← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

١٦ - باب مَنْ تَوَضَّأَ فِي الجَنَابَةِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرى ٢٧٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضُوءًا لِجَنَابَةِ، فَأكفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوِ الَحائِطِ مَرَّتَيْنِ -أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الَماءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. قَالَتْ: فَأَتَيتُهُ بِخِرْقَةٍ، فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٨٢] ثم ساق حديث ميمونة قَالَتْ: وُضِعَ لرسول اللهِ ﷺ وضوءه للجنابة. الحديث. وقد سلف أيضًا (١). والكلام عليه من وجوه: أحدها: الفضل (ع) بن موسى المذكور في إسناده هو السيناني. مات سنة اثنتين وتسعين ومائة (٢).

стр. 2347

وشيخ البخاري فيه يوسف (خ. م. ت. س) بن عيسى هو الزهري المروزي، مات سنة تسع وأربعين ومائتين (١). ثانيها: قَالَ الإسماعيلي: بيّن زائدة أن قوله: (للجنابة) من قول سالم الراوي عن كريب، لا من قول ابن عباس، ولا من قول ميمونة. وفي حديث زائدة زيادة ذكر: سترته حتى اغتسل. ثالثها: كيف تستفاد الترجمة من الحديث، وإنما قالت بعد غسل وجهه وذراعيه: (ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده). فدخل في قولها: (ثم غسل جسده)، الأعضاء التي تقدم عليها؛ لأنها من جملة الجسد. ووجه استفادتها مع بعده لغة واحتماله عرفًا أنه لم يذكر إعادة غسلها، وذكر الجسد بعد ذكر الأعضاء المعينة يفهم عرفًا بقيته لا جملة، وظن الشارح -أعني: ابن بطال- أن لفظ الحديث في الطريق المتقدمة على الترجمة أبعد بهذِه الترجمة، فإنها قالت فيه: ثم غسل سائر جسده. أي: باقيه. إلا أن يؤول سائر بمعنى: جميع (٢). رابعها: لما نقل ابن بطال الإجماع على سنية الوضوء في غسل الجنابة، شرع يستنبط منه، فقال: لما ناب غسل مواضع الوضوء وهي سنة في الجنابة عن غسلها في الجنابة، وغسل الجنابة فريضة، صح بذلك

стр. 2348

قول أشهب وجماعة عن مالك أن غسل الجمعة يجزئه عن الجنابة، وهو خلاف رواية ابن القاسم (١). ووجهه المهلب: بأن الشارع لما اجتزأ بغسل أعضاء الوضوء عن أن يغسلها مرة أخرى عن الجنابة دل أن الطهارة إذا نُوي بها رفع الحدث أجزأت عن كل معنى يراد به الاستباحة. ولهذا الحديث -والله أعلم- قَالَ عطاء: إذا غسلت كفيَّ قبل إدخالهما الإناء لم أغسلهما مع الذراعين في الوضوء. قَالَ: وفي هذا الحديث أيضًا حجة لأحد قولي مالك في رجل توضأ للظهر وصلى، وأراد أن يجدد الوضوء للعصر، فلما صلاها تذكر أن الوضوء الأول قد انتقض، فقال مالك: تجزئه صلاته. وهو الصواب؛ لأن الوضوء عنده للسنن يجزئ به صلوات الفرائض، وقال مرة: لا يجزئه. ومثل هذِه المسألة اختلاف ابن القاسم وابن الماجشون فيمن صلى في بيته، ثم صلى تلك الصلاة في المسجد، فذكر أنه كان في الأولى على غير وضوء، فقال ابن القاسم: يجزئه. وقال ابن الماجشون: لا يجزئه. والصواب الأول (٢)، بدليل هذا الحديث؛ لأنه وإن كان صلاها على طريق الفضيلة فإنه نوى بها تلك الصلاة بعينها، والقربة إلى الله تعالى بتأديتها، كما نوى بغسل مواضع الوضوء القربة إلى الله تعالى، ولم يحتج إلى إعادتها في الغسل من الجنابة.

стр. 2349

وقد قَالَ ابن عمر للذي سأله عن الذي يصلي في بيته، ثم يصليها في المسجد، أيهما أجعل صلاتي؟ قَالَ: أو ذاك إليك؟! ذاك إلى الله تعالى يجعل أيتهما شاء (١) (٢).

стр. 2350

١٧ - باب إِذَا ذَكَرَ فِي المَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ يَخرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ ٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: "مَكَانَكُمْ". ثُمُّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَينَا وَرَأسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّينَا مَعَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ الأعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ الأوزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ [٦٣٩، ٦٤٠ - مسلم: ٦٠٥ - فتح: ١/ ٣٨٣] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أنَا يُونُسُ، عَنِ ابن شهاب، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: "مَكَانَكُمْ". ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُهْرِيِّ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة (١)، وأما حديث معمر فأخرجه أبو داود، عن (مخلد بن خالد) (٢)، عن إبراهيم بن خالد -إمام مسجد صنعاء- عن رباح بن زيد، عنه (٣).

стр. 2351

وأما حديث الأوزاعي فذكره مسندًا في الصلاة في باب إذا قَالَ الإمام: مكانكم. عن إسحاق، عن محمد بن يوسف، عنه (١). وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب (٢). وأبو داود عن المؤمل بن الفضل، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عنه (٣). قلتُ: وتابعه الزُبيدي، وصالح بن كيسان، وابن عيينة كلهم عن الزهري. رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي (٤). ورواه البخاري في الصلاة، في باب: هل يخرج من المسجد لعلة، من حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح (٥). ومتابعة ابن عيينة ذكرها الإسماعيلي. ثانيها: عبد الله (خ. ت) بن محمد: هو: المسنَدِي الحافظ، مات بعد المائتين (٦). وعثمان (ع) بن عمر: هو العبدي البصري صالح ثقة. مات سنة تسع ومائتين (٧).

