← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

الحديث الثاني: حَدَّثنَا آدَمُ، ثنَا شُعْبَةُ، ثنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ. ثم سمعته بَعْدُ يقول: كان يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم. هذا الحديث أخرجه في باب الصلاة في مرابض الغنم أيضًا (١)، وأخرجه مسلم هناك (٢). ومرابض الغنم: مباركها ومواضع مبيتها، ووضعها أجسادها على الأرض للاستراحة. قَالَ ابن دريد: ويقال ذَلِكَ أيضًا لكل دابة من ذوات الحافر والسباع (٣). وقال ابن سيده: هو كالبروك للإبل والأصل للغنم (٤). وقد يستدل به من يقول بطهارة بول المأكول وروثه، وقد ينازع فيه. نعم، فيه الصلاة في مرابض الغنم ولا كراهة فيها بخلاف أعطان الإبل، وقد قَالَ ﷺ : "إن لم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل، فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل". رواه الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا. وقال: حسن صحيح (٥). وقال البيهقي: وقفه أصح (٦). وللحاكم في: "تاريخ نيسابور" من حديث أبي حيان، عن أبي

стр. 2207

زرعة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "الغنم من دواب الجنة، فامسحوا رغامها، وصلُّوا في مرابضها"، وللبزار في "مسنده": "أحسنوا إليها وأميطوا عنها الأذى" (١). وفي حديث عبد الله بن المغفل (٢): "صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين" (٣) وفي لفظ: "فإنها جن خلقت من جن، ألا ترى أنها إذا نفرت كيف تشمخ

стр. 2208

بأنفها" (١)، وقال في الغنم: "فإنها سكينة وبركة" (٢). وروي الفرق بينهما من حديث جماعة من الصحابة أيضًا، وفي "الصحيح" في حديث رافع بن خديج: "إن لهذِه الابل أوابد كأوابد الوحش" (٣). قَالَ ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم، على إباحة الصلاة في مرابض الغنم، إلا الشافعي فإنه قَالَ: لا أكره الصلاة في مرابض الغنم إذا كان سليمًا من أبعارها وأبوالها، وممن روينا عنه إجازة ذَلِكَ، وفعله ابن عمر (٤) وجابر (٥) وأبو ذر (٦) و (ابن الزبير) (٧) والحسن

стр. 2209

وابن سيرين (١) والنخعي (٢) وعطاء (٣). وقال ابن بطال: حديث الباب حجة على الشافعي؛ لأن الحديث ليس فيه تخصيص موضع من آخر، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من البعر. والبول، فدل على الإباحة وعلى طهارة البول والبعر (٤). قُلْتُ: الشارع قد علل عدم الكراهة فيها بغير ذَلِكَ كما سلف، إذ أعطان الإبل غالبًا لا تسلم من ذَلِكَ والكراهة باقية. فرع: قَالَ ابن المنذر: تجوز الصلاة أيضًا في مراح البقر؛ لعموم قوله: "أينما أدركتك الصلاة فصلِّ" (٥) وهو قول عطاء (٦) ومالك (٧). قُلْتُ: قد ورد ذَلِكَ مصرحًا به، ففي "مسند عبد الله بن وهب المصري" عن سعيد بن أبي أيوب، عن رجل حدثه، عن ابن المغفل: نهى النبي ﷺ أن يصلى في معاطن الإبل، وأمر أن يصلى في مراح البقر والغنم (٨).

стр. 2210

٦٧ - باب مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فيِ السَّمْنِ وَالْمَاءِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا. وقَالَ ابن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ. [فتح: ١/ ٣٤٢] ٢٣٥ - حَدَّثَنَا اِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: "ألقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنكُمْ". [٢٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٣٩، ٥٥٤٠ - فتح: ١/ ٣٤٣] ٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: "خذُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ". قَالَ مَعْنٌ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ مَا لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ. [انظر: ٢٣٥ - فتح: ١/ ٣٤٣] ٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ". [٢٨٠٣، ٥٥٢٣ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ١/ ٣٤٣] (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ).

стр. 2211

وهذا رواه عنه عبد الله بن وهب في "جامعه" فيما حكاه ابن عبد البر يونس عنه (١)، وإنما ذكره البخاري من قول هذا الإمام؛ لأنه روي في حديث أبي أمامة الباهلي وغيره، وإسناده ضعيف (٢). نعم، هو إجماع

стр. 2212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2213

كما نقله الإمام الشافعي، حيث قَالَ: وما قُلْتُ من أنه إذا تغير طعم الماء وريحه ولونه (١) كان نجسًا، فيروى عن النبي ﷺ من وجهٍ لا يُثبت أهل الحديث مثله، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه خلافًا (٢). قَالَ ابن بطال: وقول الزهري هو قول الحسن والنخعي والأوزاعي، ومذهب أهل المدينة، وهي رواية أبي مصعب، عن مالك، وروي عن ابن القاسم: أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة، وإن لم يظهر فيه (٣)، وهو قول الشافعي. قَالَ المهلب: وهذا عند أصحاب مالك على سبيل الاستحسان والكراهية لعين النجاسة وإن قلَّت (٤). قَالَ البخاري: وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ.

