← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 18026–18065 · переход к 18031.

стр. 18026

السنن بين الناب والضرس (١)، وقاله الداودي. وفي "الصحاح" وغيره: أنه أحد الأضراس، وللإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان بعد الأرحاء يقال: ضحك حَتَّى بدت نواجذه: إذا استغرب فيه (٢). وقوله: (ألا أخبرك بإدامهم)، الإدام: ما يؤتدم به، يقال: أدم الخبز باللحم يأدمه بالكسر، وقوله (إدامهم بالام ونون) قال الخطابي: كذا رووه لنا بالباء المعجمة بواحدة. وكذا رويناه، قال: وتأملت النسخ المسموعة من أبي عبد الله من طريق حماد بن شاكر، وإبراهيم بن معقل والفربري، فاتفقت على نحو واحد بالام والنون، فأما النون فالحوت، وأما بالام فشيء مبهم، وقد دل الجواب من اليهودي على أنه اسم للثور، وهو ما لم ينتظم، ولا يصح أن يكون على التفرقة اسمًا لشيء، فيكون اليهودي أراد أن يعمي الاسم فقطع الهجاء، وقدم أحد الحرفين فقال: يالام، وإنما هو في حق الترتيب لازم هجاء، لأى على وزن لغى أي: ثور، يقال للثور الوحشي: لأي، وجمعه: آلاء، فصحف فيه الرواة، فقالوا: ياللام، وإنما هو بالام؛ فكتبوه بالهجاء المضاعف فأشكل واستبهم كما ترى، وهذا أقرب ما يقع لي فيه، إلا أن يكون ذَلِكَ بغير لسان العرب، فإن المخبر به يهودي، فلا يبعد أن يكون إنما عبر عنه بلسانه، ويكون ذَلِكَ في لسانهم يلا، وأكثر العبرانية فيما يقوله -أهل المعرفة بها- مقلوب على لسان العرب بتقديم الحروف وتأخيرها، وقد قيل: إن العبراني هو العرباني، فقدموا الباء، وأخروا الراء (٣).

стр. 18027

وقوله: (يأكل من زائدة كبدها سبعون ألفًا). زائدة الكبد: هي القطعة الصغيرة كالإصبع التي تكون في طرف الكبد. قال الداودي: يعني أن ذَلِكَ أول ما يأكل أهل الجنة، يلعب الثور والحوت بين أيديهم، فيذكي الثور الحوت بقرنه، فيأكلون منه، ثم يعيده الله تعالى فيلتقيان قد ذكى الحوت الثور بذنبه؛ فيأكلون منه، ثم كذلك ما شاء الله، وفيه ترشيح لحديث: "سيد إدام الدنيا، والآخرة اللحم" وقال كعب فيما ذكره ابن المبارك: إن الله يقول لأهل الجنة إذا دخولها: إن لكل ضيف جزورًا وإني أجزرتكم اليوم حوتًا، وثورًا فيجزر لأهل الجنة (١). فصل: وقوله: ("عفراء كقرصة نقيٍّ") قال الداودي: عفراء يعني: شدة البياض، وكذا قال ابن فارس: شاة عفراء، أي خالصة البياض (٢). وقال الخطابي: العفرة: البياض ليس بالناصع (٣). وقال الجوهري نحوه، قال: وشاة عفراء يعلو بياضها حمرة (٤)، والقرصة والقرص: من الخبز. والنقي: الحواري، يعني: من القش والنخالة. وقوله: ("ليس فيها معلم لأحد"). يريد أن الأرض مستوية ليس فيها ما يستر البصر. وقال الداودي: أي لا يحوز أحد منها شيئًا يكون له دون غيره، إنما لكل واحد منهم ما أدرك.

стр. 18028

وقال الجوهري: المعلم: الأثر الذي يستدل به على الطريق، أي: كلها سواء (١). فصل: أحاديث الباب دالة على أن الرب ﷻ يفني جميع خلقه أجمع، كما سلف في حديث أبي هريرة وغيره، وقيل: إن المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله عليها: لمن الملك اليوم؟ فيجيبه العباد: لله الواحد القهار. رواه أبو وائل، عن ابن مسعود ﵁. قال القرطبي: وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل، والقول الأول أظهر؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر، وانقطعت نسبتهم ودعاويهم، وهذا ظاهر، وهو قول الحسن، ومحمد بن كعب، وهو معنى قوله: "أنا الملك أين ملوك الأرض" وعند قوله: لمن الملك اليوم هو انقطاع زمن الدنيا، وبعده يكون البعث والنشور والحشر (٢). فصل: فإن قلت: فما تأويل اليد عندكم، وحقيقتها في الجارحة المعلومة عندنا، وتلك التي يكون القبض والطي بها؟ فالجواب: أن لفظ الشمال أشد إشكالًا، وذلك في الإطلاق على الله محال، ثم اعلم أن لليد في كلام العرب معان خمسة: القوة، ومنه: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧]، والملك، ومنه:

стр. 18029

﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، والنعمة، تقول: كم يد لك عند فلان. أي: كم من نعمة أسديتها إليه. والصلة، ومنه: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] أي: مما عملنا نحن، وقال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي: له النكاح. والجارحة، ومنه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤]. قلت: ولليد معان أخر: الذل، ومنه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]، قال الهروي: أي عن ذل واعتراف أن دين الله عال على دينهم، وقوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، قيل: في الوفاء، وقيل: في الثواب. وفي الحديث: "هذِه يدي لك" أي استسلمت وانقدت لك. وقد يقال ذَلِكَ للغائب. واليد: الاستسلام. قال الشاعر: أطاع يدًا بالقول فهو ذلول. أي: انقاد واستسلم. واليد: القدرة، ومنه الآية السالفة، والسلطان، والسخاء، والحفظ والوقاية، ومنه الحديث: "يد الله على الفسطاط" (١)، والطاعة، والطاقة، والجماعة، والأكل، والندم. وفي الحديث: أخذتهم يد البحر. يريد: طرف الساحل، ويقال للقوم إذا تفرقوا وتمزقوا في الآفاق: صاروا أيدي سبا. وفي "المحكم": يد القوس: أعلاها. وقال أبو حنيفة: السَّيَة اليمنى، يرويه عن أبي (زياد) (٢) الكلابي، ويد السيف: مقبضه، ويد الرحى: العود الذي يقبض عليه الطاحن (٣)، ويد الطائر: جناحه، وقالوا: لا آتيه يد الدهر، أي: الدهر، هذا قول أبي عبيد. وقال ابن الأعرابي: معناه:

