← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

ثانيها: يتعلق بأولئك القوم إذ بارزوا ربهم بالكفر والعناد. ثالثها: يتعلق بالمار عليهم إذ لأنه وفق للإيمان قبل الوجود. ومن الأول: خوف تقليبه القلوب فربما جعل مآل المؤمن إلى الكفر، ومنه: إمهال الكفار على كفرهم مدة، ومنه: شدة نقمته، وقوة عذابه، ومن الثاني: إهمالهم إعمال العقول في طاعة الخالق ومبارزتهم بالعناد والمخالفة -كما مرَّ- وفوات أمرهم حتى لا وجه للاستدراك حتى إن لعنتهم وعقوبتهم أثرت في المكان والماء فقال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم"، وأن يهريقوا ما استقوا من ماء ثمود، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. ومن الثالث: توفيقه للإيمان -كما مرَّ- واعتباره بالجنس وتمكنه من الاستدراك، ومسامحته في الزلل إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب البكاء؛ نبه على ذلك ابن الجوزي، فمن مر على مثل أولئك، ولم يتفكر فيما يوجب البكاء شابههم في إهمالهم التفكر فلم يؤمن عليه نزول العقاب. رابعها: قوله: "لا يصيبكم ما أصابهم" وفي رواية أخرى: "أن يصيبكم" (١) بفتح الهمزة. وفيه: إضمار تقديره حذرًا أن يصيبكم أو خشية أن يصيبكم. وفيه: الحث على المراقبة عند المرور بديار الظالمين، ومواضعها، والإسراع فيها كما فعل ﷺ في وادي محسر؛ لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك.

стр. 2907

٥٤ - باب الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ التِي فِيهَا الصُّوَرَ. وَكَانَ ابن عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي البِيعَةِ إِلَّا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثيلُ. ٤٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَة، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الَحبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ -أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ- بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ". [انظر: ٤٢٧ - مسلم: ٥٢٨ - فتح: ١/ ٥٣١] أما أثر عمر فلا يحضرني من أسنده (١)، وإنما روى ابن أبي شيبة في "مصنفه"عن سهل بن سعد (٢)، عن حميد، عن بكر قال: كتب إليَّ عمر من نجران أنهم لم يجدوا مكانًا أنظف ولا أجود من بيعة، فكتب: انضحوها بماء وسدر وصلوا (٣). وأما أثر ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة من طريق خُصَيْف -وهو متكلم فيه- عن مقسم، عن ابن عباس أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تصاوير والبيعة للنصارى كالكنائس، وقيل: اليهود (٤).

стр. 2908

وعبارة "المحكم": البيعة -بكسر الباء: صومعة الراهب كنيسة النصارى (١). ثم ساق البخاري حديث عائشة، وفي آخره: "أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ". وقد سلف في باب نبش قبور مشركي الجاهلية بما فيه (٢)، وشيخ البخاري فيه: محمد بن سلام كما صرح به أبو نعيم وغيره. واختلف العلماء في الصلاة في البيع والكنائس، فكره عمر وابن عباس الصلاة فيها من أجل الصور (٣). وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: انضحوها بماء وسدر وصلوا (٤). كما سلف، وهو قول مالك، ذكره إسماعيل بن إسحاق عن مالك قال: أكره الصلاة في الكنائس، لما يصيب فيها أهلها من لحم الخنازير والخمور وقلة احتفاظهم من النجس إلا أن يضطر إلى ذلك من شدة طين أو مطر إلا أن يتيقن أنه لم يصبها نجس (٥)، وكره الصلاة فيها الحسن (٦). وأجاز الصلاة فيها النخعي (٧) والشعبي (٨) وعطاء (٩) وابن سيرين (١٠)،

стр. 2909

ورواية عن الحسن (١)، وهو قول الأوزاعي، وصلى أبو موسى الأشعري في كنيسة (يُحنَّا) (٢) بالشام (٣). قال المهلب: وهذا الباب غير معارض للباب السالف: من صلى وقدامه نار أو تنور، وهو قول عمر وابن عباس: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور، وإنما ذلك على الاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعو إليه، والاختيار أن لا يبتدى فيها الصلاة، ولا إلى شيء من معبودات الكفار، ألا ترى أنه ﵇ عينت له النار في صلاة الخسوف، ولم يبتد الصلاة إليها وتمت صلاته (٤).