стр. 2214

وهذا رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، عن معمر، عن حماد بن أبي سليمان أنه قَالَ: لا بأس بصوف الميتة، ولكنه يغسل، ولا بأس بريش الميتة (١). وهذا مذهب أبي حنيفة أيضًا؛ لقوله في عظام الفيل بناء على أصله أن لا روح فيها، وعند مالك والشافعي نجسة. وقال ابن حبيب: لا خير في ريش الميتة؛ لأنه له سَنَخ، أما ما لا سنخ له مثل الزغب وشبهه، فلا بأس به إذا غسل (٢). قَالَ ابن المنير: ومقصود البخاري بما ترجم له أن المعتبر في النجاسات الصفات، فلما كان ريش الميتة لا يتغير بتغيرها؛ لأنه لا تحله الحياة طَهُر، وكذلك العظام، وكذا الماء إذا خالطه نجاسة ولم تغيره، وكذلك السمن البعيد عن موضع الفأرة، إذا لم يتغير (٣)، كما ساقه البخاري بعد. وقال ابن بطال: رواية ابن القاسم، عن مالك أن قليل الماء ينجس وإن لم يتغير؛ يستنبط من حديث الفأرة فإنه ﷺ منع من أكل السمن لما خشى أن يكون سرى فيه من الميتة المحرمة، وإن لم يتغير لون السمن أو ريحه أو طعمه بموت الفأرة فيه (٤). قَالَ البخاري: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ به بَأْسًا.

стр. 2215

هو مذهب أبي حنيفة -أعني: في عظم الفيل ونحوه-، وخالف مالك والشافعي فقالا بنجاسته لا يدهن فيه ولا يمتشط، إلا أن مالكًا وأبا حنيفة (١) قَالَ: إذا ذكي الفيل فعظمه طاهر (٢). وخالف الشافعي فقال: الذكاة لا تعمل في السباع (٣). وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن من عظام الفيل؛ لأنه ميتة. وفي لفظ: إنه كان يكره عظام الفيل (٤) -يعني: مطلقًا-، وفي "المصنف": وكرهه عمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس (٥). وأما حديث ابن عباس الموقوف: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم، فأما الجلد والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال (٦).

стр. 2216

فتفرد به أبو بكر الهذلي، عن الزهري كما قَالَ يحيى بن معين وليس بشيء، قَالَ البيهقي: وقد روى عبد الجبار بن مسلم -وهو ضعيف- عن الزهري شيئًا معناه (١). وحديث أم سلمة مرفوعًا: "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بشعرها إذا غسل بالماء" (٢) إنما رواه يوسف بن السفر، وهو متروك، وقال ابن المواز: نهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل ولم يطلق تحريمهما؛ لأن عروة وابن شهاب وربيعة أجازوا الامتشاط بها. قَالَ ابن حبيب: وأجاز الليث وابن الماجشون وابن وهب ومطرف وأصبغ الامتشاط بها والادهان فيها، فأما بيعها فلم يرخص فيه إلا ابن وهب، قَالَ: إذا غليت جاز بيعها، وجعله كالدباغ لجلد الميتة يدبغ أنه يباع.

стр. 2217

وقال الليث وابن وهب: إن غلي العظم في ماء سخن وطبخ، جاز الادهان به والامتشاط (١). فائدة: قول الزهري: يُدْهنون يجوز في قراءته ثلاثة أوجهٍ: ضم الياء وإسكان الدال، أي: يُدهنون رءوسهم ولحاهم ونحو ذَلِكَ. وثانيها: تشديد الدال وفتح الهاء وتشديدها. ثالثها: فتح الدال وتشديدها وكسر الهاء من ادَّهن افتعل. قَالَ السفاقسي: وهو ما رويناه وقدم الأول وقال: الآخران جائزان. قَالَ البخاري: وَقَالَ ابن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ. وهذا التعليق عن ابن سيرين أسنده عبد الرزاق في "مصنفه" فقَالَ: حَدَّثنَا الثوري عن هشام، عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بالتجارة بالعاج بأسًا (٢)، وهذا إسناد صحيح، ورخص في بيعه عروة وابن وهب (٣). قَالَ ابن بطال: ومن أجازه فهو عنده طاهر (٤). قَالَ ابن سيده: والعاج: أنياب الفِيَلَة. ولا يسمى غير الناب عاجًا (٥). وقال القزاز: أنكر الخليل أن يسمى غيره عاجًا وذكر غيرهما أن الذبل يسمى عاجًا، وممن صرح به الخطابي، حيث قَالَ:

стр. 2218

العاج: الذبل (١). وأنكر عليه (٢)، وفي "الصحاح" و"المجمل": العاج: عظم الفيل (٣). وفي "الصحاح" أيضًا: المسك: السوار من عاج أو ذبل (٤) فغاير بينهما. وروي أنه ﷺ امتشط بمشط من عاج (٥).

стр. 2219

وروى أبو داود أنه ﷺ قَالَ لثوبان: "اشتر لفاطمة سوارين من عاج" (١) لكنهما ضعيفان، ثم العاج هو: الذبل كما قدمناه، وهو بذال معجمة، ثم باء موحدة، ثم لام، وهو عظم ظهر السلحفاة البحرية، صرح به الأصمعي وابن قتيبة وغيرهما من أهل اللغة. وقال أبو علي البغدادي (٢): العرب تسمي كل عظم عاجًا.

