← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

في المسجد أترى أن يشرب منه؟ قال: نعم، إنما جعل للعطش، ولم يرد به أهل المسكنة، فلا أرى أن يترك شربه، ولم يزل هذا من أمر الناس، قال: وقد سقى سعد بن جنادة فقيل له: في المسجد؟ فقال: لا، ولكن في منزله الذي كان فيه. قال ابن بطال: ولا تنافي بين ما ذكره ثابت ومالك؛ لسعة حال الناس في زمن مالك، فيستوي فيه الغني والفقير، ألا ترى أنه شبه ذلك بالماء الذي يجعل للعطشان دون المساكين (١). رابعها: قوله: (أتي بمال من البحرين) هو تثنية بحر، وهو بلدة مشهورة بين البصرة وعمان وهي هجر، وأهلها عبد القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، ولهم وفادة (٢)، وقال عياض: قيل: بينها وبين البصرة أربعة وثمانون فرسخا. قال البكري: ولما صالح أهله رسول الله ﷺ أمر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة فأتى بجزيتها فقدم بمال من البحرين (٣)، وزعم أبو الفرج الأشهلي في "تاريخه" أنها وبيئة وأن ساكنيها معظمهم مطحولون وأنشد: ومن يسكن البحرين يعظم طحاله … ويغبط بما في جوفه وهو ساغب وزعم ابن سعد أنه ﷺ لما انصرف من الجعرانة، يعني بعد قسمة غنائم حنين أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي -وهو بالبحرين- يدعوه إلى الإسلام فكتب إلى رسول الله ﷺ بإسلامه وتصديقه (٤).

стр. 2837

خامسها: قوله: (قال: انثروه في المسجد) أي: اطرحوه. ففيه وضع ما الناس مشتركون فيه في المسجد من صدقة أو غيرها؛ لأن المسجد لا يحجب أحد من ذوي الحاجة من دخوله والناس فيه سواء، وكذلك أمور جماعة المسلمين يجب أن تعمل في المسجد. نقله ابن بطال عن المهلب (١). سادسها: قوله: (فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة ولم يلتفت إليه) وجه عدم التفاته إليه استقلالا للدنيا فأبقى على الباقي وترك الفاني. سابعها: قوله: (فما كان يرى أحدا إلا أعطاه). فيه: دلالة على كثرة إعطائه، وعلو كرمه، وزهده، والولي إذا علم من أتباعه حاجة سارع إليها، ولا يدخر شيئًا ملكه لله ولرسوله. ثامنها: قوله: (وفاديت عقيلا) يعني: ابن أبي طالب يوم بدر. تاسعها: قوله: (ثم ذهب يقله، فلم يستطع). (يقله) بضم أوله، قال ابن التين: كذا رواه، أي: يحمله، إنما لم يأمر أحدًا بإعانة العباس، ولم يعنه هو بنفسه زجرًا له عن الاستكثار من المال، وأن لا يأخذ إلا قدر حاجته، أو لينبهه على أن أحدًا لا يحمل عن أحد شيئا، وقد كان العباس قويا جدًا كان يقل البعير إذا جلس، والكاهل ما بين الكتفين.

стр. 2838

عاشرها: فيه: أن القسم إلى الإمام على قدر اجتهاده، والعطاء لأحد الأصناف الذين ذكرهم الله في كتابه دون غيرهم؛ لأنه أعطى العباس لما شكى إليه من الغرم الذي نزحه ولم يسوه في القسمة مع الثمانية الأصناف، ولو قسم ذلك على التساوي لما أعطى العباس من غير مكيال ولا ميزان، وإنما أعطاه بقدر استقلاله من الأرض، ولم يعط لأحد غيره مثل ذلك، وفيه: أن السلطان يرتفع عن الأشياء الممتهنة حيث لم يحمل على العباس، بأن لا يكلف غيره إلى ذلك، وإن كان فيه نفعا للخاصة، إذ فيه ضرر على العامة.

стр. 2839

٤٣ - باب مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ فِي الْمَسْجِدِ وَمَنْ أَجَابَ فِيهِ ٤٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدْ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، سَمِعَ أَنَسًا قالَ: وَجَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الَمسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي: "آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. فقَالَ: "لِطَعَامٍ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ لَمِنْ مَعَهُ: "قُوموا". فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. [٣٥٧٨، ٥٣٧٨، ٥٤٥٠، ٦٦٨٨ - مسلم ٢٠٤٠ - فتح: ١/ ٥١٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، سَمِعَ أَنَسَ بنَ مالكٍ قَالَ: وَجَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ في المَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي: "آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: "لِطَعَامٍ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: "قُومُوا". فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة مطولا (١)، وفي الأطعمة (٢)، والأيمان والنذور (٣)، وأخرجه مسلم في الأطعمة (٤)، والترمذي في المناقب، وقال: حسن صحيح (٥)، والنسائي في الوليمة (٦)، وقوله: (آرسلك؟) هو بالمد، وهو علم من أعلام نبوته؛ لأن أبا طلحة أرسله. وقوله: (لطعام) هو باللام، وفي: علامات النبوة بالباء (٧)، وفيه:

стр. 2840

كان معه أقراصا من شعير مكفوفة في الخمار، وفيه: الدعاء إلى طعام الواحد، وإجابة الداعي، والدعاء من المسجد كغيره، وليس ثواب الجلوس فيه بأقل من ثواب الإجابة بإطعام من معه، وفيه: (قبول) (١) الهدية وإن كانت قليلة، وفيه: أن من دعي إلى طعام يأتي معه بغيره إذا علم أن صاحب الوليمة لا يكره ذلك وكان يكفيهم، وقد كفاهم ذلك ببركته، ولم ينقص من طعامهم شيئًا، ولله المنة ولرسوله. وقد جاء في الحديث أنه إنما دعاه إليه، لأنه سمع صوتا ضعيفا فعرف فيه الجوع، وفيه دعاء الإمام إلى الطعام القليل.

