← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

ومن السنة أحاديث الباب وغيره، وقام الإجماع عَلَى جواز التيمم للحدث الأصغر، وفي الجنابة أيضًا، وخالف فيه عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والنخعي، والأسود (١) كما نقله ابن حزم (٢). وقد ذكروا رجوع عمر، وابن مسعود (٣)، وفي "المصنف": أفتى أبو عطية بأنه لا يصلى بالتيمم (٤). وهو رخصة، وفضيلة خصت بها هذِه الأمة دون غيرها من الأمم (٥).

стр. 2557

والصعيد هو: التراب كما قَالَ ابن عباس (١)، والطيب: الطاهر، وقيل: الحلال. ثم ساق البخاري ﵀ حديثين: أولهما: حديث عائشة: قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ -أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي .. الحديث بطوله. وفيه: فأنزل الله آية التيمم. وهو حديثٌ عظيمٌ أخرجه البخاريّ في أربعة مواضع أخر: في التفسير (٢)، وفضائل أبي بكر (٣)، والنكاح (٤)، والمحاربين (٥). وأخرجه مسلمٌ في الطهارة، وعنده: فأرسل ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاةُ فصلَّوا بغير وضوءٍ، فلمَّا أتوا رسول الله ﷺ شكوا ذَلِكَ إليه، فنزلت آيةُ التيمم (٦) وللنسائي: سقطت لي قلادةٌ بالبيداء ونحن داخلون المدينة (٧). وفي رواية له: عرس ﷺ بأولات الجيش. قال عمَّارُ: فانقطع عقد عائشة (٨).

стр. 2558

وعند أبي داود: بعث أسيد بن حضير وأناسًا معه، فحضرت الصلاة، فصلَّوا بغيرِ وضوءٍ. قَالَ أبو داود في كتاب التفرد الذي تفرَّد به من هذا الحديث: أنهم لم يتركوا الصلاة حين لم يجدوا الماءَ، فصلَّوا بغير وضوءٍ؛ لأنَّ بعض الناس يقول: إذا لم يجد الماء لا يصلِّي (١). وعند الترمذي من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة أنَّ قلادَتها سقطت ليلةَ الأبواءِ (٢). يعني في صفر سنة اثنتين من الهجرةِ. ولابن ماجه من حديث عمَّار قَالَ: فانطلق أبو بكر إلى عائشة لما نزلت الرخصةُ، فقال: ما علمتُ أنك لمباركة (٣). ولأبي محمد إسحاق بن إبراهيم البُستي في "تفسيره" من حديث ابن أبي ملكية عنها أن القائل له: ما كان أعظم بركة قلادتِك رسول الله ﷺ . وللطبراني من حديث الزُّبير، عن عائشةَ: قالت: لما كان من أمرِ عقدي ما كان، وقال أهلُ الإفك ما قالوا خرجتُ مع رسول الله ﷺ في غزوةٍ أخرى، فسقط أيضًا عقدي حَتَّى حبس الناس عَلَى التماسه وطلع الفجرُ، فلقيتُ من أبي بكرٍ ما شاءَ اللهُ وقال: يا بنية، في كل سفرٍ تكونين عناءً وبلاءً، ليس مع الناسِ ماءٌ. فأنزل اللهُ تعالى الرخصةَ في التيمم، فقال أبو بكر: إنك ما علمتُ لمباركة (٤). وفي بعض ألفاظِ "الصحيحِ": أنه ضاع عقدها في غزوةِ المريسيع

стр. 2559

التي كان فيها قصة الإفكِ (١). وقال أبو عبيد البكري: وفي حديث الإفك: فاأنقطع عقدٌ لها من جزع ظفار، فحبسَ الناسَ ابتغاؤه (٢). قال ابن سعدٍ: خرج رسولُ الله ﷺ إلى المريسيع يومَ الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس (٣). ورجحه الحاكمُ في "إكليله". وقال البخاري، عن ابن إسحاق: سنة ستٍّ (٤). وروى يونسُ عنه في "مغازيه" أن ذَلِكَ في شعبانَ. قَالَ البخاريُّ: وقال موسى بن عقبةَ: سنة أربع (٥). إذا عرفتَ ذَلِكَ فلنتكلم عليه من وجوهٍ: أحدها: أجمعَ أهلُ السِّيرِ أن قصةَ الإفكِ كانت في غزوة المريسيعِ، وهي غزوةُ بني المصطلق. وفي "الصحيح" أنه ضاع عقدُها في هذِه الغزوةِ كما سلف. وقد اختُلف في تاريخ خروجِه ﷺ إلى هذِه الغزوةِ عَلَى أقوال ثلاث: سنة أربعٍ، خمسٍ، ستٍّ، وقد حكيناها لك آنفًا. ثم اختلفوا متى فرض التيمم؟ عَلَى قولين: أحدهما: في المريسيع سنة ستٍّ، قاله ابن التين وابنُ بزيزة في "شرح الأحكام الصغرى".

стр. 2560

ثانيهما: سنة أربعٍ. قَالَ ابن الجوزي: زعمَ ابن حبيب أنَّ عقدَها سقط في الرابعة في غزوة ذاتِ الرقاعِ، وفي غزوة بني المصطلق سنة ستٍّ قصة الإفك. قلتُ: يرد هذا روايةُ الطبراني السالفة: أن الإفك قبل التيمم. ثانيها: البيداء: الشرف الذي قُدَّام ذي الحليفة في طريق مكةَ كما قاله البكري (١)، وزعم أنَّ سقوطَه كان بمكان يقال له: الضُّلضُل، بمعجمتين. قَالَ: وهو الصحيح. وأما الجوهري (٢) فذكرهُ بمهملتين. وذات الجيش من المدينةِ عَلَى بريد، ذكره أبو عبيد عن القتبي (٣). ثالثها: قولها: (انقطعَ عِقد لي). هو بكسر العين، ثم قاف: كل ما يُعقد ويعلق في العنق، ويقال له: قِلادة كما سلفَ، وسلف أيضًا أنه من جزع ظفار. وفي رواية أنها استعارت قِلادةً من أسماءَ فهلكت (٤). فإنْ قلتَ: ظاهرُ الحديث أنهما قصتان في حالين. قلتُ: بل كانت واحدة، وإنما الرواية تختصر وتخالف بين العباراتِ، فإنَّ القلادة كانت لأسماء واستعارتها منها عائشةُ فأضافتها إليها بقولها: ضاعَ عِقدي. قلت: رواية الطبراني السالفة تخالف هذا، ويقويه رواية الترمذي