стр. 2220

قُلْتُ: فلا يكون العظم -أعني: عظم الفيل- هنا مرادًا؛ لأنه ميتة فلا تستعمل، وواحدة العاج عاجة. ثم ذكر البخاري في الباب حديث ميمونة وحديث أبي هريرة. أما حديث ميمونة فقال فيه: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَن ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: "أَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنكُمْ". حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، "ثَنَا مَعْنٌ، ثنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْن عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: "خُذُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ". قَالَ مَعْنٌ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ. وهذا الحديث أخرجه في الذبائح (١) أيضًا وهو من أفراده عن مسلم، وأخرجه أبو داود والترمذي في الأطعمة (٢) والنسائي في الذبائح (٣)، وأفاد البخاري بالطريق الثاني، -وإن كان نازلًا- متابعة إسماعيل وقول معن السالف. وفي إسناده اختلاف كثير بينه الدارقطني، حيث روي تارة بإسقاط ميمونة من حديث الزهري ومالك، وتارة بإسقاط ابن عباس، وتارة

стр. 2221

من حديث ابن مسعود، وتارة من حديث سالم، عن أبيه قَالَ: وهو وهم (١). وقال أبو عمر: هذا اضطراب شديد من مالك (٢). ورواه أبو داود من حديث أبي هريرة (٣) وقال الإسماعيلي: الحديث معلول، وفي رواية سئل الزهري عن الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد تقع فيه الفأرة أو غيرها فقال: بلغنا أن رسول الله ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قَرُب منها فطرح، ثم أكل (٤). وفي سنن أبي داود: "إن كان مائعًا فلا تقربوه" (٥). إذا تقرر ذَلِكَ فالإجماع قائم كما نقله ابن عبد البر على أن الفأرة وشبهها من الحيوان تموت في سمن جامد أو ما كان مثله من الجامدات، أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد ويؤكل سائره، إذا استوثق أن الميتة لا تصل إليه. وكذا أجمعوا أن السمن وما كان مثله إذا كان مائعًا ذائبًا، فماتت فيه فأرة أو وقعت فيه وهي ميتة، أنه نجس كله، وسواء وقعت فيه ميتة أو حية، فماتت ينجس بذلك قليلًا كان أو كثيرًا، هذا قول جمهور

стр. 2222

الفقهاء وجماعة العلماء، وقد شذ قوم (١) فجعلوا المائع كله كالجامد، ولا وجه للاشتغال بشذوذهم، ولا هم عند أهل العلم ممن يُعد لهم خلاف. وسلك ابن علي (٢) في ذَلِكَ مسلكهم، إلا في السمن الجامد والذائب، فإنه يتبع ظاهر هذا الحديث، وخالف معناه في العسل والخل، وسائر المائعات، فجعلها كلها في لحوق النجاسة إياها بما ظهر فيها، فشذ أيضًا، ويلزمه ألا يتعدى الفأرة كما لا يتعدى السمن. قَالَ: واختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته. فقالت طائفة من العلماء: لا يستصبح به ولا ينتفع بشيء منه، وممن قَالَ ذَلِكَ: الحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، محتجين بالرواية السالفة: "وإن كان مائعًا فلا تقربوه" ولعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز. وقال آخرون بجواز الاستصباح به والانتفاع في كل شيء إلا الأكل والبيع، وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري، أما الأكل فمجمع على تحريمه، إلا الشذوذ الذي ذكرناه، كما نبه عليه ابن عبد البر (٣). وأما الاستصباح فروي عن علي (٤) وابن عمر (٥) أنهما أجازا ذَلِكَ، ومن حجتهم في تحريم بيعها قوله: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم

стр. 2223

الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه" (١). وقال آخرون: ينتفع به وجائز أن يبيعه ويبِّين ولا يأكله، وممن قَالَ ذَلِكَ أبو حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد، وقد روي عن أبي موسى الأشعري (٢) والقاسم وسالم محتجين بالرواية الأخرى، "وإن كان مائعًا، فاستصبحوا به وانتفعوا" والبيع من باب الانتفاع (٣). وأما قوله في حديث عبد الرزاق: "وإن كان مائعًا، فلا تقربوه" يحتمل أن يريد به الأكل. وقد أجرى ﷺ التحريم في شحوم الميتة في كل وجه، ومنع الانتفاع بشيء منها، وقد أباح في السمن يقع فيه الميتة الانتفاع به، فدل على جواز وجوه سائر الانتفاع غير الأكل، ومن جهة النظر أن شحوم الميتة محرمة العين والذات. وأما الزيت يقع فيه الميتة، فإنها تنجس بالمجاورة، وما ينجس بالمجاورة فبيعه جائز، كالثوب تصيبه النجاسة من الدم وغيره. وأما قوله: "إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه". فإنما خرج على شحوم الميتة التي حرم أكلها، ولم يبح الانتفاع بشيء منها، وكذلك الخمر، وأجاز عبد الله بن نافع غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة،