стр. 2352

ويونس: هو ابن يزيد سلف، وكذا باقي الإسناد. ثالثها: قوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ). وفي رواية: فعدِّلت الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ (١). فيه تعديل الصفوف، وهو إجماع، وقال ابن حزم: فرض على المأمومين تعديل الصفوف، الأول فالأول، والتراص فيها (٢)، والمحاذاة بالمناكب والأرجل. رابعها: قوله: (فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) هو موافق لرواية: أقيمت الصلاة، فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج. وأما حديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" (٣). فوجهه أن بلالًا كان يراقب خروجه من حيث لا يراه غيره، أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم، فلا يقوم الناس حتى يروه، ولا يقوم مقامه حتى يعدل الصفوف، وأخذ المصاف قبل الخروج لعله كان مرة أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز، أو لعذر. ولعل قوله: "فلا تقوموا حتى تروني" بعد ذلك، والنهي عن القيام قبل أن يروه لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه.

стр. 2353

وقد اختلف العلماء من السلف فمن بعدهم متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ ومتى يكبر الإمام؟ فذهب الشافعي وطائفة إلى أنه يستحب أن لا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وكان أنس يقوم إذا قَالَ المؤذن: قد قامت الصلاةُ. وبه قَالَ أحمد. وقال أبو حنيفة والكوفيون: يقومون في الصف إذا قَالَ: حي على الصلاة، فإذا قَالَ: قد قامت الصلاة. كبر الإمام (١)، وحكاه ابن أبي شيبة، عن سويد بن غفلة، وقيس بن أبي سلمة، وحماد (٢)، وقال جمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن من الإقامة. خامسها: قوله: (فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ). وفي رواية: قبل أن يكبر (٣). وفي رواية أخرى في البخاري: وانتظرنا تكبيره (٤). ولابن ماجه: قام إلى الصلاة وكبر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما انصرف قَالَ: "إنِّي خرجت إليكم جنبًا، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة" (٥). وفي رواية للدارقطني من حديث أنس: دخل في صلاة فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم. "كما أنتم" (٦). وفي رواية لأحمد من حديث

стр. 2354

علي: كان قائمًا يصلي بهم، إذ انصرف (١). وفي رواية لأبي داود من حديث أبي بكرة: دخل في صلاةِ الفجر، فأومأ بيده أن: مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم (٢)، وفي أخرى له مرسلة: فكبر ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا. وفي مرسل ابن سيرين وعطاء والربيع بن أنس: كبر ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا. واختلف في الجمع بين هذِه الروايات، فقيل: أراد بقوله: (كبر): أراد أن يكبر، عملًا بالرواية السالفة: وانتظرنا تكبيره. وقيل: إنهما قضيتا، أبداه القرطبي احتمالًا (٣)، وقال النووي: إنه الأظهر (٤). وأبداه ابن حبان في "صحيحه" فقال بعد أن أخرج الروايتين من حديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة: هذان فعلان في موضعين متباينين، خرج ﷺ مرة فكبر، ثم ذكر أنه جنب، فانصرف فاغتسل، ثم جاء فاستأنف بهم الصلاة، وجاء مرة أخرى: فلما وقف ليكبر ذى أنه جنب قبل أن يكبر، فذهب فاغتسل، ثم رجع فأقام بهم الصلاة، من غير أن يكون بين الخبرين تضاد ولا تهاتر (٥) قَالَ: وقول أبي بكرة: فصلى بهم، أراد بدأ بتكبير محدث، لا أنه رجع فبنى على صلاته، إذ محالٌ أن يذهب ﷺ ليغتسل ويبقى الناس كلهم قيامًا على حالتهم من غير إمام إلى أن يرجع (٦).

стр. 2355

سادسها: يستفاد من رواية الإيماء والإشارة؛ أن الإمام إذا طرأ له ما يمنعه من التمادي استخلف بالإشارة لا بالكلام، وهو أحد القولين لأصحاب مالك، كما حكاه القرطبي، وجواز البنَاء في الحدث، وهو قول أبي حنيفة، لكن إنما يتم ذلك إذا ثبت فعلًا أنه لم يكبر حين رجوعه، بل الذي في الصحيحين أنه كبر بعدما اغتسل عند رجوعه. قَالَ القرطبي: والمشكل على هذِه الرواية إنما هو وقوع العمل الكثير وانتظارهم له هذا الزمان الطويل بعد أن كبروا. قَالَ: وإنما قلنا: إنهم كبّروا؛ لأن العادة جارية بأن تكبير المأموم يقع عقب تكبير إمامه، ولا يؤخر عن ذلك إلا القليل من أهل الغلو والوسوسة. ولما رأى مالك هذا الحديث مخالفًا لأصل الصلاة قَالَ: إنه خاص بالنبي ﷺ . قَالَ: وروى عنه بعض أصحابنا أن هذا العمل من قبل اليسير، فيجوز مثله. وقال ابن نافع: إن المأموم إذا كان في الصلاة فأشار إليه إمامه بالمكث، فإنه يجب عليه انتظاره حتى يأتي فيتم بهم أخذًا بهذا الحدث (١). قَالَ: والصحيح من حديث أبي هريرة في الصحيحين أنه ﷺ ذكر قبل أن يكبر وقبل أن يدخل في الصلاة، وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، وأقصى ما فيه أن يقال: لم أشار إليهم ولم يتكلم؟ ولم انتظروه قيامًا؟ والجواب أنه لا نسلم أنه لم يتكلم، بل قد جاء في هذِه الرواية أنه

