← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

٦ - باب مَا يُحْقَنُ بِالأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ ٦١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. قَالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ". [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٢/ ٨٩] ذكر فيه حديث أنس أنه ﵇ كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغزو بنا (١) حتى يصبح .. الحديث. سلف في باب: ما يذكر في الفخذ (٢)، ويأتي في الجهاد (٣) والمغازي أيضًا (٤)، وروي مطولًا ومختصرًا، وأخرجه مسلم أيضًا (٥).

стр. 3362

٧ - باب مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ المُنَادِي ٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ". [مسلم: ٣٨٣ - فتح: ٢/ ٩٠] ٦١٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا فَقَالَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى نَحْوَهُ. [٦١٣، ٩١٤ - فتح: ٢/ ٩٠] ٦١٣ - قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ. وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُول. [انظر: ٦١٢ - فتح: ٢/ ٩١] ذكر فيه حديثين. أحدهما: حديث أبي سعيد الخدري: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذِّنُ". وهو حديث صحيح أخرجه مسلم والأربعة أيضًا (١). الثاني: حديث عيسى بن طلحة: سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا فَقَالَ مِثْلَهُ إلى قَوْلِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَ مُحَمَّدَا رَسُولُ اللهِ.

стр. 3363

وفي رواية: إنه لما قال: حي على الصلاة. قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" (١). وهذا الحديث ذكره البخاري قريبًا في باب: يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء (٢)، أطول من هذا، ورواه عن معاوية جماعة غير عيسى، وهذِه الرواية الثانية صيغة البخاري في إيرادها: قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا، انَّهُ قال لَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوُّةَ إِلا باللهِ. وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ. وفيها جهالة كما ترى، والظاهر أن هذِه الرواية متصلة من البخاري إلى يحيى فتأمله (٣). وفي رواية لابن خزيمة أنه قال في الشهادتين: وأنا (٤) في "صحيح الحاكم"، -وقال: صحيح الإسناد- من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "من نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي، فإذا كبر كبر، وإذا تشهد تشهد، واذا قال: حي على الصلاة قال: حي على الصلاة، واذا قال: حي على الفلاح قال: حي على الفلاح، ثم ليقل: اللهم رب هذِه الدعوة الصادقة والحق المستجاب، له دعوة الحق، وكلمة التقوى، أحيينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها محيًا

стр. 3364

ومماتًا، ثم يسأل الله حاجته" (١). وقد رُوي أيضًا من حديث أبي رافع وأبي هريرة، وأم حبيبة، وابن عمرو، وعبد الله بن ربيعة، وعائشة، ومعاذ بن أنس، كما أفاده الترمذي، وأهمل خلقا آخر (٢). إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: المراد بالنداء: الأذان. وعن ابن وضاح: ليس "المؤذن" من كلام النبي ﷺ ، وإنما عبر ثانيًا بالمؤذن دون المنادي، لئلا يتكرر لفظ النداء أولًا وأخرًا (٣). والثاني يتمحض به الأذان للصلاة بخلاف الأول، فإنه مشترك بين النداء لها وغيره. ثانيها: ظاهر الأمر الوجوب، وبه قال بعضهم فيما حكاه الطحاوي (٤)، والجمهور على الندبية، وقال ابن قدامة: لا أعلم فيه خلافًا، وقد سمع ﵇ في سفر مناديًا يقول: الله أكبر الله أكبر فقال: "على الفطرة"، فلما تشهد قال: "خرج من النار" … الحديث (٥)، فقد

стр. 3365

أجاب بغير ما قال، وأبعد بعض الحنفية فقال: الإجابة بالقدم وهو المشي إلى المسجد لا باللسان، حتى لو كان حاضرًا في المسجد يسمع الأذان فليس عليه إجابة، فإن قال مثل ما يقول نال الثواب وإلا فلا إثم عليه. ثالثها: حديث معاوية مبين لإطلاق حديث أبي سعيد أنه لا يقول في الحيعلة مثله، بل يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وحديث عمر في "صحيح مسلم" يوافقه (١)، وهو مناسب للإجابة ويقولها أربعة لكل واحدة حوقلة، وقيل: يقولها مرتين، وفي "الذخيرة" من كتب الحنفية بزيادة: ما شاء الله كان، وفي "المحيط" لهم يقول مكان حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومكان الفلاح: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (٢). وقال الخرقي (٣): يقول: مثل المؤذن كله (٤). وقيل: يجمع بينهما للحديثين يعني: يقول: حي على الصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 3366