стр. 2910

٥٥ - باب ٤٣٥، ٤٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسوُلِ اللهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهْوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصارى اتَخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. [١٣٣٠، ١٣٩٠، ٣٤٥٣، ٣٤٥٤، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٤٤٤٤، ٥٨١٥، ٥٨١٦ - مسلم: ٥٣١، ٥٢٩ - فتح: ١/ ٥٣٢] ٤٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". [مسلم: ٥٣٠ - فتح: ١/ ٥٣٢] لم يذكر له ترجمة، وهو نحو الباب قبله. ساق فيه حديث عائشة وابن عباس: لَمَّا نُزِل بِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةَ لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهْوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". وهذا الحديث يأتي إن شاء الله في ذكر بني إسرائيل (١)، واللباس (٢) والمغازي (٣)، وأخرجه مسلم هنا (٤).

стр. 2911

وقوله: (لما نزل) هو بضم النون وكسر الزاي قبل ملك الموت والملائكة الكرام. و (طفق) بكسر الفاء أفصح من فتحها، أي: جعل و (الخميصة) (١) سلف بيانها فيما مضى. ثم ساق البخاري حديث أبي هريرة مرفوعًا: "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ اتَخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". وقد أخرجه مسلم أيضا (٢)، وفي بعض الطرق عن مالك: "لعن الله اليهود والنصارى" (٣).

стр. 2912

٥٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا " ٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ -هُوَ أَبُو الَحكَمِ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الفَقِيرُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ". [انظر: ٣٣٥ - مسلم: ٥٢١ - فتح: ١/ ٥٣٣] ثم ساق حديث (جابر) (١): "أعطيت خمسًا". وقد سلف في التيمم واضحًا (٢). وهو دال على أن الأبواب السالفة الكراهة فيها ليس على المنع؛ لأن الأرض كلها مباحة الصلاة فيها بكونها له مسجدًا، قد دخل في عمومها الكنائس وغيرها مما سلف إذا كانت طاهرة، فالاختيار أن لا يبدأ بهذِه المواضع المكروهة إلا عن ضرورة فهو أخلص للصلاة، وأنزه لها من الخواطر.

стр. 2913

٥٧ - باب نَوْمِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَسْجِدِ ٤٣٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ وَليدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لَحِيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ -أَوْ وَقَعَ مِنْهَا- فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لْحَمًا فَخَطَفَتهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: والله إنِي لَقَائِمَة مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الُحدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قَالَتْ: فَقُلْتُ: هذا الذِي اَتَّهَمْتُمُونِي بِهِ -زَعَمْتُمْ- وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هوَ. قَالَتْ: فَجَاءَت إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَة: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الَمسْجِدِ -أَوْ حِفْشٌ- قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي -قَالَتْ- فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا إِلَّا قَالَتْ: وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هذا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بهذا الحَدِيثِ [٣٨٣٥ - فتح: ١/ ٥٣٣] ذكر فيه حديث عائشة أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا .. الحديث. وفي آخره: وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ تعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ نَجَّانِي وقد أخرجه في أيام الجاهلية أيضا (١).

стр. 2914

والكلام عليه من أوجه: أحدها: الوليدة: الطفلة، وقد يطلق على الجارية والأمة، وإن كانت كبيرة، قال في "المخصص": إذا ولد المولود فهو وليد ساعة ولده، والأنثى وليدة (١). وفي "المحكم": والجمع ولدان (٢). هذِه كانت امرأة كبيرة مسلمة كما ذكره في الحديث. ثانيها: (فخرجت صَبِيَّة) وفي رواية: (جويرية عليها وشاح أحمر من سيور) (٣) هو بكسر الواو يقال بالهمز على البدل؛ ينسج من أديم (عريض) (٤)، ويرصع بالجواهر تشده المرأة بين عاتقها، وكشحها قاله الجوهري (٥)، وعبارة "المحكم": هو كرسان من لؤلؤ وجوهر منظومان مخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر (٦). وقال في "المخصص" عن الفارسي: الوشاح من وسط إلى أسفل، قال: ولا يكون وشاحًا حتى يكون منظومًا بلؤلؤ، وودع (٧).