стр. 18030

لا آتيه الدهر كله، ولقيته أول ذات يدي، أي: أول شيء. وحكى اللحياني: أول ذات يدي، فإني أحمد الله، وفي "المغيث": وفي الحديث: "اجعل الفساق يدًا يدًا، ورجلًا رجلاً" أي: فرق بينهما في الهجرة (١). واتبعت (الغنم) (٢) باليدين، أي: بيمينين مختلفين، بعضها بيمين، وبعضها بيمين آخر، ويد الثوب: ما فضل منه إذا تغطيت به والتحفت. وعند القزاز: وأعطاه عن ظهر يد، أي ابتداءً لا عن بيع، ولا عن مكافأة، ويد الشيء: أمامه، ويقال لمن أتى شيئًا: قد ألقى يده في كذا، وهذا عيش يدٍ، أي: واسع. وفي "المغرب": بايعته يدًا بيدٍ، أي: بالنقد. فهذِه معان شتى لها، واليد هنا: القدرة وإحاطته بجميع مخلوقاته، يقال: ما في قبضة الله، يريدون: في ملكه وقدرته. فصل: قد سلف معنى القبض أنه الجمع، وكذا الطي، وقد يكون معناها: إفناء الشيء وإذهابه بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧] يحتمل أن يكون المراد به: والأرض جميعًا ذاهبة فانية يوم القيامة، وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، ليس يريد به طيًّا بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الذهاب والفناء. يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه، وجاءنا غيره، وانطوى عنا الدهر بمعنى الفناء والذهاب.

стр. 18031

فإن قلت: فقد جاء في الحديث: "يقبض أصابعه ويبسطها" (١). وهذِه صفة الجارحة. فالجواب: أن هذا مذهب المجسمة من اليهود والحشوية، تعالى الله عن ذَلِكَ، وإنما المعنى حكايته الصحابي عن رسول الله ﷺ : يقبض أصابعه ويبسطها. وليس اليد في الصفات بمعنى الجارحة حَتَّى يتوهم بثبوتها ثبوت الأصابع، فدل على أنه ﵇ هو الذي يقبض أصابعه ويبسطها. وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب والسنة المقطوع بصحتها. فإن قلت: قد ورد ذكر الإصبع في غير ما حديث كحديث الصحيحين، أنه ﵇ أتاه رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أن الله تعالى يحمل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع؟ فضحك رسول الله ﷺ حَتَّى بدت نواجذه فنزل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] (٢). وحديث الصحيحين من طريق عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفها حيث يشاء" ثم قال ﵇: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" (٣) ومثله كثير. فالجواب: أما إطلاق الجارحة هنا، فمحال تقدس الله عن ذَلِكَ، وهو هنا

стр. 18032

بمعنى القدرة على الشيء ويسر تقليبه، وهو كثير في كلامهم (١).

стр. 18033

فلما كانت السماوات والأرض أعظم الموجودات قدرًا، وأكثرها خلقًا، كان إمساكها بالنسبة إلى الله كالشيء الحقير الذي نجعله نحن بين أصابعنا، ونتصرف فيه كيف شئنا، فتكون الإشارة بقوله: "ثم يقبض أصابعه، ويبسطها، ثم يهزهن" كما في بعض ألفاظ مسلم (١). أي: هذِه في قدرته كالحبة (مثلًا) (٢) في كف أحدنا التي لا يبالي بإمساكها، ولا بهزها، ولا بحركتها، والقبض والبسط عليها، ولا يجد في ذَلِكَ صعوبة ولا مشقة، وقد تكون الإصبع في كلام العرب بمعنى: النعمة، وهو المراد بقوله: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن" أي: بين نعمتين من نعمه، يقال: لفلان عليَّ إصبع. أي: أثر حسن إذا أنعم عليه نعمة حسنة، وللراعي على ماشيته إصبع: أي أثر حسن، وفيه عدة أشعار. فصل: فإن قلت: كيف يجوز إطلاق الشمال على الله تعالى وذلك يقضي بالنقص؟ فالجواب: أنه مما تفرد به عمر بن حمزة عن سالم (٣). وقد روى هذا الحديث نافع وابن مقسم عن ابن عمر فلم يذكر فيه الشمال (٤).

стр. 18034

ورواه أيضًا أبو هريرة وغيره عن رسول الله ﷺ ، ولم يذكر واحد منهم الشمال. وقال البيهقي: روي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذِه القصة، إلا أنه ضعيف بمرة، وكيف يصح ذَلِكَ مع ما صح عنه أنه سمى كلتا يديه يمينًا (١)، وكأن من قال ذَلِكَ أرسله من لفظه على ما وقع له إذ عادة العرب ذكرها في مقابلة اليمين (٢). قال الخطابي: ليس فيما يضاف إلى الله تعالى من صفة اليد شمال؛ لأن الشمال محل النقص والضعف، وليس معنى اليد عندنا الجارحة، وإنما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت، وننتهي إلى حيث انتهى بها الكتاب والسنة المأثورة الصحيحة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تكون اليمين في كلام العرب بمعنى القدرة والملك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [النساء: ٣] يريد: الملك، وقال ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أي: بالقوة والقدرة، أي: أخذنا قوته وقدرته، كذا ذكره الفراء (٣)، وأنشد فيه للشماخ وغيره، وقد تكون في كلامهم بمعنى التبجيل والتعظيم، تقول: فلان عندنا باليمين. أي: بالمحل الجليل، وأنشد عليه. وأما قوله: "كلتا يديه يمين" فإنه أراد بذلك التمام والكمال. فصل: إن قلت: أين يكون الناس عند طي الأرض؟ قلت: يكونون على

стр. 18035

الصراط، كما رواه مسلم من حديث عائشة ﵂ (١). وفي رواية ثوبان عنده أيضًا: هم في الظلمة دون الجسر (٢). وهذا نص على أن الأرض والسماء تبدل وتزال، ويخلق الله أرضًا أخرى يكون عليها الناس بعد كونهم على الصراط، كما قال كثير من الناس: إن تبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها، (وتسوية) (٣) آكامها، ونسف جبالها، ومد أرضها. فصل: قد سلف حديث سهل عند البخاري: "أرض بيضاء عفراء كقرصة نقي". وروى البيهقي من حديث أبي إسحاق، عن جرير بن أيوب، عن عمرو بن ميمون، سمعت ابن مسعود ﵁ رفعه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال: "أرض بيضاء كأنها فضة، لم يسفك عليها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة" (٤).

