاجمه" عن أبي مسلم الكَشّي، ويوسف بن يعقوب القاضي قالا: ثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، فذكره بمثل لفظ أبي داود سواء. وتعليق سعيد إلى آخره أخرجه مسلم، عن محمد بن عبد الله الرُّزِّي، ثنا خالد، وحدثنا ابن يسار، وثنا محمد بن بكر كلاهما عن سعيد به (١).
وفي مسلم عن عائشة: إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع، فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله .. (٢) الحديث. وعنها أيضًا في "تفسير عبد بن حميد": إذا أراد الله بعبد خيرًا قيض له قبل موته بعام ملكًا يسدده ويوفقه حتى يقال: مات فلان بخير ما كان، فإذا حُضِر ورأى ثوابه تهرع نفسه، فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإذا أراد بعبد سوءًا قيض له قبل موته بعام شيطانًا فأضله وفتنه حتى يقول الناس: مات بشر ما كان عليه فإذا حُضِر ورأى ما نزل به من العذاب تقلع نفسه، فذلك حين يكره لقاء الله، ويكره الله لقاءه.
وروى ابن جريج أنه ﵇ قال لعائشة ﵂ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا له: نرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، ثم يقول: قدماني إلى الله، وأما الكافر فيقول: ﴿ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ (٣) [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] وروينا عن ابن المبارك عن حيوة، أخبرنا أبو صخر، عن محمد بن كعب أنه قال: إذا استنقعت
стр. 17997
نفس المؤمن جاء ملك الموت، فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام ثم ينزع بهذه الآية ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ (١) [النحل: ٣٢]. وفي حديث البراء ﵁: "لا تقبض روحه حتى يسلم عليه" (٢). ولابن ماجه بإسناد جيد من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا كان الرجل صالحًا قيل له: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج" (٣).
فصل:
المحبة والكراهية عبارة عما يحل في العبد من رضى أو سخط، قال الخطابي: واللقاء على وجوه منها: الرؤية، والمعاينة، والبعث، والنشور؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ﴾ [الأنعام: ٣١] أي: بالبعث، ومنها الموت، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ﴾ [العنكبوت: ٥] أي: يخاف الموت (٤).
فصل:
قوله: (فأشخص بصره إلى السقف). قيل: فيه دليل أنه كشف له عن مكانه في الجنة، وفيه: علم عائشة ﵂ أنه يختار الأفضل.
стр. 17998
يقال: شخص بالفتح: ارتفع، وشخص بصره: إذا فتح عينيه، وجعل لا يطرف.
وقوله: ("اللهم الرفيق الأعلى") هو دعاء بالرفعة، وعلو المنزلة في الجنة، وهو أن يكون مع الرفيق الأعلى، وهو أفضل موضع في الجنة، وذكر عن الداودي أنه قال: الرفيق: سقف البيت. وهذا غير معروف في اللغة، وقد رددناه عليه فيما مضى، لا جرم قال هنا: إنه الجنة.
وقولها: (إذًا لا يختارنَا). تقرأ برفع الراء من يختار؛ لأنه فعل حال، و (إذًا) إنما تنصب الفعل المستقبل إذا لم يعتمد ما بعدها على ما قبلها، وإذا لم يكن معها حرف عطف، فإن كان معها حرف عطف جاز الوجهان: الرفع، والنصب، وإذا لم يكن للفعل فعل، وهو هنا فعل حال؛ لأنها قالت: إذًا لا يختارنا. أي: هو في هذِه الحالة غير مختار لنا؛ لأن الحال لا تعمل فيها العوامل الماضية.
وقولها: (ورأسه على فخذي). لا يخالف حديثها الآخر: مات بين سحري ونحري. لجواز أن يكون رفع رأسه بعد إليه، ولم يتكلم، ثم مات.
وعند المطرزي: هي دلو صغير، وقال أبو عبيد: العلبة من الخشب، والركوة من الأدم، وقال العسكري في "تلخيصه": والعلبة: قدح الأعراب تتخذ من جلد جنب البعير، والجمع: علاب، وفي "الموعب" لابن التياني: العلبة على مثال ركوة: القدح الضخم العظيم من جلود الإبل، وعن ابن أبي ليلى: العلبة أسفلها جلد، وأعلاها خشب مدورًا، لها إطار كإطار المنخل والغربال، والجمع: علب. وفي "العين": العلاب بالكسر: جفان، أو عساس تحلب فيها الناقة (١)، وقال في "المحكم": هي كهيئة القصعة من جلد، ولها طوق من خشب (٢).
وفي "الجامع" للقزاز: العلبة من الخشب كالقدح، وعبارة ابن فارس: العلبة قدح من خشب ضخم يحلب فيه (٣)، وقال الجوهري: هي من جلد، والجمع علَب، وعلاب، والمعلِّب: الذي يتخذ العُلْبَة (٤)، وعبارة الداودي: هي شيء كالركوة.
الحديث الثاني:
حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ جُفَاةً يَأْتُونَ رسول الله ﷺ فَيَسْأَلُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: "إِنْ يَعِشْ هذا لَا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ". قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي: مَوْتَهُمْ.
قال الجوهري: ليس الأعراب جمعًا لعرب كما كان الأنباط جمعًا لنبط، وإنما العرب اسم جنس (٥).