стр. 2915

وفي موضع من "المنتهى": وقالت امرأة من العرب: ويوم السخاب من تعاجيب ربنا … إلا إنه من بلدة السوء نجاني قال: وهي امرأة دخلت العراق فاتهمها قوم بعقد ذهب وأنكرت (١) هي، فبينا هم كذلك إذ مر طائر فألقاه. وقولها: (من سيور) هو جمع سير وهو الشراك يعد من الجلد. ثالثها: قولها: (فمرت حُدَيَّاة) هو تصغير حدَأَة كعنبة، والجماعة حِدَأ كعنب، وهو هذا الطائر المعروف، وجمعها: حِدائى، بالقصر (٢)، وقال الداودي: الحديا: الحدأة، قال ابن التين: والصحيح أنه تصغير حدأة، ولعل الكاتب صور الهمزة ألفا، وإن كان من حقها أن لا تصور ألفا؛ لأنها همزة مفتوحة، قبلها ساكن، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وإن كان سهل الهمز فحقه أن تكون حدية بغير ألف، قال: ورويناه بتشديد الياء، وإثبات الألف. رابعها: قوله: (فخطفته) هو بكسر الطاء، وفي أخرى فتحها. و (الخباء) بكسر الخاء والمد: من بيوت العرب يكون من وبر وصوف، قال أبو عبيد: ولا يكون من شعر فيما حكاه في "المخصص" عنه (٣).

стр. 2916

و (الحِفْشُ) بالحاء المهملة؛ قال أبو عبيد: هو البيت الصغير الرديء، وقيل: الخرب، وعن الشافعي: القريب السَّمْك يسمى به؛ لضيقه، والحفش الانضمام والاجتماع، وهو بفتح الحاء وكسرها، وإسكان الفاء وفتحها (١). قال في "المخصص": وهو من الشعر لا من الآجر (٢). و (التعاجيب) لا واحد لها، وهي الشيء العجيب. خامسها: في فوائده: فيه: أن من ليس له مسكن ولا مكان مبيت مباح؛ له المبيت في المسجد، واصطناع الخيمة وشبهها للمسكن، امرأة كانت أو رجلا. وفيه: أن السنة الخروج عن بلد جرت على الخارج منه فتنة أو ذلة إلى ما اتسع من أرض الله، فإن له في ذلك خيرة كما جرى لهذِه السوداء، أخرجتها فتنة الوشاح إلى بلاد الإسلام، ورؤية محمد سيد الأنام، قال تعالى ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وقد تمثلت بهذا المعنى في البيت الشعر الذي أنشدته، فجعلت المحنة والذلة في يوم الوشاح هما اللذين أنجياها من الكفر، إذ كانا سبب ذلك (٣).

стр. 2917

٥٨ - باب نَوْمِ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فكَانُوا فِي الصُّفَّةِ. [انظر: ٢٣٣] وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ الفُقَرَاءَ. ٤٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، أَنَّة كَانَ يَنَامُ وَهْوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَة فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ . [١٢١١، ١١٥٦، ٣٧٣٨، ٣٧٤٠، ٧٠١٥، ٧٠٢٨، ٧٠٣٠ - مسلم: ٢٤٧٩ - فتح ١/ ٥٣٥] ٤٤١ - حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بن أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي البَيْتِ، فَقَالَ: "أَيْنَ ابن عَمَّكِ؟ ". قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لإِنْسَانِ: "انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟ ". فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ فِي الَمسْجِدِ رَاقِدٌ. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: "قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ". [٣٧٠٣، ٦٢٠٤، ٦٢٨٠ - مسلم: ٢٤٠٩ - فتح: ١/ ٥٣٥] ٤٤٢ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابن فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَينِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرى عَوْرَتُهُ. [فتح: ١/ ٥٣٦] ذكر فيه حديثين معلقين، وثلاثة أحاديث مسندة فقال: وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَانُوا فِي الصُّفَّةِ.

стр. 2918

وهذا التعليق قد أسلفه مسندا في كتاب الطهارة (١)، وذكره في المحاربين أيضًا (٢). و (أبو قلابة) هو: عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي (٣). ثم قال: وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ الفُقَرَاءَ. وهذا مختصر من حديث يأتي -إن شاء الله- في الصلاة في باب السمر مع الأهل والضيف (٤). و (عبد الرحمن) هذا هو ابن الصديق ﵄. ثم ساق بإسناده عن ابن عمر: كَانَ يَنَامُ وَهْوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ . ويأتي -إن شاء الله- في صلاة الليل وغيره (٥).