стр. 18036

قال البيهقي: كذا رواه جرير بن أيوب، وليس بالقوي، وخالفه أصحاب أبي إسحاق، فرواه إسرائيل عنه موقوفًا على عبد الله، ورواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون -قال مرة عن عبد الله- ولم يجاوز به عمرو بن ميمون، كذا رواه الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو. ومن حديث ابن مسعود وابن عباس قالا: "تبدل الأرض أرضًا بيضاء كالفضة، لم يسفك عليها دم حرام، ولم يعمل عليها خطيئة قط" (١). وعن ابن مسعود أيضًا: "تبدل الأرض نارًا، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها" (٢)، وقال أبو الجلد جيلان بن فروة: إني لأجد فيما أقرأ من كتب الله أن الأرض تشتعل نارًا يوم القيامة. وقال علي: تبدل الأرض فضة، والسماء ذهبًا (٣). وقال أبو جعفر محمد بن علي بن حسين: تبدل خبزة يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨] (٤)، وقال سعيد بن جبير، ومحمد بن كعب: تبدل خبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه (٥). وروى البيهقي، عن عكرمة قال: تبدل بيضاء مثل الخبزة يأكل منها الإسلام حَتَّى يفرغوا من الحساب (٦).

стр. 18037

وروى ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب قال: حَدَّثَني ابن عباس ﵄ قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق في صعيد واحد، ثم ذكر قبض السماوات على أهلها (١). وفي رواية ابن السائب عن أبي صالح عنه، وسئل عن هذِه الآية فقال: يزاد فيها وينقص منها، وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وما فيها، وتمد مد الأديم العكاظي، أرض بيضاء مثل البيضة، لم يسفك عليها دم حرام، ولم يعمل عليها خطيئة، والسماوات يذهب شمسها، وقمرها، ونجومها (٢). وقد يقال: السماوات مستأنفة لا يبدل منها شيء، (ويقال: تبدل) (٣) فتذهب، وتجعل سماء أخرى غيرها. قال القرطبي: وهذا مروي في "الصحيح" (٤). وإليه ذهب ابن برجان في كتاب "الإرشاد" له، وأن المؤمن يطعم يومئذٍ من بين رجليه، ويشرب من الحوض، وهذِه أقوال الصحابة والتابعين دالة على ما ذكرنا، وروى أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "تبدل الأرض غير الأرض: فيبسطها ويمدها مدَّ الأديم" (٥)، ذكره الثعلبي في "تفسيره".

стр. 18038

وروي عن علي بن حسين أنه قال: إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم حَتَّى لا يكون لأحد من البشر إلا موضع قدميه، ذكره الماوردي في "تفسيره" (١). والصواب ما أسلفناه؛ فإن قلت: (بدل) في كلام العرب معناه: تغيير الشيء، ومنه: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، و ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]، ولا يقتضي هذا إزالة العين، وإنما معناه: تغيير الصفة، ولو كان المعنى الإزالة لقال: تبدل بالتخفيف من: أبدلت الشيء: إذا أزالت عينه وشخصه، قيل: قد قرئ قوله تعالى: ﴿أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ [القلم: ٣٢]، بالوجهين بمعنى واحد، وقال: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وقال: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، كذا ذكره في "الصحاح" (٢)، وبدله الله من الخوف (أمنًا) (٣)، وتبديل الشيء أيضًا: تغييره، فقد دل القرآن وكلام العرب أن بدل وأبدل بمعنى، وقد فسر الشارع أحد المعنيين فتعين. فصل: وأما تبديل السماء فقيل: تكوير شمسها وقمرها، وتناثر نجومها، قاله ابن عباس (٤)، وقيل اختلاف أحوالها، فتارة كالمهل، وتارة كالدهان، حكاه ابن الأنباري (٥).

стр. 18039

وقال كعب: تصير السماء دخانًا، وتصير البحار نيرانًا، وقيل: تبديلها: أن تطوى كطي السجل للكتاب (١)، ذكر ابن حيدرة شبيب في "إفصاحه" أنه لا تعارض بين هذِه الآثار، وأن الأرض والسماوات تبدل كرتين هذِه الأولى، وأنه سبحانه قبل نفخة الصعق يغير صفاتها، فتنتثر أولاً كواكبها، وتكسف شمسها وقمرها وتصير كالمهل، ثم يكشف عن رءوسهم، ثم تسير الجبال، ثم تموج الأرض، ثم تصير البحار نيرانًا، ثم تنشق الأرض من قطر إلى قطر؛ فتصير الهيئة غير الهيئة، والبنية غير البنية، ثم إذا نفخ في الصور نفخة الصعق طويت السماء، ودحيت الأرض، وبدلت السماء سماء أخرى، وهو قوله ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]، وبدلت الأرض وأعيدت كما كانت فيها القبور والبشر على ظهرها، وفي بطنها، وتبدل الأرض أيضًا تبديلًا (ثانيًا) (٢)، وذلك إذا وقفوا في المحشر فتبدل لهم الأرض التي يقال لها: الساهرة، يحاسبون عليها، وهي أرض عفراء، وهي البيضاء من فضة، لم يسفك عليها دم حرام قط، ولا جرى عليها ظلم قط، وحينئذٍ يقوم الناس على الصراط، وهو لا يسع (جميع) (٣) الخلق، وإن كان قد روي أن مسافته ألف سنة صعودًا، وألف سنة هبوطًا، وألف سنة استواء، ولكن الخلق أكثر من ذَلِكَ، فيقوم من فصل على الصراط على متن جهنم، وهي كإهالة، وهي الأرض التي قال عبد الله: إنها أرض من نار يعرق فيها البشر، فإذا حوسب الناس عليها -أعني: الأرض المسماة بالساهرة- وجاوزوا الصراط، وجعل

стр. 18040

أهل الجنان من وراء الصراط، وأهل النيران في النار، وقام الناس على حياض الأنبياء يشربون، وبدلت الأرض كقرصة نقي؛ فأكلوا من تحت أرجلهم، وعند دخولهم الجنة كانت خبزة واحدة يأكل منها جميع (الخلق) (١) ممن دخل الجنة وإدامهم زيادة كبد (ثور الجنة، وزيادة كبد) (٢) النون (٣). وفي حديث ثوبان مرفوعًا الثابت في مسلم: "تحفتهم يوم يدخلون الجنة زيادة كبد النون". قال: ما غذاؤهم على إثرها؟ قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" قال: فما شرابهم على إثرها؟ قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا" (٤). وهذا أبين من حديث أبي هريرة (الذي أخرجه البخاري في الباب؛ لأن هذا مرفوع، وذلك آخره من قول اليهودي) (٥)، وهو داخل في المسند لإقراره ﵇ إياه على ذَلِكَ.