стр. 2356

قَالَ لهم: "مكانكم" وفي أخرى: أنه أومأ إليهم. فيجمع بينهما بأنه جمع بين القول والإشارة؛ تأكيدًا لملازمة القيام، أو روى الراوي أحدهما بالمعنى. وملازمتهم القيام امتثال لأمره، وأمرهم بذلك ليشعر بسرعة رجوعه؛ حتى لا يتفرقوا ولا يزيلوا ما كانوا شرعوا فيه من القيام للقربة، ولما رجع بَنَى على الإقامة الأولى، أو استأنف إقامة أخرى لم يصح فيه نقل. والظاهر أنه لو وقعت إقامة أخرى لنقلت، وحينئذ يحتج به من يرى أن التفريق بين الإقامة والصلاة لا يقطع الإقامة وإن طال (١). سابعها: فيه جواز النسيان في العبادات على الأنبياء، وقد روي عنه ﷺ : "إني لأنسى-أو أنسَّى- لأسُنَّ" (٢). ثامنها: فيه -كما قَالَ ابن بطال- حجة لمالك وأبي حنيفة أن تكبير المأموم يقع بعد تكبير الإمام، وهو قول عامة الفقهاء (٣). قَالَ: والشافعي أجاز تكبير المأموم قبل إمامه، أي: فيما إذا أحرم منفردًا، ثم نوى الاقتداء في أثناء صلاة؛ لأنه روى حديث أبي هريرة على ما رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار

стр. 2357

أنه ﷺ كبر في صلاةٍ من الصلوات، ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا، فلما قدم كبر (١). والشافعي لا يقول بالمرسل، ومالك الذي رواه لم يعمل به؛ لأنه صح عنده أنه لم يكبر (٢). وزعم ابن حبيب أن هذا خاص به ﷺ ، ولعله أمرهم بنقض إحرامهم الأول، وابتدأ الإحرام بعد إحرامه الثاني، وهكذا فسره مطّرِف وابن الماجشون وغيرهما، وهو قول مالك أيضًا. تاسعها: زعم بعض التابعين أن الجنب إذا نسي فدخل المسجد وذكر أنه جنب يتيمم ثم يخرج، وهو قول الثوري وإسحاق (٣). والحديث يرد عليهما، وكذا قول أبي حنيفة (٤) في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء، فإنه يتيمم ويدخل المسجد فيستقي، ثم يخرج الماء من المسجد، والحديث يدل على خلاف قوله؛ لأنه لما لم يلزمه التيمم للخروج. وكذا من اضطر إلى المرور فيه جنبًا لا يحتاج إلى التيمم؛ لأن الحديث فيه الخروج لا الدخول، وفي "نوادر ابن دريد" عن بعض أصحابه فيما حكاه ابن التين: من نام في المسجد ثم احتلم ينبغي أن يتيمم لخروجه، وهذا الحديث يرد عليه.

стр. 2358

وقد اختلف العلماء في مرور الجنب في المسجد، فرخص فيه جماعة من الصحابة: علي (١) وابن مسعود وابن عباس، وقال جابر: كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب (٢). وممن روي عنه إجازة دخوله عابر سبيل ابن المسيب وعطاء والحسن (٣) وسعيد بن جبير، وهو قول الشافعي (٤)، ورخصت طائفة للجنب أن يدخل المسجد ويقعد فيه، قَالَ زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله ﷺ يحتبون في المسجد وهم جنب (٥). وروى سعيد بن منصور في "سننه" بسند جيد عن عطاء: رأيت رجالًا من الصحابة يجلسون في المسجد وعليهم الجنابة إذا توضئوا للصلاة (٦). وكان أحمد بن حنبل يقول: يجلس الجنب فيه ويمر فيه إذا توضأ، ذكره ابن المنذر، وقال مالك والكوفيون: لا يدخل فيه الجنب [إلا] (٧) عابر سبيل (٨). وروي عن ابن مسعود أيضًا أنه كره ذلك للجنب، وقال المزني وداود: يجوز له المكث فيه مطلقًا، فالمسلم لا ينجس، واعتبروه بالمشرك.

стр. 2359

وفي الصحيح "إن حيضتك ليست في يدك" (١) وحديث الوليدة التي كان لها حِفشٌ في المسجد (٢)، وحديث تمريض سعد فيه، وسيلان دمه فيه (٣). وحديث وفد ثقيف من "صحيح ابن خزيمة"، وإنزالهم المسجد (٤)، وكان أهل المسجد وغيرهم يبيتون في المسجد. واحتج من أباح العبور بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] أي: لا تقربوا مواضعها. ووردت أحاديث تمنع الجنب منه، وكلها متكلم فيها. وأجاب من منع: بأن المراد بالآية نفس الصلاة، وحملها على مكانها مجازًا، وحملها على عمومها، أي: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذِه الحال، إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك وصلّوا. وقد نقل الرازي عن ابن عمر وابن عباس أن المراد بعابر السبيل: المسافر يعدم الماء، يتيمم ويصلي، والتيمم لا يرفع الجنابة، فأبيح لهم الصلاة به تخفيفًا. قَالَ ابن بطال: ويمكن أن يستدل من هذِه الآية لقول الثوري

стр. 2360

وإسحاق السالف، وذلك أن المسافر إذا عدم الماء منع دخول المسجد والصلاة فيه، إلا بالتيمم، وذلك لضرورة وأنه لا يقدر على ماء، فكذلك الذي يجنب في المسجد لا يخرج إلا بعد التيمم؛ لأنه مضطر لا ماء معه، فأشبه المسافر العابر سبيل المذكور في الآية لولا ما يعارضه من حديث أبي هريرة المفسر لمعنى الآية لجواز خروجه من المسجد دون تيمم، ولا قياس لأحد مع مجيء السنن، وإنما يفزع إلى القياس عند عدمها (١). عاشرها: فيه طهارة الماء المستعمل؛ لأنه خرج ورأسه يقطر. وفي روايةٍ أخرى: ينطف (٢)، وهي بمعناها (٣).

