← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

صرح الجياني (١)، مات بعد الأربعين ومائتين أو قبلها (٢)، قال الجياني: إذا نسب ابن السكن يحيى هذا، فقال: ابن موسى، ولم ينسب الذي في الاعتصام (٣)، والبخاري قال هناك: حدثنا يحيى، ثنا ابن عيينة (٤) كما ذكر هنا قال: وذكر أبو نصر أنه يحيى بن جعفر، يروي عن ابن عيينة، ووقع في شرح بعض شيوخنا حدثنا يحيى -يعني: ابن معاوية بن أعين-، ولا أعلم في البخاري من اسمه كذلك. ثانيها: أغرب ابن حزم فطعن في "محلاه"، في رواية: "فتطهري بها"، وفي رواية: "فتوخي بها" بأن قال: لم تسند هذِه اللفظة إلا من طريق إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيف، ومن طريق منصور ابن صفية وقد ضُعِّف. وليس مما يحتج براويته (٥)، هذا كلامه، وإبراهيم هذا قد احتج به مسلم، ووثقه أحمد والنسائي وغيرهما، وضعفه ابن معين بحضرة عبد الرحمن بن مهدي، فغضب عبد الرحمن وكره ما قال.

стр. 2487

نعم، قال يحيى بن سعيد: ليس بالقوي ويضعفه أيضًا منصور ابن صفية من أفراده، وقد أخرج الشيخان الحديث من حديثه، ووثقه الناس: أحمد، وابن عيينة، وغيرهما. ثالثها: لما ساق مسلم الحديث بسياقه بزيادة: وسألته عن غسل الجنابة، فذكره، قال: وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية، وساق الحديث (١)، وقال: ولم يذكر فيه غسل الجنابة كما قال، وقد ساقه ابن ماجه من حديث شعبة عن إبراهيم (٢) وفيه غسل الجنابة، وكذا أبو داود (٣) فاستفده. رابعها: هذِه السائلة هي أسماء بنت شكل، كذا ثبت في "صحيح مسلم" (٤) والكاف مفتوحة وحكي إسكانها. وتبعه على ذلك جماعات منهم: ابن طاهر وأبو موسى في كتابه "معرفة الصحابة" وقال الخطيب في "مبهماته": إنها أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء، وروى حديثًا كذلك (٥) وبه جزم ابن الجوزي في "تلقيحه" لكنه جزم بالأول في "مشكل الصحيحين"، وصوبه بعض الحفاظ المتأخرين؛ لأنه ليس في الأنصار من اسمه شكل، ويجوز

стр. 2488

تعدد الواقعة، ويؤيده تفريق ابن منده بين الترجمتين، وأن ابن سعد والطبراني وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمة بنت يزيد، ولم ينفرد مسلم في ذلك، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده" وأبو نعيم في "مستخرجه" (١) كما ذكره مسلم سواء. خامسها: ترجم البخاري على هذا الحديث دلك المرأة نفسها، ولم يذكره فيه وكأنه أراد أصل الحديث، إذ في مسلم: ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شئون رأسها. أو يكون فهم من قولها: (تتبعي بها أثر الدم): الدلك، وقد قيل، وترجم عليه أيضًا غسل المحيض، ولم يذكر فيه إلا التطيب، وقد ذكره مسلم في حديثه مطولًا كما أشرنا إليه، فكأنه أراد أصل الحديث. سادسها: المحيض هنا: الحيض، ويؤخذ منه، أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه. سابعها: الفرصة -مثلثة الفاء كما حكاه ابن سيده، والكسر أشهرها: القطعة من القطن أو الصوف (٢). وفي أبي داود عن أبي الأحوص أنه كان يقول: قرصة -أي: بالقاف- أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين (٣).

стр. 2489

وقال أبو عبيد وابن قتيبة: إنما هو قرضة بالقاف المضمومة والضاد المعجمة (١)، وتدل عليه الرواية السالفة: (فرصة ممسكة). ثامنها: المسك -بكسر الميم- يذكر ويؤنث وهو المعروف، (وممسكة) في الرواية الأخرى بتشديد السين، أي: مطيبة بالمسك، وأبعد من خفف السين، وفتحها أو كسرها، أي: من الإمساك. وادعى القاضي عياض أن الفتح في المسك رواية الأكثرين (٢) وهو الجلد، أي: عليه منه شعر، وبه جزم ابن قتيبة، وأن معناه الإمساك؛ لأنه لم يكن للقوم وسع في المال بحيث يستعملون الطيب في مثل هذا. وقال الزمخشري: ممسكة، أي: خَلِقًا فإنه أصلح لذلك، ولا يستعمل الجديدة للارتفاق به، وذلك غريب منهما، وكيف يصح أن يقال: خذي قطعة من إمساك، والمسك عند أهل الحجاز كثير. ولما ذكر الخطابي قول ابن قتيبة أن المسك لم يكن عندهم ممتهنًا، قال: الذي قاله أشبه، فلما ذكر قوله: قطعة قطن أو صوف مطيبة بمسك قال: فيه بُعُد (٣). تاسعها: "سُبْحَانَ اللهِ! "، هنا المراد بها: التعجب، أي: كيف يخفن مثل هذا الظاهر، وقولها: (تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ) يعني: الفرج، وأغرب المحاملي، فقال في "مقدمته": كل موضع أصابه الدم من بدنها، ومعنى: "توضيء بها": تنظفي بها.

