← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

٢٣ - باب شُهُودِ الحَائِضِ العِيدَيْنِ، وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلْنَ المُصَلَّى ٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابن سَلَامٍ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأة فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَني عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ. قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى الَمرْضَى، فَسَأَلتْ أُخْتِي النَّبِيَّ ﷺ : أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ". فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَألتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: بِأَبِي نَعَمْ -وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ -أَوِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ وَالْحُيَّضُ- وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى". قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: الُحيَّضُ! فَقَالَتْ: أَليسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا؟ [٣٥١، ١٧١، ٩٧٤، ١٨٠، ١٨١، ١٦٥٢ - مسلم: ٨٩٠ - فتح: ١/ ٤٢٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابن سَلَامٍ- ثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَي عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ. قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِىَّ ﷺ : أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ". فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: بِأَبِي نَعَمْ -وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلا قَالَتْ: بِأَبِي- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ - أَوِ

стр. 2522

العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ وَالْحُيَّضُ- وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى". قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: الحُيَّضُ! فَقَالَتْ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا؟ الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع أُخَر أول كتاب الصلاة (١)، وصلاة العيدين (٢)، والحج (٣) وأخرجه مسلم في الصلاة (٤). ثانيها: هذِه الأخت هي أم عطية الأنصارية، ورواه أبو داود والترمذي في الصلاة (٥)، والنسائي وابن ماجه في الطهارة (٦)، وفي الباب عن ابن عباس وجابر، وأورده الإسماعيلي من حديث حفصة عن أم عطية، وعن امرأة أخرى وقدومها كان بالبصرة؛ كذا جاء مبينًا في رواية: وقصر بني خلف بالبصرة ينسب إلى خلف جد طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف الخزاعي. وقولها: (في ست) أي: ست غزوات، وروى الطبراني أنها غزت معه سبعًا (٧).

стр. 2523

ثالثها: (العواتق) جمع عاتق: الجارية البالغة، وعتقت: بلغت، وقيل: التي قاربت البلوغ. وقيل: هي التي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج. والتعنيس: طول المقام في بيت أبيها بلا زواج حتى تطعن في السن. سميت عاتقًا؛ لأنها عتقت من أبيها امتهانها في الخدمة والخروج في الحوائج. وقيل: لأنها قاربت أن تتزوج، فتعتق من أسر أبويها وأهلها، وتشتغل في بيت زوجها. وقيل: من العتق الكريم، فإنها أكرم ما تكون عند أهلها. رابعها: الكلمى: جمع كليم، وهو الجريح، فعيل بمعنى مفعول. (والجلباب): الإزار أو الملحفة أو الخمار أو أقصوصة وأعرض، وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها أقوال. وقيل: ثوب واسع دون الرداء تغطي به المرأة ظهرها وصدرها. وقال في "المحكم": الجلباب: القميص (١). وقوله: (من جلبابها): قيل: أراد به الجنس. أي: تعيرها من جلابيبها كما روي، وعلى إرادة المواساة فيه، وأنه واحد ويشهد له رواية: "تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها" أو يكون على طريق المبالغة أن يخرجن ولو اثنتان في جلباب. خامسها: قولها: (بأبي) الباء متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم. فيكون ما بعدها

стр. 2524

مرفوعًا. تقديره: أنت مفدى بأبي وأمي. وقيل: هو فعل وما بعده منصوب، أي: فديتك بأمي وأمي، وحذف هذا المقدر تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به. وقد روي: بأبأه. وأصله بأبي. هو كما قال ابن الأثير، قال: ويقال: بَأْبَأْتُ الصبيَّ. إذا قلت: بأبي أنت وأمي، فلما سكنت الياء قلبت ألفًا (١). وزعم ابن التين أن (بأبأ) معناه بأبي، وهما لغتان صحيحتان، والمعنى: فداك أبي، وجاء في رواية البخاري في الحج: بِيَبَا. وفي الطبراني: بأبي هو وأمي (٢). وفي لفظ. بأبأ (٣). وقال ابن بطال: قولها: (بأبأ) تريد بأبي، وهي لغة لبعض العرب. قال (٤): ويجوز بيبا بياء مخلصة، يريد: أبا، ثم يخفف الهمزة ويحذفها، وتلقى فتحتها على الياء (٥). سادسها: (الخدور) بالخاء المعجمة: جمع خدر، ستر في ناحية البيت، وأبعد من قال: البيوت أو البيت. تجمع البكر وغيرها، ولا يعنون بذوات الخدور إلا الأبكار، فأمر الملازمات للبيوت المحجبات بالبروز إلى العيد بخلاف قول المرجئة، وقيل: إنه السرير الذي يكون عليه قبة، وأصله الهودج.

стр. 2525

سابعها: الحديث دال على خروج النساء إلى صلاة العيد، واستثنى أصحابنا من ذلك ذوات الهيئات والمستحسنات، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة بخلاف اليوم، فقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل (١). قال القاضي عياض: وقد اختلف السلف في خروجهن للعيدين، فرأى جماعة ذلك حقا عليهن، منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر (٢) (في آخرين) (٣). ومنهم من منعهن ذلك، منهم: عروة، والقاسم (٤)، ويحيى بن سعيد، ومالك، وأبو يوسف (٥)، وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه أخرى (٦). وفي الترمذي عن ابن المبارك: أكره الآن خروجهن في العيدين، فإن أبت ذلك فللزوج أن يمنعها (٧). ويروى عن الثوري أنه كره اليوم خروجهن (٨).