стр. 2224

وروي عن مالك أيضًا (١)، وصفته: أن تَعْمُد إلى ثلاث آوان أو أكثر، فيجعل الزيت النجس في واحدة منها، حتى يكون نصفها أو نحوه، ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ، ثم يؤخذ الزيت من على الماء، ثم يجعل في آخر ويعمل به كذلك، ثم في آخر. وهو قول ليس لقائله سلف، ولا تسكن إليه النفس؛ لأنه لو كان جائزًا لما خفي على المتقدمين. وقد روي عن عطاء قولُ تفرد به، روى عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه، قَالَ: ذكروا أنه يدهن به السفن ولا يمس، ولكن يؤخذ بعود. قُلْتُ: يدهن به غير السفن؟ قَالَ: لم أعلم. قُلْتُ: وأين يدهن به من السفن؟ قَالَ: ظهورها ولا يدهن بطونها. قُلْتُ: فلابد أن تمس؟ قَالَ: تغسل اليد من مسه (٢). وقد روي من حديث جابر المنعُ من الدهن به (٣)، وعند سحنون أن موتها في الزيت الكثير غير ضار، وليس الزيت كالماء، وعن عبد الملك: إذا وقعت فأرة أو دجاجة في زيت أو بئر، فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه أزيل ذَلِكَ منه ولم ينجس، وإن ماتت فيه ينجس وإن كثر (٤). ووقع في كلام ابن العربي أن الفأرة عند مالك طاهرة خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥)، ولا نعلم عندنا خلافًا في طهارتها في حال حياتها (٦).

стр. 2225

وحاصل الحديث فوائد: إلقاء ما نجس من الطعام مع العين النجسة، وأكل ما لم يصبه، وأن هذا حكم الجامد (١). أما المائع فمخالف له كما سلف في الرواية الأخرى "وإن كان مائعًا، فلا تقربوه" جمعًا بين الروايتين، وعن سحنون: أنه إذا طال مكث الميتة يطرح السمن كله؛ أي: لأنه قد يذوب في بعض تلك الأحوال، فتخالطه النجاسة، حكاه الداودي في "شرحه". الحديث الثاني: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنَا عَبْدُ اللهِ، أنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ كَلْم يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ". الكلام عليه من أوجه: أحدها: عبد الله هو ابن المبارك وقد سلف. وأحمد شيخ البخاري فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أحمد بن محمد بن موسى عُرف بمِرْدويه، قاله الحاكم أبو عبد الله، والكلاباذي، والإمام أبو نصر (٢) حامد بن محمود بن علي

стр. 2226

الفزاري في كتابه "مختصر البخاري"، وأخرج له مع البخاري أبو داود، والنسائي، وقال: لا بأس به، وهو المروزي السمسار، قدم بغداد، وأغفله الخطيب. مات سنة خمس وثلاثين ومائتين (١). ثانيها: أنه أحمد بن محمد بن ثابت الخزاعي المروزي الماخواني -قرية من قرى مرو- عرف بشبويه، قاله الدارقطني، وهذا روى عنه أبو داود، ومات سنة تسع وعشرين -أو ثلاثين- ومائتين (٢). ثالثها: أنه لا يعرف، قَالَ أبو أحمد بن عدي: أحمد بن محمد، عن عبد الله، عن معمر لا يعرف (٣).

стр. 2227

ثانيها: هذا الحديث أخرجه مسلم في الجهاد (١). ثالثها: الكَلم -بفتح الكاف- الجرح. ويكْلمه بإسكان الكاف. والعرف -بفتح العين- الرائحة. رابعها: مجيئه يوم القيامة كهيئتها تفجر له فوائد: الأولى: ليشهد على ظالمه بالقتل شهادة ظاهرة، والدم في الفصل شاهد عجب. الثانية: ليظهر شرفه لأهل الموقف، بانتشار رائحة المسك من جرحه الشاهد له ببذل نفسه في ذات الله تعالى. الثالثة: أن هذا الدم خلعة خلعها الله عليه في الحقيقة أكرمه بها في الدنيا، فناسب أن يأتي بها يوم القيامة. أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثوب الذي خلعًا (٢)

стр. 2228

خامسها: الحديث سبق لفضل المطعون في سبيل الله، وقد استنبطوا منه أشياء فيها تكلف منها: أن المراعى في الماء تغير لونه دون تغيير رائحته؛ لأنه ﷺ سمى هذا الخارج من جرح الشهيد دمًا، وإن كان الريح ريح مسك، ولم يقل مسكًا، فغلب المسك؛ للونه على رائحته، فكذلك الماء ما لم يتغير طعمه، لم يلتفت إلى تغير رائحته. وفيه نظر؛ لأنه ذكر وصفين من غير تغليب لأحدهما على الآخر. ومنها: ما ترجم له البخاري، ويحتمل أن حجته فيه الرخصة كما سلف، أو التغليظ بعكس الاستدلال الأول، فإن الدم لما انتقل بطيب رائحته من حكم النجاسة إلى الطهارة، ومن حكم القذارة إلى التطيب بتغير رائحته، وحكم له بحكم المسك والطيب للشهيد، فكذلك الماء ينتقل إلى العكس، بخبث الرائحة وتغير أحد أوصافه من الطهارة إلى النجاسة، على أن القيامة ليست دار أعمال ولا أحكام، وإنما لما عظم الدم بحيلولة صفته إلى ما هو مستطابُ معظمُ عادة، علمنا أن المعتبر الصفات لا الذوات، ولما كانت الأحاديث في باب نجاسة الماء ليست على شرطه، استدل على حكم الماء المائع بحكم الدم المائع، وذلك المعنى الجامع بينهما. فإن قُلْتَ: لما حَكَمَ للدم بالطهارة بتغير رائحته إلى الطيب، وبقي فيه اللون والطعم، ولم يذكر تغيرهما إلى الطيب، وجب أن يكون الماء إذا تغير منه وصفان بالنجاسة وبقي وصف واحد طاهر أن يجوز الطهور به؟