стр. 2490

عاشرها: في أحكامه: فيه: استحباب تطييب فرج المرأة، تأخذ قطعة من صوف ونحوها، وتجعل عليها مسكًا أو نحوه، وتدخله في فرجها بعد الغسل على الصواب، والنفساء مثلها. وفيه: استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات، وقول: سبحان الله عند التعجب، وأن للسائل أن يتفهم السؤال إذا لم يفهم أولًا، وتكرير الجواب، واستعمال الحياء والإعراض بالوجه، وأن السائل إذا لم يتفهم فهمه بعض من في المجلس والعالم يسمع، إن ذلك سماع من العالم يجوز أن يقول فيه: حدثني وأخبرني. ثم اعلم أن غسل المرأة من الحيض كغسلها من الجنابة سواء، وتزيد على ذلك استعمال الطيب.

стр. 2491

١٥ - باب امْتِشَاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غَسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ ٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّن تَمَتَّعَ، وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ. فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذِه لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وإِنَّمَا كنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرةٍ. فَقَالَ لَهَا رسول اللهِ ﷺ : "انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ". فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الَحجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الَحصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي التِي نَسَكْتُ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم:١٢١١ - فتح: ١/ ٤١٧] حَدَّثنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، ثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاع، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَعَ، وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ. فَزَعَمَتْ أَنهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذِه لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَة. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ". فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي التِي نَسَكْتُ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: اعترض الداودي في "شرحه"، فقال: ليس فيما أتى به حجة على ما ترجم له؛ لأن عائشة إنما أمرت أن تمتشط بالإهلال بالحج وهي حينئذ حائض، ليس عند غسلها منه، قلت: لكن إذا شرع في المسنون فالواجب أولى ولعل هذا هو الذي لمحه البخاري.

стр. 2492

ثانيها: ظاهر حديث عائشة هذا أنها أحرمت بعمرة أولًا، وهو صريح حديثها الآتي في الباب بعده، لكن قولها في الحديث السالف: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج). وقد اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا كما ذكره القاضي عياض، ففي رواية عروة عنها: (فأهللنا بعمرة)، وفي رواية أخرى: (ولم أهل إلا بعمرة)، وفي أخرى: (لا نذكر إلا الحج) وفي أخرى: (لا نرى إلا الحج)، وفي رواية القاسم عنها: (لبينا بالحج)، وله: (مهلين بالحج). واختلف العلماء في ذلك، فمنهم من رجح روايات الحج وغلط رواية العمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي (١)، ومنهم من جمع لثقة رواتها بأنها أحرمت أولًا بالحج ولم تسق الهدي، فلما أمر الشارع من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة إن شاء فسخت فيمن فسخ وجعلته عمرة، وأهلت بها، ثم إنها لم تحل منها، حتى حاضت تعذر عليها إتمامها والتحلل منها، فأمرها أن تحرم بالحج، فأحرمت فصارت قارنةً، ووقفت وهي حائض، ثم طهرت يوم النحر فأفاضت. وذكر ابن حزم أنه ﷺ خيرهم بسرف بين فسخه إلى العمرة أو التمادي عليه، وأنه بمكة أوجب عليهم التحلل فرضًا إلا من معه الهدي (٢).

стр. 2493

وفي "الصحيح" أنها حاضت بسرف أو قريب منها، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "اجعلوها عمرة" (١). ثالثها: قولها: (يَا رَسُولَ اللهِ، هذِه لَيْلَةُ عَرَفَة … إلى آخره) ظاهره أنه أمرها برفض عمرتها، وأن تخرج منها قبل إتمامها، وبه قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف وتخشى فوت الحج أنها ترفض العمرة. وقال الجمهور: إنها تردف الحج، وتكون قارنة، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور، وحمله بعض المالكية على أنه ﷺ أمرها بالإرداف لا بنقض العمرة (٢)؛ لأن الحج والعمرة لا يأتي الخروج منهما شرعًا إلا بإتمامها، واعتذروا عن هذِه الألفاظ بتأويلات: أحدها: أنها كانت مضطرة إلى ذلك فرخص لها كما رخص لكعب بن عُجْرة في الحلق للأذى. ثانيها: أنه خاص بها. ثالثها: أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبَّدت رأسها، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفر والتسريح. وقد اختلف العلماء في نقض المرأة شعرها عند الاغتسال، فأمر به

стр. 2494

ابن عمرو (١) والنخعي (٢)، ووافقهما طاوس في الحيض دون الجنابة، ولا يتبين بينهما فرق، ولم توجبه عليها فيهما عائشة، وأم سلمة (٣) وابن عمر وجابر (٤) وبه قال مالك والكوفيون والشافعي وعامة الفقهاء (٥)، والعبرة بالوصول، فإن لم يصل تنقض. رابعها: قوله: "وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ" أي: عن إتمامها، يؤيده قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" (٦). خامسها: عبد الرحمن: هو أخوها، والحصبة: بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين، أي: ليلة نزول المحصب، وهو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح بين مكة ومنى، وهو خيف بني كنانة، ربما سمي الأبطح والبطحاء لقربه منه، نزله الشارع بعد النفر من منى؛ لأنه بعث لخروجه، وبعث عائشة مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم لتعتمر وتكمل أفعال عمرتها وتوافيه به، وطاف هو للوداع ووافاها في الطواف.