стр. 2919

وقوله: (أعزب) هكذا في روايتنا، وفي أخرى: (عزب) (١)، ولعله أصوب، فقد أنكر الأولى القزاز في "جامعه" فقال: ولا يقال: أعزب، وهو من لا أهل له، ولا زوج لها، وخطأ الزجاج ثعلبًا في قوله: امرأة عزبة، وإنما هو عزب، ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ لأنه مصدر، وأجاب غيره: بأن من قاله بالهاء فعلى التشبيه بأسماء الصفات، وأصل هذِه المادة البعد (٢). وترجم البخاري أيضًا على هذا الحديث في أواخر الصلاة: باب فضل قيام الليل، وذكره مطولا، وفيه: وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فقصصتها

стр. 2920

على حفصة (١)، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ الحديث (٢). وجعله خلف من مسند ابن عمر، وجعل بعضه من مسند حفصة، وأورده الحميدي في مسند حفصة، وخالفه ابن عساكر فجعله من أجمع مسند ابن عمر (٣)، وإنما لم يعين من عرفهم من أهل النار لئلا يغتابهم إن كانوا مسلمين. وقوله فيه: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل" سببه أن الشارع نظر في حاله فلم يره يغفل شيئًا من الفرائض، وعلم مبيته في المسجد فذكره بذلك، فلو كان يقوم من الليل لم يعرض عليها، ولم يرها، ثم إنه من تلك الرؤيا لم ينم من الليل إلا قليلا. وقوله فيه: "لم ترع" أي: لا روع عليك، ولا ضرر، وفي "الفضائل" لابن زنجويه -بإسناد جيد- أنه لما ذهب به إلى النار لقيه رجل فقال: دعه، إنه نعم الرجل لو كان يصلي من الليل؛ فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ ، فقال لها: "إن أخاك رجل صالح". ثم ساق البخاري حديث سهل بن سعد في نوم المسجد. وحديث أبي هريرة: لقد رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ .. الحديث. وسيأتي حديث سهل في الاستئذان (٤)، وفضائل علي (٥)، وقد أخرجه مسلم أيضا في الفضائل (٦).

стр. 2921

وحاصل الباب جواز سكنى الفقراء في المسجد، وجواز النوم فيه لغير الغرباء، وقد اختلف العلماء في ذلك، فممن رخص في النوم فيه ابن عمر، وقال: كنا نبيت فيه ونقيل على عهد رسول الله ﷺ (١). وعن ابن المسيب (٢) والحسن (٣) وعطاء (٤) وابن سيرين (٥) مثله، وهو قول الشافعي. واختلف عن ابن عباس، فروي عنه أنه قال: لا تتخذوا المسجد مرقدًا (٦)، وروي عنه أنه قال: إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس (٧). وقال مالك: لا أحب لمن له منزل أن يبيت في المسجد، وسهل فيه للضعيف، ولمن لا منزل له، وهو قول أحمد وإسحاق (٨)، قال مالك: وقد كان أضياف النبي ﷺ يبيتون في المسجد. وكره النوم فيه ابن مسعود (٩) وطاوس (١٠) ومجاهد (١١)، وهو قول الأوزاعي، وقول من أجاز النوم فيه للغرباء، وغيرهم أولى لأحاديث

стр. 2922

الباب، وقد سئل سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار عن النوم فيه، قالا: كيف تسألون عنها، وقد كان أهل الصفة ينامون فيه (١) وهم قوم كان مسكنهم المسجد. وذكر الطبري عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان نائمًا فيه ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين (٢). قال: وقد نام في المسجد جماعة من السلف، فغير محذور الانتفاع به فيما يحل كالأكل والشرب، والجلوس، وشبه النوم من الأعمال، وقال الحربي: الصفة في مسجده موضع مظلل يأوي إليه المساكين. وفي حديث سهل بن سعد فوائد: الأولى: جواز التكنية بغير الولد، وأنه ﷺ كناه أبا تراب، وفي البخاري في كتاب الاستئذان: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها (٣). الثانية: مداراة الصهر وتسلية أمره (من عناء به) (٤). الثالثة: الممازحة للغاضب بالتكنية بغير كنيته إذا كان ذلك لا يغضبه، ولا يكرهه، بل يؤنسه من حرجه.

стр. 2923

الرابعة: أن الملابس كلها يحاول بها ستر العورة، وأنه لا ملبس لمن بدت عورته. الخامسة: القيلولة في المسجد وأنه لم يَقِلْ عند فاطمة، ونام في المسجد فمعنى (لم يقل عندي): لم ينم وقت القائلة، وهي نوم نصف النهار. وفيه فضيلة ظاهرة لعلي ﵁.