стр. 2561

السالفة أنه كان سنة اثنين (١)، فيجوز أن يقال بالتعددِ، وأنَّ في واحدة سقط عِقدُها، وفي أخرى: سقط عقد أختِها. فائدةٌ: هذا العِقد وردَ في خبرٍ أنَّ ثمنه اثنا عشر درهمًا، ذكره ابن بطال (٢). وقيل: كان ثمنُه يسيرًا، حكاه ابن التين. رابعها: قولها: (فجعل يَطْعُنني). هو بضم العين، وحكى صاحب "المطالع" فتحها (٣). وفي "المجمل": الفتح بالقولِ، والضم بالرمحِ (٤). وقيل: كلاهما بالضمِّ، حكاه في "الجامع". والخاصرة معروفةٌ، وهي: منقطعُ الأضلاع إلى الحجَبَةِ، كما قَالَه صاحبُ "المحكمِ" (٥). خامسها: قولها: (فأنزل الله آية التيمم). أي: التي في المائدةِ التي تلاها البخاريُّ. وكذا رواه الحميديُّ في الجمع من حديث عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسمِ، عن أبيه، عن عائشة، فذكر الحديثَ، وفيه: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ

стр. 2562

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية إلى قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] (١). وأما الواحديُّ فذكرها في سورةِ النساءِ، فقال: قوله تعالى من سورة النساء: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] ثم ساق حديثَ البخاريِّ، ثم ساقه من حديثِ عمَّار، وفيه: فأنزل اللهُ رخصةَ التطهير بالصعيدِ الطيبِ، فقامَ المسلمون فضرَبوا بأيديهم الأرض ثم رفعوا أيديهم، ولم يقبضوا من التراب شيئًا، ثم ذكر كيفية التيمم (٢). وقال أبو بكرِ بن العربي: هذِه معضلةٌ ما وجدتُ لدائها من دواءٍ، آيتانِ فيهما ذكر التيمم، في النساء والمائدة، ولا نعلم أيتهما عنت عائشةُ بقولها: فانزلت آية التيمم (٣). وقال ابن بطَّال: هي آية المائدةِ وآية النساءِ؛ لأن الوضوءَ كان لازمًا لهم قبل ذَلِكَ، والآيتان مدنيتان، ولم تكن صلاةٌ قبل إلا بوضوءٍ، فلما نزلت آية التيمم لم يُذكر الوضوء، لأنه (٤) متقدمًا (قالوا) (٥)؛ لأن حكم التيمم هو الطارئُ عَلَى الوضوء، وقيل: يحتمل أن يكون أولًا نزل أول الآية، وهو فرضُ الوضوءِ، ثم نزل عند هذِه الواقعةِ آيةُ التيمم، وهو تمام الآية، وهو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ﴿المائدة: ٦﴾ أَو يحتمل أن الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن ثم أنزلا معًا، فعَّبرت عائشةُ بالتيمم إذ كان هو (الأصل) (٦) المقصود (٧).

стр. 2563

وجزم القرطبيُّ وغيرُه بأنها عنت بذلك آيةَ النساءِ؛ لأنَّ آيةَ المائدةِ ذُكر فيها الوضوءُ بالماءِ والتيممُ، وغُسل الجنابةِ، وفي النساءِ لم يذكر الوضوء، وإنما ذكر التيمم عند عدم الماءِ بغير ذكر الأسباب التي كانت معروفة عندهم، فكانت النساءُ أخصُّ بها من المائدة (١).

стр. 2564

سادسها: قولها: (فقال أُسيد بن حُضير). هو -بضم الهمزة والحاء المهملة وبالضاد المعجمة المفتوحة وآخره راء مهملة- ابن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئِ القيسِ، كذا ذكره ابن عبد البر (١)، وصوابه حذف رافع بينهما، وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وهو صاحبُ الظِّلةِ التي رآها وهو يقرأ سورةَ الكهفِ، وفسَّرها ﷺ بالملائكةِ دنت لصوتِه، ولو قرأ حَتَّى أصبحَ لرآهم الناسُ، وهو صاحبُ العصا التي أوقدت مع عباد بن بشر، مات بالمدينةِ سنة عشرين (٢). سابعها: قولها: (فبعثنا البعيرَ الذي كنتُ عليه، فأصبنا العِقدَ تحته). وفي الروايةِ التي تأتي في الباب بعده: فبعث رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا فوجدها. وفي روايةٍ أخرى: بعث أسيد بن حُضير وأناسًا معه في طلبها (٣). زعم الداودي أنَّ هذا مما لا يُشك في تضاده.

стр. 2565

قَالَ: ولا أرى الوهمَ إلا في رواية ابن نمير. يعني الثانيةَ. قَالَ: وحملَ إسماعيلُ بن إسحاقَ على رواية ابن نمير، وجعله مناقضًا لحديثِ مالكٍ. ورد ذَلِكَ ابن أبي صفرةَ بأنه يحتمل أن يكونَ المبعوث أُسيدًا فوجدها بعد رجوعه من طلبها، ويحتمل أن يكون الشارع وجدها عند إثارة البعير بعد انصرافِ المبعوثين إليها، فلا تعارضَ إذن. وهذا كله إنما يأتي إذا قلنا باتحاد الواقعة، فإن قلنا بتعددها كما سلف فلا. ويحتمل أنْ يعني بالرجل الأمير عَلَى جماعةٍ، وعينه بعضهم بأُسيدٍ وأصحابِه، واقتصر عليه بعضهم. ثامنها: في فوائده: الأولى: ابتداء مشروعية التيمم، وذكر البرقي في "معرفة الصحابة" أن الأسلعَ قَالَ لرسولِ الله ﷺ يومًا: إني جُنبٌ وليس عندي ماءٌ. فأنزل اللهُ آيةَ التيمم (١)، وحكاه الجاحظ في "برهانِه" قولًا، وهو غريب. وفي "المصنف" عن عباد بن العوَّامِ، عن برد، عن سليمانَ بن موسى، عن أبي هريرةَ: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع، فأتيتُ النَّبيَ ﷺ ، فضرب بيده ضربةً إلى الأرض فمسح وجهَهُ وكفيه (٢)، وهو مشكل إذ التيمم كان قبل إسلامِه. ثانيها: حرمة الأموالِ الحلال، ولا تضيع وإن قلَّتْ. ثالثها: جواز حفظ الأموال، وإن أدى إلى عدمِ الماء (في الوقت،