стр. 2495

سادسها: قولها: (مَكَانَ عُمْرَتِي التِي نَسَكْتُ) كذا هو في روايتنا، ووقع عند الشيخ أبي الحسن كما نقله ابن التين: شكيت. قال: وإنما وجه الكلام شكوت. قلت: والياء لغة، قال: والذي رويناه سكنت من السكون، أي: سكنت عنها، وتركت التمادي عليها، قال: وروي أنها شكت بسرف، وروي بعرفة، وروي بمكة، قال: والمعنى أنها أعادت الكلام وكررته في كل موضع.

стр. 2496

١٦ - باب نَقْضِ المَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غَسْلِ المَحِيضِ ٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الِحجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ". فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ". فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: "دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِحَجٍّ". فَفَعَلْتُ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الَحصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةِ مَكَانَ عُمْرَتِي. قَالَ هِشَام: وَلَمْ يَكنْ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤١٧] حَدَّثنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ .. " الحديث وقد سلف الكلام عليه في الباب قبله مع الترجمة أيضًا فيه، وأبو أسامة (ع) اسمه: حماد بن أسامة الكوفي الحافظ الحجة الإخباري، عنده ستمائة حديث عن هشام، عاش ثمانين سنة، ومات سنة إحدى ومائتين (١)، وعبيد (خ) هَبَّاري من أفراد البخاري، مات سنة ثنتين ومائتين.

стр. 2497

وفتح الحاء من ذي الحجة أشهر من كسرها، ومعنى: موافين: مشرفين، يقال: أوفي على كذا، أي: أشرف، ولا يلزم الدخول فيه. وقولها: (خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ) وجاء في رواية أخرى: (لخمس بقين من ذي القعدة وقدم النبي ﷺ مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة فأقام في طريقه إلى مكة تسعة أيام أو عشرة). وقوله: (قَالَ هِشَام: وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ). ظاهره مشكل، فإنها إن كانت قارنة فعليها هدي للقران عند كافة العلماء إلا داود، وإن كانت متمتعة فكذلك؛ لكنها كانت فاسخة كما سلف، ولم تكن قارنة ولا متمتعة، وإنما أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها، فلما أكملته اعتمرت عمرة مستبدأة، نبه عليه القاضي (١). لكن يعكر عليه قولها: (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ)، وقولها: (ولم أهل إلا بعمرة)، ويجاب: بأن هشامًا لما لم يبلغه شيء من ذلك أخبر بنفيه، ولا يلزم من ذلك نفيه في نفس الأمر، ويحتمل أن يكون لم يأمر به؛ بل نوى أنه يقوم به عنها، بل روى جابر أنه ﷺ أهدى عن عائشة بقرة (٢).

стр. 2498

خاتمة: اختلف العلماء في فسخ الحج إلى العمرة، وهو تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة؛ فجمهور العلماء على المنع من ذلك (١)، وذهب ابن عباس إلى جوازه (٢)، وبه قال أحمد (٣) وداود (٤) وكلهم متفقون: أن الشارع أمر أصحابه عام حجَّ بفسخ الحج إلى العمرة. وأجاب الجمهور عنه: بأن ذلك كان خاصًّا بهم، وقد روى ربيعة عن الحارث بن بلال، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، الفسخ لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: "لنا خاصة" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه (٥).

стр. 2499

١٧ - باب كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ؟ (١) ٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ". قَالَتْ: فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِى أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِى مِنَ التَّنْعِيمِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤١٩] حَدَّثَنَا يَحْييَ بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ .. الحديث. وقد سلف الكلام عليه، أخرجه مسلم في المناسك (٢)، ويأتي بزيادة في الحج إن شاء الله (٣)، وهذا الحديث كذا هو في "شرح ابن بطال"

стр. 2500

هنا (١) ووقع في روايتنا ذكره له بعد الباب الآتي، والأمر فيه قريب. وفيه: أن الحائض تهل بالحج والعمرة، وتبقى على حكم إحرامها، وتفعل فعل الحاج كله غير الطواف بالبيت (٢)، كما سلف في حديث عائشة: فإذا طهرت واغتسلت فعلته (٣) (٤).

стр. 2501

١٨ - باب ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج ٥] ٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَارَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أمِّهِ". [٣٣٣٣، ٦٥٩٥ - مسلم: ٢٦٤٦ - فتح: ١/ ٤١٨] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا حَمَّاد، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إِنَّ اللهَ وَكلَّ بِالرَّحِم مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ أنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ". هذا الحديث أخرجه في الاعتصام أيضًا (١)، وأخرجه مسلم في القدر (٢). وعبيد الله (ع) هذا روى عن جده أنس، وقيل: روى عن أبيه عن جده، وهو ثقة صالح (٣).