стр. 2361

١٨ - باب نَفْضِ اليَدِ مِن غسلِ الجَنَابَةِ ٢٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأرضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيهِ، فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأخُذهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧، ٣٣٧ - فتح: ١/ ٣٨٤] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، ثنَا أَبُو حَمْزَةَ سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ فذكر حديث ميمونة. وفي آخره: فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأُخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. وقد سلف واضحًا بالكلام عليه. وأبو حمزة: هو محمد بن ميمون السكري (١). ومقصوده بالترجمة ألا يتخيل أن مثل هذا الفعل لإطراح العبادة ونقض له، فنبه أن هذا جائز، ونبه أيضًا على بطلان قول من زعم أن تركه المنديل من قبل إبقاء أثر العبادة عليه وأن لا يمسحها. وقد ظن المهلب هذا احتمالًا، والترجمة تأباه وتبين أن هذا ليس مغزاه، وإنما ترك المنديل -والله أعلم- خوفًا من فعل المترفين (٢).

стр. 2362

١٩ - باب مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ رأسِهِ الأَيْمَنِ فيِ الغُسْلِ ٢٧٧ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِبرَاهِيمُ بن نَافِعٍ، عَنِ الَحسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ، أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقهَا الأَيْمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ. [فتح: ١/ ٣٨٤] حَدَّثنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، ثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ، أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقِّهَا الأَيْمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ. هذا الحديث من أفراد البخاري بهذا اللفظ، وقد سلف فقهه (١)، وأن البداءة بالأيمن في الغسل مطلوبة. وصفية (ع) هذِه: بنت شيبة حاجب البيت ابن عثمان بن أبي طلحة العبدري، يقال: لها رؤية، وحديثها عن النبي ﷺ في السنن خلا الترمذي. وذكرها ابن عبد البر وابن السكن في الصحابة، وخرج لها البخاري في "صحيحه" (٢) في الجنائز عن النبي ﷺ (٣). ماتت في خلافة الوليد (٤).

стр. 2363

والحسن (خ، م، د، س، ق) بن مسلم هو ابن ينَّاق، ثقة. مات قبل طاوس (١). وإبراهيم بن نافع: هو المكي المخزومي ثقة ثبت (٢). وخلاد سلمي كوفي ثقة. مات سنة سبع عشرة ومائتين (٣) (٤).

стр. 2364

٢٠ - باب مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ وَقَالَ بَهْزٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ". ٢٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إلَى مُوسَى، فَقَالُوا: والله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا". فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: والله إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالَحْجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَربًا بِالَحْجَرِ. [٣٤٠٤، ٤٧٩٩ - مسلم: ٣٣٩ - فتح: ١/ ٣٨٥] ٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، ولكن لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ". وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا". [٣٣٩١، ٧٤٩٣ - فتح:١/ ٣٨٧] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث بهز، وذكره معلقًا فقال: وَقَالَ بَهْزٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ".

стр. 2365

ثانيها وثالثها: حديث أبي هريرة أن موسى وأيوب صلوات الله وسلامه عليهما كانا يغتسلان عراة، لكن كانا يستتران عن أعين الناس. وهما دليلان لقوله: (مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانَا وَحْدَهُ فِي الخَلْوَةِ)، ولا خلاف أن التستر أفضل كما قاله. وبجواز الغسل عريانًا في الخلوة قَالَ مالك والشافعي وجمهور العلماء (١) ومنعه ابن أبي ليلى (٢)، وحكاه الماوردي وجهًا لأصحابنا، فيما إذا نزل في الماء عريانًا بغير مئزر، واحتج بحديث ضعيف لم يصح عن النبي ﷺ : "لا تدخلوا الماء إلا بمئزر، فإن للماء عامرًا" (٣). وروى ابن وهب عن ابن مهدي، عن خالد بن حميد عن بعض أهل الشام أن ابن عباس لم يكن يغتسل في بحر ولا نهر إلا وعليه إزار، فإذا سئل عن ذلك قَالَ: إنَّ له عامرًا، وروى برد عن مكحول، عن عطية مرفوعًا: "من اغتسل بليل في فضاء فليتحاذر على عورته، ومن لم يفعل ذلك، فأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه" (٤).