стр. 2841

٤٤ - باب الْقَضَاءِ وَاللِّعَانِ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ٤٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِي الَمسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ. [٤٧٤٥، ٤٧٤٦، ٥٢٥٩، ٥٣٠٨، ٥٣٠٩، ٦٥٤، ٧١٦٥، ٧١٦٦، ٧٣٠٤ - مسلم ١٤٩٢ - فتح: ١/ ٥١٨] حَدَّثنَا يَحْيَى، أنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا ابن جُرَيْج، أَخْبَرَنِي ابن شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ هذا الحديث ذكره البخاري هنا، وفي الطلاق (١) والاعتصام (٢)، والتفسير في سورة النور مطولا ومختصرا (٣)، ويحيى هذا قال الجياني: نسبه ابن السكن فقال: يحيى بن موسى خت، وقيل: هو يحيى بن جعفر بن أعين البيكندي (٤)، وقد روى عنهما البخاري في "صحيحه" عن عبد الرزاق (٥)، والقضاء جائز في المسجد عند عامة

стр. 2842

العلماء، وقال مالك: جلوس القاضي في المسجد للقضاء من الأمر القديم المعمول به (١)، وقال ابن حبيب: وكان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد خارجا وقال أشهب: لا بأس أن يقضي في بيته أو حيث أحب (٢)، واستحب بعضهم الرحاب وفي "المعونة": الأولى أن يقضي في المسجد (٣)، وكان شريح وابن أبي ليلى يقضيان فيه (٤)، وروي عن سعيد بن المسيب كراهية ذلك، قال: لو كان لي من الأمر شيء ما تركت اثنين يختصمان في المسجد، وعن الشافعي كراهته في المسجد (٥)، إذا أعده لذلك دون ما إذا أنفقت له حكومة فيه، أو في حديث: "جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم" ولا يعترض على هذا باللعان؛ لأنها أيمان، ويراد بها الترهيب؛ ليرجع المبطل، وقد ترجم كتاب: الأحكام باب: من قضى ولاعن في المسجد (٦)، وفيه زيادة على ما في هذا الحديث كما ستعلمه هناك، إن شاء الله، وفيه أن اللعان يكون في المساجد، ويحضره العلماء أو من استخلفه الحاكم، فإن أيمان اللعان تكون في الجوامع؛ لأنها مقاطع الحقوق.

стр. 2843

٤٥ - باب إِذَا دَخَلَ بَيْتًا يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ، أَوْ حَيْثُ أُمِرَ، وَلَا يَتَجَسَّسُ . ٤٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ؟ ". قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [٤٢٥، ٦٦٧، ٦٨٦، ٨٣٨، ٨٤٠، ١١٨٦، ٤٠٠٩، ٤٠١٠، ٦٤٢٣، ٦٩٣٨ - مسلم: ٣٣ - فتح: ١/ ٥١٨] ساق فيه من حديث عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رسول الله ﷺ أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ؟ ". قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ثم قال:

стр. 2844

٤٦ - باب المَسَاجِدِ فِي البُيُوتِ وَصَلَّى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فِي مَسْجِدِهِ فِيْ دَارِهِ جَمَاعَةً. ٤٢٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بن الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ -وَهوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ-، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الوَادِي الذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَددْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ". قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُول اللهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ ". قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيتِ، فَقَامَ رَسُول اللهِ ﷺ فَكَبر، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سَلَّمَ. قَالَ: وَحَبَسْنَاة عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَة. قَالَ: فَثَابَ فِي البَيتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابن الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُلْ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ". قَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإنَّا نَرى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَة إِلَى الُمنَافِقِينَ. قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ؛ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ". قَالَ ابن شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ -وَهْوَ أَحَدٌ بَنِي سَالِمٍ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ- عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ. [انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٣٣ - فتح: ١/ ٥١٩]

стр. 2845

ثم ساق بإسناده حديث عتبان بن مالك المذكور مطولا من حديث ابن شهاب، عن محمود بن الربيع عنه. وهذا الحديث أخرجه البخاري مطولا ومختصرا في عدة مواضع فوق العشر: هنا، وفي الصلاة في باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله (١)، وفي باب إذا زار الإمام قوما فأمهم (٢)، وفي باب يسلم حين يسلم الإمام (٣)، وفي الباب بعده، من لم يرد السلام على الإمام، واكتفى بتسليم الصلاة (٤). وقال في باب صلاة الضحى في الحضر: قاله عتبان بن مالك عن النبي ﷺ (٥). وأتى به مطولا في باب صلاة: النوافل في جماعة (٦). وفي المغازي في غير موضع، منها في باب غزوة بدر؛ لشهوده بدرًا، وهو أنصاري (٧) كما ساقه أيضًا (٨). وفي الأطعمة (٩) والصُّلح (١٠) والرقاق (١١) واستتابة المرتدين (١٢).