стр. 2502

والنطفة: جمعها نطف، وكل منى نطفة، والعلقة: الدم الجامد الغليظ؛ سميت بذلك لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، والمضغة: قطعة لحم قدر ما يمضغه الماضغ. وفقه الحديث: أن الله تعالى علم أحوال خلقه قبل خلقهم، ووقت أرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم، فأراد البخاري بهذا التبويب معنى ما روي عن علقمة: إذا وقعت النطفة في الرحم قال الملك: مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال: غير مخلقة مجَّت الرحم دما، وإن قال: مخلقة، قال: أذكر أم أنثى؟ ويحتمل أن يكون المراد ما فسره في الحديث: إذا أراد خلقه قال: مخلقة، وإن لم يرد قال: غير مخلقة. ويحتمل أن يكون أراد الآية الكريمة ﴿مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، والحديث عليها، ويحتمل أن يكون المراد بالآية أنها تكون غير مخلقة في الحالة الثانية، ثم تخلق بعد ذلك، والواو لا توجب ترتيبًا. وغرض البخاري بهذا الباب -والله تعالى أعلم- أن الحامل لا تحيض، وهو قول أبي حنيفة (والكوفيين) (١) والأوزاعي وأحد قولي الشافعي (٢)؛ لأن اشتمال الرحم على الولد يمنع الخروج. وقال مالك، والشافعي في أظهر قوليه أنها تحيض (٣)، وحكي عن

стр. 2503

بعض المالكية: إن كان في آخر الحمل فليس بحيض (١). وذكر الداودي أن الاحتياط أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم ولا يأتيها زوجها، وعن قتادة: تامة أو غير تامة، وعن الشعبي: النطفة والعلقة والمضغة إذا كسيت في الخلق الرابع كانت مخلقة، وإذا قذيتها قبل ذلك كانت غير مخلقة (٢)، وعن أبي العالية: المخلقة: الصورة وغيرها السقط (٣). وقام الإجماع على مصير الأمة أم ولد مما أسقطته من ولد تام الخلق (٤). ووقع الخلاف بينهم فيمن لم يتم خلقه من العلقة والمضغة، فقال مالك والأوزاعي وجماعة: تكون أم ولد بالمضغة مخلقة وغيرها، وتنقضي بها العدة (٥)، وعن ابن القاسم: تكون أم ولد بالدم المجتمع (٦)، وعن أشهب: لا تكون أم ولد به، وتكون كالمضغة والعلقة (٧). وقال أبو حنيفة، والشافعي، وجماعة: إن كان قد تبين في المضغة شيء من الخلق؛ أصبع أو عين غير ذلك فهي أم ولد (٨)، وعلى مثل هذا انقضاء العدة.

стр. 2504

ثم اعلم أنه ثبت في "الصحيح" من حديث ابن مسعود: "إِنَّ خلق أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويكتب رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ" (١). وظاهره أن إرسال الملك بعد الأربعين الرابعة، وفي رواية: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ ". وفي أخرى: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها" (٢). وفي رواية حذيفة بن أسيد: "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم (يتسور) (٣) عليها الملك" (٤). وفي أخرى: "أن ملكًا وكل بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا يأذن له لبضع وأربعين ليلة" (٥). وجمع العلماء بين ذلك أن الملائكة لازمة ومراعية بحال النطفة في أوقاتها؛ فإنه يقول: يا رب هذِه نطفة، هذِه علقة، هذِه مضغة في أوقاتها، وكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى وهو أعلم.

стр. 2505

ولكلام الملك وتصرفه أوقات: أحدها: حين يكون نطفة ثم ينقلها علقة، وهو أول علم الملك أنه ولد إذ ليس كل نطفة تصير ولدًا وذلك عقب الأربعين الأولى، وحينئذ يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم للملك عندئذ تصرف آخر، وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وكونه ذكرًا أو أنثى، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة وهي مدة المضغة، وقبل انقضاء هذِه الأربعين وقبل نفخ الروح، لأن النفخ لا يكون إلا بعد تمام صورته. والرواية السالفة: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة" فليست على ظاهرها كما قال عياض (١) وغيره، بل المراد بتصويرها وخلق سمعها .. إلى آخره: أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي النطفة وهي مدة المضغة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ الآية [المؤمنون: ١٢] ثم يكون للملك فيه تصرف آخر، وهو وقت نفخ الروح، عقب الأربعين الثالثة حتى يكمل له أربعة أشهر. واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر (٢)، ووقع في رواية البخاري "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقة مثله، ثم مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" (٣) وأتي فيه بـ (ثم) التي هي مقتضية للتراخي في الكتب إلى ما بعد الأربعين الثالثة.

стр. 2506

والأحاديث الباقية تقتضي الكَتْب عقب الأربعين الأولى. وجوابه: لأن قوله: "ثم يبعث إليه الملك فيؤذن فيكتب" معطوف على قوله: "يجمع في بطن أمه" ومتعلق به لا بما قبله، وهو: "ثم يكون مضغة مثله". قوله: "ثم يكون علقة مثله") معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح وكلام العرب. قال القاضي وغيره: والمراد بإرسال الملك في هذِه الأشياء أمره بها والتصرف فيها بهذِه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول: "يا رب نطفة، يا رب علقة" (١). وقوله في حديث أنس "وإذا أراد الله أن يقضي خلقًا قال: يا رب أذكر أم أنثى" لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداء كلام وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولًا بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد خلق النطفة علقة كان كذا وكذا، ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل والشقاء والسعادة، والعمل والذكورة والأنوثة أنه يظهر ذلك للملك ويأمره بإنقاذه، وكتابته، وإلا فقضاء الله وعلمه وإرادته سابق على ذلك. قال القاضي عياض: ولم يختلف أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامسة وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه في الأحكام في الاستلحاق ووجوب النفقات، وذلك للثقة بحركة الجنين في الجوف.