стр. 2526

وحكى القرطبي عن قوم منع الشابة دون غيرها، منهم: عروة، والقاسم في رواية أخرى لهما (١). ثامنها: منع الحائض المصلى للتنزيه والصيانة والخلطة بالرجال من غير حاجة، وفيه وجه بعيد أنه للتحريم، والصواب الأول. تاسعها: لا يصح الاستدلال بهذا الأمر على وجوب صلاة العيدين والخروج إليها؛ لأنه إنما يوجه إلى من ليس بمكلف بالصلاة باتفاق، وإنما قصد به التدرب على الصلاة والمشاركة في الخير وإظهار جمال الإسلام لقلته إذ ذاك. عاشرها: فيه جواز استعارة الثياب للخروج إلى الطاعات، وغزو النساء المتجالات ومداوتهن لغير ذوي المحارم، وقبول خبر المرأة، وجواز النقل عما لا يعرف اسمه من الصحابة خاصة إذا بين مسكنه ودل عليه، وغير ذلك من الفوائد التي بسطتها في شرح "العمدة" (٢).

стр. 2527

٢٤ - باب إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ فِي الحَيْضِ وَالْحَمْلِ فِيمَا يُمْكِنُ مِنَ الحَيْضِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ: إِنِ امْرَأَة جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثًا فِي شَهْرٍ، صُدِّقَتْ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ. وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الحَيْضُ يَوْمٌ إلَى خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبيهِ: سَأَلْتُ ابن سِيرِينَ عَنِ المَرْأَةِ تَرى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. [فتح: ١/ ٤٢٤] ٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّى أُستَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفاَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: "لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، ولكن دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ التِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي". [انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٢٥] ثم ساق حديث فاطمة بنت أبي حبيش السالف. وحاصل ما ذكر خلافًا في أقل مدة الحيض وأكثره ووجه إيراد حديث فاطمة هنا أن قوله في الحديث: "دير الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها" فوكل ذلك إلى أمانتها وعادتها وقدر الأيام قد يقل وقد يكثر، على قدر أحوال النساء في أسنانهن وبلدانهن. وما ذكره عن علي وشريح (١) هو طبق ما ذكره في الترجمة، وحكاه

стр. 2528

ابن بطال عن مالك (١) وهو قول أحمد (٢) وأسنده ابن حزم، فقال: روينا عن هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن عليًّا أتي برجل طلق امرأته فحاضت ثلاث حيض في شهر أو خمس وثلاثين ليلة، فقال عليٌّ لشريح: اقض فيها، فقال: إنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطمث، وتغتسل عند كل قرء وتصلي، فقد انقضت عدتها وإلا فهي كاذبة. فقال عليٌّ: قالون. ومعناها: أصبت. قال ابن حزم: وهذا نص قولنا انتهى (٣). واختلف في سماع الشعبي من عليٍّ، وقال الدارقطني: لم يسمع منه إلا حرفًا ما سمع غيره (٤)، وقال الحازمي: لم يثبت أئمة الحديث سماعه منه، وقال ابن القطان: منهم من يدخل بينهما عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسنه محتملة لإدراك عليٍّ. وفسر إسماعيل بن إسحاق قول عليٍّ وشريح بتفسير آخر قال: وليس قولهما عندنا إن جاءت ببينة من بطانة أهلها أنها هي قد حاضت هذا الحيض، وإنما هو فيما يُرى -والله أعلم- أن يشهد نساء من نسائها أن هذا يكون وقد كان في نسائهن، فإنه أحرى أن يوجد فيهن مثل ما فيها، وإن تقارب حيضهن وحيضها، وإنه إن لم يوجد ما قالت من الحيض في نسائها كانت هي منه أبعد، فعلى هذا معنى هذا الحديث وهو يقوي مذهب أهل المدينة أن العدة إنما تحمل على المعروف من حيض النساء، لا على المرأة والمرأتين الذي لا يكاد يوجد ولا يعرف.

стр. 2529

قال غيره: والأشبه -يعني: ما أراد عليّ وشريح والله أعلم- أن تكون حاضت؛ لقولهما: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها أنها حاضت، ولم يقولا أن غيرها من النساء حاض، كذلك قال إسماعيل، وفي قول عليّ وشريح أن أقل الطهر لا يكون خمسة عشر يومًا، وأن أقل الحيض لا يكون ثلاثة كما قال أبو حنيفة وأصحابه (١) وليس فيه بيان لأقل الطهر وأقل الحيض كم هو؟ غير أن فيه بيانًا أنهما لم ينكرا ما عرفه النساء من ذلك. وقال الداودي في "شرحه": قول عليّ وشريح إن جاءت ببينة -يعني- أن مثل ذلك يكون ليس عليها أن تكلف البينة في نفسها وما ذكره عن عطاء من أن أقراءها ما كانت، وبه قال ابراهيم لعطاء، هذا هو ابن أبي رباح، وإبراهيم هو النخعي. وما ذكره ثانيًا عنه من أن الحيض يوم إلى خمس عشرة فأخرجه الدارقطني بإسناده إلى ابن جريج عنه: الحيض خمس عشرة (٢)، ومن طريق الربيع بن صبيح عنه مثله (٢). ومن طريق أشعث عنه: أكثر الحيض خمس عشرة (٢). زاد البيهقي من طريق الربيع: فإن زاد فهي مستحاضة (٣). وروى الدارقطني من طريق معقل بن عبد الله (٤): أدنى وقت الحيض يوم، قال أبو إبراهيم شيخ شيخ معقل: إلى هذين الحديثين كان يذهب أحمد بن حنبل وكان يحتج بهما (٥).