стр. 2229

فالجواب: أنه ليس كما توهمت؛ لأن ريح المسك حكم للدم بالطهارة، فكان اللون والطعم تبعًا للطاهر، وهو الريح التي انقلب ريح مسك، فكذلك الماء إذا تغير منه وصف واحد بنجاسة حلت فيه، كان الوصفان الباقيان تبعًا للنجاسة، وكان الماء بذلك خارجًا عن حد الطهارة؛ لخروجه عن صفة الماء الذي جعله الله طهورًا، وهو الماء الذي لا يخالطه شيء. ومنها: أن أبا حنيفة يحتج بهذا الحديث على جواز استعمال الماء المضاف المتغيرة أوصافه، بإطلاق اسم الماء عليه، كما انطلق على هذا اسم الدم، وإن تغيرت أوصافه إلى الطيب (١)، ولا يخفي ما في ذَلِكَ. سادسها: فيه أيضًا من الفوائد: فضل الجراحة في سبيل الله، وأن الشهيد لا يُزال عنه الدم بغسل ولا غيره؛ للحكمة التي ذكرناها، وإليه يشير قوله: "كهيئتها إذ طعنت" وكان الحسن وابن سيرين يقولان: يغسل كل مسلم، وأن كل ميت يُجنب (٢)، وأن أحكام الآخرة وصفاتها غير أحكام الدنيا وذواتها، فإن الدم في الآخرة يتغير حكمه من النجاسة والرائحة الخبيثة التي في الدنيا إلى الطهارة والرائحة الطيبة يوم القيامة، وبذلك يقع الإكرام له والتشريف. ولا يلزم من كونه لون الدم أن يكون دمًا نجسًا حقيقة، كما لا يلزم من كون ريحه ريح مسك أن يكون مسكًا حقيقة، بل يجعله الله شيئًا يشْبه هذا، ويُشبه هذا بأشياء عما فارق الدنيا عليه، كما أن إعادة الأجسام لما

стр. 2230

كانت عليه في الدنيا وإن اتصفت بصفات أخر من البقاء والدوام بعد أن كانت غير دائمة ولا باقية، ولهذا يأتون في طول واحد، وسن واحد جُردًا مُردًا غير مختونين، فعلمنا أن الإعادة حق، وإن اكتسبت أوصافًا لم تكن، ليس حكمه حكمها، ولا فضله فضلها. وكذلك أهل الوضوء يبعثون يوم القيامة غرًا محجلين من آثاره إكرامًا لهم، وشهادة لهم تثبت عملهم في الدنيا ليتميزوا به. وفيه أيضًا: أن الشهيد يبعث على حالته التي خرج عليها من الدنيا. قَالَ الداودي: ويؤخذ من كون الدم طاهرًا يوم القيامة أنه إذا طُعن في الدنيا، ولم يرفأ الدم يصلي كذلك كما فعل عمر ﵁.

стр. 2231

٦٨ - باب البَوْلِ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ٢٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُوِ اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابقُونَ". [٨٧٦، ٨١٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦، ٧٤٩٥ - مسلم: ٨٥٥ - فتح: ١/ ٣٤٥] ٢٣٩ - وَبِإسْنَادِهِ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ". [مسلم: ٢٨٢ - فتح: ١/ ٣٤٦] حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، أَنا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ". وَبِإسْنَادِهِ قَالَ: "لَا يَبُولَن أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ". الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث -أعني: حديث "لَا يَبُولَنَّ"- صحيح متفق على صحته، أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة، ولفظة: "فيه" من أفراد البخاري. ولمسلم: "منه" (١)، وله: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" فقيل: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قَالَ: يتناوله تناولًا (٢). ثانيها: وجه إدخال البخاري ﵀ الحديث الأول في هذا الباب،