стр. 2846

وأخرجه مسلم في الصلاة (١)، وبعضه في الإيمان من طريق أنس بن مالك عن عتبان (٢)، ومن طريق ثابت، عن أنس، عن محمود بن الربيع، عن عتبان، فلقيت عتبان فحدثني به (٣). إذا عرفت ذلك؛ فالكلام عليه من وجوه. أحدها: (عتبان) -بكسر العين، ويجوز ضمها- ابن مالك بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج السالمي، شهد بدرا، وقيل: ابن مالك بن ثعلبة بن العجلان بن عمرو بن العجلان بن زيد بن سالم، مات بالمدينة، في وسط خلافة معاوية (٤). الثاني: تبويب البخاري: (إذا دخل بيتا يصلي)، كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: أيصلي بالهمز، وكأنه أحسن؛ لأنه ليس في الحديث أنه يصلي حيث شاء، وإنما فيه أنه صلى حيث أراد عتبان، ويؤيده كما قال ابن بطال وابن التين قوله بعد: (ولا يتجسس)، فكأنه قال: إذا دخل بيتا هل يصلي حيث شاء، أو حيث أمر؛ لأنه ﷺ استأذنه في موضع الصلاة، ولم يصل حيث شاء (٥).

стр. 2847

ويحتمل أن يكون أراد به ما في الحديث في الباب بعده من ذكرهم لمالك بن الدخشن وأنه منافق، ورد الشارع عليهم ذلك بقوله: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله". والتجسس: التفتيش عن بواطن الأمور، والبحث عن العورات. الثالث: قوله أنه ﷺ أتاه في منزله: منزله في بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، كما قاله ابن سعد (١). الرابع: قوله: ("أين تحب أن أصلي لك من بيتك؟ " قال: فأشرت له إلى مكان). فيه: إباحة المساجد في البيوت، فإنه لا يخرجه عن ملك صاحبه، والتبرك بمصلى الصالحين، ومساجد الفاضلين، وأن من دعي من الصالحين إلى شيء يتبرك به منه فله أن يجيب إذا أمن الفتنة من العجب (٢). فيه: الائتمام في النافلة، وأن صلاة النهار مثنى؛ لقوله: فصلى ركعتين. قال ابن حبيب: لا بأس أن يقيم النفر النافلة في صلاة الضحى وغيرها، كالرجلين والثلاثة، وإما أن يكون مشتهرا جدًّا،

стр. 2848

ويجتمع له الناس فلا، إلا أن يكون في قيام رمضان؛ لما في ذلك من سنة الصحابة. وقال ابن قدامة (١): يجوز التطوع في جماعة؛ لأنه ﷺ صلى بحذيفة مرة (٢)، وبابن عباس مرة (٣)، وبأنس وأمه واليتيم (٤)، وأم في بيت عتبان مرة (٥)، وفي ليالي رمضان ثلاثا (٦). السادس: قوله: (أنه أتى رسول الله). وجاء في بعض طرقه: أنه لقيه (٧)، وفي أخرى: أنه بعث إليه (٨) فيجوز أنه بعث إليه أولًا ثم توجه إليه فلقيه. وقوله: (أنكرت بصري)، وفي رواية: أنه عمي (٩)، وفي أخرى: ضرير البصر (١٠)، وفي أخرى: أصابني في بصري بعض الشيء (١١)، فيجوز أن يكون أراد بالإنكار والإصابة العمى، وهو ذهاب البصر

стр. 2849

كله، ويجوز أن يكون ذهب معظمه، وسماه عمى لقربه منه، ومشاركته إياه في فوات بعض كان حاصلا حال السلامة. السابع: قوله: (فقمنا فصففنا) في الحديث أن الصديق جاء مع النبي ﷺ . والظاهر أنه صلى خلفه هو وعتبان، وفي الطبراني أن عمر جاء أيضا معه (١)، وفي أخرى: فأتاني رسول الله ﷺ ، ومن شاء من أصحابه (٢). وظاهر قوله: (فصففنا) تقدم الإمام عليهما، وهو مذهب الجمهور (٣)، وخالف ابن مسعود فقال: يقف بينهما (٤). الثامن: قوله: (لم أستطع أن آتي مسجدهم) كذا جاء في "الصحيح"، وفي الطبراني من طريق أبي بكر بن أنس بن مالك: إني لا أستطيع أن أصلي معك في مسجدك (٥). ولا تنافي بينهما، وصلاته في نفله؛ للتبرك كما سلف، وليتحقق عذره، وإن مثله لا يقدر على الوصول لعماه والسيول؛ فأبيح له التخلف عن الجماعة.

стр. 2850

قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: ترك السنن للمشقة رخصة، ومن شاء أن يأخذ بالشدة أخذ كما خرج الشارع مهادى بين رجلين للصلاة (١). التاسع: قوله: (وودِدت). هو بكسر الدال، وحكى القزاز عن الكسائي فتحها، وانفرد بها، ومعناه: تمنيت (٢). وقوله: "سأفعل إن شاء الله". فيه: التبرك بذلك للآية. وفيه: إجابة الفاضل دعوة المفضول. وفيه: الوفاء بالوعد، وإكرامه بالطعام وشبهه، واستصحاب الإمام والعالم، ونحوهما بعض أصحابه لمن يعلم أنه لا يكره ذلك. العاشر: قوله: (فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له) فيه: الاستئذان على الرجل في منزله، وإن كان صاحبه قد تقدم منه استدعاء. الحادي عشر: قوله: (فلم يجلس حتى دخل البيت) كذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها: (حين) (٣)؛ وكلاهما صحيح، كما قال القاضي: وصوب