стр. 2530

وما ذكره عن ابن سيرين دال على أن القرء: الحيض، وهو قول أبي حنيفة (١)، ونقله ابن التين عن عطاء أيضا (٢). قال: وقال به أحد عشر صحابيًّا والخلفاء الأربعة (٣) وابن عباس (٤) وابن مسعود (٥) ومعاذ وقتادة (٦) وأبو الدرداء (٧) وأبو موسى (٨) وأنس وابن المسيب (٩) وابن جبير (١٠) وطاوس والضحاك والحسن (١١) والشعبي والثوري والأوزاعي إسحاق وأبو عبيد، واحتجوا له بقوله ﷺ لفاطمة: "دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها" (١٢). فالواو هنا مثل قوله ﷺ : "دعى الصلاة أيام أقرائك" ولا يجوز أن تؤمر بترك الصلاة أيام طهرها، وإنما أمرها أن تتركها أيام حيضها. والجواب: أن المراد: دعي الصلاة الأيام التي كانت تحيضها من أقرائك، وهذا شائع في كلام العرب لأن القرء عندهم اسم للطهر والحيض.

стр. 2531

فائدة: القرء بفتح القاف وضمها، يطلق على الحيض وعلى الطهر، وسنبسط الكلام عليه في العِدَدِ إن شاء الله وقدره. وقد اختلف العلماء في أقل مدة الحيض وأكثره على خمسة أقوال: أحدها: أن أقله دفعة، وهو مذهب الأوزاعي وداود وأصحابه، ومذهب مالك أيضًا خلا العدد فأقله ثلاثة أيام (١) وحكي أيضًا عن الشافعي أن أقله دفعة وهو غريب حكاه المرعشي في "أقسامه" (٢) وابن حزم عنه وعن مالك لا حد لأقله، وقد يكون دفعة واحدة. ثانيها: أن أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، وهذا مشهور مذهب الشافعي ونقله ابن المنذر عن عطاء وأحمد وأبي ثور (٣)، وادعى (ابن داود) (٤) في شرح البخاري الإجماع على أن الحيض لا يجاوز خمسة عشر؛ لأن المرأة لا تترك الصلاة أكثر من نصف شهر، ولا نعلم امرأة جاوزت ذلك إلا نساء آل الماجشون، كن يحضن سبعة عشر يومًا فلم يلتفت العلماء إلى ذلك؛ لأنه أمر شاذ (٥). ثالثها: وأن أقله ثلاثة أيام، وما نقص عن ذلك استحاضة، وأكثره عشرة، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وبه قال محمد بن مسلمة في أقل الحيض، وقال أكثره خمس عشرة (٦) (٧).

стр. 2532

رابعها: أن أقله يومان وأكثر الثالث، وهو ثلاث عشرة ساعة، حكي عن أبي يوسف (١). خامسها: أن أقله ثلاثة أيام وما يتخلله من الليالي وهو ليلتان. سادسها: أكثره سبع (٢) عشرة، قال ابن المنذر: بلغني عن نساء الماجشون أنهن كن يحضن سبع عشرة، قال أحمد: أكثر ما سمعنا سبع عشرة، وحكي عن مالك، وعنه أيضًا أن أكثره خمس عشرة، وعنه ثالثة أنه غير محدود إلا ما بينه النساء (٣)، وقيل: إنه المشهور. سابعها: ليس لأقله حد ولا لأكثره بالأيام، نقله ابن المنذر عن طائفة، بل الحيض إقبال الدم المنفصل عن دم الاستحاضة، والطهر إدباره (٤). ثامنها: أن أكثره سبعة أيام، قاله مكحول. تاسعها: أقله خمسة، روي عن مالك، إلا أنه قال: لا يكون هذا في حيض واحد (٥)، وقال الأوزاعي: عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية (٦)، وقال: يرون أنه حيض تدع له الصلاة. وعن أحمد: حيض النساء ست أو سبع، واستدل بحديث أم حبيبة وحمنة (٧) في ذلك (٨)، فضعفهما ابن حزم، ولا نسلم له في الثاني وقال

стр. 2533

ابن حزم: أقله دفعة إذا رأت الأسود (١). فإذا: رأته أحمر أو كغسالة اللحم أو الصفرة أو الكدرة أو البياض أو الجفوف التام فقد طهرت، وهكذا أبدًا إذا رأته أسود فهو حيض، فإن رأت غيره فهو طهر، وتعتد بذلك من الطلاق فإن تمادى الأسود فهو حيض إلى تمام سبعة عشر يومًا، وذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه أن امرأة أخبرته عن أختها أنها تحيض في كل سنة يومًا وليلة وهي صحيحة تحمل وتلد، ونفاسها أربعون يومًا. احتج من قال: أقله ثلاثة أيام، بحديث أم سلمة أن النبي ﷺ جاءته فاطمة بنت أبي حبيش، فقالت: إني أستحاض، فقال: "ليس ذلك الحيض إنما هو عرق، لتقعد أيام أقرائها ثم لتغستل ولتصل" رواه أحمد (٢). قالوا: وأقل الأيام ثلاثة وأكثرها عشرة، وبحديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: " أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام" رواه الدارقطني (٣)، وعن أبي أمامة مرفوعًا: "لا يكون الحيض أكثر من عشرة أيام، ولا أقل من ثلاثة" (٤)، وعن أنس مرفوعًا قال: "الحيض ثلاث أربع خمس ست سبع ثمان تسع عشر" (٥). قالوا: ولأن هذا تقدير ولا يصح إلا بتوقيف أو اتفاق، وقد حصل الاتفاق على ثلاث، والجواب عن حديث أم سلمة على تقدير ثبوته أنه ليس المراد بالأيام الجمع بل الوقت.