стр. 2232

وهو حديث "نحن الآخرون .. " إلى آخره. أن أبا هريرة رواه كذلك، وذكر مثل ذَلِكَ في كتاب الجهاد (١) والمغازي (٢) والأيمان والنذور (٣) وقصص الأنبياء (٤) والاعتصام (٥) ذكر في أوائلها كلها "نحن الآخرون السابقون". قَالَ ابن بطال في "شرحه": ويمكن أن يكون همام فعل ذَلِكَ؛ لأنه سمع من أبي هريرة أحاديث ليست بكثيرة، وفي أوائلها "نحن الآخرون السابقون" فذكرها على الرتبة التي سمعها من أبي هريرة، ويمكن -والله أعلم- أن يكون سمع أبو هريرة ذَلِكَ في نسق واحد، فحدث بهما جميعًا كما سمعهما (٦). قُلْتُ: البخاري ساق الحديث من طريق الأعرج، عن أبي هريرة كما ذكرته لك، لا من حديث همام عنه، وتلك تعرف بصحيفة همام، وعادة مسلم يقول فيها، فذكر أحاديث، ومنها كذا، وهذِه أيضًا صحيفة رواها بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عنه، عن أبي هريرة، وأحاديثها تقرب من صحيفة همام وأولها "نحن الآخرون السابقون" وفيها حديث البول في الماء الدائم. وقوله: إن همامًا سمع من أبي هريرة أحاديث ليست بكثيرة، ليس بجيد؛ لأن الدارقطني جمعها في جزءٍ مفرد، فبلغت فوق المائة.

стр. 2233

وقوله: ويمكن أن يكون سمعه من رسول الله ﷺ في نسق فيه بعد، وقد وقع لمالك في "موطئه" مثل هذا في موضعين: أحدهما: لما ذكر حديث: "وإن مما أدركت الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" (١). وذكر إثره حديث: ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، فحدث بهما جميعًا كما سمعهما. والثاني: حديث الغُصن الشوك وذكر معه "الشهداء خمسة" (٢). وقال ابن المنير: إن قُلْتَ: كيف طابق هذا مقصود الترجمة؟ وهل ذَلِكَ لما قيل: إن همامًا راويه روى جملة أحاديث عن أبي هريرة، استفتحها له أبو هريرة بذلك، فصار همام مهما حدث عن أبي هريرة ذكر الجملة من أولها واتبعه البخاري في ذَلِكَ، أو يظهر مطابقة معنوية؟ قُلْتُ: على المطابقة، وتحقيقها أن السر في اجتماع الآخر في الوجود والسبق في البعث لهذِه الأمة، مثلها للمؤمن مثل السجن، وقد أدخل الله فيه الأولين والأخرين على ترتيب. فمقتضى ذَلِكَ أن الآخر في الدخول أول في الخروج، كالوعاء إذا ملأته بأشياء وضع بعضها فوق بعض ثم استخرجتها، فإنما يخرج أولًا ما أدخله آخرًا، فهذا هو السر في كون هذِه الأمة آخرًا في الوجود الأول أولًا في الوجود الثاني، ولها في ذَلِكَ من المصلحة، فله بقاؤها في سجن الدنيا وفي أطباق البلاء بما خصها الله تعالى به من قصر الأعمار، ومن السبق إلى المعاد، فإذا فهمت هذِه الحقيقة تصور الفطن معناها عامًا.

стр. 2234

فكيف يليق بلبيب أن يعمد إلى ما يتطهر من النجاسة ومما هو أيسر منها من الغبرات والقترات، فيبول في ماء راكد، ثم يتوضأ منه، فأول ما يلاقيه بوله الذي عزم على التطهر منه، وهو عكس للحقائق، وإخلال بالمقاصد، لا يتعاطاه أريب ولا يفعله لبيب، والحق واحد وإن تباعد ما بين طرفه، وسيأتي للبخاري ذكر حديث: "نحن الآخرون السابقون" في ترجمة قوله: "الإمام جنة يتقى به ويقاتل من ورائه" (١) أي: هو أولٌ آخرٌ، هو أول في إسناد الهمم والعزائم إلى وجوده، وهو آخر في (صور) (٢) وقوفه فلا ينبغي لأجناده إذا قاتلوا بين يديه أن يظنوا أنهم حموه، بل هو حماهم وصان بتدبيره حماهم هو، وإن كان خلف الصف، إلا أنه في الحقيقة جنة أمام الصف، وحق الإمام أن يكون محله من الحقيقة الأمام (٣). هذا آخر كلامه، وفيه أمران: أولهما: قوله: كما قيل: أن همامًا راويه تبع فيه ابن بطال (٤)، وقد سلف رده. ثانيهما: ما ذكره من المطابقة من أن الشيء إذا أدخلته آخرًا يخرج أولًا، إنما يأتي في الأشياء الكثيفة الأجرام أما المائع، فإنه سريع الاختلاط، ودخول بعضه في بعض. ثالثها: معنى "نحن الآخرون": آخر الأمم، "والسابقون": إلى الجنة يوم القيامة.

стр. 2235

رابعها: "الدَّائِم": الراكد كما جاء في رواية أخرى. وقوله: ("الَّذِي لَا يَجْرِي") تأكيد لمعناه وتفسير له، وقيل: للاحتراز عن راكد لا يجري بعضه، كالبرك ونحوها، والألف واللام في "الماء" لبيان حقيقة الجنس أو للمعهود الذهني. خامسها: قوله: ("ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ") الرواية بالرفع، وجوَّز ابن مالك جزمه على النهي، ونصبه على تقدير أن (١)، ومنعهما غيره، وقد أوضحت ذَلِكَ في "شرح العمدة" (٢). سادسها: هذا النهي للتحريم إن كان قليلًا؛ لأنه ينجسه ويقذره على غيره، وللتنزيه إن كان كثيرًا هذا هو الذي يظهر، وإن أطلق جماعة من أصحابنا الكراهة في الأول، والتغوط في الماء كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه فيه، أو بال بقُرْبه فوصل إليه، وأبعد الظاهري فيهما، وقال: يحرم عليه إذا بال فيه، ولو كان الماء كثيرًا دون غيره، وقد أوضحت فساده في "شرح العمدة" أيضًا (٣). سابعها: استدل به أبو حنيفة على تنجيس الغدير الذي يتحرك طرفه بتحرك الآخر بوقوع النجاسة فيه؛ فإن الصيغة صيغة عموم (٤)، وهو عند