стр. 2566

قاله ابن مسلمة المالكي في "مبسوطه" وعلى هذا يجوز للإنسان سلوك طريق يتيقن فيه عدم الماء) (١) طلبًا للمال. رابعها: شكوى المرأة إلى والدها، وإن كان لها زوجٌ. خامسها: خروج النساء مع الرِّجالِ في الأسفارِ والغزواتِ، وذلك مباح إذا كان العسكرُ (كثيرًا) (٢) يؤمن عليه الغلبة. سادسها: الإقامة (على) (٣) موضعٍ لا ماءَ فيه للمصلحةِ، إذ في الحديث: وليسوا عَلَى ماءِ. سابعها: جواز القلادة للنساءِ. ثامنها: جواز السَّفرِ بها بإذن الغير. تاسعها: جواز وضعِ الرجل رأسَه عَلَى فخذِ زوجتِه. عاشرها: جواز دخول والد الزوجة إلى بيتها وإن كان زوجها نائمًا بغيرِ إذنه والإنصاف منها بغيرِ إذنه. الحادية عشرة: تأديبُ الرجلِ ولدَه بالقولِ والفعلِ والضربِ، وإنْ كان كبيرًا خارجًا عن بيته متزوجًا. الثانية عشرة: احتمالُ المشقةِ لأجل المصلحة؛ لقولها: ولا يمنعني من التحركِ إلا مكان رسولِ الله ﷺ عَلَى فخذي. الثالثة عشرة: معاتبة من نسب إلى ذنبٍ أو جريمةٍ كما عاتب الصديق ابنتَهُ عَلَى حبسِ الجيش بسببها. الرابعة عشرة: نسبةُ الفعلِ إلى من هو سببه وإن لم يفعله؛ لقولهم: ألا ترى ما صنعتْ عائشةُ. إلى آخره، فنُسبَ الفعلُ إليها إذ كانت سببه.

стр. 2567

الحديث الثاني: حديث يزيد الفقير عن جابر مرفوعًا: "أُعْطِيتُ خَمْسًا .. " الحديث. والكلامُ عليه من وجوهٍ: أحدها: هذا الحديث أخرجه أيضًا في الصلاةِ (١)، وبعضه في فرضِ الخُمسِ (٢)، وأخرجه مسلمٌ في الصلاةِ، والنسائي في الطهارةِ (٣). ويزيد هذا ليس فقيرًا، وإنما لُقِّب بذلك؛ لأنه كان مكسورَ فقار ظهره. قَالَ في "المحكمِ": رجل فقير وفقِّير: مكسور فقار الظهر (٤). ثانيها: عدَّ كون الأرضِ مسجدًا وطهورًا خصلةً واحدة، وإلا كانت ستًّا. وفي مسلمِ من حديث أبي هريرةَ: "فُضِّلتُ عَلَى الأنبياء بستٍّ، وأعطيتُ جوامعَ الكَلمِ، وخُتم بي النبيون" (٥) وعنده أيضًا من حديث حذيفة: "فُضِّلنا عَلَى الناس بثلاثٍ: جُعلتْ صفوفُنا كصفوفِ الملائكةِ، وجعلت لنا الأرضُ كلها مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماءَ" (٦) وللدارقطني: "وترابها" بدل "وتربتها" (٧) ولا تعارض بينها، والأعداد لا تدل عَلَى الحصر، ويجوز أن يكون أعلمه اللهُ تعالى أولًا

стр. 2568

بالقليلِ ثم بالكثيرِ (١). ثالثها: قولها: "لم يُعطهُنَّ أحدٌ قبلي" أي: لم تجمع لأحدٍ قبله. رابعها: النصر: العون. والرعب: الخوف والوجل. والشفاعة: الطلب أو الدعاء. والمسجد: بفتح الجيم وكسرها، والمراد به هنا: موضع السجود. وقوله: "فأيُّما رجل" ما زائدة؛ لتوكيد الشرط، والفاء في "فليصل" جواب الشرط، والطهور هو المطهر. وفيه: إظهار كرامة الآدمي؛ لأنه خُلق من ماءٍ وترابٍ، فجعلهما اللهُ طهورين لهذا (٢).

стр. 2569

خامسها: استدل به من جَوَّز التيمم بجميع أجزاء الأرض، وبه قَالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ، حَتَى جوازه بصخرةٍ مغسولة (١)، وفيه نظرٌ؛ لأن (من) الدالة عَلَى التبعيض في الآيةِ تقتضي أن يمسحَ بشيءٍ يحصل عَلَى الوجهِ واليدين بعضه. وقد أنصف الزمخشريُّ وهو من الحنفيةِ، فإنه أبرز ما ذكرناه في صورةِ سؤالٍ يدل عَلَى المنعِ بالحجرِ ونحوه، وأجابَ بقوله: قلت: هو كما نقول الحقُ أحق من المراءِ (٢). وأبعد ابن كيسانَ، وابن عليَّةَ فقالا بجوازه بالمسكِ والزعفرانِ، نقله عنهما النَّقاشُ في "تفسيره" (٣).