стр. 2534

وأيضًا فهي مستحاضة معتادة ردت إلى الأيام التي اعتادتها، ولا يلزم من هذا أن كل حيض لا ينقص عن ثلاثة أيام، وعن حديث واثلة وأبي أمامة وأنس أنها كلها ضعيفة، كما بينه الدارقطني والبيهقي وغيرهما. وقولهم: الضعيف مقدم على القياس عندنا وعند أحمد، فكيف في المقدرات التي لا يعقل معناها لا نسلمه، وقولهم: التقدير لا يصح إلا بتوقيف. جوابه: أن التوقيف ثبت في أقل من ذلك؛ لأن مداره على الوجود، وقد ثبت، وحديث: "دم الحيض أسود" يعرف الباب في "سنن أبي داود" وغيره ذاك لمن قال بالوجود، والأحاديث وإن كانت مطلقة فتحمل على الوجود. وقولهم: هذِه حكايات مروية عن نساء (مجهولين) (١) لا يؤمن؛ لاحتمال أن يكون ذلك استحاضة أو دم فساد، لا نسلمه، وأما ما حكاه إسحاق بن راهويه عن بعضهم أن امرأة من نساء الماجشون حاضت عشرين يومًا، وأن ميمون بن مهران كانت تحته بنت سعيد بن جبير، وكانت تحيض من السنة شهرين فواهيان، فيهما مجهول وقد أنكر الأول مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة. واختلف العلماء في العدة التي تصدق فيها المرأة إذا ادعتها. فروي عن شريح وعلي ما سلف، وهو قول أحمد أيضًا ومالك. وقالت طائفة: لا تصدق إذا ادعت أن عدتها انقضت في أقل من شهرين، إذا كانت من ذوات الحيض؛ لأنه ليس في العادة أن تكون امرأة على أقل الطهر وأقل الحيض؛ لأنه إذا كثر الحيض قل الطهر،

стр. 2535

وإذا قل الطهر كثر الحيض، وهذا قول أبي حنيفة. وقالت طائفة: لا تصدق في أقل من تسعة وثلاثين يومًا، وهو قول الثوري وأبي يوسف ومحمد، وذلك لأن أقل الحيض عندهما ثلاثة أيام وأقل الطهر خمسة عشر يومًا، وحكى ابن حزم عن محمد بن الحسن: أربعة وخمسين يومًا (١). وفيه: قول رابع وهو قول أبي ثور: أن أقل ما يكون في ذلك إذا طلقها في أول الطهر سبعة وأربعون يومًا، وذلك لأن أقل الطهر خمسة عشر يومًا وأقل الحيض يوم (٢). وفيه: قول خامس: أن أقلها أربعون ليلة، حكاه ابن أبي زيد عن سحنون (٣). وفيه: قول سادس: أن أقلها اثنان وثلاثون يومًا؛ بأن تطلق في آخر الطهر، ثم تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر، ثم تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر، ثم تطعن في الثالثة، وهو قول الشافعي (٤)، وحكى ابن حزم عنه ثلاثة وثلاثون يومًا وتوبع، وهو غريب (٥). وفيه: قول سابع، وهو قول لأبي إسحاق (٦) وأبي عبيد: أنها إن كانت أقراؤها معلومة قبل أن تبتلى حتى عرفها بطانة أهلها ممن يرضى دينهن، فإنها تصدق وإن لم تعرف ذلك، وكانت أول ما رأت

стр. 2536

الحيض أو الطهر، فإنها لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر؛ لأن الله تعالى جعل بدل كل حيضة شهرًا في اللائي يئسن من المحيض واللائي لم يحضن، فإذا أشكل على مسلم انقضاء عدة امرأة ردها إلى الكتاب والسنة (١). ووجه الموافقة أنه ليس في العادة أن تكون امرأة على أقل الطهر وأقل الحيض؛ لأنه إذا كثر الحيض قل الطهر، وإذا قل الحيض كثر الطهر، فجعل لما تحيضه الأكثر ولما لا تحيضه الأقل وبدأ بالحيض، والشارع في حديث فاطمة بنت أبي حبيش وكل ذلك إلى أمانتها وعادتها، وقدر الأيام قد يقل وقد يكثر على قدر أحوال النساء في أسنانهن وبلدانهن، إلا أنها إذا أدعت ما لا يكاد يعرف لم يقبل قولها إلا ببينة، مال إسماعيل بن إسحاق الأسدي إلى قول عليّ وشريح في ذلك، ولو كان عندهما أن ثلاث حيض لا تكون في شهر لما قبل قول نسائها، وهو معنى قول عطاء وإبراهيم، وقد أسلفنا تفسير إسماعيل قولهما. فرع: قد عرفت اختلاف العلماء في أقل الحيض وأكثره وعرفت من هنا اختلافهم في أقل الطهر وأكثره، فأقله عند الشافعي خمسة عشر يومًا ولا حد لأكثره.

стр. 2537

٢٥ - باب الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ فِي غَيِرْ أَيَّامِ الحَيْضِ ٣٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عن أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطَيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيئًا. [فتح ١/ ٤٢٦] حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا. ما ترجم عليه البخاري ذهب إليه الجمهور وقالوا: إن الصفرة والكدرة حيض في أيام المحيض خاصة، وبعده ليس بشيء، كذا حكاه عنهم ابن بطال في "شرحه" وقال: إنه روي عن عليّ بن أبي طالب (١) وسعيد بن المسيب (٢) وعطاء (٣) والحسن (٤) وابن سيرين (٥) وربيعة والثوري (٦) والأوزاعي (٧) والليث وأبي حنيفة ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق. وفيه قول ثان: أنهما ليسا بحيض قبل الحيض وهما في آخره حيض، وبه. قال أبو يوسف وأبو ثور (٨) قالوا: وهو ظاهر الحديث لقوله ﷺ : "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة" (٩).