стр. 18041

٤٥ - باب كَيْفَ الحَشْرُ ؟ ٦٥٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُحْشَرُ النَّاسُ على ثَلَاثِ طَرَائِقَ. رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا". [مسلم: ٢٨٦١ - فتح: ١١/ ٣٧٧]. ٦٥٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ محَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْن مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الكَافِر على وَجْهِهِ؟ قَالَ: "أَلَيْسَ الذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجلَيْنِ فِي الدُّنيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ ". قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا. [انظر: ٤٧٦٠ - مسلم: ٢٨٠٦ - فتح: ١١/ ٣٧٧]. ٦٥٢٤ - حَدَّثَنَا عَليٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْروٌ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ "إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا". قَالَ سُفْيَانُ: هذا مِمَّا نَعُدُّ أَنَّ ابن عَبَّاسٍ سَمِعَهُ مِن النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٣٤٩ - مسلم: ٢٨٦٠ - فتح: ١١/ ٣٧٧]. ٦٥٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يخطب عَلَى الِمنْبَرِ يَقُولُ: "إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ حفَاةً عُرَاةً غُرْلًا". [انظر: ٣٣٤٩ - مسلم: ٢٨٦٠ - فتح: ١١/ ٣٧٧]. ٦٥٢٦ - حَدّثَنِي محَمَّد بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَر، حَدَّثَنَا شعْبَة، عَنِ الُمغِيرَةِ بْنِ النُّعمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبَيرٍ، عَنِ ابن عَبَّاس قَالَ: قَامَ فِينَا النبيُّ ﷺ يخطب فَقَالَ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورونَ حُفَاةً عُراةً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] الآية. وَإِنَّ أَوَّلَ الخلائق يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبرَاهِيمُ، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيؤخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأقولُ يَا رَبِّ أصحابي فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي

стр. 18042

مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأقولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]. قَالَ: فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ". [انظر:٣٣٤٩ - مسلم: ٢٨٦٠ - فتح: ١١/ ٣٧٧]. ٦٥٢٧ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْن حَفْصٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْن الَحارِثِ، حَدَّثنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي القَاسِم بْنُ محَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. فَقَالَ: "الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ". [مسلم: ٢٨٥٩ - فتح: ١١/ ٣٧٧]. ٦٥٢٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في قُبَّةٍ فَقَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: "تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ". قُلْنَا نَعَمْ. قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ في أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كالشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ". [٦٦٤٢ - مسلم: ٢٢١ - فتح: ١١/ ٣٧٨]. ٦٥٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ القِيَامَةِ آدَمُ، فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ فَيُقَالُ: هذا أَبُوكُم آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِج بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ؟ فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتسْعونَ فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا؟ قَالَ: "إِنَّ أُمَّتِي في الأُمَمِ كالشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ في الثَّوْرِ الأَسْوَدِ". [فتح: ١١/ ٣٧٨].

стр. 18043

ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ رسول الله ﷺ قالَ: "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ. رَاغبِينَ رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا". ثانيها: حديث قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ: "أَليْسَ الذِي أَمْشَاهُ عَلَى رجْلَيْنِ في الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَن يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ ". قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبَنَا. ثالثها: حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقُولُ: "إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا". قَالَ سُفْيَانُ: هذا مِمَّا نَعُدُّ أَنَّ ابن عَبَّاسٍ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِي ﷺ . ثم ساقه بلفظ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: "إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا". ثم ساقه عنه قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠٤]. وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فأقول يَا رَبِّ أصحابي. فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]. فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ".

стр. 18044

رابعها: حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟! قَالَ: "الأَمْرُ أَشَدُّ مِن أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ". خامسها: حديث عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رسول الله ﷺ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: "أترْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: "أَتَرْضَونَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ". قُلْنَا نَعَمْ. قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ البَيْضاءِ فِي جِلْدِ الثَّورِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ". سادسها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُدْعى يَوْمَ القِيَامَةِ آدَمُ ﵇، فتتراءى ذُرِّيَّتُهُ فَيُقَالُ: هذا أَبُوكُمْ آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرَّيتِكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ؟ فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وتسْعِينَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا أَخَذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وتسعين فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا؟ قَالَ: "إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ". (الشرح) (١): حديث ابن عباس ﵄ سلف في ذكر الأنبياء (٢)، وكذا حديث عبد الله، وأبي هريرة (٣).

стр. 18045

وحديث أنس سلف في تفسير الفرقان (١). قال الخطابي: والمذكور هنا في الحشر إنما يكون قبل قيام الساعة، يحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر الذي بعد البعث من القبور فعلى خلاف هذِه الصورة، من ركوب الإبلِ، والمعاقبة عليها، إنما هو على ما ورد في الخبر: "يبعثون حفاة غرلاً" قال: وقيل: إن هذا في البعث دون الحشر، فليس بين الحديثين تضاد، قال: وقوله: ("عشرة على بعير") يعني أنهم يعتقبون البعير الواحد يركب بعضهم، ويمشي (الباقون) (٢) عقبًا بينهم (٣). وقال الداودي: يحملون على قدر أعمالهم، والاثنان على البعير أفضل من الثلاثة، والثلاثة أفضل من أكثر منهم. وقوله: ("تقيل معهم حيث قالوا") إلى آخره يدل أنهم يقيمون كذلك أيامًا. وقال قتادة في تفسير قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] هي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وترحل فيرحلون، وتأكل من تخلف (٤). وقوله: ("أليس الذي أمشاه") إلى آخره، ظاهره: أنه يمشي على وجهه حقيقة، وقيل: هو مثل الكافر والمؤمن أن هذا ضال وهذا مهتد، وهذا قول مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ (٥) [الملك: ٢٢].