стр. 2924

٥٩ - باب الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ. [انظر: ٢٧٥٧] ٤٤٣ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي الَمسْجِدِ -قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ قَالَ ضُحًى- فَقَالَ: "صَل رَكْعَتَيْنِ". وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْن فَقَضَانِي وَزَادَنِي. [١٨٠١، ٢٠٩٧، ٢٣٠٩، ٢٣٨٥، ٢٣٩٤، ٢٤٠٦، ٢٤٧٠، ٢٦٠٣، ٢٦٠٤، ٢٧١٨، ٢٨٦١، ٢٩٦٧، ٣٠٨٧، ٣٠٨٩، ٣٠٩٠، ٤٠٥٢، ٥٠٧٩، ٥٠٨٠، ٥٢٤٣، ٥٢٤٤، ٥٢٤٥، ٥٢٤٦، ٥٢٤٧، ٥٠٦٧، ٦٣٨٧ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ١/ ٥٣٧] وهذا التعليق ذكره مسندًا في غزوة تبوك مطولا (١). ثم ساق البخاري حديث جابر: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهُوَ فِي المَسْجِدِ -قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ قَالَ ضُحًى- فَقَالَ: "صَلِّ رَكعَتَيْنِ". وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي. وهذا الحديث هو حديث الجمل الذي اشتراه رسول الله ﷺ من جابر، وقد ذكره البخاري في سبعة عشر موضعا: هنا، والحج (٢)، والوكالة (٣)، والاستقراض في موضعين (٤)، والشفاعة في وضع الدين (٥)، والهبة (٦)،

стр. 2925

والشروط (١)، والجهاد في أربعة مواضع منه (٢) والنكاح في ثلاثة مواضع منه (٣)، والنفقات (٤)، والدعوات (٥). وقد أوضحتها والكلام عليه في "شرح العمدة" فسارع إليه تجد ما يشفي الغليل مع فائدة بديعة أبداها السهيلي فيه (٦). وأخرجه مسلم في الصلاة (٧)، والبيوع (٨)، والجهاد (٩)، وأبو داود (١٠)، والنسائي في البيوع (١١). واختلف الرواة عن جابر في ألفاظه: فمنهم من ساقه بطوله، ومنهم من ساق ذكر التزويج فقط، ومنهم من ساق ذكر الجمل دون ذكر

стр. 2926

التزويج، ولم يسق هنا ما بوب عليه، وقد ذكره كذلك في البيوع (١)، ومن عادته الإحالة على أصل الحديث. وحظنا منه هنا استحباب الصلاة في المسجد عند القدوم من السفر، ووقت الدين والزيادة فيه، وهو داخل في قوله: "خياركم أحسنكم قضاء" (٢)، وعن مالك منع لزيادة العدد دون الصفة إذا كانت بغير شرط، وأجازها عيسى بن دينار، والقاضي أبو محمد (٣)، وسنتكلم -إن شاء الله- في كل موضع بما يليق به، إن شاء الله الوصول إليه، وحذف ابن بطال هذا الباب فلم يشرحه هنا.

стр. 2927

٦٠ - باب إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ قبل أن يجلس ٤٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ". [١١٦٣ - مسلم: ٧١٤ - فتح: ١/ ٥٣٧] ساق بإسناده من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي السلمي ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ". الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه أيضا في صلاة الليل (١) وغيره (٢). وأخرجه مسلم أيضًا (٣). وطرقه الدارقطني في "علله" (٤)، وروي من حديث جابر (٥)، وهو

стр. 2928

غير محفوظ كما قاله الترمذي (١)، وزاد ابن حبان في "صحيحه" في حديث أبي قتادة: قبل أن يجلس أو يستخبر (٢). ثانيها: فيه: استحباب تحية المسجد بركعتين، وهي سنة بالإجماع (٣)، وعن داود الوجوب تمسكًا بظاهر الأمر. وحملة الجمهور على الندب، بدليل أن المحدث لا يحرم عليه دخوله. وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمرون في المسجد ولا يركعون، روى ابن أبي شيبة، عن عبد العزيز بن الدراوردي، عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون. قال زيد: وقد رأيت ابن عمر يفعله (٤). وذكره مالك عن زيد بن ثابت، وسالم بن عبد الله (٥)، وكان القاسم يفعله، وكذا الشعبي (٦)، وقال جابر بن زيد: إذا دخلت مسجدًا فصل فيه، فإن لم تصل فاذكر الله فإنك قد صليت.