стр. 18002
قال الداودي: والذي جاوبهم به هو من المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب، وقال لهم ذَلِكَ؛ لئلا يرتابوا إذا قال لهم: لا علم لي، فإذا تمكن الإيمان معهم قبلوا ما يقال لهم.
الحديث الثالث:
حديث أَبِي قَتَادَةَ الحارث بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: "مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ … " الحديث.
وقد سلف (١)، (رواه عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن معبد بن كعب، عن أبي قتادة به، وليس له عن معبد غيره، ورواه مسلم، والنسائي، عن قتيبة، عن مالك (٢)، وأخرجوه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن ابن حلحلة أيضًا) (٣).
وقوله: "المؤمن يستريح من نصب الدنيا" يحتمل أن يريد كل مؤمن، ويحتمل أن يريد السعداء، وقوله: "والعبد الفاجر تستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب " يحتمل أن يدخل فيه مذنبو المؤمنين.
الحديث الرابع:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ حَلْحَلَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبٍ بْنِ مالك، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ".
стр. 18003
قال الجياني: كذا روي عن أبي زيد، وأبي ذر عن شيوخه، لم يذكر أبو ذر خلافًا عنهم، وكان في نسخة الأصيلي: يحيى، عن عبد الله بن سعيد، ثم غيره إلى عبد ربه بن سعيد، كما روى أبو زيد، وهذا كله وهم، ورواه ابن السكن، عن الفربري، عن البخاري: ثَنَا مسدد، ثَنَا يحيى، عن عبد الله بن سعيد -وهو ابن أبي هند- عن محمد بن عمرو، وهذا هو الصواب، والحديث محفوظ عنه لا لعبد ربه.
وكذا خرجه مسلم (١)، والنسائي (٢) في حديث يحيى بن سعيد القطان من تأليفه.
وكذا أخرجه ابن السكن في "مصنفه" من حديث عبد الرزاق (٣)، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند (٤).
الحديث الخامس:
حديث أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ".
هذا الحديث أخرجه مسلم (٥) والترمذي -وقال: حسن صحيح- في الزهد (٦)، والنسائي هنا، والجنائز (٧).
стр. 18004
قال الداودي: المراد بالمال: ما يلقى عليه من سريره، وما يلبسه أهله، وما يخرج وراءه من رقيقه.
ومعنى: "ويبقى عمله": يدخل معه القبر، فإن كان سعيدًا مثل له أحسن صورة، فيؤنسه ويبشره ما كان روحه معه في قبره، فيقول: من أنت يرحمك الله؟ فيقول: عملك. وإن كان سيئًا مثل له في أقبح صورة، فيقول له: من أنت؟ فيقول: عملك. ويصحبه كذلك حَتَّى يحشر.
الحديث السادس:
حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ غُدْوَةً وَعَشِيًّا، إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الجَنَّةُ، فَيُقَالُ: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ".
(هذا الحديث سلف في الجنائز (١).
وهو) (٢) ضرب من العذاب كبير، كما كان يمثل في الدنيا بمن عرض عليه القتل، أو غيره من التهديد من غير أن يرى الآلة، قال تعالى في حق الكافرين: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، فأخبر تعالى بعرضهم، كما كان أهل السعادة يعرضون على الجنة، قيل: ذَلِكَ مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان، ومن أراد الله نجاته من النار، وأما من أنفذ الله عليه وعيده من المخلطين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فله مقعدان يراهما جميعًا، كما أن يري عمله شخصين في وقتين، أو في وقت واحد قبيحًا وحسنًا، وقد
стр. 18005
يحتمل أن يراد بأهل الجنة كل من يدخلها كيفما كان، وقيل: إنما هذا العرض إنما هو على الروح وحده، ويجوز أن يكون مع جزء من البدن، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد، فترد إليه الروح، كما ترد عند المسألة حَتَّى يقعده الملكان، ويقال له: انظر إلى مقعدك من النار، وقد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، وكيفما كان، فإن العذاب محسوس، والألم موجود، والأمر شديد، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلًا في النائم؛ فإن روحه تتنعم، أو تعذب، والجسد لا يحيى بشيء من ذَلِكَ، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، يعرضون على النار كل يوم مرتين يقال لهم: هذِه داركم، فذلك قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] عنه أيضًا: أن أرواحهم في أجواف طير سود تغدوا على جهنم وتروح كل يوم مرتين، فذلك عرضها (١).
وقد قيل: إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة على شفير جهنم في حواصل طير سود.
فصل:
"عرض عليه مقعده غدوة وعشيًّا" كذا هنا، وفي حديث كعب: إنما يشبهه المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حَتَّى يرجعها إلى جسده يوم القيامة (٢)، وليس باختلاف يعلق في شجر الجنة سائر الأوقات، ويعرض عليها مقعدها غدوة وعشيًّا.
стр. 18006
الحديث السابع:
حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا".
أي: بلغوه، ووصلوا إليه مشافهة، ومنه: أفضى إلى سره، وأفضى إلى امرأته: أي: باشرها. وقد سلف الكلام عليه في الجنائز.
قال: "لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ فِي أَوَّلِ مَنْ يُفِيقُ، فَإذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِب العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مُوسَى فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ ".