стр. 2366

وفي مرسلات الزهري فيما رواه أبو داود في: "مراسيله" عنه عن النبي ﷺ قَالَ: "لا تغتسلوا في الصحراء إلا أن تجدوا متوارى، فإن لم تجدوا متوارى، فليخط أحدكم كالدائرة، ثم يسمي الله تعالى ويغتسل فيها" (١). وفي "سنن أبي داود" من حديث يعلى بن أمية أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يغتسل بالبَراز، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: "إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر" وأخرجه النسائي (٢)، ونص أحمد فيما حكاه ابن تيمية على كراهة دخول الماء بغير إزار (٣). وقال إسحاق: هو بالإزار أفضل، لقول الحسن والحسين ﵄، وقد قيل لهما وقد دخلا الماء عليهما بُردان، فقالا: إن للماء سكانًا. قال إسحاق: ولو تجردا رجونا ألا يكون إثمًا، واحتج بتجرد موسى ﵇. فأما حديث بهز فهو بعض حديث طويل أخرجه أصحاب السنن الأربعة: أبو داود في الحمام، والترمذي في الاستئذان في موضعين، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في النكاح من حديث بهز، عن أبيه، عن جده. وهو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري له صحبة، قلتُ: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قَالَ:

стр. 2367

"احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك" قَالَ: قلتُ: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض قَالَ: "إن استطعت أن لا تريها أحد فلا تريها" قَالَ: قلتُ: يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليًا، قَالَ: "فالله أحق أن يستحيى منه من الناس" (١). قَالَ الترمذي: حسن. قَالَ أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التين: يريد بقوله: "فالله أحق أن يستحيى منه من الناس". أن لا يغتسل أحد في الفلاة، وهذا حرج. وحديث أيوب أسمح وأثبت وأحسن، ولعله يريد بقوله: "أحق أن يستحيى منه" بمعنى: أن لا يعصى حياء منه. وقال ابن بطال: الحديث محمول عند الفقهاء على الندب والاستحباب للتستر في الخلوة لا على الإيجاب (٢). فرع: حكى الماوردي خلافًا للناس في أن ستر العورة واجب بالعقل أم بالشرع؟ وعلى الأول: المعتزلة، وعلى الثاني: أهل السنة، ولا شك أن جبلة الشخص كارهة لذلك، لكن الشرع هو الحاكم. فائدة: بهز هذا قد عرفت والده وجده مما ذكرته لك، وقد وثقه جماعة، وقال ابن عدي: لم أرَ له حديثًا منكرًا (٣).

стр. 2368

ووالده حكيم، قَالَ النسائي: ليس به بأس (١). وجده معاوية له صحبة كما سلف. وأما حديث أبي هريرة الأول فقال البخارج: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، ثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَجَمَحَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: والله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بالْحَجَرِ ضَرْبًا". فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: والله إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ. والكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق (٢)،

стр. 2369

وأخرجه البخاري بمعناه في أحاديث الأنبياء والتفسير (١)، ويأتي -إن شاء الله- من طريق محمد بن سيرين والحسن، وخلاس بن عمرو، عن أبي هريرة (٢). وكذلك مسلم من طريق عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة (٣). ثانيها: إسحاق هذا: هو ابن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري، نسبه البخاري إلى جده. مات بعد المائتين (٤)، كان ينزل ببني سعد، وقيل: كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد (٥)، وعن المنذري أنه ضبطه بضم السين والغين المعجمة، ونقله عن بعض علماء ( … ) (٦). ثالثها: قوله: ("كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ") أي: جماعتهم، وكذلك أدخل عليهم التأنيث مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]. رابعها: قوله: ("يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ") يحتمل أن هذا

стр. 2370

كان جائزًا في شرعهم، وكان موسى يتركه تنزهًا واستحبابًا وحياء ومروءة. ويحتمل أنه كان حرامًا في شرعهم، كما هو حرام في شرعنا، وكانوا يتساهلون فيه، كما يتساهل فيه كثير من أهل شرعنا. وجزم الشارح -أعني ابن بطال-: بهذا، فقال: هذا يدل على أنهم عصاة له، وسالكون غير سنته، إذ كان هو يغتسل حيث لا يراه أحد، ويطلب الخلوة، فكان الواجب عليهم الاقتداء، ولو كان اغتسالهم عراة في غير الخلوة عن علم موسى وإقراره لذلك لم يلزم فعله (١)؛ لأن شرعنا يخالفه ولو كانوا أهلَ توفيق اتبعوه. ثم لم تكفهم المخالفة حتى أذوه، فنسبوا إليه ما نسبوا، فأظهر الله براءته من ذلك بطريق خارق للعادة، زيادة في دلالة صدقه ومبالغة في قيام الحجة عليهم. خامسها: "آدَر" -بهمزة مفتوحة ممدودة، ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء- عظيم الخُصْيتين، وهي: الأُدْرة بضم الهمزة وفتحها مع إسكان الدال بفتحها (٢)، ولا يقال: امرأة أدراء. سادسها: قوله: ("فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ") وضعه ﵇ ثوبه ودخوله الماء عريانًا دليل على جواز ذلك.

стр. 2371

وجاء في "صحيح مسلم ": "أنه اغتسل عند مُوَيْه" (١) بضم الميم وفتح الواو وإسكان الياء، تصغير ماء، وأصله: موه، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها، هكذا هو في معظم نسخ مسلم، روى ذلك العذري والباجي. وفي بعض نسخ مسلم "مَشْربة" -بفتح الميم وإسكان الشين المعجمة، ثم راء- وهي: حفرة في أصل النخلة، يجمع الماء فيها ليسقيها. قَالَ القاضي عياض: وأظن الأول تصحيفًا (٢). سابعها: قوله: ("فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ") هذِه آية ومعجزة لموسى عليه أفضل الصلاة والسلام، لمشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني إسرائيل. ثامنها: قوله: ("فجمح موسى") أي: أسرع إسراعًا في مشيه خلف الحجر، ليأخذ ثوبه لا يرده شيء، وكل شيء مضى لوجهه على أمر فقد جمح، قَالَ تعالى: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧]. قَالَ ابن سيده: جمح الفرس بصاحبه جمحًا وجماحًا: ذهب يجري جريًا غالبًا، وكل شيء مضى لشيء على وجهه فقد جمح (٣). وقال الأزهري في "تهذيبه": فرس جموح: إذا ركب رأسه فلم يرده اللجام، وهذا ذم، وفرس جموح، أي: سريع، وهذا مدح (٤).