стр. 2538

والكدرة والصفرة في آخر أيام الدم من الدم، حتى ترى النقاء. وفيها قول ثالث لمالك في "المدونة" (١): أنهما حيض مطلقا أيام الحيض وغيرها، وهذا مخالف للحديث، ولا يوجد في فتوى مالك أنهما ليسا بشيء على ما جاء في الحديث إلا التي انطبق دم حيضها مع دم استحاضتها ولم تميزه، فقال: إذا رأت دمًا أسود فهو حيض، وإن رأت صفرة أو كدرة أو دمًا أحمر، فهو طهر تصلي له وتصوم بعد أن تغتسل، ولعله لم يبلغه الحديث. وحجة القول أن قول أم عطية: كنَّا لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا، لا يجوز أن يكون عامًّا في أيام الحيض وغيرها؛ لما قالته عائشة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (٢). ومعلوم أن هؤلاء النساء كن يرين عند إدبار المحيض صفرة وكدرة، فأخبرتهن أنهما من بقايا الحيض، فإن حكمهما حكم الحيض، فلم يبق لحديث أم عطية معنى إلا أنا لا نعدهما شيئًا في غير أيام المحيض. وقد جاء هذا المعنى مكشوفًا عنه فروى حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أم الهذيل، عن أم عطية أنها قالت: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئًا (٣). قلت: وفي "سنن أبي داود" و"صحيح الحاكم" على شرطهما: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا (٤). وعند الإسماعيلي: كنا لا نعد

стр. 2539

الصفرة والكدرة شيئًا، تعني: في الحيض، وقال ابن عساكر: هذا موقوف، وعند الدارقطني: كنا لا نرى الترية بعد الطهر شيئًا (١). ولما رواه أبو نعيم في "مستخرجه" من حديث أيوب، عن حفصة، عن أم عطية قال: أخرجه -يعني: البخاري-، عن قتيبة، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب؛ ولعل مراده أصله، فإنه لم يخرجه من حديث حفصة، وإنما أخرجه من حديث أخيها محمد بن سيرين، وقد أخرجه أبو داود عنهما (٢) وكذا ابن ماجه، لكن نقل عن محمد بن يحيى أنه قال: خبر حفصة أولاهما عندنا (٣). فيحتمل أن البخاري خالفه، ويحتمل أنه لم يتصل له حديثها، وفي البيهقي بإسناد لا يسعني ذكره عن عائشة أنها قالت: ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئًا ونحن مع رسول الله ﷺ . قال: وقد روي معناه من حديث عائشة بسند أمثل من هذا وهو أنها قالت: إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عن الصلاة حتى تراه أبيض كالقصة، فإذا رأت ذلك فلتغتسل ولتصل، فإذا رأت بعد ذلك صفرة أو كدرة فلتتوضأ ولتصل، فإذا رأت ماءً أحمر فلتغتسل ولتصل (٤). وحديث عائشة: ما كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا، أخرجه ابن حزم بسند واه (٥)، لأجل أبي بكر (الهذلي) (٦) الكذاب (٧)، ووقع في

стр. 2540

"وسيط الغزالي" (١) ذكره له من حديث زينب ولا يعرف. وحاصل ما في المسألة لأصحابنا سبعة أوجه ذكرتها في "شرح المنهاج" وأصحها، أنها حيض (٢)، والرافعي ادعى أن محلهما في غير أيام العادة، أما إذا رأتهما في أيام العادة فهما حيض قطعًا (٣)، وتابعه في "الروضة" (٤) ولم يسلم له ذلك في "شرح المهذب"، ثم قال الجمهور: لا فرق في جريان الخلاف بين المبتدئة والمعتادة. وفي وجه: أن حكم مرد المبتدأة حكم أيام العادة، والأصح أن حكمها حكم ما وراء العادة (٥).

стр. 2541

٢٦ - باب عِرْقِ الاسْتِحَاضَةِ ٣٢٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الُمنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبي ذِئْبٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ- ﷺ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَت سَبْعَ سِنِينَ، فَسَألَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ: "هذا عِرْقٌ". فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةِ. [مسلم: ٣٣٤ - فتح: ١/ ٤٢٦] حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِر، ثنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ - أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ: "هذا عِرْقٌ". فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. هذا حديث أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة (١). والكلام عليه من وجوه: أحدها: أم حبيبة هذِه إحدى المستحاضات على عهد رسول الله ﷺ ، ويقال لها: أم حبيب بلا هاء، وصححه الحربي والدارقطني، وصحح إثباتها الغساني، ونقله الحميدي عن سفيان (٢) وابن الأثير عن الأكثر (٣)، قال أبو عمر: والصحيح أنها وأختها زينب مستحاضات (٤)، ووهاه ابن العربي (٥).

стр. 2542

وحكى القاضي عن بعضهم أن بنات جحش الثلاث كل منهن اسمها زينب، ولقب إحداهن حمنة، وكنية الأخرى أم حبيبة، وإذا كان هكذا فقد سلم مالك من الخطأ في تسمية أم حبيبة زينب (١)، وأم حبيبة هذِه حضرت أحدًا تسقي العطش وتداوي الجرحى (٢). ثانيها: غسلها لكل صلاة لم يكن، بأمره ﷺ كما قاله الزهري وغيره (٣)، وإنما هو شيء فعلته، والواجب عليها الغسل مرة واحدة عند انقطاع حيضها، فقولها إذن: فكانت تغتسل لكل صلاة. ليس مرفوعًا، وروى ابن إسحاق عن الزهري: فأمرها أن تغتسل لكل صلاة (٤). ولم يتابعه عليه أصحاب الزهري. نعم في أبي داود والبيهقي من طرق أنه أمرها بذلك (٥)؛ لكنها ضعيفة.