стр. 18046

وقال قتادة في تفسير (الآية) (١) بل هو حقيقة (٢)، وظاهر الحديث هنا حجة له. وقوله: ("غرلاً") أي: غلفًا غير مختونين، غلام أغرل، أي: أقلف، والغرلة: القلفة. وقوله: ("يُهمهم") هو بضم أوله، يقال: أهمني الأمر: أحزنني، وأقلقني، وهمني المرض: أذابني، وهممت بالشيء: إذا أردته. قال ابن التين: رويناه بالضم على أنه رباعي من: أهمني الأمر، أي: أقلقني، وفي بعض الروايات بفتحها لعله من: همني المرض إذا أذابني، والأول أبين، قال تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. فصل: وقوله: ("إن أول الخلائق يكسى إبراهيم ﵇") فيه: فضل له بذلك، ويؤتى محمد الشفاعة، ولم يؤتها أحد غيره. وقوله: ("فيؤخذ بهم ذات الشمال") إلى آخره هو تحذير لأصحابه أن لا يحدثوا بعده حدثًا، ولعلهم المنافقون، ويحتمل أن يسموا له فلا يسميهم تحذيرًا لغيرهم، ويحتمل أن لا يسموا له. ("والعبد الصالح") عيسى - صلوات الله وسلامه عليه -. ("والردة"): الكفر بعد الإيمان، وارتد بعده قوم من العرب، وقتل من قتل على ردته، وأحرق الصديق بعضهم بالنار، ولعل بعض من راجع الإيمان لم يخلص إيمانه.

стр. 18047

فصل: وقوله: ("في قبة") إنما كان ذلك يفعل في السفر. وقوله: ("أترضون") إلى آخره خرج مخرج الاستفهام، وأريد به البشرى، وبشر بالأقل بالأول، ثم بالأكثر ليعلم سرورهم. فصل: قوله: ("كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود") وفي الحديث الآتي في الباب بعده، أو "كالرقمة في ذراع الحمار" (١)، فالشعرة على التقليل والتكثير؛ لأنه لا يكون ثورًا ليس في جلده إلا مائة شعرة، والرقمة: يحتمل أن تكون على الحقيقة. وقوله: ("أخرج بعث جهنم") أي: جنسها وأهلها، يقال: كنت في بعث فلان. بفتح الباء، أي: في جنسه الذي بُعث. وقوله: ("من كل مائة تسعة وتسعين") قال الداودي: هذا المحفوظ الموجود على العيان؛ لكثرة الأمم، وقلة المسلمين، وقال أيضًا: "من يأجوج، ومأجوج ألفًا إلا واحدًا، ومنكم واحد" وهذا على التكثير؛ لأن سواهم من الكفار لا يدخلون الجنة، ومن لم يدخلها دخل النار. فصل: الحشر على أربعة أوجه: حشران في الدنيا، ومثلهما في الآخرة، فأما اللذان في الدنيا، فقوله تعالى: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]. قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم الجلاء، وكان الله قد كتبه عليهم، فلولا ذَلِكَ لعذبهم في الدنيا (٢)، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام كما سلف.

стр. 18048

قال ابن عباس: من شك في أن الحشر في الشام فليقرأ هذِه الآية، وذلك أنه ﵇ قال لهم: "اخرجوا" قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر" (١) قال قتادة: هذا أول الحشر (٢). الثاني: ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ في الباب، وقال قتادة: إنه نار تحشرهم كما سلف. قال عياض: هذا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها كما ذكره مسلم، وآخر ذَلِكَ نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس. وفي رواية: تطرد الناس إلى محشرهم، وفي حديث آخر: "لا تقوم الساعة حَتَّى تخرج نار من أرض الحجاز" (٣) ويدل أنها قبل يوم القيامة قوله: "فتقيل معهم" إلى آخره، وفي رواية لغير مسلم: "إذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام" (٤). وذكر الحليمي في "منهاجه": أن ذَلِكَ في الآخرة، فقال: يحتمل أن قوله ﵇: "يحشر الناس على ثلاث طرائق" إشارة إلى الأبرار، (والمخلّطين) (٥)، والكفار؛ فالأبرار هم الراغبون إلى الله فيما أعد لهم من ثوابه، والراغبون: هم الذين بين الخوف والرجاء. فأما الأبرار: فإنهم يأتون بالنجائب، وأما (المخلطون) (٦): فهم الذين أريدوا في الحديث، وقيل إنهم يحملون على الأبعرة (٧).

стр. 18049

وأما الفجار: فهم المحشورون إلى النار، وذلك أن الله تعالى يبعث إليهم ملائكة؛ فيقيض لهم نارًا تسوقهم، ولم يرد في هذا الحديث إلا ذكر البعير، فإما أن يكون ذَلِكَ من إبل الجنة أو من الإبل التي تجيء وتحشر يوم القيامة، فهذا ما لم يأت بيانه، والأشبه أن لا يكون من نجائب الجنة؛ لأنه حملها الأبرار وكان مع ذَلِكَ من جملة المؤمنين فإنهم بين الخوف والرجاء؛ لأن من هؤلاء من يغفر الله ذنوبه؛ فيدخل الجنة، ومنهم من يعاقبه بالنار، ثم يخرجه (منها) (١)، ويدخله الجنة، وإذا كان كذلك لم يبق أن يردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، ثم ينزل عنها بعضهم إلى النار؛ لأن من أكرمه الله بالجنة مرة لم يهنه بعد ذَلِكَ بالنار. وفي لفظ: عن أبي هريرة ﵁ وذكر الحشر، "أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك" (٢)، فهذا إن ثبت مرفوعًا (٣)، فالركبان هم المتقون السابقون الذين يغفر الله ذنوبهم عند الحساب فلا يعذبهم، إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة، والآخرون على دواب سوى دواب الجنة. وقال البيهقي: الراغبون يحتمل أن تكون إشارة إلى الأبرار. والراهبون: المخلطون الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين تحشرهم النار هم الكفار، ويحتمل أن يكون هذا وقت الحشر إلى موقف الحساب (٤).