стр. 2372

تاسعها: قوله: ("فِي إِثْرِهِ") هو بتثليث الهمزة وإسكان الثاء، ورابعة فتحهما بمعنى، حكاهن كراع، وذكر الثلاث الأول في: "المنتخب"، وفي "المثلث" لابن السيد: الأثر -بالضم- أثر الجرح (١). وفي "الواعي" الأثر: -محرك- ما يؤثر الرجل بقدمه في الأرض. عاشرها: قوله: ("ثَوْبِي يَا حَجَرُ") هو منصوب بفعل مضمر تقديره: أعطني ثوبي يا حجر، أو اترك ثوبي، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه، وفي "مسلم": "ثوبي حجر" مرتين (٢) بإسقاط حرف النداء، وإنما نادى موسى الحجر نداء من يعقل؛ لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل، وقال ذلك استعظامًا لكشف عورته، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى جمع بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى ليبرئه مما قالوا. الحادي عشر: قوله: ("حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى") إنما مشى ﵇ بينهم مكشوف العورة، لأنه إنما نزل إلى الماء مؤتزرًا، فلما خرج يتبع الحجر، والمئزر مبتل بالماء علموا عند رؤيته أنه ليس بآدر؛ لأن الأدرة تتبين تحت الثوب المبلول بالماء، وهذا هو ما أجاب به الحسن بن أبي بكر النيسابوري فيما حكاه ابن الجوزي عنه سماعًا (٣).

стр. 2373

وفي "مسند أحمد" من حديث علي بن زيد، عن أنس مرفوعًا: "أن موسى ﵇ كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يُلْقِ ثوبَهْ حتى يواري عورته في الماء" (١) وأجاب -أعني ابن الجوزي (٢) - بجواب آخر، وهو أن موسى كان في خلوة كما بين في الحديث، فلما تبع الحجر لم يكن عنده أحد، فاتفق أنه جاز على قوم فرأوه، وجوانب الأنهار وإن خلت لا يؤمن وجود قوم قريب منها فنسي موسى الأمر على ألَّا يراه أحد على ما رأى من خلاء المكان فاتفق من رآه. وأما الشارح -يعني ابن بطال- فقال: إن في الحديث دليلًا على النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إلى ذلك من مداواة أو براءة مما رمي به من العيوب كالبرص وغيره من الأدواء التي يتحاكم الناس فيها مما لابد فيها من رؤية أهل النظر بها، فلا بأس برؤية العورات للبراءة من ذلك أو لإثبات العيوب فيه والمعالجة (٣). الثاني عشر: فيه ما يدل على أن الله تعالى كمَّل أنبياءه خَلْقًا وخُلُقا، ونزههم عن المعايب والنقائص والسلامة من العاهات والمعايب، وعورض ما وقع ليعقوب وأيوب صلوات الله وسلامه عليهما، فللتأسي بهما ورفع درجاتهما، وقد زال عنهما.

стр. 2374

الثالث عشر: قوله: ("فَطَفِقَ") هو بكسر الفاء وفتحها، أي: جعل وأقبل وصار ملتزمًا لذلك، وهي من أفعال المقاربة. والنَدَب -بفتح النون والدال- أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، فشبه به أثر الضرب في الحجر، وقال الأصمعي: هو الجرح إذا بقي منه أثر مشرف، يقال: ضربه حتى أندبه. ونقل ابن بطال عن صاحب "العين"، أنه أثر الجرح (١)، واقتصر عليه، وهذِه معجزة لموسى، وتمييز الجمادات. وفيه: ما غلب على موسى من البشرية من ضرب الحجر، وهذا الضرب من موسى ﵇، يجوز أن يكون أراد به إظهار معجزته لقومه بأثر الضرب في الحجر، ويحتمل أن يكون أوحي إليه بذلك لإظهار معجزته. وفيه أيضًا: إجراء خلق الإنسان عند الضجر على (من) (٢) لا يعقل أيضًا، فإذا كان الحجر أعطاه الله قوة مشى بها أمكن أن يحس به أيضًا، ألا ترى قول أبي هريرة: (والله إنه لندب بالحجر). يعني: أثار ضربه بقيت فيه آية له. ويؤخذ من ذلك جواز الحلف على الإخبار. وفيه: وفي حديث أيوب الآتي دليل على إباحة التعري في الخلوة للغسل وغيره، بحيث يأمن أعين الناس، لأنهما من الذين أمرنا أن نقتدي بهداهم، ألا ترى أن الله تعالى عاتب أيوب على جمع الجراد كما سيأتي ولم يعاتبه على اغتساله عُريانًا، ولو كلفنا بالاستتار في

стр. 2375

الخلوة لحصل لنا الحرج والضيق؛ إذ لا نجد بدًا منه، والباري تعالى لا يغيب عنه شيء من خلقه عراة كانوا أو مكتسين، وسيأتي شيء من هذا المعنى في باب كراهية التعري في الصلاة (١) وغيرها إن شاء الله. نعم، الاستتار من حسن الأدب. خاتمة: إن قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية [الأحزاب: ٦٩] نزلت في ذلك. قَالَ الطحاوي فيما روي عن أبي هريرة في هذِه الآية ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية: قَالَ رسول الله ﷺ : "إن موسى كان رجلًا حيِيًّا سِتيرًا لا يكاد أن يرى من جلده -يعني: استحياء منه- فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أذرة هكذا قَالَ لنا بعض رواة الحديث. وأهل اللغة يقولون: أدرة، لأنها آدر بمعنى: آدم، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا، وأنه خلا يومًا وحده فوضع ثوبه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ من غسله أقبل إلى ثوبه ليأخذه، وأن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى ﵇ عصاه وطلب الحجر (٢). الحديث بطوله. قَالَ: ومما روي عن علي بن أبي طالب في الآية مما نعلم أنه ليس من رأيه؛ لأنه إخبار عن مراد الله، قَالَ: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشد حياء. فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته وتكلمت بموته، حتى عرفت بنو إسرائيل أنه قد مات فدفنوه، فلم يعرف موضع قبره