стр. 2236

الشافعية وغيرهم مخصوص، والنهي محمول على ما دون القلتين جمعًا بين الحديثين (١)، وهما هذا الحديث وحديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا"، وقد صححه ابن معين وابن حبان وابن خزيمة والحاكم وغيرهم (٢). وعند أحمد أن بول الآدمي وما في معناه ينجس الماء، وإن كان كثيرًا اللهم إلا أن يكون كثيرًا جدًّا، كالمصانع التي بطريق مكة وغيره من النجاسات يعتبر فيه القلتان. وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين عام بالنسبة إلى الأنجاس الواقعة في الماء الكثير، ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين مخصوصة، فينجس الماء دون غيره من النجاسات، ويلحق بالبول المنصوص عليه، ما هو في معناه (٣). ومالك حمل النهي على التنزيه مطلقًا؛ لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغيير بالنجاسة، فلا بد من التخصص أو التقييد (٤). ثامنها: حرمة الوضوء بالماء النجس والتأدب بالتنزه عن البول في الماء الراكد؛ لعموم الحاجة إليه (٥).

стр. 2237

٦٩ - باب إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌّ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ وَكَانَ ابن عُمَرَ إِذَا رَأى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابن المُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ أَوْ تَيَمَّمَ، فَصَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ، لَا يُعِيدُ. [فتح: ١/ ٤٣٨] ٢٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَحمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبرَاهِيمُ بن يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيمُونٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلِ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورٍ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَد؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وضَعَهُ على ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنْعَةٌ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَة ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ". ثَلَاثَ مَرَّاتِ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ- قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ -ثُمَّ سَمَّى: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ". وَعَدَّ السَّابعَ فَلَمْ يحْفَظْهُ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَرْعَى فِي القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ [٥٢٠، ٢١٣٤، ٣١٨٥، ٣٨٥٤، ٣٩٦٠ - مسلم: ١٧٩٤ - فتح: ١/ ٣٤١]

стр. 2238

قال البخاري: وَكَانَ ابن عُمَرَ إِذَا رَأى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهْوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وهذا رواه في "المصنف" بنحوه عن وكيع، عن حسين بن جعفر، حَدَّثَني سليط بن عبد الله بن يسار: رأيت ابن عمر رأى في (جُربائه) (١) دمًا فبزق فيه ثم دلكه (٢). قَالَ: وحَدَّثَنَا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع عنه أنه رأى في ثوبه دمًا فغسله، فبقي أثره أسود، فدعا بمقص فقرضه (٣). قَالَ البخاري: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ المُسَيِّب: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ أَوْ تيَمَّمَ، فَصَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ، لَا يُعِيدُ. أي: في واحدة من هؤلاء، ونقله ابن بطال -أعني: عدم الإعادة- عن ابن مسعود (٤) ..

стр. 2239

وابن عمر (١) وسالم وعطاء (٢) والنخعي (٣) ومجاهد (٤) والزهري وطاوس (٥) فيما إذا صلى في ثوب نجس، ثم علم به بعد الصلاة، وحكاه عن الشعبي (٦) وابن المسيب أيضًا، وهو قول إسحاق والأوزاعي وأبي ثور، وعن ربيعة ومالك: يعيد في الوقت (٧). وقال الشافعي وأحمد: يعيد أبدًا. وقال أهل الكوفة: من صلى بثوب نجس وأمكنه طرحه في الصلاة يتمادى في صلاته ولا يقطعها، وهي رواية عن مالك رواها ابن وهب عنه (٨). وروي عن أبي مجلز أنه سئل عن الدم يكون في الثوب، فقال: إذا كبَّرت ودخلت في الصلاة ولم تر شيئًا، ثم رأيته بعد، فأتم الصلاة. وعن

стр. 2240

أبي جعفر مثله. ومن تعمد الصلاة بالنجاسة أعاد أبدًا عند مالك وكثير من العلماء؛ لاستخفافه بالصلاة، إلا أشهب (١) فقال: لا يعيد المتعمد إلا في الوقت فقط (٢). ثم قَالَ البخاري ﵀: حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ. وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، أَنَّ (أبا) (٣) مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانِ فَيَضَعُهُ على ظَهْرِ مُحَمْدِ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ على ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أنْظُرُ، لَا أغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنْعَةٌ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وُيحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ". ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ -قَالَ: وَكَانُوا يرَوْنَ أَنَّ الدعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ -ثُمَّ سَمَّى: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ ابْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ". وَعَدَّ السَّابعَ فَلَمْ