стр. 2570

سادسها: قوله: "فأيما رجلٌ من أمتي أدركته الصلاةُ فليصل " هذا عام إلا ما خرج بدليلٍ، كالمكان المغصوب ونحوه، وتُكره الصلاة في مواطن كالحمَّام، وغيره مما هو مبسوطٌ في الفروع. ولم يأت في أثرٍ، كما قَالَ ابن بطَّالٍ، عن المهلب: أنَّ الأرضَ منعت من غيرِه ﷺ مسجدًا، وقد كان عيسى ﵇ يسيح في الأرضِ ويصلي حيث أدركته الصلاةُ فالمجموع ثبت، وغيره لم تجعل له طهورًا (١). سابعها: قد يُؤخذ من هذا أنه لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت كما هو مذهبُ الجمهورِ، وقد يؤخذ منه أيضًا تيممُ الحضريُّ إذا عدِمَ الماء وخافَ فوتَ الصلاةِ (٢). ثامنها: الغنائم: جمع غنيمة، وكانت قبلنا ممن له الجهاد إذا حصَّلوها جاءت نارٌ فأحرقتها، فأباحها اللهُ لنا (٣)

стр. 2571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2572

تاسعها: الألفُ واللام في الشفاعةِ للعهدِ، وهي العظمى المختصة به، وله ﷺ سبعُ شفاعاتٍ أخر ذكرتها في "غاية السول في خصائصِ الرسولِ" فراجعها منه (١)، وقد أوضحت الكلامَ على هذا الحديث في "شرح

стр. 2573

العمدة" (١)، ومن ذَلِكَ بعثه إلى الناسِ عامة. وفي هذا دلالةٌ على أن الحجة تلزم بالخبر كما تلزم بالمشاهدة، وذلك أنَّ الآيةَ المعجزة باقيةٌ -وهي القرآن- قائمةً بما فيه؛ لبقاء دعوته، ووجوبِها عَلَى من بلغته إلى آخرِ الزمانِ.

стр. 2574

٢ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا ٣٣٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا، فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ: جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا، فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ الله ذَلِكِ لَكِ وَللْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا. [انظر: ٣٣٤ - مسلم: ٣٦٧ - فتح: ١/ ٤٤٠] ساق فيه حديثَ عائشةَ أيضًا في قلادتها. وقد سلفَ فقهه، وسلف الخلاف في صلاةِ فاقدِ الطهورين في بابِ: لا تقبل صلاة بغير طهور، والمذاهب الخمسة فيها. وقوله: (فصلَّوا). أي: بغير وضوء، كما جاء في روايةٍ أخرى في "الصحيح" (١)، وهو إذًا مطابق لما ترجم له.

стр. 2575

٣ - باب التَّيَمُّمِ فِي الحَضَرِ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ، وَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَقَالَ الحَسَنُ فِي المَرِيضِ عِنْدَهُ المَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ: يَتَيَمَّمُ. وَأَقْبَلَ ابن عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَمْسُ مُرْتَفِعَة فَلَمْ يُعِدْ. ٣٣٧ - حَدُّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأعرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- قَالَ: أقبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ -مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الَحارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الجُهَيْمِ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرٍ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الِجدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇[مسلم: ٣٦٩ - فتح: ١/ ٤٤١] (وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح. وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفهِ" عن عمرَ، عن ابن جريجٍ عنه قَالَ: إذا كنتَ في الحضرِ وحضرت الصلاةُ وليس عندك ماءٌ فانتظر الماءَ، فإن خشيت فوتَ الصلاةِ تيمم وصلِّ (١). ثم قَالَ البخاري: وَقَالَ الحَسَنُ فِي المَرِيضِ عِنْدَهُ المَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ: يَتيمَّمُ. والحسن هذا هو البصري. ثم قال: وَأَقْبَلَ ابن عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَمْسُ مُرْتَفِعَة فَلَمْ يُعِدْ.

стр. 2576

وهذا رواه مالكٌ، عن نافع عنه مطولًا، ورواه الشافعيُّ أيضًا، ثم قَالَ: والجُرُف: قريب من المدينة (١). وروي أيضًا مرفوعًا، والمحفوظ الأول كما نبه عليه البيهقي (٢). والجُرُف: بضم الجيم والراء، وقد علمته. وقال الزبير: إنه عَلَى ميلٍ منها. وقال ابن إسحاق: عَلَى فرسخٍ، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزوَ (٣). وقال صاحب "المطالع": هو عَلَى ثلاثة أميال إلى جهةِ الشام، به مالُ عمرَ وأموالُ أهلِ المدينةِ، ويعرف ببئر جشم وبئر جمل (٤). والمِرْبَد: بكسر الميم وفتح الباء من ربد بالمكان: إذا أقام به، بينه وبين المدينةِ ميلان (٥)، قاله صاحب "المطالع". وقال غيره: ميل أو ميلان. وقال ابن التين: رويناه بفتح الميم، وهو في اللغةِ بكسرها. قَالَ ابن سيده: والمِربَد: محبس الإبلِ. وقيل: هي خشبةٌ أو عصى تعترض صدورَ الإبلِ تمنعها عن الخروجِ، ومربد البصرة من ذَلِكَ؛ لأنهم كانوا يحبسون فيه الإبل. والمِرْبَد: فضاءٌ وراء البيوتِ ترتفق به. والمربد: كالحجرة في الدار. ومربد التمر: جرينه الذي يوضع فيه بعد الجذاذ لييبس. قَالَ سيبويه: هو اسم كالمطبخ، وإنما مثله به؛ لأن المطبخَ ييبس (٦).

стр. 2577

وقال السهيلي: المِرْبَد والجرين والمسطح والبيدر والأندر والجرجان لغات بمعنى واحدٍ. وهذا الأثر دالٌّ على جوازِ التيمم بقرب الحضرِ عَلَى من خاف الفوت. قَالَ محمدُ بن مسلمةَ: إنما تيمم؛ لأنه خاف الفوت (١). أي: فوت الوقت المستحب، وهو أن تصفرَّ الشمس. وارتفاعها يحتمل أن يكونَ عن الأفقِ مع دخول الصفرة فيها، ويحتمل أن ابن عمرَ رأى أن من رجا إدراك الماءِ في آخرِ الوقت وتيمم في أوله يجزئه ويعيد في الوقت استحبابًا، وهو قولُ ابن القاسمِ (٢). وقال سحنونُ في "شرح الموطأ": كان ابن عمرَ عَلَى وضوءٍ؛ لأنه كان يتوضأ لكل صلاةٍ، فجعل التيمم عند عدم الماء عوضًا من الوضوء. وقيل: كان يرى أن الوقت إذا دخل حلَّ التيمم، وليس عليه التأخير. ثم ساق البخاريُّ حديثَ أبي جُهيم: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُد عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵊. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ معلقًا حيث قَالَ: وروى الليث، فذكره (٣). والبخاريُّ وصله فرواه عن يحيى بن بكير عنه. ووصله أيضًا أبو داود والنسائي (٤)، ووقع في مسلم: عبد الرحمن بن يسار، والصواب: عبد الله كما وقع في البخاري، مولى ميمونةَ.