وعنه أيضًا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَصْعَقُ النَّاسُ حِينَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ قَامَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَمَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ". رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الشرح:
(تعليق أبي سعيد أسنده في مناقب موسى كما سلف (١)، وقد سلف حديث أبي هريرة هناك من طريق عنه (٢)، واللاطم: هو الصديق ﵁، واليهودي اسمه فنحاص، قاله ابن بشكوال) (٣)، وما ذكره عن مجاهد، وابن عباس مذكوران في تفسيريهما (٤).
والذي عليه المفسرون أن الصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل، قال أهل اللغة: هو جمع صورة مثل بسرة وبسر، ينفخ فيها الروح نفخًا، وقرأ الحسن بفتح الواو (٥)، والصِور بكسر الصاد لغة في الصور: جمع صورة، وأنكره النحاس، وقال: لا يعرف هذا أهل التفسير (٦). قال: والحديث على أنه الصور الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇. وما ذكره في
стр. 18009
تفسير الراجفة، والرادفة هو الذي عليه المفسرون، قالوا: وبينهما أربعون سنة، وقيل: الراجفة: الأرض، الرادفة: الساعة.
وقوله: "لا تخيروني على موسى" قيل: إنه كان قبل أن يوحى إليه السيادة، وقوله في الرواية الأولى: "فلا أدري أكان موسى ممن صعق" قال الداودي: هي وهم؛ لأنه إنما يصعق الأحياء، وموسى يومئذٍ ميت فكيف؟ وضبط صُعق بضم الصاد.
قال: وقوله: "أو كان ممن استثنى الله" أي جعله لي ثانيًا، أو كان قبلي، قال: وإن كان المحفوظ أنه جوزي بالصعقة فمعناه: أفاق قبله بفضيلة (أعطيها) (١)، أو مجازاة بالصعقة، وقيل معنى: "ممن استثنى الله": (أي: استثنى) (٢) في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، ولابن ماجه بإسناد جيد: فذكرت ذَلِكَ لرسول الله ﷺ فقال: "قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ فأكون أول من رفع رأسه فإذا أنا بموسي" الحديث (٣).
وقيل: إن المستثنى الملائكة، وقيل: الشهداء، وقيل: الأنبياء، واختار الحليمي: الشهداء، قال: وهو يروى عن ابن عباس، واستدل بقوله تعالى: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وضعف غيره من الأقوال (٤).
стр. 18010
ونقل القرطبي أبو العباس فقال: الصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل (١). قلت: أخرجه البيهقي في "البعث والنشور" بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: أنه سأل جبريل عن هذِه الآية "من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال: هم شهداء الله" أخرجه عن الحاكم ثَنَا علي بن عيسى بن إبراهيم، ثَنَا الحسين بن محمد القباني، ثَنَا أبو بكر وعثمان، ابنا أبي شيبة، أنا عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ يرفعه به (٢)، وأخرجه ابن معبد في كتاب "الطاعة" أيضًا بلفظ: يا رسول الله، فمن استثنى الله حين قال: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ قال: "أولئك الشهداء".
وروى النحاس في "معانيه" من حديث حُجْر المدري عن سعيد بن جبير: هم الشهداء (٣).
وقال الحسن بن أبي الحسن: استثنى طوائف من السماء يموتون بين النفختين؟ وقال يحيى بن سلام في "تفسيره": بلغني أن آخر من يبقى منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم يموت جبريل وميكائيل وإسرافيل، ثم يقول الله لملك الموت: مت، (فيموت) (٤)، وقد جاء هذا مرفوعًا أيضًا في حديث أبي هريرة ﵁، وقيل: هم حملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت، وقال الحليمي: من
стр. 18011
زعم أن الاستثناء لأجل حملة العرش أو جبريل أو ميكائيل أو ملك الموت، أو زعم أنه لأجل الولدان، والحور في الجنة، أو زعم أنه لأجل موسى؛ فإنه ﵇ قال: "أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأرفع رأسي فإذا موسى". الحديث، فإنه لا يصح شيء فيه (١).
أما الأول: فلأن حملة العرش ليسوا من سكان السماء ولا الأرض؛ لأن العرش فوق السماوات كلها، فكيف تكون حملته في السماوات، وأما جبريل وملك الموت وميكائيل فمن الحافين المسبحين حول العرش، وإذا كان العرش حول السماوات لم يكن الاصطفاف حوله في السماوات، وكذلك القول الثاني؛ لأن الولدان والحور (في الجنة) (٢)، والجنان وإن كانت بعضها فوق بعض؛ فإن جميعها فوق السماوات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء، فلا شك أنها بمعزل عما خلق الله جل وعلا للفناء، وصرفه إلى موسى لا وجه له؛ لأنه مات بالحقيقة فلا يموت عند نفخ الصور ثانية، ولهذا لم يعتد ما ذكر من اختلاف المتأولين في الاستثناء بقول من قال: إلا من شاء الله، أي: الذي سبق موتهم قبل نفخ الصور؛ لأن الاستثناء إنما يكون لمن يمكن دخوله في الجملة، فأما من لا يمكن دخوله فيها فلا معنى للاستثناء به، وهذا في موسى موجود، فلا وجه للاستثناء، وقد قال ﵇ في ذكر موسى ما يعارض الرواية الأولى من قوله: "فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقته". فظاهر هذا أن هذِه صعقة غشي تكون يوم القيامة لا صعقة الموت الحادثة عند نفخ الصور، صرف ذكر يوم القيامة إلى أنه أراد أوائله.