стр. 2851

بعضهم الثاني، قال عياض: بل الصواب الأول كما ثبت في الروايات، ومعناه: لم يجلس في الدار ولا غيرها حتى دخل البيت، مبادرًا إلى قضاء حاجتي التي طلبتها، وجاء بسببها وهي الصلاة في بيتي (١). وهذا خلاف ما فعل في حديث أم سليم (٢)؛ حيث صلى بعد الأكل؛ لأنه دعي إلى الطعام هناك فبادر به، وهنا إلى الصلاة فبدأ في كل منهما بما دعي إليه. الثاني عشر: الخزيرة -بخاء معجمة، ثم زاي ثم مثناة تحت، ثم راء ثم هاء- وفي موضع آخر خزير بحذفها، قال ابن سيده: هي اللحم الغابَّ (٣) يؤخذ فيقطع صغارا ثم يطبخ بالماء والملح، فإذا أميت طبخا ذر عليه الدقيق، يعصد به، ثم أدم بأي إدام شِيء، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم، وقيل: الخزير: مرقة تصفي بلالة النخالة ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة، والخزير: الحساء من الدسم والدقيق (٤). وقال في "المخصص ": يكون ماء اللحم كثيرًا، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة (٥). وعن الفارسي: أكثر هذا الباب على فعيلة؛ لأنه في معنى مفعول، وفي "التهذيب": عن أبي الهيثم: إذا كانت من دقيق فهي حريرة، وإن

стр. 2852

كانت من نخالة فهي خزيرة (١). وفي "الجمهرة" الخزير: دقيق يلبك بشحم، كانت العرب تعير بني مجاشع بأكله، قال: والخزيرة السخينة (٢). وفي "صحيح البخاري": قال النضر: الخزيرة من النخالة، والحريرة -بالحاء المهملة- من اللبن (٣). الثالث عشر: قوله: (فثاب في البيت رجال من أهل الدار). هو بثاء مثلثة، ثم ألف، ثم باء موحدة، أي: اجتمعوا وجاءوا، قاله عياض (٤)، وقال ابن سيده: ثاب الشيء ثوبا، و (ثُوبًا) (٥): رجع، وثاب جسمه ثوبانا: أقبل (٦). والمراد بالدار: المحلة والقبيلة، وإنما جاءوا لقدوم النبي ﷺ عليهم. الرابع عشر: مالك بن الدُّخَيْش، أو ابن الدخشن: هو بخاء وشين معجمتين، وهو مالك بن الدخشم، بضم الدال والشين، ويقال: بالنون. ويقال: دخشن بكسر الدال والشين، ويقال مصغرًا، كما في "الكتاب"، ولم يختلف في شهوده بدرًا كما قاله أبو عمر وغيره (٧).

стр. 2853

واختلف في شهوده العقبة، وهو الذي أسر يوم بدر سهيل بن عمرو، وقوله (فقال بعضهم: ذلك منافق). ذكر أبو عمر أن قائله عتبان بن مالك (١)، لكن قد نص الشارع على إيمانه باطنًا، وبراءته من النفاق بهذا الحديث، وروي قتادة عن أنس قال: ذكر مالك بن الدخشم عند رسول الله ﷺ فقال: "لا تسبوا أصحابي" (٢). قال ابن عبد البر: ولا يصح عنه النفاق، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه (٣). الخامس عشر: قوله: ("قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله") وفي آخره .. "فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". فيه: رد على غلاة المرجئة القائلين بأنه يكفي في الإيمان النطق فقط من غير اعتقاد. فإن قلت: كيف يجمع بين قوله: "حرم على النار"، وبين تعذيب الموحدين. فالجواب أنه قد ذكر في هذا الحديث عن الزهري أنه قال: نزلت بعد ذلك فرائض وأمور يرى أن الأمر انتهى إليها، كما أخرجه

стр. 2854

مسلم (١)، وعند الطبراني أنه من كلام (عتبان) (٢). واعترض ابن الجوزي وقال: إنه لا يشفي؛ لأن الصلوات الخمس فرضت بمكة قبل هذِه القضية بمدة. وظاهر الحديث يقتضي أن مجرد القول يرفع العذاب ولو ترك الصلاة، وإنما الجواب أن من قالها مخلصا فإنه لا يترك العمل بالفرائض، إذ إخلاص القول حامل على رد اللازم أو أنه يحرم عليه خلوده فيها. وقال ابن التين: معناه إذا غفر له ويقبل منه، أو يكون أراد نار الكافرين؛ فإنها محرمة على المؤمنين، فإنها كما قال الداودي: سبعة أدراك، والمنافقون في الدرك الأسفل مع إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه. السادس عشر: قوله: (سألت الحصين بن محمد) زعم القابسي وغيره أنه بضاد معجمة، ووهم، فإنه لا يعرف بذلك إلا حضين بن المنذر (٣)، ومن

стр. 2855

عداه بالمهملة، وحصين (١) هذا ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٢)، وروى له البخاري ومسلم، وأما ذاك فروى له مسلم. السابع عشر: قوله: (وهو من سراتهم) أي: رفعائهم، وهو بفتح السين (٣). الثامن عشر: في فوائد الحديث متفرقة غير ما سلف. فيه: جواز الكلام بحضرة المصلين ما لم يشغلهم، وأنه لا بأس بالصلاة في موضع معين، والنهي عن إيطان موضع من المسجد يحمل على الرياء والسمعة. وفيه: الرد على من قال: إذا زار قوما فلا يؤمهم، وقد ترجم البخاري عليه كما أسلفناه: إذا زار الإمام قومًا فأمهم، ولا بأس بإمامة الزائر بإذن رَبِّ المنزل عند أكثر أهل العلم فيما حكاه أبو البركات بن تيمية (٤). قال ابن بطال هناك: وفيه رد لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من زار قوما فلا يؤمهم" رواه وكيع عن أبان بن يزيد العطار، عن بديل بن