стр. 18050

وأما ما ورد من حشرهم حفاة عراة غرلاً ففي وقت النشور من القبور، ويحتمل أن يكون هذا معنى قوله: "راغبون وراهبون" في وقت حشرِهم إلى الجنة بعد الفراغ من الحساب، والأول أولى. والصنف الثاني: الذين يعذبهم الله بذنوبهم ثم يخرجهم من النار إلى الجنة، وهؤلاء يكونون مشاة على أقدامهم، وقد يحتمل على هذا أن يمشوا وقتًا ويركبون ثم يركبون أو يكونوا ركبانًا، فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا ليتفق الحديثان. والصنف الثالث: المشاة على وجوههم، وهم الكفار، وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف: صنف مسلمون، وهم ركبان، وصنفان من الكفار، أحدهما: الأعلام، فهؤلاء يحشرون على وجوهم، والآخرون: الأتباع فهم يمشون على أقدامهم، وإلى هذا ذهب الغزالي في "كشف علوم الآخرة" فإنه لما ذكر: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس؟ قال: "اثنان على بعير، وخمسة على بعير، وعشرة على بعير". قال: معناه -والله أعلم- أن قوماً يأتلفون في الإسلام برحمة الله يخلق لهم من أعمالهم بعيرًا يركبون عليه، وهذا من ضعف العمل لكونهم يشتركون فيه كقوم خرجوا من سفر بعيد، وليس مع أحد منهم ما يشتري مطية توصله فاشترك في ثمنها اثنان أو ثلاثة ابتاعوا مطية يتعقبون عليها في الطريق، ويبلغ بعير مع عشرة، فاعمل هداك الله عملاً يكون لك بعير خالص من الشركة، واعلم أن ذَلِكَ هو المتجر الرابح، والمضمون والله. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. وفي "غريب الرواية" أنه ﵇ قال يومًا لأصحابه: "كان رجل من بني إسرائيل كثيرًا ما يفعل الخير حَتَّى إنه ليحشر فيكم" قالوا: وما كان

стр. 18051

يصنع؟ قال: "ورث من أبيه مالاً كثيرًا فاشترى بستانًا؛ فحبسه للملائكة، وقال: هذا بستاني عند الله، وفرق دنانير (عديدة) (١) في الضعفاء، وقال: أشتري بهذا جارية من الله وعبدًا، وأعتق رقابًا كثيرة، وقال: هؤلاء خدمي عند الله، والتفت ذات يوم إلى رجل ضرير البصر فرآه تارة يمشي، وتارة يكبو فابتاع له مطية يسير عليها، وقال: هذِه مطيتي عند الله أركبها، وقال: والذي نفسي بيده لكأني أنظر إليها وقد جيء بها إليه مسرجة ملجمة فركبها ليسير بها إلى الموقف". وكان ما ذكره عياض من أن ذَلِكَ في الدنيا أظهر لما في نفس الحديث من ذكر المساء، والمبيت، والقائلة، والصباح (٢)، وليس ذَلِكَ في الآخرة، يوضحه حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا عند الترمذي: "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم" قيل: يا رسول الله: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك" (٣)، وهذا يدل على أنه في الدنيا إذ ليس في الآخرة على ما سلف من أن المحشر على أرض كقرصة النقي، فليس فيها شوك ولا حدب. وروى النسائي من حديث أبي ذر مرفوعًا: "الناس يحشرون ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم، وتحشر النار أفواجاً يمشون ويسعون، يلقي الله الآفة على

стр. 18052

الظهر فلا يبقى، حَتَّى إن الرجل لتكون له الحديقة يغطيها نبات القتب فلا يقدر عليها" (١). قال البيهقي: يحتمل أن يكون أراد بالفوج الثاني: المسلمين الذين خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، فيكونون مشاة، والأبرار ركباناً (٢). فصل: روى أبو زيد عمر بن شبة في كتابه "أخبار المدينة" عن أبي هريرة ﵁ قال: آخر من يحشر رجلان رجل من جهينة، وآخر من مزينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعالب، فينزل إليهما ملكان يسحبانهما على وجوههما حَتَّى يلحقاهما بالناس (٣). فصل: روى البيهقي من حديث حماد بن سلمة، أنا أبو قزعة الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشرون ها هنا -وأومأ بيده نحو الشام- مشاة وركبانًا، وعلى وجوههم". وفي كتاب أبي نعيم، عن عبد الله بن عمرو: "ثم يبعث الله بعد قبض عيسى، وأرواح المؤمنين بتلك الريح الطيبة نارًا تخرج من نواحي الأرض يحشر الناس والدواب إلى الشام" (٤). وعن معاذ: "يحشر الناس أثلاثًا: ثلثًا على ظهور الخيل، وثلثًا يحملون أولادهم على عواتقهم، وثلثًا على وجوههم مع القردة والخنازير إلى الشام، فيكون الذين يحشرون إلى الشام لا يعرفون حقًّا

стр. 18053

ولا فريضة، ولا يعملون بكتاب ولا سنة، يتهارجون هم والجن مائة سنة تهارج الحمر والكلاب، وأول ما يفجأ الناس بعد من أمر الساعة أن يبعث الله ليلًا ريحًا فتقبض كل دينار ودرهم، فتذهب به إلى بيت المقدس، ثم يشق الله بنيان بيت المقدس فينبذه في البحيرة (١). وعن عكرمة قال: يحشر الناس نحو الشام، وأول من يحشر من هذِه الأمة النضير (٢) وكله دال على أنه في الدنيا كما سلف، وأما في الآخرة فحالهم مختلف كما مر. فصل: والصنف الآخر حشرهم إلى الموقف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] أي: ركبانًا على النجب، وقيل: على الأعمال. وفي البيهقي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن النعمان بن سعيد، عن علي مرفوعًا في الآية: قال: "أما إنهم يحشرون على أقدامهم، ولا يساقون سوقًا، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم ينظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب، وأزَّمتها الزبرجد؛ فيقعدون عليها حَتَّى يقرعوا باب الجنة" وكذا ذكره ابن عباس فيما ذكره عنه أبو عَمرو عثمان بن أحمد الدقاق في "أهواله". فصل: روى الطبراني في أوسط معاجمه من حديث معاذ مرفوعًا: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بأربعين عامًا، وإن صالح العبيد

стр. 18054

يدخلون الجنة قبل الآخرين بأربعين عامًا، وإن أهل المدائن يدخلون الجنة قبل أهل الرساتيق بأربعين عامًا لفضل المدائن بالجمعة والجماعات وحلق الذكر، وإذا كان بلاءً خصوا به دونهم" (١). فصل: وسمى المتقين وفدًا لأنهم يسبقون الناس إلى حيث يدعون إليه، فهم لا ينتظرون أحدًا لكنهم يجدون ويسرعون، والملائكة تتلقاهم بالبشارات، كما قال تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فيزيدهم ذَلِكَ إسراعًا، وحق للمتقين أن يسبقوا لسبقهم في الدنيا إلى الطاعات. فصل: (قوله) (٢) (﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾) [مريم: ٨٦] أي: عطاشًا وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤] وهذا هو الحشر الرابع. فصل: وقد ورد آيات في الحشر ظاهرها التعارض، منها قوله ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]. وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧].