стр. 2507

وقيل إن الحكمة في عدتها عن الوفاة بأربعة أشهر والدخول في الخامس تحقق براءة الرحم ببلوغ هذِه المدة (١) إذا لم يظهر حمل، ونفخ الملك في الصورة سبب لخلق الله عنده فيها الروح والحياة؛ لأن النفخ المعتاد فيه إنما هو إخراج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فيه، فإن قدر حدوث شيء عند ذلك النفخ، فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون (معدًا) (٢) عادة لا موجبًا عقلًا، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة. وقوله: "فيكتب في بطن أمه" يعني أن الملك يكتب من اللوح المحفوظ، كما رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه، قال: أي ربِّ، أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، ما الأثر بأي أرض تموت؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذِه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب" (٣).

стр. 2508

١٩ - باب إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ (١). هذا الأثر ذكره مالك في "الموطأ"، فقال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القّصَّة البيضاء. تريد الطهر من الحيضة (٢). قال أبو محمد بن حزم: خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها (٣). قلت: وأم علقمة اسمها مرجانة، كذا سماها ابن حبان في "ثقاته" (٤)، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة (٥). والدرجة: بضم الدال المهملة وسكون الراء، وقيل: بكسر الدال وفتح الراء، وعند الباجي بفتحهما (٦)، وهي بعيدة عن الصواب كما قاله صاحب "المطالع". وقال ابن بطال: رواية أصحاب الحديث الثاني يعنون بذلك جمع (دِرَج)، وهو الذي يجعل فيه النساء الطيب، وأهل اللغة ينكرون ذلك

стр. 2509

ويقولون: أما الذي كنَّ يبعثن به الخرق فيها القطن، كنَّ يمتحنَّ بها أمر طهرهن. واحدتها دُرْجة بضم الدال وسكون الراء (١). والكُرسُف بضم السين مع الكاف: القطن، ويقال له: الكرفس، على القلب. واختير القطن لبياضه، ولأنه ينشف الرطوبة، فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر من غيره. والقَصَّة -بفتح القاف، وحكى القزاز كسرها، والصاد المهملة -: الجص. ومعناه هنا أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها كأنها جصة لا تخالطها صفرة. وقيل: هو ماء أبيض يخرج آخر الحيض مثل الخيط، وفي "محيط" الحنفية: القَصَّة: الطين الذي يغسل به الرأس، وهو أبيض يضرب إلى الصفرة. وفسر مالك، القَصَّة بقوله: تريد بذلك الطهر (٢) كما وقع في البخاري (٣). وقال الخطابي: تريد النقاء التام (٤). وقال ابن وهب في "تفسيره": رأت الأبيض -القطن- (٥) كأنه هو، وقال ابن أبي سلمة: إذا كان ذلك نظرت المرأة إلى مثل ريقها في اللون. وقال مالك: سألت النساء عن القصة البيضاء، فإذا ذلك أمر معلوم عند النساء يرينه عند الطهر.

стр. 2510

وروى البيهقي من حديث ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن فاطمة بنت محمد -وكانت في حجر عمرة- قالت: أرسلت امرأة من قريش إلى عمرة كُرسُف قطن فيها -أظنه أراد الصفرة- تسألها: إذا لم تر المرأة من الحيضة إلا هذا طهرت؟ قال: فقالت: لا، حتى ترى البياض خالصًا (١). قال البخاري: وَبَلَغَ ابنةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ، فَقَالَتْ: مَا كَانَ النسَاءُ يَصْنَعْنَ هذا. وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ. هذا رواه مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته، عن ابنة زيد بن ثابت أنه بلغها .. الحديث (٢). عمة ابن أبي بكر اسمها عمرة بنت حزم. قال ابن الحذاء: وإن كانت عمة جده فهي عمة له أيضًا ويشبه أن تكون لها صحبة؛ لأن أخاها عمرو بن حزم له صحبة، وقد روت عن النبي ﷺ حديثًا ذكرها ابن عبد البر في "استيعابه" (٣). وابنة زيد هذِه يشبه أن تكون أم سعد، ذكرها ابن عبد البر في الصحابيات أيضًا (٤)، وذكر الحافظ أبو محمد الدمياطي شيخ شيوخنا أن له من البنات أم إسحاق، وحسنة، وعمرة، وأم حسن، وقُريبة، وأم محمد.

стр. 2511

وروى البيهقي أيضًا من حديث عباد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة أنها كانت تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهن ليلًا في الحيض، وتقول: إنها قد تكون الصفرة والكدرة (١). وعن مالك: لا يعجبني ذلك، ولم يكن للناس مصابيح (٢). وروى ابن القاسم عنه أنهن كنَّ لا يقمن بالليل (٣). ٣٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ أَبِي حُبَيشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي". [انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٢١] قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي". وهذا الحديث سلف في باب: غسل الدم (٤)، وسفيان هذا هو ابن عيينة، وإن كان الثوري رواه عن هشام أيضًا؛ لأن عبد الله بن محمد المسندي لم يرو عن الثوري شيئًا، وهذا الحديث من طريق ابن عيينة في البخاري خاصة. إذا تقرر ذلك كله فإقبال المحيض هو الدفعة من الدم، وتمسك عند