стр. 2929

ثالثها: كراهة الجلوس من غير صلاة وهي كراهة تنزيه. رابعها: استحبابها (١) كل وقت، وكرهها أبو حنيفة ومالك في وقت النهي، والأصح عند الشافعية عدمها إن دخل لا يقصدها (٢). خامسها: أنها لا تحصل بركعة وهو الأصح (٣)، وبقيت فروع متعلقة بها ذكرتها مفصلة في "شرح المنهاج" فراجعها منه.

стр. 2930

٦١ - باب الحَدَثِ فِي المَسْجِدِ ٤٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ". [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ١/ ٥٣٨] ساق بإسناده من حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ". الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه في باب من يجلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد بزيادة كما ستعلمه (١). ورواه مسلم من حديث أبي صالح عن أبي هريرة (٢). وأخرجه البخاري من هذا الوجه أيضًا (٣)، ومسلم من حديث أبي رافع الصائغ (٤)، ومحمد بن سيرين أيضا عن أبي هريرة (٥)، ويأتي في البخاري

стр. 2931

أيضًا من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة (١)، وسلف في الطهارة من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة (٢). ثانيها: قوله: "ما لم يحدث" هو بالتخفيف كما قال الداودي، وهو دالٌّ على جواز الحدث في المسجد، وقد روي: "ما لم يحدث ما لم يؤذ أحدًا" (٣)، وتأول العلماء الأذى بالغيبة وشبهها، وسببه أن أذى ذلك أكثر من أذى الحدث، ومن رواه بالتشديد أراد بغير ذكر الله تعالى، قال ابن التين: ولم يذكر التشديد أحد، وذكر ابن حبيب عن إبراهيم النخعي أنه سمع عبد الله بن أبي أوفي يقول: هو حديث الإثم. ثالثها: معنى الباب كما قال المهلب: أن الحدث في المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار الملائكة، ودعاءهم المرجو بركته، وسببه ما آذاهم من الروائح الخبيثة، فمن أراد حط ذنوبه لازم مصلى محبوبه بعد الصلاة ليستكثر من استغفار الملائكة له، وقد شبه ﷺ ذلك بالرباط، وأكد بتكراره، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] قد أخبر الشارع أنه من وافق تامينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٤)، وتأمينهم إنما هو مرة عند تأمين الإمام، فكيف بمرات!!

стр. 2932

وقد اختلف السلف في جلوس المحدث في المسجد، فروي عن أبي الدرداء أنه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع أصحابه، ولم يمس ماء (١)، وعن علي مثله (٢)، وروي ذلك عن عطاء (٣)، والنخعي وابن جبير (٤)، وكره أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوء ابن المسيب، والحسن وقالا: يمر مارًا ولا يجلس فيه (٥). رابعها: (ما) من قوله: ("ما دام في مصلاه") مصدرية ظرفية، أي: مدة دوام كونه في مصلاه، وهؤلاء الملائكة يجوز أن يكونوا الحفظة أو غيرهم.

стр. 2933

٦٢ - باب بُنْيَانِ المَسْجِدِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ. وَأَمَرَ عُمَرُ بِبنَاءِ المَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ. وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارى. [فتح: ١/ ٥٣٩] ٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الَمسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحجَارَةِ الَمنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ. [فتح: ١/ ٥٤٠] (وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) هذا التعليق يأتي مسندًا في باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب في المطر يوم الجمعة؟ (١) قال البخاري: وَأَمَرَ عُمَر بِبِنَاءِ المَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ. في ابن ماجه بإسناد ضعيف نحو هذا عنه مرفوعا: "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم" (٢).

стр. 2934

وقوله: (أكنَّ) قال ابن التين: رواه بضم الهمزة، وكسر الكاف على أنه رباعي، وهو قول أبي زيد، وأما الكسائي فقال: هو ثلاثي، تقول: كننت الشيء سترته، وصنته من الشمس، واكننته في نفسي. أسررته، وقال أبو زيد: كننته واكننته بمعنى في الكن، وفي النفس جميعًا. وقوله: (وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس)، قال: رويناه بضم التاء على أنه رباعي من أفتن، وأنكر ذلك الأصمعي وأجازه أبو عبيد، ويمكن أن يكون فهم هذا من رد الشارع الخميصة إلى أبي جهم، حيث نظر إلى أعلامها في الصلاة (١). قال البخاري: وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا. وهذا أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث أبي قلابة عن أنس مرفوعا: "يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا، (أو) (٢) قال: يعمرونها قليلا" (٣).