стр. 18012
قيل: المعنى أن الصور إذا نفخ فيه أخرى كنت أول من يرفع رأسه، فإذا موسى، فلا أدري أبعثه قبلي كان -وهذا له تفضيل من هذا الوجه كما فضل في الدنيا بالتكليم -أو جوزي بصعقة الطور، أي: قدم بعثه على بعث الأنبياء بقدر صعقته عندما تجلى ربه للجبل، إلى أن أفاق، ليكون هذا جزاءً له بها، وما عدا هذا فلا يثبت.
قال أبو العباس القرطبي: ظاهر الحديث يدل على أن ذَلِكَ إنما هو بعد النفخة الثانية -نفخة البعث- ونص القرآن العظيم يقتضي أن ذَلِكَ الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق، ولما كان هكذا قال بعض العلماء: يحتمل أن موسى ﵇ ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا باطل مما تقدم من ذكر موته ﵇ (١).
وقال البيهقي: وجه هذا الحديث عندي -والله أعلم- أن النبي ﷺ أخبر عن رؤيته جماعة من الأنبياء ليلة المعراج في السماء، وإنما يصح ذَلِكَ على أن الله تعالى رد إليهم أرواحهم، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا فيمن صعق، ثم لا يكون موتًا في جميع معاقبه إلا في ذهاب الاستشعار، فإن موسى فيمن استثنى الله بقوله: "إلا من شاء الله" فإنه تعالى لا يذهب استشعاره في تلك الحالة، ويحاسب بصعقة يوم الطور (٢).
وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذِه صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السماوات والأرض (٣).
قال القرطبي: والذي يزيح هذا الإشكال أن الموت ليس بعدم
стр. 18013
محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، يدل على ذَلِكَ أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهذِه صفة الحياة في الدنيا، فإذا كان هذا في الشهداء كان ذَلِكَ في الأنبياء أحق وأولى، بل صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء" (١). وأنه ﵇ اجتمع بهم ليلة الإسراء في القدس والسماء، خصوصًا بموسى، وأخبرنا ﵇ بما يقتضي أن الله تعالى يرد عليه روحه حَتَّى يرد السلام على كل من سلم عليه (٢) إلى غير ذَلِكَ مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم (موجودين) (٣) أحياء، ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله بكرامته من أوليائه، وإذا تقرر أنهم أحياء فإذا نفخ الصور نفخة الصعق صعق كل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشي، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث، فمن مات حيي، ومن غشي عليه أفاق، ولذلك قال ﵇: "فأكون أول من يفيق" (٤).
قلت: وإذا كان غيرهم ممن عدده الشارع أحياء، فالأنبياء أولى.
فصل:
قد سلف قوله: "فأكون أول من يفيق" وقد سلف أن موتهم غشي، فالآية حاصلة من ذَلِكَ، وقوله: "فلا أدري" إلى آخره: فضيلة عظيمة في
стр. 18014
حق موسى ﵇، نعم لا يلزم من فضيلته أحد الأمرين المشكوك فيهما أفضلية موسى على نبينا مطلقًا؛ لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمرًا كليًّا، وهذا اختيار الحليمي، حيث قال: فإن حمل عليها الحديث (فذاك) (١) قال: وإنما الملائكة الذين ذكرناهم فإنا لم ننف عنهم الموت، ولا أحلناه، وإنما (استبنا) (٢) أن يكونوا هم المرادين بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ من الوجه الذي ذكرناه، ثم قد وردت الأخبار بأن الله تعالى يميت حملة العرش، وملك الموت، وميكائيل، ثم يميت آخر من يميت جبريل، ويحييه مكانه، ويحيي هؤلاء الملائكة الذين ذكرناهم، وأما أهل الجنة فلم يأت عنهم خبر، والأظهر أنها دار الخلد، والذي يدخلها لا يموت فيها أبدًا (مع كونه قابلًا للموت، فالذي خلق فيها أولى أن لا يموت فيها أبدًا) (٣)، وأيضًا فإن الموت لقهر المكلفين، ونقلهم من دار إلى دار؛ وأهل الجنة لم يبلغنا أن عليهم تكليفًا؛ فإن أعفوا من الموت كما أعفوا من التكليف لم يكن بعيدًا، وأما قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أي: ما من شيء إلا وهو قابل للهلاك فيهلك إن أراد الله به ذَلِكَ إلا وجهه. أي: إلا هو سبحانه؛ فإنه قديم، والقديم لا يمكن أن يفنى، وما عداه محدث، والمحدث إنما يبقى بقدر ما يبقيه محدثه؛ فإذا حبس البقاء عنه فني، ولم يبلغنا في خبر صحيح ولا معلول أنه مهلك العرش، فلتكن الجنة مثله (٤).
стр. 18015
فصل:
في "مسند أبي داود الطيالسي" إلى ما عزاه إليه القرطبي؛ وإن لم أره فيه من حديث لقيط بن عامر بن صبرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : "ثم يلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصيحة، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات، والملائكة الذين مع ربك (١) تطوف البلاد، وقد خلت عليه البلاد" (٢)(٣).
قال العلماء: وهذا تفهيم وتقريب إلى أن جميع من في الأرض يموت، وأن الأرض تبقى خالية، وليس يبقى إلا هو.