стр. 2512

رؤيتها عن الصلاة بالإجماع، إن كانت لا تحسب قرءًا، وأما إدباره فهو إقبال الطهر، وله علامتان: القَصَّة البيضاء، والجفوف، وهو أن تدخل الخرقة، فتخرجها جافة. واختلف الفقهاء كما قال ابن رشد في علامة الطهر، فرأى قوم أن علامته القّصَّة البيضاء أو الجفوف (١)، وبه قال ابن حبيب، وسواء كانت عادتها القَصَّة أو الجفوف، أيُّ ذلك رأته طهرت، وفرق قوم فقالوا: إن كان المرأة ممن ترى القصَّة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف. واختلف أصحاب مالك فيه كما حكاه ابن بطال في أيها أبلغ براءة في الرحم من الحيض، فروى ابن القاسم عن مالك: إذا كانت ممن ترى القصَّة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف. وبه قال عيسى بن دينار أن القصَّة أبلغ من الجفوف، وروي ذلك عن أسماء بنت الصديق ومكحول. وذكر ابن عبد الحكم، عن مالك أنها تطهر بالجفوف وإن كانت ممن ترى القصَّة البيضاء؛ لأن أول الحيض دم، ثم صفرة، ثم كدرة، ثم يكون رقيقًا، فالقصَّة، ثم ينقطع، فإذا انقطع قبل هذِه المنازل، فقد برئت الرحم من الحيض؛ لأنه ليس بعد الجفوف انتظار شيء، وممن قال أن الجفوف أبلغ عمر وعطاء بن أبي رباح، وهو قول عائشة السالف: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ. فدل أنها آخر ما يكون من علامات الطهر وأنه لا علامة بعدها أبلغ منها، ولو كانت علامة أبلغ منها لقالت حتى ترين القصَّة أو الجفوف. وفي قولها: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ. دلالة أن الصفرة

стр. 2513

والكدرة في أيام الحيض حيض؛ لأنها في حكم الحائض حتى ترى القصَّة البيضاء، وقد ترى قبلها صفرة وكدرة، وهو الصحيح عند الشافعية وقول باقي الأئمة الأربعة، وعن أبي يوسف: إن رأت الصفرة ابتداءً فليس بحيض حتى يتقدمه دم. وخالفوه وقالوا: إنه حيض (١). وفيه من الفقه أن العبادات الرافعة للحرج هي السنة ومن خالفها فهو مذموم كما ذمته ابنة زيد بن ثابت، وإنما أنكرت افتقاد دم الحيض في غير أوقات الصلوات؛ لأن جوف الليل ليس بوقت صلاة وإنما على النساء افتقاد أحوالهن للصلاة، وإن كنَّ قد طهرن تأهبن للغسل لها (٢). واختلف الفقهاء في الحائض تطهر قبل الفجر ولا تغتسل حتى يطلع، فقال مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: هي بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم ويجزئها صوم ذلك اليوم، وقال الأوزاعي: تصومه وتقضيه، وقال أبو حنيفة: إن كانت أيامها أقل من عشرة صامته وقضته، فإن كانت أكثر منها صامته ولا قضاء، وعن عبد الملك بن الماجشون يومها ذلك يوم فطر، ولا أرى إن كان يرى صومه أم لا، فإن كان لا يراه فهو شذوذ، ولا يعرج عليه، ولا معنى لمن اعتل به من أن الحيض ينقض الصوم والاحتلام لا ينقضه، لأن من طهرت من حيضتها ليست بحائض، والغسل إنما يجب عليها إذا طهرت، ولا يجب الغسل على حائض (٣) (٤).

стр. 2514

٢٠ - باب لَا تَقْضِي الحَائِضُ الصَّلَاةَ وَقَالَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "تَدَعُ الصَّلَاةَ". [انظر: ٣٠٤ - ١٥٥٧] ٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ، أَنَّ امْرَأةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ. أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ. [مسلم: ٣٣٥ - فتح: ١/ ٤٢١] أما حديث أبي سعيد فسلف قريبًا في باب ترك الحائض الصوم، ولفظه: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ " قلن: بلى (١)، وسيأتي أيضًا (٢). وأما حديث جابر، فلا يحضرني من أسنده (٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان من حديث ابن عمر ونبه على حديث أبي سعيد ولم يذكر لفظه وذكر سنده خاصة، ثم ذكر عن المقبري، عن أبي هريرة

стр. 2515

مرفوعًا بمثل حديث ابن عمر (١). ثم قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ، ثنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ، أَنَّ امْرَأَةَ قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ. أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ. وهذا الحديث أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة (٢)، وعند مسلم ما يرجح أن معاذة السائلة نفسها إذ فيه: عن معاذة قالت: سألت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسال. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٣)، وفي لفظ آخر: قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله ﷺ لا تؤمر بقضاء (٤). وفي لفظ آخر: قد كن نساء رسول الله ﷺ يحضن أفأمرهن أن يجزين؟ قال محمد بن جعفر: تعني: يقضين (٥).