стр. 2241

نَحْفَظْهُ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَرْعَى فِي القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ. والكلام على هذا الحديث في مواضع: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع أخر: في الصلاة، في باب المرأة تطرح عن المصلئ شيئًا من الأذى (١)، والمبعث (٢)، والجهاد (٣)، والجزية (٤). وأخرجه مسلم في المغازي (٥)، والنسائي هنا وفي السير (٦). ثانيها: أبو إسحاق هذا: هو السبيعي، وقد ذكره في الطريق الثاني من رواية ابن ابنه، عن أبيه عنه، ورواه النسائي من طريق أحمد بن عثمان، شيخ البخاري عن خالد بن مخلد، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق (٧)، فرواه أحمد هذا عن خالد، وعن شريح، وقدم البخاري سند عبدان على سند أحمد بن عثمان؛ لعلوه ولثقة رواته، فإن إبراهيم (خ، م، د، ت، س) بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، فيه لين، وإن كان من فرسان الصحيحين.

стр. 2242

ووالد عبدان هو: عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد ميمون. وقيل: أيمن المروزي. مات بالكوفة سنة خمس وستين ومائتين، عن خمس وسبعين سنة (١). وأحمد بن عثمان، شيخ البخاري: هو ابن حَكيم -بفتح الحاء المهملة- ابن ذُبيان -بكسر الذال وضمها- كوفي ثقة. مات سنة إحدى وستين ومائتين (٢). وشريح -بالشين المعجمة- ابن مسلمة، كوفي أيضًا (٣)، وذكر عبد الغني في "الكمال" أن مسلمًا روى له ولم يذكر البخاري، والصواب العكس.

стр. 2243

وعمرو بن ميمون هو الأودي، الذي رجم القردة، كما ذكره البخاري (١) في بعض نسخه وهي منكرة (٢) وهو جاهلي، حج مائة حجة، وقيل: سبعين، وهو معدود من كبار التابعين، ووهم من ذكره في الصحابة، مات بعد السبعين سنة خمس أو أربع (٣). ثالثها: أبو جهل اسمه: عمرو بن هشام بن المغيرة، كانت قريش تكنيه أبا الحكم، وكناه الشارع أبا جهل. وقال ابن الحذاء: كان يكنى أبا الوليد، وكان يعرف بابن الحنظلية، وكان أحول، وفي "المحبر": وكان مأبونًا، وفي "الوشاح" لابن دريد: هو أول من جز رأسه، فلما رآه الشارع قَالَ: "هذا فرعون هذِه الأمة" قتل يوم بدر كافرًا (٤). رابعها: قوله: (وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ) يحتمل أن يكونوا من ذكر في آخر الحديث المدعُو عليهم. وقوله: (إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ) جاء في رواية أخرى: بينا رسول الله ﷺ قائم يصلي في ظل الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قَالَ

стр. 2244

قائل منهم: ألا تنظروا إلى هذا المرائي (١). وفي أخرى ولقد نُحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلى جزور بني فلان؟ (٢). خامسها: السَلَى -بفتح السين وتخفيف اللام مقصور- الجلد الذي يكون فيه الوَلد كاللفافة، يقال لها من سائر البهائم: سلى، ومن بني آدم المشيمة، حكاه في "المخصص" عن الأصمعي (٣) وقال في "المحكم": السلى: الجلدة التي يكون فيها الولد، ويكون ذَلِكَ للناس والخيل والإبل (٤). وقال الجوهري: هي جلدة رقيقة يكون فيها الولد -مقصور- إن نزعت عن وجه الفصيل ساعة يولد وإلا قتلته، وكذلك إذا انقطع السلى في البطن (٥). والجزور: ما يجزر أي: يقطع من الإبل والشاة. سادسها: قوله: (فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْم فَجَاءَ بِه) هو: عقبة بن أبي مُعَيط، كما صُرح به في "صحيح مسلم" (٦)، وكذا هو في "صحيح الإسماعيلي"

стр. 2245

أيضًا، وحكاه المهلب عن شعبة، وقال السفاقسي، عن الداودي: إنه أبو جهل؛ ورأيته في "شرحه" فقال: انبعث أشقاها يعني: أبا جهل هو أشقى القوم وأعتاهم، وكذلك عقبة بن أبي مُعَيط، ولم يكن عقبة من أنفس قريش، إنما كان ملصقًا بهم، وكان عقبة أقل القوم أذى، إلا أنه سبق عليه الكتاب، وحمله الحسد لرسول الله ﷺ على أن مات كافرًا. سابعها: المنعة، بفتح النون، وحكي إسكانها قَالَ النووي: وهو شاذ ضعيف (١)، وخالف القرطبي فقال: المنْعة -بسكون النون- قَالَ: وروي بفتحها جمع مانع (٢). وحكي في "المحكم" فيها لغات: منَعة، ومَنْعة، ومِنْعة (٣)، وقدم القزاز وصاحب "الغريبين" الإسكان على الفتح، وعكس يعقوب في "ألفاظه"، وكذا ابن القوطية (٤)، وابن طريف. والمراد بها الامتناع من العدو والقوة عليها، ولم يكن لابن مسعود عشيرة منهم؛ لأنه من هُذيل. ثامنها: قوله: (فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ) أي: استهزاءَ -قاتلهم الله-، وجاء في رواية: حتى مال بعضهم على بعض من الضحك (٥).
следующие страницы →