стр. 2543

وقال المهلب: قوله: ("هذا عرق") يدل على أن المستحاضة لا تغتسل لكل صلاة كما زعم من أوجب ذلك، واحتج بهذا الحديث؛ لأن دم العرق لا يوجب غسالًا. وقوله: (فكانت تغتسل لكل صلاة). يريد تغتسل من الدم الذي كان يصيب الفرج؛ لأن المشهور من قول عائشة أنها لا ترى الغسل لكل صلاة، كذا قال الليث، لم يذكر ابن شهاب أنه ﷺ أمر أم حبيبة به لكل صلاة. وقال غيره: ومن ذكر أنه أمرها فليس بحجة على من سكت عنه؛ لأن الحفاظ من أصحاب الزهري لا يذكرونه، والإيجاب لا يثبت إلا بسنة أو إجماع، وليس ذلك هذا، وإنما الإجماع في إيجابه من الحيض. قال الطحاوي: وقد قيل: إنه منسوخ بحديث فاطمة (١)؛ لأن عائشة أفتت بحديث فاطمة بعده ﷺ وخالفت حديث أم حبيبة، ويؤيده أن عبد الحق قال: حديث فاطمة أصح حديث يروى في الاستحاضة. ثالثها: قوله: (إن أم حبيبة استحيضت سبع سنين) به حجه لابن القاسم في قوله: أن من استحيضت، فتركت الصلاة جاهلة أو ظنته حيضًا أنه لا إعادة عليها، ذلك أنه ﷺ لم يأمرها بإعادة صلوات السبعة الأعوام.

стр. 2544

ووجه ذلك أنها لما سألته فأمرها بالغسل علم أنها لم تغتسل قبل، ولو اغتسلت لقالت: إني قد اغتسلت. فعلم أن في تلك المدة كانت عند نفسها حائضًا، فأمرها بالغسل من ذلك الحيض، ولم يأمرها بإعادة صلوات من تلك المدة.

стр. 2545

٢٧ - باب المَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ ٣٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ صَفِيُّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَعَلَهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ؟ ". فَقَالُوا: بَلَى. قَالَ: "فَاخْرُجِي". [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤٢٨] ٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. [١٧٥٥، ١٧٦٠ - مسلم: ١٣٢٨ - فتح: ١/ ٤٢٨] ٣٣٠ - وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَنْفِرُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لَهُنُّ. [١٧٦١ - فتح: ١/ ٤٢٨] ذكر فيه حديث عائشة أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ قَدْ حَاضَتْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، ألَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ؟ ". فَقَالُوا: بَلَى. قَالَ: "فَأخْرُجِي". ثم ذكر حديث ابن عباس: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَنْفِرُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -رَخَّصَ لَهُنَّ. معنى قوله: (ألم تكن طافت معكن) -يعنى: يوم النحر- وهو طواف الإفاضة، الركن في الحج، فيؤخذ منه أن طواف الإفاضة يغني عن طواف الوداع؛ لأنه غير واجب، ألا ترى أن النبي ﷺ لم يسأل: أطافت القدوم؟ وإنما سأل عن طواف يوم النحر هكذا، يغني طواف الإفاضة عن كل طواف قبله، كذلك يغني عن كل طواف بعده، فدل

стр. 2546

هذا على الإنسان في حجه كله طوافًا واحدًا فقط وهو طواف الإفاضة. وقول ابن عباس: رخص للحائض أن تنفر، يعني: إذا طافت طواف الإفاضة، فإن لم تطفه فلا تنفر ولا حج لها، وسيأتي بيان هذا كله -إن شاء الله تعالى- واضحًا في الحج.

стр. 2547

٢٨ - باب إِذَا رَأَتِ المُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ قَالَ ابن عَبَّاسٍ: تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ سَاعَةَ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ، الصَّلَاةُ أَعْظَمُ. ٣٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ يُونُسَ، عَنْ زُهَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبيِّ ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي". [انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٢٨] هذا التعليق رواه أبو بكر، عن ابن علية، عن خالد، عن أنس بن سيرين عنه (١). قال الداودي: معناه إذا رأت الطهر ساعة ثم عاودها دم، فإنها تغتسل وتصلي حتى ترى الطهر ما كانت في وقته من الصلوات. ونقله عن مالك (٢). وقال ابن بطال: قوله: إذا رأت المستحاضة الطهر. يريد إذا أقبل دم الاستحاضة الذي هو دم عرق الذي يوجب الغسل والصلاة وميزته من دم حيضها فهو طهر من الحيض، فاستدل من هذا أن لزوجها وطأها، وجمهور الفقهاء وعامة العلماء (بالحجاز) (٣) والعراق على جواز وطء المستحاضة. ومنع من ذلك قوم، رُوي ذلك عن عائشة قالت: المستحاضة لا يأتيها زوجها (٤).

стр. 2548

وهو قول النخعي (١)، والحكم (٢)، وابن سيرين (٣)، وسليمان بن يسار (٤)، والزهري، قال الزهري: إنما سمعنا بالرخصة في الصلاة (٥). وحجة الجماعة: أن دم الاستحاضة ليس بأذى يمنع الصلاة والصوم؛ فوجب أن لا يمنع الوطء. وقول ابن عباس: الصلاة أعظم، أي: من الجماع. من أبين الحجة في ذلك. وقد نزع بمثلها سعيد بن جبير (٦)، ولا يحتاج إلى غير ما في الباب (٧). وحديثه تقدم.