стр. 2516

ثانيها: معاذة هذِه بنت عبد الله عابدة تابعية ثقة وفي هذِه الرواية -أعني: رواية البخاري- (١) تصريح سماع قتادة من معاذة، وهو رد على ما ذكره شعبة وأحمد ويحيى بن معين وغيرهم لم يسمع منها (٢). ثالثها: قولها (أتجزي) أي: أتقضي كما قد جاء في رواية أخرى، (وصلاتها) بالنصب؛ لأنه مفعول يقضي (وإحدانا) فاعله. رابعهًا: قولها (أحرورية أنت؟) هو بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى نسبة إلى حروراء يمد ويقصر قرية على ميلين من الكوفة، كان اجتماع الخوارج به وتعاهدوا هناك، ثم استعمل حتى كثر استعماله في كل خارج، وهذِه الطائفة أنكروا على علي تحكيمه أبا موسى الأشعري في أمر معاوية وقالوا: شككت في أمر الله وحكمت عدوك. وطالت خصومتهم، ثم أصبحوا يومًا وقد خرجوا وهم ثمانية آلاف

стр. 2517

وليهم ابن الكواء عبد الله، فبعث إليهم عليٌّ ابن عباس، فناظرهم فرجع منهم ألفان وبقي ستة آلاف، فخرج إليهم عليٌّ، فقاتلهم وكانوا يشددون في الدين. وفيه: قضاء الصلاة على الحائض؛ إذ لم تسقط في كتاب الله عنها على أصلهم في رد السنة على خلاف بينهم في المسألة، وقد أجمع المسلمون على ضلالهم كما سلف، وأنه لا صلاة تلزمها ولا قضاء عليها، إنما قالت عائشة لها ذلك لمخالفتهم السنة وخروجهم عن الجماعة، فخافت عليها وقالت ذلك؛ لأن السنة خلاف ما سألت. ثم إن معاذة أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرد، بل صنيعها يشعر بإنكار أو تعجب؛ فلذلك أجابتها عائشة بذلك، فقالت: لا، ولكني أسأل، أي: أسأل سؤالًا مجردًا عن ذلك لطلب مجرد العلم والحكم، فأجابتها بالنص ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أبلغ وأقوى في الردع عن مذهب الخوارج وأنفع لمن يعارض بخلاف المعاني المناسبة، فإنها عرضة للمعارضة واكتفت عائشة في ذلك بكون (لم نؤمر) فيحتمل أن يكون أخذت إسقاط القضاء من سقوط الأداء، ويكون مجرد ذلك دليلًا على سقوطه إلا أن يوجد معارض، وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم. والأقرب أن يكون السبب في ذلك، أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم، فإن الحيض يتكرر، فلو وجب القضاء، لوجب بيانه وحيث لم يتبين دل على عدم الوجوب، لاسيما وقد اقترن بذلك قرينة أخرى وهي الأمر بقضاء الصوم وتخصيص الحكم به. قال الأصحاب: كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضي إلا ركعتي الطواف.

стр. 2518

ثم الجمهور على أنها كانت مخاطبة بالصوم في زمن الحيض، وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد، وهو قول بعض الحنفية وعامتهم أنه يجب بالأمر الأول وهو قول أحمد ووجه لأصحابنا، وحكى القرطبي عن سمرة أنه كان يأمر النساء بقضاء صلاة الحائض (١)، فأنكرت ذلك أم سلمة وكان قوم من فقهاء السلف يأمرونها أن تتوضأ عند أوقات الصلاة، وتذكر الله وتستقبل القبلة جالسة (٢). ونُقل ذلك عن عقبة بن عامر ومكحول، وعن "منية المفتي" أنه يستحب لها عند وقت كل صلاة أن تتوضأ وتجلس في مسجد بيتها تسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة، لو كانت طاهرة؛ حتى لا تبطل عادتها.

стр. 2519

٢١ - باب النَّوْمِ مَعَ الحَائِضِ وَهْيَ فِي ثِيَابِهَا ٣٢٢ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابنةِ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي الخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أنفِسْتِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الَخمِيلَةِ. قَالَتْ: وَحَدَّثَتْنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَةِ. [انظر: ٢٩٨ - مسلم: ٢٩٦، ٣٢٤، ١١٠٨ - فتح: ١/ ٤٢٢] ذكر فيه حديث أم سلمة السالف في باب: من سمّى النفاس حيضًا. وفيه زيادة القبلة للصائم، وسيأتي الكلام عليه في الصوم (١) إن شاء الله. وفيه: اغتسالههما من إناء واحد، وقد سلف ما فيه.

стр. 2520

٢٢ - باب مَنِ أخَذَ ثِيَابَ الحَيضِ سِوى ثِيَابِ الطُّهْرِ ٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابنةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَينَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: "أَنُفِسْت؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الَخمِيلَةِ. [انظر: ٢٩٨ - مسلم: ٢٩٦ - فتح: ٤٢٣] ذكر فيه الحديث المذكور أيضًا. قال ابن بطال: إن قيل هذا الحديث يعارض قول عائشة ﵂: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه. قيل: لا تعارض بين حديث عائشة في بدء الإسلام؛ لقيام الشدة والقلة إذن قبل فتح الفتوح والغنائم، فلما فُتح عليهم اتسعت حالهم واتخذ النساء ثيابًا للحيض سوى ثياب لباسهن، فأخبرت أم سلمة عن ذلك الوقت (١).