стр. 2376

إلا الرخم (١)، فإن الله جعله أبكم أصم، ولا تعارض بينهما، فإنه يجوز أن يكون آذوه بكل ذلك، فبرأه الله منهما (٢). وأما حديث أبي هريرة الآخر، فقال البخاري: وقال أبو هريرة (٣): إن النبي ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فجَعَل أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثوْبِهِ، فنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، ألَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، ولكن لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكتِكَ". وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بن طهمان، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا". والكلام عليه من أوجه: أحدها: حديث أبي هريرة هذا معطوف على سند حديث أبي هريرة الأول، وقد صرح به أبو مسعود وخلف، فقالا في أطرافهما: إن البخاري رواه هنا عن إسحاق بن نصر، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن محمد الجعفي كلاهما عن عبد الرزاق (٤). ورواه أبو نعيم الأصبهاني، عن أبي أحمد بن شبرويه، ثنا إسحاق، ثنا عبد الرزاق فذكره، وذكر أن البخاري رواه عن إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق. وأورد الإسماعيلي حديث عبد الرزاق، عن معمر، ثم لما فرع منه،

стр. 2377

وقال: عن أبي هريرة قَالَ: عن رسول الله ﷺ : "بينا أيوب يغتسل .. " الحديث. وأما قوله: (رواه إبراهيم .. إلى آخره)، قَالَ الحُميدي لما ذكرها قَالَ عطاء تعليقًا عن أبي هريرة فذكره، ثم قَالَ: لم يرد -يعني: البخاري- على هذا من رواية عطاء، وقد أخرجه بطوله بالإسناد من حديث همام، عن أبي هريرة (١). وكذا ساقه أبو نعيم الأصبهاني، عن البخاري كما سلف. ثم قَالَ: لم يذكر البخاري اسم شيخه وأرسله، ورواه الإسماعيلي، فقال: حدثناه أبو بكر بن عبيدة الشعراني وأبو عمرو أحمد بن محمد الحيري، قالا: ثنا أحمد بن حفص، حَدَّثَني أبي، حَدَّثَني إبراهيم، عن موسى بن عقبة. وأخرجه النسائي في الطهارة عن أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان (٢). ثانيها: أيوب ﷺ هو من ذرية عيصو بن إسحاق، وعاش ثلاثًا وتسعين سنة، وكان ببلاد حوران (٣)، وقبره مشهور عندهم بقرية بقرب نوى (٤) عليه مشهد (٥)، وهناك قدم في حجر يقولون: إنها أثر قدمه، وهناك عين يتبرك بها ويزعم أنها المذكورة في القرآن العظيم، وكانت شريعته

стр. 2378

التوحيد وإصلاح ذات البين، وإذا طلب من الله حاجة خر له ساجدًا ثم طلب، وكان أعبد أهل زمانه وأكثرهم مالًا، وكان لا يشبع حَتَّى يشبع الجائع، ولا يلبس حَتَّى يلبس العاري. وأمه بنت لوط ﵇. ثالثها: عطاء بن يسار سلف حاله فيما مضى. وصفوان (ع): هو ابن سليم الزُهري مولاهم المدني التابعي الإمام القدوة، ممن يستسقى بذكره، يقال: إنه لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنة، وأن جبهته نَقِبَتْ من كثرة السجود، وكان لا يقبل جوائز السلطان، ومناقبه جمة. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومولده سنة ستين (١). وموسى (ع) بن عقبة الثقة المفتي. مات سنة اثنتين وأربعين ومائة (٢). وإبراهيم (ع) بن طهمان أحد أئمة الإسلام الثقات، فيه إرجاء، مات سنة بضع وستين ومائة (٣).

стр. 2379

رابعها: ("بينا") سلف الكلام عليها في الحديث الرابع من باب بدء الوحي. وقوله: ("عريانًا") هو مصروف؛ لأنه فُعلان بالضم بخلاف فَعلان إذا كانت الألف والنون زائدتين مثل حمران وسكران. ("والجراد") جمع جرادة، والجرادة تقع على الذكر والأنثى، قاله الجوهري (١). وليس الجراد تذكيرًا للجرادة، إنما هو اسم جنس كالبقر والبقرة، فحق مذكره ألا يكون مؤنثه من لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع، وقيل: الجراد الذكر، والجرادة الأنثى، حكاه ابن سيده (٢). سميّ جرادًا؛ لأنه يجرد الأرض فيأكل ما عليها، وله قبل أسماء أن يصير جرادًا، ذكرها ابن سيده (٣) وغيره. وفي رواية للبخاري في كتاب التوحيد "رجل جراد" (٤)، أي: جماعة من جراد. والرِّجل -بالكسر- الجراد الكثير، وهو من أسماء الجماعات التي لا واحد لها من لفظها، يقال: رِجل من جرادٍ، وسرب من ظباء، وخبط من نعام، وعانة من الحمير. وقوله: ("فَجَعَلَ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ") ذكر أهل اللغة أن الحثية باليدين جميعًا، قَالَ ابن سيده: الحثي: ما رفعت به يديك، يقال: حثى يحثي ويحثو، والياء أعلى (٥)، وزعم ابن قرقول أنه يكون باليد الواحدة أيضًا.