стр. 2549

٢٩ - باب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا ٣٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شعْبَةُ، عَنْ حُسَيْنٍ الُمعَلِّمِ، عَنِ ابن بُريدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنِ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَامَ وَسَطَهَا. [١٣٣١، ١٣٣٢ - مسلم: ٩٦٤ - فتح: ١/ ٤٢٩] حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ، أنَا شَبَابَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، عَنِ ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ امْرَأَةَ مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فقَامَ وَسَطَهَا. هذا حديث أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة (١)، وعند مسلم قال سمرة: صليت خلف النبي ﷺ على أم كعب ماتت وهي نفساء، وهذِه الرواية فيها بيان المبهم في رواية الكتاب، وهي أنصارية كما قاله ابن الأثير (٢). وابن بريدة: هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب أخو سليمان (٣). وقوله: (وسطها) -هو بالسين الساكنة- وحكى بعضهم فتحها، وقد سلف الكلام على هذِه المادة، وقصد البخاري بهذا الباب يحتمل -كما قال ابن بطال وابن التين- أن النفساء وإن كانت لا تصلي، فهي طاهر، لها

стр. 2550

حكم غيرها من النساء ممن ليست نفساء] (١)؛ لأنه ﷺ صلى عليها أوجب لها حكم الصلاة، وليس لون الدم موجودًا بها أن تكون نجسة، وامتناعها من الصلاة ما دام بها الدم عبادة، وهذا يُرد على من زعم أن الآدمي ينجس بموته؛ لأن هذِه النفساء جمعت الموت وحمل النجاسة بالدم اللازم لها، فلمَّا صلى عليها وأبان سنته فيها كان الميت الطاهر الذي لا تسيل منه نجاسة أولى بإيقاع اسم الطهارة عليه (٢). وصوب ابن القصار القول بطهارة ميتة الآدمي، ونقله عن بعض أصحابهم، والصلاة عليه بعد موته تكرمة له وتعظيم. وقال ابن المنير: ظنّ الشارح -يعني ابن بطال- وذكر ما أسلفناه عنه، قال: وذلك أجنبي عن مقصوده، وإنما قصده أنها وإن ورد أنها من الشهداء فهي ممن يصلى عليها. ثم قال: أو أراد التنبيه على أنها ليست بنجسة العين لا لأنه صلى عليها وأن هذا من خصائصه، بل لأن الصلاة على الميت في الجملة تزكية له، ولو كان جسد المؤمن نجسًا لكان حكمه أن يطرح اطراح الجيفة، ويبعّدُ ولا يوقر بالغسل والصلاة (وغيرهما) (٣) (٤). وهذا هو عين ما أسلفناه عن ابن بطال، والذي ذكره أولًا مدخل له في كتاب الطهارة، وتأول بعضهم كما قال القرطبي: صلاته وسطها من أجل جنينها حتى يكون أمامه (٥). وسيأتي بسط الكلام فيه في الجنائز إن شاء الله فإنه أليق.

стр. 2551

٣٠ - باب ٣٣٣ - حَدَّثَنَا الَحسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ -اسْمُهُ الوَضَّاحُ- مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيمَانُ الشُّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلِّي، وَهْيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وهْوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ. [٣٧٩، ٣٨١، ٥١٧، ٥١٨ - مسلم: ٥١٣ - فتح: ١/ ٤٣٠] حَدَّثنَا الحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، ثنَا يَحْييَ بْنُ حَمَّادٍ، ثنَا أَبُو عَوَانَةَ -اسْمُهُ الوَضَّاحُ- مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلَّي، وَهْيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهْوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَني بَعْضُ ثَوْبِهِ. وهذا الباب كالذي قبله يدل أن الحائض ليست بنجس؛ لأنها لو كانت نجسًا لما وقع ثوبه عليها وهو يصلي، ولا قربت من موضع مصلاه. وفيه: أن الحائض تقرب من المصلى، ولا يضر ذلك صلاته ولا يقطعها؛ لأنها كانت بقرب قبلته؛ لأنه لا يصيبها بثوبه عند سجوده إلا وهي قريبة منه، وأقوى ما نستدل به على طهارة الحائض كما قال ابن بطال: مباشرته ﷺ لأزواجه وهن حيض فيما فوق المئزر، إلا أنها وإن كانت طاهرًا، فإنه لا يجوز لها دخول المسجد بإجماع؛ لأمره ﷺ في العيدين باعتزال الحيض المصلى (١).

стр. 2552

والخمرة: -بضم الخاء المعجمة- حصير صغير من سعف، سميت بذلك؛ لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها، والجمع: خمر. فإن كبرت عن ذلك فهي حصير.

стр. 2553

٧ كِتابْ التَّيَمُمْ

стр. 2554

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٧ - كِتابُ التَّيمُمْ (١) قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] ١ - [باب] ٣٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَهً -زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في بَعْضِ أسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ -أَوْ بِذَاتِ الَجيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءِ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلا تَرى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي، قَدْ نَامَ، فَقَاج: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي

стр. 2555

خَاصِرَتِي، فَلَا يَمنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رسول اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رسول اللهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الُحضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ. [٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥ - مسلم: ٣٦٧ - فتح: ١/ ٤٣١] ٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -هُوَ ابن صُهَيبٍ الفَقِيرُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْن عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّة". [٤٣٨، ٣١٢٢ - مسلم: ٥٢١ - فتح: ١/ ٤٣٥] هو في اللغة: القصد والتعمد، وهو ما ذكره البخاري في التفسير في سورة المائدة. أعني: التعمد (١)، ورواه ابن أبي حاتم (٢) وابن المنذر عن سفيان (٣). وهو في الشرع: إيصال التراب للوجه واليدين بشرائط مخصوصة، والأصل فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وهو ما استفتح به البخاري كتابه حيث قَالَ: وقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية.

стр. 2556

ومن السنة أحاديث الباب وغيره، وقام الإجماع عَلَى جواز التيمم للحدث الأصغر، وفي الجنابة أيضًا، وخالف فيه عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والنخعي، والأسود (١) كما نقله ابن حزم (٢). وقد ذكروا رجوع عمر، وابن مسعود (٣)، وفي "المصنف": أفتى أبو عطية بأنه لا يصلى بالتيمم (٤). وهو رخصة، وفضيلة خصت بها هذِه الأمة دون غيرها من الأمم (٥).