стр. 2578

ووقع فيه أيضًا: أبو الجهمِ مكبرًا، وإنما هو مصغر كما ساقه البخاريُّ. وقد ذكره مسلمٌ عَلَى الصوابِ في حديثِ المرورِ (١). وسمَّاه أبو نعيم وابن منده: عبد الله بن جهيم، وجعلاهما واحدًا (٢). ورجَّح ابن الأثير كونهما اثنين (٣). وفي الدارقطني أنه الذي سلَّم. أعني: أبا الجهيم (٤) وهو يبين المجهولَ في روايةِ البخاري: فلقيه رجل فسلم عليه. ورواه الشافعىُّ عن شيخِه إبراهيم، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جُهيم، الحديث (٥). وحسَّنه البغويُ في "شرحِ السُّنَّةِ" (٦)، وهو منقطع بين الأعرج وأبي جهيم عمير مولى ابن عباس كما ساقه البخاريُّ. ورواه أبو داود والبزَّار من حديث ابن عمرَ مرفوعًا (٧)، وروي موقوفًا. ورواه أيضًا جابر بن سَمُرة والبراء، أخرجهما الطبرانيُّ (٨)، وعبدُ الله

стр. 2579

ابن حنظلةَ أخرجه أحمدُ (١)، والمهاجر بن قنفذ أخرجه الحاكم (٢)، وأبو هريرة أخرجه ابن ماجه (٣)، وغيرهم، وبعضها يشد بعضًا. وبئر جمل، بجيم مفتوحةٍ، وللنسائي: الجمل -بالألف واللام (٤) - وهو موضعٌ بقربِ المدينةِ فيه مالٌ من أموالها، ذكره أبو عبيد (٥). إذا تقرَّر لك ذَلِكَ فأصلُ المسألةِ التي بوَّب البخاري لها الباب، وهو من كان في الحضرِ وخاف فوتَ الصلاة، وفقدَ الماءَ إذ ذاك، هل له أن يتيمم، وفيه قولان حكاهما ابن بزيزةَ، والذي عليه الجمهور أنه يتيمم (قال مالك: إذا خاف الفوت إن عالج الماء يتيمم ويصلي ولا يعيد، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومحمد، وعن مالك أنه يصلي بالتيمم) (٦) ويعيد، وهو قول الليثُ والشافعيُّ (٧). وروي عن ماللكٍ أنه يعالج الماءَ وإن طلعت الشمس (٨)، وهو قولُ أبي يوسف وزفر قالا: لا يصلِّي أصلًا، والفرض في ذمته إلى أن يقدر عَلَى الماءِ؛ لأنه لا يجوز عندهما التيمم في الحضر، واحتجا بأنَّ الله تعالى جعلَ التيممَ رخصةً للمريض والمسافر، ولم يبحه إلا بشرط المرض والسفر، فلا دخولَ للحاضرِ ولا للصحيح في ذَلِكَ؛ لخروجهما من شرطِه تعالى (٩).

стр. 2580

واحتج من قَالَ: يتيمم ويصلي ويعيد قَالَ: إنا قد رأينا من يفعل ما أمر به، ولا يسقط عنه بالإعادةِ وهو واقع موقع فساد، مثل من أفسد حجَّه وصومَه الفرضُ عليه، فإنه مأمورٌ بالمضي فيه فرض عليه، ومع هذا فعليه الإعادة، وأيضًا فإنَّ المسافرَ والمريضَ قد أُبيح لهما الفطرُ في رمضان مع القضاءِ، فكذا هذا الحاضر. واحتج من قَالَ بعدم الإعادة، بأن الفطرَ رخصةٌ لهما ولم يفعلا الصوم، والمتيمم فعلَ الواجبَ وفعل الصلاة، فلو رُخص له في الخروج منها كما رخص للمسافر في الفطرِ لوجب عليه القضاءُ. وأمَّا من أفسد حجه وصومه فإنما أمر بالمضي فيه عقوبةً لإفساده له، ثم وجبَ عليه قضاؤه ليؤدي الفرضَ كما أمر به، والحاضر عند التَّعذرِ والخوفِ مطيعٌ بالتيمم والصلاة ابتداء ولم يفسدْ شيئًا يجب معه القضاء. وحجة من لم يعد أثر البخاريِّ عن ابن عمرَ، فإنه تيمم بمربد النعم وهو في طرفِ المدينة؛ لأنه خشي فوتَ الوقتِ الفاضلِ، ولم يجدْ ماءً، ثم صلَّى، فهو حجة (الحاضر) (١) عند الخوفِ في الإقدام عَلَى التيمم؛ لأنه إذا فعلَ ذَلِكَ مع سعة الوقت فخوف فوته أولى. وأما حديث أبي جُهيم فإن فيه التيممَ في الحضر إلا أنه لا دليل فيه لرفع الحدث به؛ لأنه أراد أن يجعله تحية لرد السلام، فإنه كره أن يذكر اللهَ عَلَى غير طهارةٍ، كما رواه حماد بن سلمةَ في "مصنفه" في هذا الحديث، كذا قاله المهلبُ، وهو مع ذَلِكَ دالٌ عَلَى التيمم في الحضرِ عند خوفِ الفوات؛ لأنه كما يتيمم في الحضر لرد السلام -وكان له ﷺ أن يردَّه قبل تيممه -دلَّ عَلَى التيمم في الحضر عند خوف