стр. 2380

وقوله: ("فَنَادَاهُ رَبُّهُ") يحتمل أن يكون كلمه كما كلم موسى، وهو أولى بظاهر اللفظ، ويحتمل أن يرسل إليه ملكًا فسمي منادى بذلك، وقد حكاهما على وجه الاحتمال الداودي في "شرحه"، وكذا ابن التين. والغنى -مقصور- اليسار، وبالمد الصوت. خامسها: في فوائده: الأولى: جواز الاغتسال عُريانًا في الخلوة وقد سلف. الثانية: جواز الحرص على الحلال وفضل الغنى؛ لأنه سماه بركة. الثالثة: جواز اليمين بصفة من صفات الله تعالى.

стр. 2381

٢١ - باب التَّسَتّر فِي الغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ ٢٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النُّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: "مَنْ هذِه؟ ". فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ. [٣٥٧، ٣١٧١، ٦١٥٨ - مسلم: ٣٣٦ - فتح: ١/ ٣٨٧] ٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخبَرَنَا عَبدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةَ قَالَت: سَتَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الَحائِطِ -أَوِ الأرَضِ- ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ الَماءَ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ فُضَيْلِ فِي السَّتْرِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧، ٣٣٧ - فتح: ١/ ٣٨٧] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: "مَنْ هذِه؟ ". فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ. الكلام عليه من وجهين: أحدهما: هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع أخر في صلاة التطوع في السفر (١)، وفي الأدب (٢)، والجزية (٣)، والمغازي (٤)،

стр. 2382

واختصره هنا وطوَّله في غيره. وأخرجه مسلم في الطهارة (١) والصلاة (٢)، وأخرجه أبو داود (٣) والترمذي في الصلاة والاستئذان وصححه (٤). ثانيها: (أم) (٥) هانئ بالهمز في آخره، واسمها فاختة أو هند أو فاطمة أو عاتكة أو جمانة أو رملة، أقوال أشهرها أولها، أسلمت عام الفتح (٦). وأبو مرة (ع) مولاها اسمه يزيد (٧). وأبو النضر (ع) اسمه سالم بن أمية مدني مشهور (٨)، وباقي الإسناد سلف.

стр. 2383

ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا عَبْدَانُ. وساق حديث ميمونة، وفيه: سَتَرْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ .. الحديث. ثم قَالَ: تَابَعَهُ (١) أَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ فُضَيْلٍ فِي السَّتْرِ. وقد سلف كل ذلك أول الغسل (٢). والإجماع قائم على وجوب ستر العورة عن أعين الناظرين، وأصل هذين الحديثين ومصداقهما في كتاب الله تعالى، قَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] الآية، ثم قَالَ تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاح﴾ [النور: ٥٨] فالجناح إذًا غير مرفوع عنهن. وقوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ أي: إن هذِه الأوقات أكثر ما يخلو فيها الرجل بأهله للجماع، وتحظير ذلك على الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا جرت عليهم الأقلام، يدل على أنه أوجب على غيرهم من الرجال والنساء التستر الذي أراده الله تعالى، وقد قَالَ تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] فعد علينا نعمته في ذلك.

стр. 2384

وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] فقرن غض الأبصار عن العورات بحفظ الفروج. وقال ﷺ : "لا يطوف بالبيت عريان" (١). فكما لا يحل لأحد أن يبدي عن فرجه لأحد من غير ضرورة مضطرة له إلى ذلك، فكذلك لا يجوز له أن ينظر إلى فرج أحد من غير ضرورة، واتفق أئمة الفتوى -كما نقله ابن بطال- على أن من دخل الحمام بغير مئزر أنه تسقط شهادته بذلك، وهذا قول مالك والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والشافعي. واختلفوا إذا نزع مئزره ودخل الحوض، وبدت عورته عند دخوله، فقال مالك والشافعي: تسقط شهادته بذلك أيضًا (٢). وقال أبو حنيفة والثوري: لا تسقط شهادته بذلك، وهذا يعذر به؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، قَالَ: وأجمع العلماء على أن للرجل أن يرى عورة أهله وترى عورته (٣).

стр. 2385

٢٢ - باب: إِذَا احْتَلَمَتِ المَرْأَةُ ٢٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الُمؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيمٍ -امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ- إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الَحقِّ، هَلْ عَلَى الَمرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ". [انظر: ١٣٠ - مسلم: ٣١٣ - فتح: ١/ ٣٨٨] ذكر فيه حديث أم سلمة، وقد سلف في باب الحياء في العلم (١)، فراجعه منه. والإجماع قائم على أن النساء إذا احتلمن ورأين المني عليهن الغسل، وحكمهن حكم الرجال في ذلك، وكذا هو قائم على أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللًا لا غسل عليه. واختلفوا فيمن رأى بللًا ولم يذكر احتلامًا، فقالت طائفة: يغتسل. روي عن ابن عباس والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي (٢)، وقال أحمد: أحب إلي أن يغتسل إلا رجل به إِبْرِدَة (٣). وقال إسحاق: يغتسل إذا كانت بلة نطفة. وعن الحسن أنه قَالَ: إذا كان انتشر إلى أهله من أول الليل فوجد من ذلك بلة (٤) فلا غسل عليه، وإن لم يكن كذلك اغتسل (٥).
следующие страницы →