стр. 18055

وفي (رواية) (١) أخرى: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ [يس: ٥٢] وهذا كلام، وهو يضاد البكم، والتعارف تخاطب وهو مضاد للصمم والبكم معًا. وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: ٦]، والسؤال لا يكون إلا بإسماع أو لناطق يتسع للجواب. وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقال: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُون﴾ [المعارج: ٤٣]، والنسلان، والإسراع يخالفان الحشر على الوجوه. والجواب عن هذا أن يقال: الناس إذا جيئوا وبعثوا من قبورهم، فليست حالتهم واحدة ولا مقامهم ولا موقفهم واحد. وجملة ذَلِكَ أنها خمسة أحوال: حالة بعث من القبور، وحال سوق إلى موضع الحساب، وحال محاسبة، وحال سوق إلى دار الجزاء، وحال مقامهم في الدار الذي يستقرون فيها. فأما الأول: (فإن الكفار) (٢) يكونون كاملي الحواس والجوارح؛ لقوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وقوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣]، وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] وقوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿يُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٥]. والثاني: وهم أيضًا في هذِه الحالة بحواس تامة، كقوله تعالى:

стр. 18056

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية [الصافات: ٢٢]، ومعنى: اهدوهم: دلوهم، ولا دلالة لأعمى أصم، ولا سؤال لأبكم، فيثبت بهذا أنهم يكونون بأبصار وأسماع وألسنة ناطقة. والثالثة: ويكونون فيها أيضًا كاملي الحواس؛ ليسمعوا ما يقال لهم، ويقرءوا كتبهم الناطقة بأعمالهم، وتشهد عليهم جوارحهم بسيئاتهم ويسمعوها، وقد أخبر الله عنهم أنهم يقولون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ﴾ الآية [الكهف: ٤٩]، وأنهم يقولون لجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١]، وليشاهدوا أحوال القيامة، وما كانوا مكذبين به في الدنيا من شدتها، وتصرف الأحوال بالناس فيها. والرابعة: وهو السوق إلى جهنم؛ فإنهم يسلبون فيها أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم؛ لقوله ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ الآية [الإسراء: ٩٧]. ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إشارة إلى ما يشعرون به من سلب الأبصار والأسماع والمنطق. والخامسة: دار الإقامة في النار، وينقسم إلى بدء ومآل فتقدرها، إذا قطعوا المسافة التي بين موقف الحساب وشفير جهنم عميًا وبكمًا وصمًا؛ إذلالًا لهم وتمييزًا عن غيرهم؛ فترد الحواس إليهم ليشهدوا النار، وما أعد لهم فيها من العذاب، ويعاينون ملائكة العذاب، وكل ما كانوا به مكذبين، فيستقرون في النار ناطقين مبصرين سامعين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ﴾ الآية [الشورى: ٤٥]. وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]، وقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ الآية [الأعراف: ٣٨]، وقال: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ الآية [الملك: ٨]، وأخبر تعالى أنهم ينادون أهل الجنة

стр. 18057

فيقولون: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] وإن أهل الجنة ينادونهم ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]، وأنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩]، فيقولون لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]. وأما العقبى والمآل فإنهم إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٧]، فقال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وكتب عليهم الخلود بالمثل الذي يضرب لهم، وهو أن يؤتى بكبش، ويسمى الموت، فيذبح على الصراط بين الجنة والنار، وينادى بالخلود (١)، سلبوا في ذَلِكَ الموقف أسماعهم، وقد يجوز أن يسلبوا الأبصار، ولكن سلب السمع يقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠]، فإذا سلبوا الأسماع صاروا إلى الزفير والشهيق. قال الضحاك فيما رواه ابن معبد في "الطاعة": فعند قوله: ﴿اخْسَئُوا﴾ يصيرون صمًّا لا يسمعون، وبكمًا لا ينطقون، وعميًا لا يبصرون، ويحتمل أن تكون الحكمة في سلب الأسماع من قبل؛ أنهم سمعوا نداء الرب على ألسنة رسله فلم يجيبوه، بل جحدوه، وكذبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحته، فلما كانت حجة الله عليهم في الدنيا الأسماع، عاقبهم على كفرهم في الأخرى بسلبه، يوضحه أنهم كانوا يقولون لرسول الله: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]، وقالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وأن قوم نوح كانوا

стр. 18058

يستغشون ثيابهم تسترًا منه لئلا يروه، ولا يسمعون كلامه، وقد أخبر الله عن الكفار في نبينا مثله، فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥]، وإن سلب أبصارهم فلأنهم أبصروا العبر فلم يعتبروا، والنطق فلأنهم أوتوه فكفروا، وقد تقدم طرف من هذا في ذكر آدم - عليه أفضل الصلاة والسلام -.

стр. 18059

٤٦ - باب: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]. ٦٥٣٠ - حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَقُولُ اللهُ يَا آدَمُ. فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. قَالَ يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ". فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولُ اللهِ أَيُّنَا الرَّجُلُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ وَمِنْكُمْ رَجُلٌ -ثُمَّ قَالَ- وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ، إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ فَحَمِدْنَا اللهَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ". [انظر: ٣٣٤٨ - مسلم: ٢٢٢ - فتح: ١١/ ٣٨٨]. ثم ساق حديث أَبِي سَعِيد ﵁، قَالَ: "يَقُولُ اللهُ يَا آدَمُ". الحديث بطوله، وقد سلف. قال علقمة: ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾: قبل القيامة، وحديث الباب: "أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. فَذَلكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا". و ﴿سُكَارَى﴾ أي: من العذاب والخوف، ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾: من الشراب. وقوله: ("فذلك حين يشيب الصغير") إلى آخره. قال الداودي: هذا كقوله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]،

стр. 18060

وما فوقها داخل في حكمها، وأوكد منها، وكذلك شيب الكبير، وتضع الحوامل فيصير السقط رجلاً، فولدان المسلمين يشفعون لآبائهم، والله أعلم بما يصنع ببني الكفار. قلت: المختار أنهم في الجنة، واحتج بهذِه الآية من يرى أن المفقود يسمى شيئًا، وهو معهود خلافًا للأشعرية، وانفصلوا بأن التقدير ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ إذا حضرت أو وجدت شيء عظيم. وقوله: ("شطر أهل الجنة") أي: نصفها. وقوله: ("أو كرقمة في ذراع حمار") قال الجوهري: الرقمتان: هنتان في قوائم الشاة متقابلتان كالظفرين، ورقمتا الحمار والفرس اللتان بباطن أعضادهما (١). وقال الداودي: الرقمة في ذراع الحمار: الشيء المستدير الذي لا شعر فيه، وسميت بذلك؛ لأنها كالرقم.