فصل:
في فناء الجنة والنار عند فناء جميع الخلائق قولان حكاهما القرطبي وغيره أحدهما: لا، ويبقيان ببقاء الله، والثاني: يفنيهما، ولا يبقى شيء سواه، وهو معنى قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ (٤) [الحديد: ٣]، وإذا أفناهما فالمخلوق فيهما أولى بالفناء وغيره حكى قولًا ثالثًا بفناء النار فقط. ولا حاجة بنا إلى الخوض في ذَلِكَ.
فصل:
اختلف في عدد النفخات، والذي في الصحيح نفختان (٥)، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ الآية [الزمر: ٦٨] إلى قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾
стр. 18016
[الزمر: ٦٨] وروينا في كتاب "الطاعة" لعلي بن معبد، عن المسيب بن شريك، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن عبد الله بن يزيد، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور، وأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش" قلت: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: "قرن عظيم، والذي نفسي بيده إن أعظم دارة فيه كعرض السماء والأرض فينفخ فيه ثلاث نفخات: أول نفخة: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: القيام لرب العالمين، يقول الله لإسرافيل: انفخ نفخة الفزع؛ فيفزع أهل السماء، وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويمدها، ويطولها"، وقد تمها بقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ [ص: ١٥]، ويكون ذَلِكَ يوم الجمعة للنصف من رمضان فيسير الله الجبال، فتمر مر السحاب، ثم تكون سرابًا ثم ترتج الأرض بأهلها رجا، وهي التي يقول الله جل ثناؤه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ [النازعات: ٦، ٧]، وتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيمتد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتتطاير الشياطين هاربة حَتَّى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة تضرب وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضًا، وهي التي يقول الله يوم التناد: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ١٣٣]؛ فبينا هم على ذَلِكَ أن تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، ورأوا أمرًا عظيمًا، فأخذهم من الكرب ما الله به عليم، ثم ينظرون إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت وانخسفت شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت السماء عنهم، قال ﵇: "والموتى يومئذٍ
стр. 18017
لا يعلمون بشيء من ذَلِكَ، فيمكث بذلك ما شاء الله إلا أنه (١) يطول، ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق". ثم ساق الحديث. وفيه: "ثم يهتف بصوته ثلاث مرات: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ثم يقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ " [غافر: ١٦] (٢).
وعند الزمخشري: فينادي منادٍ: لمن الملك اليوم، فيجيبه أهل الجنة (٣): لله الواحد القهار (٤) وفيه: "ثم يقول لاسرافيل بعد أن أماته ثم أحياه: انفخ نفخة البعث، فينفخ". الحديث، وعلته إسماعيل بن رافع، ضعفوه، قال العلاء: اجتمعوا على ترك حديثه، وأعجب من ابن العربي حيث قال في "سراجه": يوم الزلزلة: هو الاسم الثاني عشر، يكون عن النفخة الأولى بهذا الحديث الواحد، المنفرد، غريب منه، فأين الصيحة، وكذا قول أبي عبد الله القرطبي: هو حديث صحيح، وادعى عبد الحق في "عاقبته" انقطاعه، فقال: لا يصح مع انقطاعه. وعذره أنه لم يره إلا في "تفسير الطبري"، وقد أخرجه من حديث إسماعيل هذا عن جدته عن محمد بن كعب، وقد أخرجناه موصولاً، والمسيب بن شريك، وعبد الله بن يزيد يبحث عنهما، نعم أخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره"، عن محمد بن عجلان قال: سمعت محمد بن كعب، عن أبي هريرة ﵁؛ فذكره. قال القرطبي: وقد قيل إن نفخة الفزع هي نفخة الصعق؛ لأن الأمرين لازمان لها أي: إنهم فزعوا فزعًا ماتوا منه، والسنة الثابتة
стр. 18018
على ما سلف من حديث أبي هريرة وابن عمر وغيرهما يدل على أنها ثلاث نفخات (١)، وهو الصحيح -إن شاء الله- قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع؛ فدل على أنهما واحدة (٢).
فصل:
وقد روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ما بين النفختين أربعون"، قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال أبيت (٣). وروى ابن المبارك من حديث الحسن: أنه ﵇ قال: "بين النفختين أربعون سنة الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي بها كل ميت" (٤).
وقال الحليمي: اتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين سنة، وذلك بعد أن يجمع الله جل وعلا ما تفرق من أجساد الناس من بطون السباع، وحيوانات الماء، وبطن الأرض وغيرها، فإذا جمعها، وأكمل كل بدن منها، ولم يبق إلا الأرواح، جمع الأرواح في الصور، وأمر إسرافيل ﵇ فأرسلها بنفخة من ثقب الصور، فرجع كل ذي روح إلى جسده.
وجاء في بعض الأخبار ما يبين أن من أكله طائر أو سبع حشر من جوفه، وهو ما رواه الزهري عن أنس ﵁ مرفوعًا: مر رسول الله ﷺ بحمزة يوم أحد، وقد مثل به، فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها؛
стр. 18019
لتركته حَتَّى يحشره الله من بطون السباع والطير" (١).
وفي "تفسير أبي نصر" عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري: المراد بنفخة الفزع: النفخة الثانية أي: يجيئون فزعين، يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]، واختاره الماوردي (٢).