стр. 2935

وقال البخاري: وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارى. وهذا أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عنه بعد أن روى عنه مرفوعًا: "ما أمرت بتشييد المساجد" (١). و (الزخرفة): الزينة أي: لتزيننها ولتموهنها وأصل الزخرف: الذهب والنهي خوف شغل المصلي، أو لإخراج المال في غير وجهه أو لهما. ثم ساق البخاري حديث نافع أنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَن المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ

стр. 2936

مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ. قوله: (باللبن) رويناه بفتح اللام وكسر الباء، كما قال ابن التين، وقال ابن السكيت: من العرب من يقول: لبنة ولبن مثل لبدة ولبد. قال السهيلي: نخرت عمده في خلافة عمر فجددها، فلما كان عثمان بناه بالحجارة كما سلف، وجعل قبلته من الحجارة (١). و (القصة): بالقاف والصاد المهملة: الحصن، وقال الخطابي: شيء يشبهه، وليس منه (٢). و (الساج): نوع من الخشب يجاء به من الهند (٣)، ثم بناه عبد الله بن الزبير، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي ووسعه، وزاد فيه سنة ستين ومائة، ثم زاد فيه المامون سنة اثنتين ومائتين، وأتقن بنيانه. قال السهيلي: ولم يبلغنا أن أحدًا غيَّر منه شيئًا. قال ابن بطال: جاءت الآثار عن النبي ﷺ بكراهة تشييد المساجد، وتزيينها، فروى حبيب ابن الشهيد، عن الحسن قال: لما بني المسجد قالوا: يا رسول الله، كيف نبنيه؟ قال: "ليس لي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى" (٤) (٥).

стр. 2937

وقال أُبي: إذا زوَّقتم مساجدكم، وحلَّيتم مصاحفكم فالدمار عليكم (١)، وقد سلف حديث: "ما أمرت بتشييد المساجد". وقال ابن عباس: أمرنا أن نبني المساجد جمًا والمدائن شرفًا (٢)، وقال مجاهد: نهينا أن نصلي في مسجد مشرف (٣).

стр. 2938

وهذِه الآثار مع ما ذكره البخاري في الباب تدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد، وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنيانها، ألا ترى أن عمر قال للذي أمره ببناء المسجد: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وكان عمر قد فتح الله الدنيا في أيامه، ومكنه في المال، فلم يغير المسجد عن بنيانه، ثم كثر المال زمن عثمان فلم يزد أن جعل مكان اللبن حجارة وقصة، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصرا عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما عن الشارع لكراهة ذلك، وليقتدي بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية والزهد في معالي أمورها، وإيثار البلغة بها. روى برد أبو العلاء، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: جمعت الأنصار مالًا، فقالوا: يا رسول الله، ابن بهذا المسجد، فقال: "إذا يعجب ذلك المنافقين" (١)، فدل على أن المؤمنين لا يعجبهم ذلك.

стр. 2939

٦٣ - باب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ وَقَولِ اللهِ : ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية ٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الَحذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ وَلابِنهِ عَليٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الَمسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: "وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ". قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الفِتَنِ. [٢٨١٢ - فتح: ١/ ٥٤١] سبب نزولها: أنه لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون، فعيروه بالكفر وأغلظ له علي، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا دون محاسننا، فقال له علي: ألكم محاسن؟ قال: نعم. إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله هذِه الآية. وقوله: (﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾) قيل: سجودهم للأصنام واتخاذها آلهة. ثم ساق البخاري حديث عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ وَلاِبْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: "وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ". قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الفِتَنِ.

стр. 2940

وهذا الحديث ذكره البخاري في الجهاد (١). والكلام عليه من أوجه: أحدها: ابن ابن عباس هو السجاد؛ لكثرة عبادته، الثقة ولد ليلة قتل علي في شهر رمضان سنة أربعين فسمي باسمه، وكني بكنيته، فقال له عبد الملك بن مروان: لا والله لا احتمل لك الاسم والكنية جميعًا، فغير كنيته فصيرها أبا محمد، ولي الخلافة (٢)، وكان له خمسمائة شجرة، فصلى عند أصل كل شجرة ركعتين، فكان يصلي في اليوم ألف ركعة، مات بعد العشر ومائة، إما سنة أربع عشرة، أو سبع عشرة، أو ثمان عشرة، أو تسع عشرة، عن ثمانٍ أو تسع وسبعين سنة، روى له الجماعة خلا البخاري ففي الأدب (٣). الثانية: قوله: (انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ) فيه: أن العالم يبعث ولده إلى عالم آخر ليتعلم منه؛ لأن العلم لا يحويه أحد. وقوله: (في حائطه) أي: بستانه. وقوله: (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا) فيه: أن العالم يتهيأ للحديث ويجلس له جلسة تأهبًا لذلك، ومعنى (أنشا يحدثنا): أخذ في الحديث.