стр. 2856

ميسرة، عن أبي عطية (١)، (عن) (٢) رجل منهم قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا في مصلانا هذا؛ فحضرت الصلاة فقلنا له: تقدم، فقال: لا، ليتقدم بعضكم حتى أحدثكم لما لا أتقدم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم" (٣)، وهذا إسناده ليس بقائم، أبو عطية مجهول، يرويه عن مجهول، وصلاته ﷺ في بيت عتبان مخالف له. قلت: الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه (٤) والترمذي، وقال: حسن، وأسقط أبو داود والترمذي وابن ماجه الرجل، وقالوا: عن

стр. 2857

أبي عطية، قال: كان مالك .. الحديث (١). ويمكن الجمع بينهما بأن ذلك على الإعلام بأن صاحب الدار أولى بالإمامة إلا أن يشاء رب الدار، فيقدم من هو أفضل منه استحبابا، بدليل تقديم عتبان في بيته الشارع. وقد قال مالك: يستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه من هو أفضل منه أن يقدمه للصلاة، ولا خلاف عند العلماء أن صاحب الدار أولى منه، وقد روي عن أبي موسى أنه أَمَّ ابن مسعود وحذيفة في داره (٢)، وفعله ابن عمر بمولى فصلى خلفه (٣). وقال عطاء: صاحب الدار يؤم من جاءه (٤). وهو قول مالك والشافعي (٥). قال ابن بطال: ولم أجد فيه خلافا (٦). وفيه: أيضا جواز إمامة الزائر المزور برضاه، وإن من عيب بما يظهر منه لا يكون عيبه. وقد أسلفنا أن من تراجم البخاري على هذا الحديث باب من لم يرد السلام على الإمام، واكتفى بتسليم الصلاة. قال ابن بطال: أظن أن البخاري أراد بهذا الباب الرد على من أوجب التسليمة الثانية، ولا أعلم قال ذلك إلا الحسن بن صالح، وحكى الأصيلي في "الدلائل" أنه قول أحمد بن حنبل (٧).

стр. 2858

قال ابن المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة (١). وقال مالك في "المجموعة" كما يدخل في الصلاة بتكبيرة واحدة كذلك يخرج منها بتسليمة واحدة، وعلى ذلك كان الأمر في القديم، وإنما حديث تسليمتان مذ كان بنو هاشم (٢). قال ابن بطال: ووجه الدلالة من حديث عتبان أنه قال: (وسلمنا حين سلم) فإنه يقتضي أقل ما يقع عليه اسم سلام، وذلك تسليمة واحدة، وممن كان لا يرد على الإمام؛ روى جرير بن حازم، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا سلم الإمام قال: السلام عليكم، لم يزد عليها إلا أن يسلم أحد على يمينه وشماله يرد عليه. أخرجه حماد بن سلمة في "مصنفه" (٣). وقال ابن المنذر: قال عمار بن أبي عمار كان مسجد المهاجرين يسلمون تسليمة واحدة، وكان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين (٤)؛ فالمهاجرون لم يكونوا يردون على الإمام. وفيها قول بأن روى النخعي قال: لا أعلم عليه بأسا إن رد وإن لم يرد (٥). وممن كان يرى أن يرد على الإمام، ذكر ابن أبي شيبة عن ابن عمر

стр. 2859

أنه كان يرد السلام (١)، وهو قول الشعبي (٢)، وسالم (٣)، وسعيد بن المسيب (٤)، وعطاء (٥). وقال مالك في "المدونة": يسلم المأموم عن يمينه، ثم يرد على الإمام فإن كان عن يساره أحد رد عليه (٦). وقد كان من قول مالك في المأموم يسلم عن يمينه، ثم عن يساره، ثم يرد على الإمام. ومن قال بالرد على الإمام تأول في ذلك أن الإمام سلم عليهم، فلزمهم الرد عليه، كسائر السلام. ومن قال بالتسليمتين من أهل الكوفة يجعلون التسليمة الثانية ردا على الإمام وهو عندهم سنة، والأولى هي الفريضة التي بها يخرج من الصلاة (٧). وفيه أيضًا: التنبيه على أهل الفسق والنفاق عند السلطان، وأن السلطان يجب أن يستثبت في أمر من يذكر عنده بفسق ويوجه له أجمل الوجوه، وأن الجماعة إذا اجتمعت للصلاة، وغاب أحد منهم أن يسألوا عنه، فإن كان له عذر، وإلا ظن به السوء، وهو مفسر إلى قوله: "لقد هممت أن آمر بالصلاة .. " الحديث (٨).

стр. 2860

٤٧ - باب التَّيَمُّنِ فِي دُخُولِ المَسْجِدِ وَغَيِرْهِ وَكَانَ ابن عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ اليُسْرى. ٤٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأشعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ. [انظر: ١٦٨ - مسلم: ٢٦٨ - فتح: ١/ ٥٢٣] ثم ساق حديث عائشة ﵂: كَانَ النَبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ. وهذا الحديث سلف الكلام عليه في الطهارة (١).