فإن قلت: فإذا كانت الصيحة للخروج فكيف يسمعونها وهم أموات، قيل له: إن نفخة الإحياء تمتد وتطول، فيكون أولها للإحياء، وما بعدها للإزعاج، فلا يسمعون ما يكون للإحياء ويسمعون ما للإزعاج ويحتمل أن تتطاول تلك النفخة، والناس يحيون منها أولاً فأولاً، فكلما حي واحد سمع من يحيى بعده إلى أن يتكامل الجميع للخروج.
فصل:
قد أسلفنا الكلام على القرن، وقال القرطبي: إنه قرن من نور يجعل فيه الأرواح، يقال: إن فيه من الثقب عدد أرواح الخلائق (٣).
وذكر المفسرون أن الصور ينقر فيه مع النفخ الأول لموت الخلق، فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النفخ والنقر؛ فتكون الصيحة أهدأ وأعظم، فإذا تهيأت الأجسام وكملت نفخ في الصور نفخة البعث من غير نقر؛ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها لابنقيرها من أجسادها، والنفخة الأولى للتنفير، وهي نظير صوت الرعد، الذي قد يقوى؛ فيمات منه.
стр. 18020
وروى الترمذي محسنًا عن عبد الله بن عمرو ﵄: سأل أعرابي رسول الله ﷺ عن الصور، قال: "قرن ينفخ فيه" (١)، وفي حديث أبي سعيد (٢)، وقال الحسن مرفوعًا: "كيف أنعم، وصاحب الصور -وهو القرن- قد التقم القرن واستمع الإذن"، وفي "فوائد أبي الحسن صخر" من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ما أطرق صاحب الصور مذ، وكل به مستعدًا، بحذاء العرش مخافة أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتد طرفه كأن عينيه كوكبان دريان".
ولابن المبارك عن ابن مسعود ﵁ حديثًا قال فيه: "ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن".
قال: وروي أن له رأسين: رأس بالمشرق، ورأس بالمغرب.
قال القرطبي: وليس الصور جمع صورة، كما زعم بعضهم أنه ينفخ في صور الموتى بدليل الأحاديث المذكورة، والتنزيل أيضًا يدل على ذَلِكَ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ ولم يقل فيها، فعلم أنه ليس بجمع صورة، قال الكلبي: لا أدري ما الصور؟ ويقال: هو جمع صورة مثل بسرة وبسر، أي: ينفخ في صور الموتى الأرواح، وقرأ الحسن: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] إلى هذا ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى، وهو مردود بما ذكرنا، وأيضًا لا ينفخ في الصور (للبعث) (٣) مرتين، بل ينفخ مرة واحدة، فإسرافيل ينفخ في الصور الذي هو القرن، والله هو الذي يحيي الصور، فينفخ فيها الروح كما قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾
стр. 18021
[التحريم: ١٢] ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (١) [الحجر: ٢٩]. وقد أنكر بعض أهل الزيغ أن يكون الصور قرنًا.
قال أبو الهيثم: من قال ذَلِكَ فهو كمن ينكر العرش والميزان، وطلب لها تأويلات.
فصل:
قام الإجماع -كما نقله القرطبي- على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل، وروينا عن أبي نعيم الحافظ، ثَنَا سليمان، ثَنَا أحمد بن القاسم، ثَنَا عفان بن مسلم، ثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث قال: كنا عند عائشة ﵂، وعندها كعب الحبر، فقالت: يا كعب، أخبرنا عن إسرافيل. قال: له أربعة أجنحة … الحديث، وفيه: "وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى ملتقم الصور، منحنيًا ظهره، شاخصًا ببصره، ينظر إلى إسرافيل، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور". فقالت عائشة ﵂: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول. ثم قال: غريب من حديث كعب، لم يروه عنه إلا عبد الله بن الحارث، عن كعب، ورواه خالد الحذاء، عن الوليد بن بشر، عن عبد الله بن رباح، عن كعب نحوه (٢).
وفي "الأوسط" للطبراني، ثَنَا الوليد بن بيان، ثَنَا محمد بن عمار الداري، ثَنَا مؤمل بن إسماعيل، ثَنَا حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة ترفعه: "ملك الصور جاث على
стр. 18022
ركبته، وقد نصب الأخرى، والتقم الصور محنٍ ظهره، شاخص ببصره إلى إسرافيل، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور". وقال: لم يروه عن حماد إلا مؤمل (١).
وروى ابن ماجه من حديث حجاج عن عطية، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "إن صاحبي الصور بأيديهما -أو في أيديهما- قرنان ملاحظان النظر، متى يؤمران" (٢).
وروى أبو داود من حديث العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: ذكر رسول الله ﷺ صاحب القرن، فقال: "عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل" (٣).
قال بعض العلماء: فلعل لأحدهما قرنًا آخر ينفخ فيه. وذكر أبو السري هناد بن السري، ثَنَا أبو الأحوص، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، قال: فذكر حديثًا فيه: "وملكان موكلان بالصور" وحَدَّثَنَا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب قال: فذكر حديثًا فيه: "وملكان موكلان بالصور، ينظران متى يؤمران فينفخان" (٤).
السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ".