стр. 2581

الفوات، بل أولى؛ لأن الطهارةَ فيها شرطٌ بخلاف السلام. وأيضًا فإن التيممَ إنما ورد في المسافرين والمرضى لإدراكِ الوقت وخوفِ فواته، فإذا كان حاضرًا وخاف فوته جاز. واحتج الطحاويُّ بهذا الحديث عَلَى جواز التيمم للجنازة عند خوفِ فواتها، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي (١)؛ لأنه ﷺ تيمم لرد السلام في الحضر لأجل فور الرد، وإن كانت ليست شرطًا، ومنع مالك والشافعي وأحمد ذَلِكَ (٢). قَالَ الداوديُّ: والدليل عَلَى سنيَّة ذَلِكَ قوله لأبي هريرة: "المؤمن لا ينجس" (٣) قَالَ: ويحتمل أنه فعل ذَلِكَ قبل أن يخبر. قلت: فيه بعدٌ، وسيأتي. قَالَ ابن القصار: وفي تيممه ﷺ بالجدار ردٌ عَلَى أبي يوسفَ والشافعي في اشتراطهما التراب في صحةِ التيمم؛ لأنه ﷺ تيمم بالجدارِ. قَالَ: ومعلومٌ أنه لم يعلق بيده منه ترابٌ، إذ لا تراب عَلَى الجدارِ. قلت: ورواية الشافعي السالفة ترده إذ فيها: عن أبي جهيم قَالَ: مررتُ عَلَى النبي ﷺ وهو يبول فسلَّمت عليه، فلم يرد عليَّ حَتَّى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يَدهُ عَلَى الجدارِ فمسح وجهَهُ وذراعيه ثم رد عليَّ (٤).

стр. 2582

وبهذه الرواية يرد أيضًا عَلَى من استدل من الحنفية بهذا الحديث عَلَى جوازِ التيمم عَلَى الحجر. قَالَ: لأن حيطانَ المدينة مبنية بحجارةٍ سودٍ. فرع متعلق بالباب: لو تيقن وجود الماء آخر الوقت فانتظاره أفضل، وإن ظنه فقولان للشافعي أظهرهما: أن تعجيل الصلاة بالتيمم أفضل، وقال أبو حنيفةَ: في الرجاء التأخير أفضل. وعنه أنه حتمٌ (١). قَالَ ابن حزم: وبه قَالَ الثوريُّ وأحمدُ وعطاءُ. وقال مالك: لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت. وقال مرةً: إن أيقنَ بوجودِ الماءِ قبل خروج الوقت أخَّره إلى آخره، فإن وجده وإلا تيمم، وإن كان طامعًا بوجودِه قبله أخَّره إلى وسطِ الوقتِ، وإن تيقن عدمه تيمم وصلى (٢). وعن الأوزاعي: كل ذَلِكَ سواء. وفي "المدونة" حكاية قولين فيما إذا وجد الحاضرُ الماءَ في الوقتِ هل يعيد أم لا (٣)؟ وقيل: إنه يعيد أبدًا. وفي أبي داودَ من حديث أبي سعيد الخدري في السفرِ لما أعاد أحدُهما عند وجودِ الماءِ قَالَ له ﷺ : "لك الأجر مرتين" وصححه الحاكم عَلَى شرطهما (٤).

стр. 2583

فائدة تنعطف عَلَى ما مضى: قد أسلفنا أنَّ تيممه لردِّ السلام إنما كان عَلَى وجهِ الأكمل. قَالَ ابن الجوزي: كره أنْ يردَّه؛ لأنه اسمٌ من أسماءِ الله تعالى، أو يكون هذا في أوَّلِ الأمر، ثم استقر الأمر عَلَى غير ذلك. وقد رأى الأوزاعيُّ أنّ الجنبَ إذا خافَ إن اشتغلَ بالغسلِ طلعتْ الشمسُ (تيمم وصلى) (١) قبل فوتِ الوقت. قَالَ الخطَّابىُّ: وبه قَالَ مالك في بعض الروايات (٢). وعند الحنفية: إذا خاف فوتَ الصلاةِ عَلَى الجنازةِ والعيدين تيمم. ومسألة الجنازةِ أسلفناها عنهم. وعندنا وجهٌ أنه إذا خاف فوتَ الفريضةِ لضيق الوقت صلُّاها بالتيمم ثم قضاها (٣). وفي "شرحِ الآثارِ" للطحاوي: حديث المنع من ردِّ السلامِ منسوخٌ بآيةِ الوضوءِ (٤)، وقيل: بحديث عائشةَ: كان يذكر اللهَ تعالى عَلَى كلِّ أحيانهِ (٥). وقد جاء ذَلِكَ مصرحًا به (في) (٦) حديثٍ رواه جابر الجعفي، عن عبد الله [عن] (٧) أبي بكر بن محمد بن حزم، عن عبدِ اللهِ بن علقمةَ بن

стр. 2584

الفغواء، عن أبيه قَالَ: كان النَّبِيُّ ﷺ إذا أرادَ الماءَ نكلِّمه فلا يكلِّمنا، ونسلم عليه فلا يسلم علينا، حَتَّى نزلت آيةُ الرخصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١) [المائدة: ٦]. وزعم الحسنُ أنه ليس منسوخًا، وتمسك بمقتضاه، فأوجب الطهارة للذكرِ ومنعه للمحدثِ، ثم ناقض بإيجابه التَّسمية للطهارتين، فإنه مستلزم لإيقاع الذِّكرِ حالة الحدثِ. وروي عن عمرَ إيجابُ الطهارةِ للذِّكر. وقيل: يتأوَّل الخبر عَلَى الاستحباب؛ لأن ابن عمرَ راويه رأى ذَلِكَ (٢)، والراوي الصحابي أعلم بالمقصود، وهو حسنٌ إن لم يثبت حديث الجعفي لتضمنه الجمع بين الأدلةِ. قلت: وأنَّى له بالثبوت وحالته ظاهرة؟ تنبيهات: أحدها: كيف يتيمم بالجدارِ بغير إذن مالكه؟ والجواب: أنه كان مباحًا أو مملوكًا لمن يعرفه ولا يكره ذَلِكَ منه. ثانيها: كيف يتيمم في الحضر؟ والجواب: أن هذا كان في أول الأمر ثم استقر الأمر عَلَى غيره، وأيضًا فهو تشبيه بالطاهرين وإن لم يصح كما في حق الممسك في رمضان، ذكرهما ابن الجوزي، لكن الطحاوي استدل عَلَى ثبوت الطهارة به وإلا لم يفعله.