стр. 2861

٤٨ - باب هَل تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ ؟ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". [انظر ٤٣٥] وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي القُبُورِ. وَرَأى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: القَبْرَ القَبْرَ. وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ. ٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالَحْبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ". [٤٣٤، ١٣٤١ - مسلم ٥٢٨ - فتح: ١/ ٥٢٣] ٤٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الَمدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الَمدِينَةِ، فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكرٍ رِدْفُهُ، وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى ألقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وُيصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الَمسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذا". قَالُوا: لَا والله، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ. فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، قُبُورُ الُمشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورِ الُمشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخرِبِ فَسُوِّيتْ، وِبالنَّخلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الَمسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الِحجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ معَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 2862

"اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالُمْهَاجِرَهْ". [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ١/ ٥٢٤] أما ما ترجمه أولا من نبش قبورهم واتخاذ مكانها مسجدا، فحديث أنس مطابق له الذي ذكره بعد حيث أمر بقبور المشركين فنبشت وجعل مكانها المسجد (١). وأما ما ترجمه ثانيا من قوله: (وما يكره من الصلاة في القبور) فحديث عائشة عن أم سلمة وأم حبيبة (٢)، مطابق له (٣). وحديث: "لعن الله اليهود" سيأتي مسندًا في الجنائز (٤) وآخر المغازي (٥) من حديث عائشة، وأن ذلك كان في مرضه الذي لم يقم منه، ويأتي قريبًا في باب بعد الصلاة في البيعة من حديثها وابن عباس (٦)، وذلك آخر ما تكلم به: "قاتل الله اليهود .. " إلى آخره (٧). وذكره قريبا من حديث أبي هريرة: "قاتل الله اليهود .. " إلى آخره (٨).

стр. 2863

وأخرجه من حديث زيد بن ثابت موفرعًا: "لعن الله اليهود .. " إلى آخره. وهو يوافق رواية البخاري إذ فيها ذكر اليهود خاصة، وذكر شيخنا قطب الدين في "شرحه" أن بعض الفضلاء في الدرس قال: إن وجه المناسبة بين قوله: هل تنبش قبور المشركين ويتخذ مكانها مسجدا، وبين قوله: "لعن الله اليهود"، وأن البخاري أراد بقوله: (هل تنبش؟) الاستفهام ثم ذكر حديث أنس بعده، فكأنه قال: وهل يتخذ مكانها مسجدا؟ لقوله: "لعن الله اليهود"، فيكون التعليل لقوله؟ (ويتخذ مكانها مسجدًا). ثم قال البخاري: وَرَأى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: القَبْرَ القَبْرَ. وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ. وهذا الأثر رواه وكيع بن الجراح في "مصنفه" -فيما حكاه ابن

стр. 2864

حزم- عن سفيان بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: رآني عمر أصلي إلى قبر فنهاني، وقال: القبر أمامك. قال: وعن معمر، عن ثابت، عن أنس قال: رآني عمر أصلي عند قبر فقال لي: القبر لا تصل إليه، قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي فيتنحى عن القبور (١). ورواه أبو نعيم في كتاب الصلاة عن حريث بن السائب قال: سمعت الحسن يقول: بينما أنس يصلي إلى قبر فناداه عمر: القبر! القبر! فظن أنه يعني القمر، فلما رأى أنه يعني القبر تقدم وصلى وجاز القبرَ، وسيأتي الكلام على الصلاة في المقابر، حيث ذكره المصنف قريبًا. ولما لم يأمر أنسا بالإعادة دل على الإجزاء، وإليه ذهب جمع فقالوا: النهي محمول على الكراهة بدليل قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورًا" (٢) وقيل: يحمل النهي على مقابر المشركين؛ لأنها حفرة من حفر النار، وقد صلى الشارع على قبر سوداء. ثم ذكر البخاري بعد ذلك حديث عائشة وأنس. أما حديث عائشة فأسنده عن مُحَمَّدِ بْنِ المُثَنّى، ثنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ؛ أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ".

стр. 2865

والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه أيضا في هجرة الحبشة، بالسند والمتن (١)، وفي الصلاة في البيعة، كما ستعلمه قريبا، وأنه يقال للكنيسة: (مارية) (٢) (٣)، وأخرجه مسلم في الصلاة (٤). ويحيى هو ابن سعيد القطان، وتابعه وكيع وجماعات (٥)، وممن رواه عن يحيى أحمد (٦). ثانيها: اسم أم حبيبة رملة، وأم سلمة هند على المشهور فيهما، وقيل: اسم أم سلمة: رملة أيضًا. ثالثها: (المسجد) بفتح الجيم وكسرها: الموضع الذي يسجد فيه، وقيل: بالفتح: موضع السجود، وبالكسر المكان، وقيل: بالفتح مطلقا (٧). و (الكنيسة): متعبد النصارى، وقد سلف أن اسمها مارية. و (المارية) بتخفيف الياء: البقرة، وبتشديدها: الملساء (٨).

стр. 2866

رابعها: فيه: دلالة على تحريم تصوير الحيوان خصوصا الآدمي الصالح، ومن حمل النهي على المسجد (١) القائم، أو على التنزيه فهو غالط، كما أوضحته في "شرح العمدة" (٢)، وإنما صور أولئك ليتذكروا أفعالهم لهم إذا رأوهم فخلف من بعدهم خلف جهلوا ذلك فعظموها، فحذر الشارع عن مثل ذلك سدًّا للذرائع في غيره. خامسها: فيه: أيضا منع بناء المساجد على القبور ومقتضاه التحريم، كيف ثبت اللعن عليه، وقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (٣)، استجاب الله دعاءه فله الحمد والمنة، وأما الشافعي والأصحاب

стр. 2867

فصرحوا بالكراهة (١)، قال البندنيجي: والمراد أن يسوى القبر مسجدًا فيصلى فوقه. وقال: إنه يكره أن يبني عنده مسجدا فيصلى فيه إلى القبر؛ لقوله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" أخرجه مسلم (٢). قال ابن القاسم: وكره مالك المساجد المتخذة على القبور، وأما مقبرة داثرة بني فيها مسجد يصلى فيه فلم أر به بأسا؛ لأن المقابر وقف، وكذا المسجد فمعناهما واحد (٣). سادسها: قوله: ("وصوروا فيه تيك الصور") هو بالياء في تيك اسم يشار به إلى المؤنث مثل ذا للمذكر. وقوله: ("شرار الخلق") هو جمع شر مثل بحر وبحار، أما أشرار فقال يونس: واحدها شر أيضا مثل: زند وأزناد، وقال الأخفش: شرير، يتيم وأيتام (٤). وأما حديث أنس فاسنده عن مُسَدَّدٍ، ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى المَدِينَةِ، فِي حَيٍّ .. الحديث بطوله.