стр. 2521

٢٣ - باب شُهُودِ الحَائِضِ العِيدَيْنِ، وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلْنَ المُصَلَّى ٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابن سَلَامٍ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأة فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَني عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ. قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى الَمرْضَى، فَسَأَلتْ أُخْتِي النَّبِيَّ ﷺ : أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ". فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَألتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: بِأَبِي نَعَمْ -وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ -أَوِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ وَالْحُيَّضُ- وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى". قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: الُحيَّضُ! فَقَالَتْ: أَليسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا؟ [٣٥١، ١٧١، ٩٧٤، ١٨٠، ١٨١، ١٦٥٢ - مسلم: ٨٩٠ - فتح: ١/ ٤٢٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابن سَلَامٍ- ثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَي عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ. قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِىَّ ﷺ : أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ". فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: بِأَبِي نَعَمْ -وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلا قَالَتْ: بِأَبِي- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ - أَوِ

стр. 2522

العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ وَالْحُيَّضُ- وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى". قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: الحُيَّضُ! فَقَالَتْ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا؟ الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع أُخَر أول كتاب الصلاة (١)، وصلاة العيدين (٢)، والحج (٣) وأخرجه مسلم في الصلاة (٤). ثانيها: هذِه الأخت هي أم عطية الأنصارية، ورواه أبو داود والترمذي في الصلاة (٥)، والنسائي وابن ماجه في الطهارة (٦)، وفي الباب عن ابن عباس وجابر، وأورده الإسماعيلي من حديث حفصة عن أم عطية، وعن امرأة أخرى وقدومها كان بالبصرة؛ كذا جاء مبينًا في رواية: وقصر بني خلف بالبصرة ينسب إلى خلف جد طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف الخزاعي. وقولها: (في ست) أي: ست غزوات، وروى الطبراني أنها غزت معه سبعًا (٧).

стр. 2523

ثالثها: (العواتق) جمع عاتق: الجارية البالغة، وعتقت: بلغت، وقيل: التي قاربت البلوغ. وقيل: هي التي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج. والتعنيس: طول المقام في بيت أبيها بلا زواج حتى تطعن في السن. سميت عاتقًا؛ لأنها عتقت من أبيها امتهانها في الخدمة والخروج في الحوائج. وقيل: لأنها قاربت أن تتزوج، فتعتق من أسر أبويها وأهلها، وتشتغل في بيت زوجها. وقيل: من العتق الكريم، فإنها أكرم ما تكون عند أهلها. رابعها: الكلمى: جمع كليم، وهو الجريح، فعيل بمعنى مفعول. (والجلباب): الإزار أو الملحفة أو الخمار أو أقصوصة وأعرض، وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها أقوال. وقيل: ثوب واسع دون الرداء تغطي به المرأة ظهرها وصدرها. وقال في "المحكم": الجلباب: القميص (١). وقوله: (من جلبابها): قيل: أراد به الجنس. أي: تعيرها من جلابيبها كما روي، وعلى إرادة المواساة فيه، وأنه واحد ويشهد له رواية: "تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها" أو يكون على طريق المبالغة أن يخرجن ولو اثنتان في جلباب. خامسها: قولها: (بأبي) الباء متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم. فيكون ما بعدها

стр. 2524

مرفوعًا. تقديره: أنت مفدى بأبي وأمي. وقيل: هو فعل وما بعده منصوب، أي: فديتك بأمي وأمي، وحذف هذا المقدر تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به. وقد روي: بأبأه. وأصله بأبي. هو كما قال ابن الأثير، قال: ويقال: بَأْبَأْتُ الصبيَّ. إذا قلت: بأبي أنت وأمي، فلما سكنت الياء قلبت ألفًا (١). وزعم ابن التين أن (بأبأ) معناه بأبي، وهما لغتان صحيحتان، والمعنى: فداك أبي، وجاء في رواية البخاري في الحج: بِيَبَا. وفي الطبراني: بأبي هو وأمي (٢). وفي لفظ. بأبأ (٣). وقال ابن بطال: قولها: (بأبأ) تريد بأبي، وهي لغة لبعض العرب. قال (٤): ويجوز بيبا بياء مخلصة، يريد: أبا، ثم يخفف الهمزة ويحذفها، وتلقى فتحتها على الياء (٥). سادسها: (الخدور) بالخاء المعجمة: جمع خدر، ستر في ناحية البيت، وأبعد من قال: البيوت أو البيت. تجمع البكر وغيرها، ولا يعنون بذوات الخدور إلا الأبكار، فأمر الملازمات للبيوت المحجبات بالبروز إلى العيد بخلاف قول المرجئة، وقيل: إنه السرير الذي يكون عليه قبة، وأصله الهودج.

стр. 2525

سابعها: الحديث دال على خروج النساء إلى صلاة العيد، واستثنى أصحابنا من ذلك ذوات الهيئات والمستحسنات، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة بخلاف اليوم، فقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل (١). قال القاضي عياض: وقد اختلف السلف في خروجهن للعيدين، فرأى جماعة ذلك حقا عليهن، منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر (٢) (في آخرين) (٣). ومنهم من منعهن ذلك، منهم: عروة، والقاسم (٤)، ويحيى بن سعيد، ومالك، وأبو يوسف (٥)، وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه أخرى (٦). وفي الترمذي عن ابن المبارك: أكره الآن خروجهن في العيدين، فإن أبت ذلك فللزوج أن يمنعها (٧). ويروى عن الثوري أنه كره اليوم خروجهن (٨).
следующие страницы →