стр. 2941

وقوله: (لبنة .. ) إلى آخره، فيه: ارتكاب المشقة في عمل البر. قال ابن إسحاق: وعمار أول من بنى لله مسجدًا (١). قال السهيلي: فكيف أضاف إليه بنيانه، وقد بناه معه الناس (٢)؟! فنقول: إنما عنى بهذا مسجد قباء؛ لأن عمارًا هو الذي أشار على رسول الله ﷺ ببنيانه، وهو الذي جمع الحجارة له، فلما أسسه رسول الله ﷺ استتم بنيانه عمار، كذا ذكره ابن إسحاق (٣). الثالثة: التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال؛ لأن ذلك مما يجزى الإنسان أجره بعد مماته، ومثل ذلك حفر الآبار، وتحبيس الأموال التي يعم العامة نفعها، والولد الصالح يدعو له بعد موته، قال المهلب: وفيه: بيان ما اختلف فيه من قصة عمار (٤). وقوله: "يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار" إنما يصح ذلك في الخوارج الذين بعث إليهم علي بن أبي طالب عمارًا يدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة؛ لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل؛ لأنهم الصحابة الذين

стр. 2942

أثنى الله عليهم وشهد لهم بالفضل بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال المفسرون: وهم أصحاب محمد ﷺ ، وقد صح أن عمارًا بعثه علي إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التي فيها العصمة بشهادة النبي ﷺ أن أمته لا تجتمع على ضلال (١).

стр. 2943

وفيه: أن عمارًا فهم عن النبي ﷺ أن هذِه الفتنة في الذين يستعاذ بالله منها، وفي الاستعاذة منها دليل أنه لا يدري أحد في الفتنة أهو مأجور أم مأثوم إلا بغلبة الظن، فلو كان مأجورًا لما استعاذ بالله من الأجر، وهذا يرد الحديث المروي: "لا تستعيذوا بالله من الفتنة فإنها حصاد المنافقين" (١). الرابعة: فيه: فضيلة ظاهرة لعمار وهو علم من أعلام النبوة؛ لأن الشارع أخبر بما يكون فكان كما قال.

стр. 2944

٦٤ - باب الاِسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ ٤٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ أَنْ: "مُرِي غُلَامَكِ النَجَّارَ يَعْمَلْ لِى أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ". [انظر: ٣٣٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ١/ ٥٤٣] ٤٤٩ - حَدَّثَنَا خَلَّادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْن أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ امْرَأَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتِ". فَعَمِلَتِ الِمنْبَرَ. [٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥ - فتح: ١/ ٥٤٣] ذكر فيه حديث سهل: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ: "مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ". وحديث جابر أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتِ". فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ. أما حديث سهل تقدم في باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب (١)، وسيأتي في البيوع أيضًا (٢)، وحديث جابر يأتي في البيوع (٣)، وعلامات النبوة (٤). وهو دال لما ترجم له، وهو الاستعانة بأهل الصناعات والقدرة في كل شيء يشمل المسلمين نفعه، والنادر إلى ذلك مشكور له فعله. فإن قلت: حديث سهل يخالف معنى حديث جابر، وذلك أن حديث

стр. 2945

سهل: أنه ﷺ سأل المرأة أن تأمر غلامها بعمل المنبر، وحديث جابر أن المرأة سألت ذلك. وأجيب: بأنه يحتمل أن تكون المرأة بدأت رسول الله بالمسألة وتبرعت له بعمل المنبر، فلما أباح لها ذلك وقبل رغبتها أمكن أن تنظر الغلام بعمله، فتعلقت نفسه ﷺ به فاستنجزها إتمامه، وإكمال عدتها إذ علم ﷺ طيب نفسها بما بذلته من صنعة غلامها، وقد أسلفنا ذلك في باب الصلاة في السطوح، وقد يمكن أن يكون إرساله لها ليعرفها بصفة ما يصنع الغلام في الأعواد، وأن يكون ذلك منبرًا. وفيه: أن من وعد غيره لعدة أنه يجوز استنجازه فيها، وتحريكه في إتمامها.
следующие страницы →