стр. 2868

والكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في باب الهجرة (١) والوصايا في موضعين منه (٢)، والحج (٣)، والبيوع في باب صاحب السلعة أحق بها (٤)، والوقف (٥). وأخرجه مسلم في الصلاة (٦)، ووقع في "أطراف المزي" عن خلف أن مسلما رواه أيضا في الهجرة عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، وصوابه: البخاري (٧). ثانيها: قوله: (قدم النبي ﷺ المدينة). اختلف الناس في وقت قدومه ﷺ المدينة، فذكر ابن إسحاق وغيره أنه خرج إلى المدينة لإهلال ربيع الأول، وقدم المدينة لثنتي عشرة ليلة مضت منه. وقال عبد الرحمن بن المغيرة: قدمها يوم الإثنين لثمان خلون منه.

стр. 2869

وقال ابن الكلبي: خرج من الغار ليلة الإثنين أول يوم من ربيع الأول، وقدم المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة مضت منه (١) وقيل: قدمها لليلتين خلتا من ربيع الأول حكاه ابن الجوزي. وقال الحاكم في "الإكليل": تواترت الأخبار بوروده ﷺ قباء يوم الإثنين لثمان خلون من ربيع الأول، وفي "طبقات ابن سعد": أنه ﷺ خرج من الغار ليلة الإثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فقال يوم الثلاثاء بقديد، وقدم على بني عمرو بن عوف لليليتين خلتا من ربيع الأول -ويقال: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه- فنزل على قيس كلثوم (٢) الهدم -وهو الثبت عندنا- ولكنه كان يتحدث مع أصحابه في منزل سعد بن خيثمة، وكان يسمى منزل العزاب، فلذلك قيل: نزل على سعد بن خيثمة (٣). قالوا: وأقام ببني عمرو بن عوف يوم الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وخرج يوم الجمعة فجمع -يعني: ببني سالم- ومعه مائة، وهو على القصواء، لا يمر بدار من دور الأنصار إلا قالوا: هلم يا نبي الله إلى القوة والمنعة والثروة، فيقول له خيرا، ويدعو لهم، ويقول: "إنها مأمورة فخلوا سبيلها"، فلما بركت عند مسجده جعل الناس يكلمونه في النزول عليهم (٤). وجاء أبو أيوب فحط رحله، فأدخله منزله، قال ﷺ : "المرء مع

стр. 2870

رحله". وجاءه أسعد بن زرارة، فأخذ بزمام راحلته فكانت عنده، وهذا الثبت (١). وأقام بمنزل أبي أيوب سبعة أشهر، وكان موضع المسجد إذ ذاك يصلي فيه رجال من المسلمين، فدعا رسول الله ﷺ باليتيمين فساومهما بالمربد، ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك (٢). وفي "المغازي" لأبي معشر: وشراه أبو أيوب منهما، وأعطاه رسول الله فبناه مسجدا، وفي "الإكليل" للحاكم: لما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوارٍ من بني النجار يضربن بالدفوف، وهن يقلن: نحن جوارمن بني النجار … يا حبذا محمدًا (٣) من جار فقال لهن: "أتحبنَّني؟ " فقلن: نعم يا رسول الله، فقال: "وأنا والله أحبكن" قالها ثلاثا (٤). وأغرب البرقي فقال: قدمها ليلًا (٥).

стр. 2871

ثالثها: قوله: (فنزل أعلى المدينة، في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف)، علو المدينة ما كان من جهة نجد. و (بنو عمرو بن عوف) هم بنو عَمرو بن عوف بن مالك بن أوس أخي الخزرج ابني حارثة، وهم أهل قباء، فنزل على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكان شيخًا كبيرًا، أسلم قبل وصوله ﷺ المدينة. وقيل: بل نزل على سعد بن خيثمة، أبي خيثمة الأوسي، والصحيح أنه نزل على كلثوم، وقد أسلفنا الخلاف المذكور أيضًا. وفي "المغازي" لموسى بن عقبة: قدم بني عمرو بن عوف يوم الإثنين هلال شهر ربيع الأول فمكث فيهم ثلاث ليال، ويقول بعض الناس: بل مكث أكثر من ذلك، واتخذ فيهم مسجدًا، وهو الذي ذكر في القرآن أنه أسس على التقوى. رابعها: قوله: (فأقام فيهم أربع عشرة ليلة) كذا ثبت في الصحيحين (١)، وقد سلف من كلام ابن سعد أنه أقام أربعا معينة (٢)، وأنه جمع ببني سالم يوم الجمعة، وهي أول جمعة جمعت في الإسلام، وخطب بهم. خامسها: قوله: (ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف). النجار: اسم تيم اللات، وقيل له: النجار؛ لأنه اختتن بقدوم، أو ضرب