стр. 18061

٤٧ - باب قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين ٤: ٦] وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قَالَ: الوُصُلَاتُ فِي الدُّنْيَا. ٦٥٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) قَالَ: "يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ" [انظر: ٤٩٣٨ - مسلم: ٢٨٦٢ - فتح: ١١/ ٣٩٢]. ٦٥٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ". [مسلم: ٢٨٦٣ - فتح: ١١/ ٣٩٢]. ذكر في حديث ابن عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ قَالَ: "يَقُومُ أَحَدُهُمْ في رَشْحِهِ إلى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ". ولمسلم: "يغيب" بدل "يقوم" (١). (وقد سلف في تفسير سورة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١] أيضًا بإسنادٍ آخر إلى ابن عمر) (٢).

стр. 18062

وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -قَالَ: "يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ اَذَانَهُمْ". الشرح: الوصلات: ضبطناه بضم الصاد، ويجوز إسكانها، وفتحها أيضًا، كما نبه عليه ابن التين، وقال الجوهري: جمع وصلة: وصل (١)، ويعرق بفتح الراء في مستقبله، وكسرها في ماضيه، و"يُلجمهم" بضم الياء من ألجم، يلجم. والرشح: العرق. ولفظ البيهقي في حديث ابن عمر ﵄: "أن الشمس لتدنوا حَتَّى يبلغ العرق نصف الأذن" (٢). وله من حديث إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا: "إن الكافر ليلجم بعرقه يوم القيامة من طول ذَلِكَ اليوم حَتَّى يقول رب أرحني ولو إلى النار" (٣). ومن حديث أبي خالد الدالاني، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة ﵁ قال: "يحشر الناس حفاة، عراة، مشاة غرلاً، قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء- قال: فيلجمهم العرق من شدة الكرب". الحديث. وكان كعب الأحبار يزعم: أنهم يقومون مقدار ثلاثمائة عام.

стр. 18063

وروى مسلم من حديث المقداد ﵁ مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حَتَّى تكون (منهم كمقدار) (١) ميل أو ميلين" قال سُليم: (لا) (٢) (أدري) (٣) (أراد أي الميلين) (٤)، أمسافة الأرض؟ أم الميل الذي تكتحل به العين، قال: " (فتصهرهم) (٥) الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا" قال: فرأيت رسول الله ﷺ وهو يشير بيده إلى فيه (٦). وروى البيهقي من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، (فمن الناس) (٧) من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ نصف ساقيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ فاه -فأشار بيده فألجمها- ومنهم من يغطيه عرقه، وضرب بيده على رأسه هكذا" (٨). وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: الأرض يوم القيامة كلها نار، والجنة من ورائها ترى (كواكبها) (٩)، وكواعبها؛ فيعرق الرجل حَتَّى يرشح عرقه في الأرض قدر قامته، ثم يرتفع حَتَّى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب (١٠).

стр. 18064

وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: يشتد كرب ذَلِكَ اليوم حَتَّى يلجم الكافر العرق، قيل له: فأين المؤمنون؟ قال: على كراسي من ذهب، ويظل عليهم الغمام (١). وعن أبي ظبيان قال أبو موسى: الشمس فوق رءوس الناس، وأعمالهم تظله. وروى ابن المبارك في "رقائقه" من حديث شهر، حَدَّثَني ابن عباس ﵄: " (إن الله) (٢) يحشر الأمم من الإنس والجن عراة أذلاء، قد نزع الملك من ملوك أهل الأرض، ولزمهم الصغار بعد عتوهم، والذلة بعد تجبرهم على عباد الله في أرضه حَتَّى إذا وافوا الموقف أهل السماوات السبع، والأرضين السبع كسيت الشمس حر سبع سنين، ثم أدنيت من الخلائق قاب قوس أو قوسين". الحديث بطوله (٣). وفي "كشف علوم الآخرة" للغزالي: الخلق يتداخل إلى أن يبقى على القدم ألف يوم لشدة الزحام، ولخوض الناس في العرق في أنواع مختلفة، ومنهم من يصيبه يسير، كالقاعد في الحمام، ومنهم من يصيبه البلة كالعاطش إذا شرب الماء، وكيف لا يكون القلق والعرق وقد قربت الشمس من رءوسهم حَتَّى لو مد أحدهم يده لنالها مع تضاعف حرها إلى سبعين مرة. قال بعض السلف: لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض، وذاب الصخر، ونشفت الأنهار فيقفون كذلك ألف عام، فإذا بالعرش يحمله ثمانية أملاك، فلا يزالون كذلك يموج بعضهم في بعض ألف عام، والجليل ﷻ لا يكلمهم كلمة واحدة، فحينئذٍ يذهب الناس إلى آدم فيسألونه الشفاعة في فصل القضاء.

стр. 18065

وروى ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان الخير قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين، ثم تُدنى من جماجم الناس حَتَّى تكون قاب قوسين قال: فيعرقون حَتَّى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم ترتفع حَتَّى يغرغر الرجل. قال سلمان: حَتَّى يقول الرجل: غرغر (١). وروى هناد بن السرى: حَدَّثَنَا قبيصة، عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان بلفظ: ولا يجد حرها مؤمن ولا مؤمنة، وأما الكفار (تطحنهم طحنًا) (٢) حَتَّى يسمع (لأجوافهم) (٣) غق غق (٤). والمراد من هذا: لا (تضير) (٥) مؤمنًا كامل الإيمان، أو من استظل، كما سلف من حديث المقداد. وروى ابن المبارك، عن مالك بن مغول، عن عبيد الله بن العيزار قال: يزاد في حر الشمس يومئذٍ تسعة وستون ضعفًا (٦). وروى الوائلي من حديث عبد الله بن عمرو قال: تلا رسول الله ﷺ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] ثم قال: "كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم" (٧).
следующие страницы →