وفي حديث عبيد الله بن مقسم: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر يحكي رسول الله ﷺ قال: "يأخذ سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، (فيقول: أنا الملك") (١) حَتَّى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل حَتَّى أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ (٢). ثم ساق البخاري حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ".
وحديث أَبِيِ سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: قَالَ النبيُّ ﷺ : "تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَده" … الحديث.
وحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ". قَالَ سَهْل -أَوْ غَيْرُهُ-: لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ.
الشرح:
معنى يقبض: يجمع، والخبزة: الطُلْمَةُ، وهي عجين يوضع في الحفرة بعد إيقاد النار فيها.
قال الجوهري: والناس يسمون الخبزة: الملة، وإنما الملة: الحفرة نفسها، والتي تمل فيها هي الطُلْمَةُ، والخبزة، والمليل (٣).
стр. 18025
وقوله: ("كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر") يريد: خبزة الملة التي يصنعها في السفر؛ فإنها لا ترحى كالرقاقة، وإنما تقلب على الأيدي حَتَّى تستوي، قال ابن التين: كذا فسره الخطابي (١)، وروينا السُفر بضم السين على أنه جمع سفرة، قال الجوهري: السفرة بالضم: طعام يتخذه المسافر، ومنه سميت السفرة (٢).
وقوله: ("يتكفؤها") أي: يقلبها، ويميلها من كفأت الإناء: قلبته، ويقال أيضًا: اكتفئت الإناء مثل كفأته، وقال الداودي: يصلحها بقوته لا يوصف تعالى بمماسة.
وقوله: ("نزلًا لأهل الجنة"): المنزل ما يعد للضيف من الطعام والشراب، يقال: نزل، ونزل بسكون الزاي وضمها، وقد قرئ بهما، وخط نزيل: مجتمع، وقيل النزل: الثواب، وقيل: الرزق، وقيل في قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ [الصافات: ٦٢]، أنه الريع والفضل.
يقال: أقمت للقوم نزلهم أي: ما يصلح أن ينزلوا عليه من الغذاء. وقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧] هو من نزول الناس بعضهم على بعض يقال: ما وجدنا عندكم نزلًا، وقيل: النزل ما يقام للضيف وأهل العسكر.
قال الداودي: ومعنى ذَلِكَ: إنما يأكل منها في المحشر من يصير إلى الجنة لثوابهم يأكلون منها فيها.
وقوله: (فضحك حَتَّى بدت نواجذه). قال الأصمعي: هي الأضراس، وقال غيره: هي المضاحك، وقال أبو العباس: هي الأنياب؛ لأن ضحكه ﵇ كان تبسمًا، وقال ابن فارس: الناجذ:
стр. 18026
السنن بين الناب والضرس (١)، وقاله الداودي. وفي "الصحاح" وغيره: أنه أحد الأضراس، وللإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان بعد الأرحاء يقال: ضحك حَتَّى بدت نواجذه: إذا استغرب فيه (٢).
وقوله: (ألا أخبرك بإدامهم)، الإدام: ما يؤتدم به، يقال: أدم الخبز باللحم يأدمه بالكسر، وقوله (إدامهم بالام ونون) قال الخطابي: كذا رووه لنا بالباء المعجمة بواحدة. وكذا رويناه، قال: وتأملت النسخ المسموعة من أبي عبد الله من طريق حماد بن شاكر، وإبراهيم بن معقل والفربري، فاتفقت على نحو واحد بالام والنون، فأما النون فالحوت، وأما بالام فشيء مبهم، وقد دل الجواب من اليهودي على أنه اسم للثور، وهو ما لم ينتظم، ولا يصح أن يكون على التفرقة اسمًا لشيء، فيكون اليهودي أراد أن يعمي الاسم فقطع الهجاء، وقدم أحد الحرفين فقال: يالام، وإنما هو في حق الترتيب لازم هجاء، لأى على وزن لغى أي: ثور، يقال للثور الوحشي: لأي، وجمعه: آلاء، فصحف فيه الرواة، فقالوا: ياللام، وإنما هو بالام؛ فكتبوه بالهجاء المضاعف فأشكل واستبهم كما ترى، وهذا أقرب ما يقع لي فيه، إلا أن يكون ذَلِكَ بغير لسان العرب، فإن المخبر به يهودي، فلا يبعد أن يكون إنما عبر عنه بلسانه، ويكون ذَلِكَ في لسانهم يلا، وأكثر العبرانية فيما يقوله -أهل المعرفة بها- مقلوب على لسان العرب بتقديم الحروف وتأخيرها، وقد قيل: إن العبراني هو العرباني، فقدموا الباء، وأخروا الراء (٣).
стр. 18027
وقوله: (يأكل من زائدة كبدها سبعون ألفًا). زائدة الكبد: هي القطعة الصغيرة كالإصبع التي تكون في طرف الكبد.
قال الداودي: يعني أن ذَلِكَ أول ما يأكل أهل الجنة، يلعب الثور والحوت بين أيديهم، فيذكي الثور الحوت بقرنه، فيأكلون منه، ثم يعيده الله تعالى فيلتقيان قد ذكى الحوت الثور بذنبه؛ فيأكلون منه، ثم كذلك ما شاء الله، وفيه ترشيح لحديث: "سيد إدام الدنيا، والآخرة اللحم" وقال كعب فيما ذكره ابن المبارك: إن الله يقول لأهل الجنة إذا دخولها: إن لكل ضيف جزورًا وإني أجزرتكم اليوم حوتًا، وثورًا فيجزر لأهل الجنة (١).