стр. 2872

رجلًا بقدوم، أو فجرحه رجل بقدوم، وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج (١). و (بنو النجار) قبيلة كبيرة من الخزرج، وإنما طلبهم؛ لأنهم كانوا أخواله؛ لأن هاشما جده تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب جد رسول الله ﷺ (٢). سادسها: قوله: (وأبو بكر ردفه) هو بكسر الراء، وكان لأبي بكر ناقة فلعله تركها في بني عمرو بن عوف لمرض وغيره، ويجوز أن يكون ردها إلى مكة ليحمل عليها أهله، وعندي أنه يجوز أن تكون موجودة، وتركها لشرف الإرداف خلفه ﷺ ؛ لأنه تابعه والخليفة بعده. وقوله: (بفناء أبي أيوب) الفناء: بكسر الفاء: المتسع أمام الدار، وروى ابن عساكر في "كتابه" في ترجمة تبع: أن تبع بن حسان الحميري لما قدم مكة وكسا الكعبة، وخرج إلى يثرب، وكان في مائة ألف وثلاثين ألفا من الفرسان، ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرجالة، ولما نزلها أجمع أربعمائة رجل من الحكماء العلماء، وتبايعوا أن لا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في مقامهم؛ فقالوا: إن شرف البيت، وشرف هذِه البلدة بهذا الرجل الذي يخرج يقال له: محمد ﷺ ، فأراد تبع أن يقيم، وأمر ببناء أربعمائة دار لكل رجل من الحكماء المذكورين دار، واشترى لكل منهم جارية وأعتقها،

стр. 2873

وزوجها منه، وأعطاهم عطاءً جزيلا، وأمرهم بالإقامة إلى وقت خروجه، وكتب كتابا، وختمه بالذهب، ودفع الكتاب إلى عالم عظيم فصيح كان معه يدبره، وأمره أن يدفع الكتاب لمحمد ﷺ إن أدركه وإلا من أدركه من ولده وولد ولده أمدًا إلى حين خروجه، وكان في الكتاب أنه آمن به وعلى دينه، وخرج تبع من يثرب فمات في بلافي الهند، ومن موته إلى مولد نبينا ﷺ ألف سنة سواء، والذين نصروه ﷺ من أولاد أولئك الأربعمائة، وفي رواية: أنهم كانوا الأوس والخزرج (١). وذكر القصة أيضا ابن إسحاق في كتاب "المبتدأ وقصص الأنبياء ﵈" أنه بنى للنبي ﷺ دارا ينزلها إذا قدم المدينة الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، ولما خرج النبي ﷺ أرسلوا إليه كتاب تبع مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "أنت أبو ليلى؟ " -ومعه كتاب تبع الأول- فبقي أبو ليلى متفكرًا، ولم يعرف رسول الله فقال: من أنت؟ فإني لم أر في وجهك أثر السحر، وتوهم أنه ساحر، فقال: "أنا محمد"، هات الكتاب، فلما قرأه قال: "مرحبا بتبع الأخ الصالح"، ثلاث مرات، وفي "سير ابن إسحاق" اسمه تباب أسعد أبو كرب، وهو الذي كسا البيت الحرام (٢). وفي "نقائس الجوهر في أنساب حمير": كان يدين بالزبور، وذكر ابن أبي الدنيا أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام فوجد فيه امرأتان عند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: هذا قبر

стр. 2874

حُبَّى ولميس -وروي: حُبَّى وتماضر- ابنتي تبع، (ماتتا) (١) وهما يشهدان أن لا إله إلا الله، ولا يشركان به شيئا، وعلئ ذلك مات الصالحون قبلهما. وفي "معجم الطبراني" مرفوعا: "لا تسبوا تبعا" (٢)، وذكر السهيلي: أن دار أبي أيوب هذِه صارت بعده إلى أفلح مولى أبي أيوب، واشتراه منه بعدما خرب المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار، بعد حيلة احتالها عليه المغيرة فأصلحه المغيرة، وتصدق به على أهل بيت فقراء بالمدينة (٣). سابعها: قوله: (ويصلي في مرابض الغنم). فيه إباحة ذلك، وقد عقد له البخاري قريبا بابا، ويأتي إيضاحه إن شاء الله (٤).

стр. 2875

ثامنها: قوله: ("ثامنوني بحائطكم") أي: قدروا ثمنه لأشتريه منكم، وبايعوني فيه. وفيه: أن رب السلعة أولى بالسوم كما ترجم له البخاري فيما نبهنا عليه، وأن البائع أولى بتسمية الثمن الذي يطلبه. و (الحائط): البستان المحوط، ويؤيده قوله بعد ذلك: (وفيه نخل) وجاء في رواية: (أنه كان مربدًا للتمر) (١)، وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف، وقد جاء أن بعضه كان كذا، وبعضه كان كذا، فلا اختلاف إذن. تاسعها: قوله: (لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله)، وفي رواية الإسماعيلي: (إلا من الله). وهذا نص على أنهم لم يأخذوا له ثمنا، وإنما وهبوه له ﷺ ، وقد أسلفنا فيما مضى أنه اشتراه منهما بعشرة دنانير، وفي "طبقات ابن سعد" أنه اشتراه من بني عفراء بذلك (٢)، فإن صح فلم يقبله إلا بالثمن؛ لأنه كان ليتيمين، وهما سهل وسهيل أبناء رافع بن عمرو بن أبي عمرو من بني النجار، كانا في حجر أسعد بن زرارة، وقيل: معاذ بن عفراء، وقال معاذ: يا رسول الله، أنا أرضيهما فاتخذه مسجدًا.
следующие страницы →