стр. 2557

والصعيد هو: التراب كما قَالَ ابن عباس (١)، والطيب: الطاهر، وقيل: الحلال. ثم ساق البخاري ﵀ حديثين: أولهما: حديث عائشة: قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ -أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي .. الحديث بطوله. وفيه: فأنزل الله آية التيمم. وهو حديثٌ عظيمٌ أخرجه البخاريّ في أربعة مواضع أخر: في التفسير (٢)، وفضائل أبي بكر (٣)، والنكاح (٤)، والمحاربين (٥). وأخرجه مسلمٌ في الطهارة، وعنده: فأرسل ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاةُ فصلَّوا بغير وضوءٍ، فلمَّا أتوا رسول الله ﷺ شكوا ذَلِكَ إليه، فنزلت آيةُ التيمم (٦) وللنسائي: سقطت لي قلادةٌ بالبيداء ونحن داخلون المدينة (٧). وفي رواية له: عرس ﷺ بأولات الجيش. قال عمَّارُ: فانقطع عقد عائشة (٨).

стр. 2558

وعند أبي داود: بعث أسيد بن حضير وأناسًا معه، فحضرت الصلاة، فصلَّوا بغيرِ وضوءٍ. قَالَ أبو داود في كتاب التفرد الذي تفرَّد به من هذا الحديث: أنهم لم يتركوا الصلاة حين لم يجدوا الماءَ، فصلَّوا بغير وضوءٍ؛ لأنَّ بعض الناس يقول: إذا لم يجد الماء لا يصلِّي (١). وعند الترمذي من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة أنَّ قلادَتها سقطت ليلةَ الأبواءِ (٢). يعني في صفر سنة اثنتين من الهجرةِ. ولابن ماجه من حديث عمَّار قَالَ: فانطلق أبو بكر إلى عائشة لما نزلت الرخصةُ، فقال: ما علمتُ أنك لمباركة (٣). ولأبي محمد إسحاق بن إبراهيم البُستي في "تفسيره" من حديث ابن أبي ملكية عنها أن القائل له: ما كان أعظم بركة قلادتِك رسول الله ﷺ . وللطبراني من حديث الزُّبير، عن عائشةَ: قالت: لما كان من أمرِ عقدي ما كان، وقال أهلُ الإفك ما قالوا خرجتُ مع رسول الله ﷺ في غزوةٍ أخرى، فسقط أيضًا عقدي حَتَّى حبس الناس عَلَى التماسه وطلع الفجرُ، فلقيتُ من أبي بكرٍ ما شاءَ اللهُ وقال: يا بنية، في كل سفرٍ تكونين عناءً وبلاءً، ليس مع الناسِ ماءٌ. فأنزل اللهُ تعالى الرخصةَ في التيمم، فقال أبو بكر: إنك ما علمتُ لمباركة (٤). وفي بعض ألفاظِ "الصحيحِ": أنه ضاع عقدها في غزوةِ المريسيع

стр. 2559

التي كان فيها قصة الإفكِ (١). وقال أبو عبيد البكري: وفي حديث الإفك: فاأنقطع عقدٌ لها من جزع ظفار، فحبسَ الناسَ ابتغاؤه (٢). قال ابن سعدٍ: خرج رسولُ الله ﷺ إلى المريسيع يومَ الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس (٣). ورجحه الحاكمُ في "إكليله". وقال البخاري، عن ابن إسحاق: سنة ستٍّ (٤). وروى يونسُ عنه في "مغازيه" أن ذَلِكَ في شعبانَ. قَالَ البخاريُّ: وقال موسى بن عقبةَ: سنة أربع (٥). إذا عرفتَ ذَلِكَ فلنتكلم عليه من وجوهٍ: أحدها: أجمعَ أهلُ السِّيرِ أن قصةَ الإفكِ كانت في غزوة المريسيعِ، وهي غزوةُ بني المصطلق. وفي "الصحيح" أنه ضاع عقدُها في هذِه الغزوةِ كما سلف. وقد اختُلف في تاريخ خروجِه ﷺ إلى هذِه الغزوةِ عَلَى أقوال ثلاث: سنة أربعٍ، خمسٍ، ستٍّ، وقد حكيناها لك آنفًا. ثم اختلفوا متى فرض التيمم؟ عَلَى قولين: أحدهما: في المريسيع سنة ستٍّ، قاله ابن التين وابنُ بزيزة في "شرح الأحكام الصغرى".

стр. 2560

ثانيهما: سنة أربعٍ. قَالَ ابن الجوزي: زعمَ ابن حبيب أنَّ عقدَها سقط في الرابعة في غزوة ذاتِ الرقاعِ، وفي غزوة بني المصطلق سنة ستٍّ قصة الإفك. قلتُ: يرد هذا روايةُ الطبراني السالفة: أن الإفك قبل التيمم. ثانيها: البيداء: الشرف الذي قُدَّام ذي الحليفة في طريق مكةَ كما قاله البكري (١)، وزعم أنَّ سقوطَه كان بمكان يقال له: الضُّلضُل، بمعجمتين. قَالَ: وهو الصحيح. وأما الجوهري (٢) فذكرهُ بمهملتين. وذات الجيش من المدينةِ عَلَى بريد، ذكره أبو عبيد عن القتبي (٣). ثالثها: قولها: (انقطعَ عِقد لي). هو بكسر العين، ثم قاف: كل ما يُعقد ويعلق في العنق، ويقال له: قِلادة كما سلفَ، وسلف أيضًا أنه من جزع ظفار. وفي رواية أنها استعارت قِلادةً من أسماءَ فهلكت (٤). فإنْ قلتَ: ظاهرُ الحديث أنهما قصتان في حالين. قلتُ: بل كانت واحدة، وإنما الرواية تختصر وتخالف بين العباراتِ، فإنَّ القلادة كانت لأسماء واستعارتها منها عائشةُ فأضافتها إليها بقولها: ضاعَ عِقدي. قلت: رواية الطبراني السالفة تخالف هذا، ويقويه رواية الترمذي
следующие страницы →