فصل:
وقوله: ("عفراء كقرصة نقيٍّ") قال الداودي: عفراء يعني: شدة البياض، وكذا قال ابن فارس: شاة عفراء، أي خالصة البياض (٢).
وقال الخطابي: العفرة: البياض ليس بالناصع (٣). وقال الجوهري نحوه، قال: وشاة عفراء يعلو بياضها حمرة (٤)، والقرصة والقرص: من الخبز. والنقي: الحواري، يعني: من القش والنخالة.
وقوله: ("ليس فيها معلم لأحد"). يريد أن الأرض مستوية ليس فيها ما يستر البصر. وقال الداودي: أي لا يحوز أحد منها شيئًا يكون له دون غيره، إنما لكل واحد منهم ما أدرك.
стр. 18028
وقال الجوهري: المعلم: الأثر الذي يستدل به على الطريق، أي: كلها سواء (١).
فصل:
أحاديث الباب دالة على أن الرب ﷻ يفني جميع خلقه أجمع، كما سلف في حديث أبي هريرة وغيره، وقيل: إن المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله عليها: لمن الملك اليوم؟ فيجيبه العباد: لله الواحد القهار. رواه أبو وائل، عن ابن مسعود ﵁.
قال القرطبي: وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل، والقول الأول أظهر؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر، وانقطعت نسبتهم ودعاويهم، وهذا ظاهر، وهو قول الحسن، ومحمد بن كعب، وهو معنى قوله: "أنا الملك أين ملوك الأرض" وعند قوله: لمن الملك اليوم هو انقطاع زمن الدنيا، وبعده يكون البعث والنشور والحشر (٢).
فصل:
فإن قلت: فما تأويل اليد عندكم، وحقيقتها في الجارحة المعلومة عندنا، وتلك التي يكون القبض والطي بها؟ فالجواب: أن لفظ الشمال أشد إشكالًا، وذلك في الإطلاق على الله محال، ثم اعلم أن لليد في كلام العرب معان خمسة: القوة، ومنه: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧]، والملك، ومنه:
стр. 18029
﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، والنعمة، تقول: كم يد لك عند فلان. أي: كم من نعمة أسديتها إليه. والصلة، ومنه: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] أي: مما عملنا نحن، وقال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي: له النكاح. والجارحة، ومنه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤]. قلت: ولليد معان أخر: الذل، ومنه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]، قال الهروي: أي عن ذل واعتراف أن دين الله عال على دينهم، وقوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، قيل: في الوفاء، وقيل: في الثواب. وفي الحديث: "هذِه يدي لك" أي استسلمت وانقدت لك. وقد يقال ذَلِكَ للغائب. واليد: الاستسلام.
قال الشاعر:
أطاع يدًا بالقول فهو ذلول.
أي: انقاد واستسلم. واليد: القدرة، ومنه الآية السالفة، والسلطان، والسخاء، والحفظ والوقاية، ومنه الحديث: "يد الله على الفسطاط" (١)، والطاعة، والطاقة، والجماعة، والأكل، والندم. وفي الحديث: أخذتهم يد البحر. يريد: طرف الساحل، ويقال للقوم إذا تفرقوا وتمزقوا في الآفاق: صاروا أيدي سبا. وفي "المحكم": يد القوس: أعلاها. وقال أبو حنيفة: السَّيَة اليمنى، يرويه عن أبي (زياد) (٢) الكلابي، ويد السيف: مقبضه، ويد الرحى: العود الذي يقبض عليه الطاحن (٣)، ويد الطائر: جناحه، وقالوا: لا آتيه يد الدهر، أي: الدهر، هذا قول أبي عبيد. وقال ابن الأعرابي: معناه:
стр. 18030
لا آتيه الدهر كله، ولقيته أول ذات يدي، أي: أول شيء. وحكى اللحياني: أول ذات يدي، فإني أحمد الله، وفي "المغيث": وفي الحديث: "اجعل الفساق يدًا يدًا، ورجلًا رجلاً" أي: فرق بينهما في الهجرة (١). واتبعت (الغنم) (٢) باليدين، أي: بيمينين مختلفين، بعضها بيمين، وبعضها بيمين آخر، ويد الثوب: ما فضل منه إذا تغطيت به والتحفت.
وعند القزاز: وأعطاه عن ظهر يد، أي ابتداءً لا عن بيع، ولا عن مكافأة، ويد الشيء: أمامه، ويقال لمن أتى شيئًا: قد ألقى يده في كذا، وهذا عيش يدٍ، أي: واسع.
وفي "المغرب": بايعته يدًا بيدٍ، أي: بالنقد. فهذِه معان شتى لها، واليد هنا: القدرة وإحاطته بجميع مخلوقاته، يقال: ما في قبضة الله، يريدون: في ملكه وقدرته.
فصل:
قد سلف معنى القبض أنه الجمع، وكذا الطي، وقد يكون معناها: إفناء الشيء وإذهابه بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧] يحتمل أن يكون المراد به: والأرض جميعًا ذاهبة فانية يوم القيامة، وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، ليس يريد به طيًّا بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الذهاب والفناء. يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه، وجاءنا غيره، وانطوى عنا الدهر بمعنى الفناء والذهاب.