стр. 2585

ثالثها فيه دلالة عَلَى جواز التيمم للنوافل كالفرائض، وأبعد من خصه من أصحابنا بالفرض، وهو واه. رابعها: أطلق اليد في الحديث ولم يقيدها، ومشهور مذهب الشافعي مسحها إلى المرفقين كالوضوء (١)، ومحل الخوض فيها الخلافيات، وكذا هل هو بضربة أو (بضربتين) (٢)؟ وسيأتي أيضًا، ورواية ضربة أصح من ضربتين (٣)، وأبعد من قَالَ: بثلاث وأربع، ثنتان للوجه ولكل يد واحدة، حكاه ابن بزيزة.

стр. 2586

٤ - باب: [الْمُتَيَمِّمُ] (١) هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا ٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الَحكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الَخطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْت فَلَمْ أُصِبِ الَماءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْن يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أنَا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْت ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا". فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكفَّيْهِ الأرضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧ - مسلم ٣٦٨ - فتح ١/ ٣٤٣] ذكر فيه حديث عمار لعمر: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا". فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. هذا الحديث ذكره البخاري في الباب الذي يليه معلقًا ومسندًا من طرق، وأخرجه مسلم أيضًا والأربعة (٢)، ولا نطول بذكر طرقه فإن محلها الأطراف، وذكر ابن أبي حاتم طرفًا منه (٣). ثُم الكلام عليه من وجوه: أحدها: عمار بن ياسر كنيته أبو اليقظان مذحجي ثم عنسي أحد السابقين

стр. 2587

الأولين، وهو من الأفراد، أحد من عذب هو وأمه في الله (١). وذكر ابن الجوزي أن الكفار أحرقوه بالنار ليرجع عن دينه، فكان ﷺ يمر به، فيمر يده عَلَى رأسه ويقول: "يا نار كوني بردًا وسلامًا عَلَى عمار كما كنت بردًا وسلامًا عَلَى إبراهيم" (٢). ثانيها: فيه نفخ التراب، وهو تخفيف له، ومحله عند الكثرة وضابطه أن يبقى منه قدر الحاجة. قَالَ ابن بطال: وقد اختلف العلماء في نفض اليدين فيه، فكان الشعبي يقول به، وهو قول الكوفيين، وقال مالك: نفضًا خفيفًا. وقال الشافعي: لا بأس أن ينفضهما إذا بقي في يديه غبار يُمس، وهو قول إسحاق. وقال أحمد: لا يضر فعل أو لم يفعل. وكان ابن عمر لا ينفض يده (٣). ثالثها: أن المتأول لا إعادة عليه ولا لوم؛ لأن عمارًا تأول أن التيمم لا يكفي لوجهه ويديه في الجنابة كما يجزئه في الوضوء؛ فلم يأمره الشارع بالإعادة؛ لأنه زاد عَلَى الواجب. رابعها: ذكر البخاري في أواخر التيمم مسح الكف قبل مسح الوجه، أتى فيه

стр. 2588

بلفظ (ثم)، وبها قَالَ الأوزاعي وأبو حنيفة، وخالف الشافعي (١). خامسها: اقتصر هنا عَلَى ذكر الكف، وبه قَالَ أحمد، وهو قول قديم للشافعي قوي في الدليل (٢)، قَالَ البيهقي: ولعل حديث ابن عمر وذراعيه بعده، وجاء في رواية: إلى المناكب. وفي أخرى: إلى نصف الذراع (٣). قَالَ ابن عبد البر في "تمهيده": كل ما يروى عن عمار في هذا مضطرب مُخْتَلفٌ فيه، وأكثر الآثار المرفوعة عنه ضربة واحدة للوجه واليدين (٤).

стр. 2589

٥ - باب التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّين ٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الَحكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمَّارٌ بهذا. وَضَرَبَ شُعْبَة بِيَدَيْهِ الأرضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شعْبَة، عَنِ الَحكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ذَرٍّ يَقُولُ: عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى قَالَ الَحكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُة مِنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٤] ٣٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ، وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا. وَقَالَ: تَفَلَ فِيهِمَا. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٤] ٣٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَة، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَكْفِيكَ الوَجْهَ وَالْكَفينِ". [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٥] ٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ. وَسَاقَ الَحدِيثَ. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٦] ٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الأرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٦] ذكر فيه حديث عمار من طرق: في بعضها: وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وفي بعضها: وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةِ فَأَجْنَبْنَا. وَقَالَ: تَفَلَ فِيهِمَا.

стр. 2590

وفي بعضها: "يَكْفِيكَ الوَجْهُ وَالْكَفَّانِ". وكلها دالة عَلَى الاقتصار عَلَى الكوعين؛ إذ هو حقيقة الكف، وهو قول علي، وسعيد بن المسيب، والأعمش، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحق (١). وروى ابن القاسم عن مالك أنه إن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت، وهذا يدل عَلَى أن التيمم عنده إلى المرفقين مستحب. وممن ذهب إلى التيمم إلى المرفقين ابن عمر، وجابر، والنخعي، وا لحسن، ومالك، وأبو حنيفة، والثوري، والليث، والشافعي (٢). وأبعد الزهري فقال: إلى الآباط (٣). والسنة الصريحة عاضدة للأول. ورواية: المرفقين في تصحيحها نظر، وإن صححها الحاكم (٤). ورواية: إلى المناكب نحوها، ثم إنه من فعلهم وليس من أمره ﷺ . ومعنى (تفل فيهما): نفخ.

стр. 2591

٦ - باب الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ يَكْفِيهِ مِنَ المَاءِ وَقَالَ الحَسَنُ: يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَأَمَّ ابن عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَقَالَ يَحْييَ بْنُ سَعِيدِ: لَا بَأسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا. [فتح: ١/ ٤٦٦] ٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ -وإِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى [إِذَا] كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةَ وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الُمسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيقَظَ فلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ -يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ، فَنَسِيَ عَوْفٌ- ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الَخطَّابِ الرَّابعُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لأنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيقَظَ عُمَرُ، وَرَأى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبر وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكبِيرِ، فَمَا زَالَ يكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَيقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الذِي أَصَابَهُمْ، قَالَ: "لَا ضَيْرَ -أَوْ لَا يَضِيرُ- ارْتَحِلُوا". فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضوءِ فَتَوَضّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: "مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ ". قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ ، فاشْتَكَى إِلَيهِ النَّاسُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَلَ فَدَعَا فلَانًا -كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ، نَسِيَهُ عَوْفٌ- وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: "اذْهَبَا فَابْتَغِيَا المَاءَ". فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ -أَوْ سَطِيحَتَيْنِ- مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ الَماءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالَمْاءِ أَمْسِ هذِه السَّاعَةَ، وَنَفَرُنَا خُلُوفًا. قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا. قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَتِ: الذِي يقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ. قَالَا: هُوَ الذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي. فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الَحدِيثَ، قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ

стр. 2592

- ﷺ بإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أفوَاهِ الَمزَادَتَيْنِ -أَوِ [الـ] سَّطِيحَتَيْنِ- وَأَوْكَاَ أفوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ العَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا. فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطى الذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: "اذْهَبْ فَأَفرِغْهُ عَلَيْكَ". وَهْيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وإنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أنَّهَا أَشَدُّ مِلأةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْمَعُوا لَهَا". فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْها، قَالَ لَهَا: "تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، ولكن اللهَ هُوَ الذِي أَسْقَانَا". فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: العَجَبُ، لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إلَى هذا الذِي يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لأسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هذِه وِهذِه -وَقَالَتْ بإصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ، تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأرْضَ -أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا. فَكَانَ الُمسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الُمشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرى أَنَّ هؤلاء القَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ. [قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ: صَبَا: خَرَجَ مِنْ دينٍ إِلَى غَيْرِه. وقال أبُو العَاليَة: الصَّابِئينَ -وفي نُسْخَةٍ: الصَّابِئُونَ- فِرقَةٌ مِن أهلِ الكِتَابِ يَقْرءُوْنَ الزَّبُورَ]. [٣٤٨، ٣٥٧ - مسلم: ٦٨٢ - فتح: ١/ ٤٤٧] (وَقَالَ الحَسَنُ: يُجْزِئُهُ التَيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) قلت: أسنده ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن يونس، عنه: لا ينقض التيمم إلا الحدث (١). وقال ابن حزم: روينا عن حماد بن سلمة -يعني في "مصنفه"- عن يونس (عن) (٢) عبيد، عنه: يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد مثل الوضوء ما لم يحدث.

стр. 2593

وحكاه أيضًا عن إبراهيم وعطاء (١). وذكره ابن المنذر (٢) عن ابن المسيب، والزهري، والثوري، وابن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، والليث، والحسن بن حي، وداود، وابن حزم (٣)، والمزني، وهو قول أبي حنيفة والكوفيين (٤). وقال مالك: لا يصلي صلاتا فرض بتيمم واحد، فإن تيمم وتطوع فلابد له من تيمم آخر للفريضة، فلو تيمم ثم صلى الفريضة جاز له أن يتنفل بعدها بذَلِكَ التيمم (٥). وقال الشافعي: يتيممُ لكل صلاة فرض، وله أن يتنفلَ قبلها وبعدها بذلك التيمم (٦). وقال شريك: يتيمم لكل صلاة. وروي مثله عن إبراهيم النخعي، وقتادة، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٧)، وهو قول الليث، وأحمد، وإسحاق (٨). وقال أبو ثور: يتيمم لكل وقت صلاة فرض، إلا أنه يصلي الفوائت من الفروض كلها بتيمم واحد (٩). وذكره البيهقي من طريق ابن عباس، وابن عمر من طريق ضعيف،

стр. 2594

ومن طريق قتادة عن عمرو بن العاصي، والحارث عن علي (١). قَالَ ابن حزم: الرواية عن ابن عباس ساقطة وبيَّنها. قَالَ: وقد روي نحو قولنا عن ابن عباس أيضًا. قَالَ: والرواية عن علي. وابن عمر لا تصح. قَالَ: وحديث عمرو رواه عنه قتادة، وقتادة لم يولد إلا بعد موته (٢). قلت: وحاصل الأقوال ثلاثة: أحدها: أنه يصلي به ما لم يحدث. ثانيها: أنه يصلي به فرضًا واحدًا. ثالثها: كذلك إلا الفوائت. وقد أسلفناه عن أبي ثور، وحكي أيضًا عن مالك. احتج الأول بالقياس عَلَى الوضوء. والثاني بأنه طهارة ضرورة، بدليل نقضه برؤية الماء، وأيضًا لا يصح قبل وقته بخلافه. فإذا لم يجز التيمم للعصر قبل وقته وجب أن لا يجزئ لما بعده إذ العلة واحدة. لكن جماعات خالفوا في هذا وقالوا: إنه يصح التيمم للفرض قبل وقته، منهم: الليث، وابن شعبان المالكي، وأهل الظاهر، والمزني (٣). قَالَ ابن رشد في "قواعده": واشتراط دخول الوقت ضعيف، فإن التأقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، ويلزم من ذَلِكَ أنه لا يجوز إلا آخر الوقت (٤).

стр. 2595

وأما حديث أبي ذر مرفوعًا: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" رواه الترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححوه (١). وخالف ابن القطان فأعله (٢)، وصحح حديث أبي هريرة عند البزار مثله (٣)، فهو ظاهر للقول الأول، لكن للقائل الثاني أن يقول: إنما سماه وضوءًا؛ لقيامه مقامه، ولا يلزم من ذَلِكَ أن يقوم مقامه من كل وجه. وأما حديث عمران الآتي: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" فيحتمل أن يكون المراد -والله أعلم- أنه كافيك ما لم تحدث إذا لم تجد ما يكفيك للوضوء. وإنما قالوا: إنه يتيمم لكل صلاة خوف أن يضيع طلب الماء، ويتكل عَلَى التيمم، ويأنسوا إلى الأخف. ويحتمل أنه كان كان فيك لتلك الصلاة وحدها؛ لأنها هي التي استباح فيها خوف فوات وقتها. والأول هو ظاهر تبويب البخاري له. قَالَ ابن حزم: قول مالك لا متعلق له بحجة، ولا يخلو التيمم إما أن يكون طهارة أم لا. فإن كان طهارة فيصلي به ما لم يوجب نقضها قرآن أو سنة، وإلا فلا يجوز له أن يصلي بغير طهارة. وقال بعضهم: ليس طهارة تامة، ولكنه استباحة للصلاة. قَالَ: وهو باطل من وجوه: أحدها: أنه قول بلا برهان.
следующие страницы →