وعن مالك أن الإجابة تنتهي إلى آخر الشهادتين فقط؛ لأنه ذكر، وما بعده بعضه ليس بذكر، وبعضه تكرار لما سبق (١) ويقول في كلمة التثويب: صدقت وبررت؛ لأنه مناسب وإن لم يرد فيه نص. وقال ابن حزم يقول مثله سواء، ولو في صلاة إلا الحيعلة فبعد الفراغ منها (٢). وعند المالكية ثلاثة أقوال: الإجابة لعموم الحديث، وبه قال أحمد والطحاوي (٣). والمنع؛ لأن في الصلاة شغلًا (٤). يقول التكبير والتشهد في النفل فقط (٥)، وعندنا: لا يوافقه، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، فإن فعل كره على الأظهر إلا في الحيعلة أو التثويب، فإنها تبطل إن كان عالمًا؛ لأنه كلام آدمي (٦)، وكذا قال ابن قدامة الحنبلي: إن قال الحيعلة بطلت صلاته (٧). وعن المالكية رواية قول: فيه؛ لأنه يقصد الحكاية لا الدعاء (٨). رابعها: يتابع في كل كلمة عقبها، واختلف قول مالك: هل يتابع المؤذن، أو يقوله مسرعًا قبل فراغه من التأذين (٩)؟ خامسها: هل يجيب كل مؤذن؟ فيه خلاف حكاه الطحاوي وابن التين المالكي، ولا نص لأصحابنا فيه، ولا يبعد أن يقال: يختص بالأول؛ لأن الأمر المطلق لا يفيد التكرار.

стр. 3367

سادسها: لفظ المثل لا يقتضي المساواة من كل وجه، فإنه لا يراد بذلك مماثلة في كل أوصافه حتى رفع الصوت، وفي: لا حول ولا قوة إلا بالله خمسة أوجه مشهورة: فتحهما بغير تنوين، وفتحهما به، وفتح الأول ونصب الثاني منونًا، وفتح الأول ورفع الثاني منونًا، وعكسه (١)، أي: لا حركة، ولا استطاعة إلا بمشيئة الله.

стр. 3368

٨ - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ ٦١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [٤٧١٩ - فتح: ٢/ ٩٤]. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَيَّاشٍ قَالَ: ثَنَا شُعَيبُ بْنُ أَبِي حَمزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الُمنكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِه الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ" … الحديث. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أورده هنا وفي سورة سبحان من التفسير (١)، وأخرجه الأربعة (٢)، ولم يخرجه مسلم، وقال الترمذي: حديث حسن غريب من حديث محمد بن المنكدر، لا نعلم أحدًا رواه غير شعيب بن أبي حمزة (٣). ثانيها: النداء: الأذان، والمراد بالدعوة التامة: دعوة الأذان؛ سميت بذلك؛ لكمالها وعظم موقعها، فلا نقص فيها ولا عيب؛ لانتفاء الشركة فيه. والصلاة القائمة أي: التي تقوم أي: تقام وتفعل بصفاتها، وقيل: إنها الدعاء بالنداء؛ لأن الدعاء يُسمى صلاة،

стр. 3369

والوسيلة: القربة. وفي "صحيح مسلم" من حديث عبد الله بن عمرو "إنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" (١). وقيل: إنها الشفاعة، وقيل: القرب من الله تعالى، والمقام المراد به مقام الشفاعة العظمي الذي يحمده فيه الأولون والآخرون. وقوله: مقامًا محمودًا: كذا هو بالتنكير فيهما، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. ووقع في "صحيح أبي حاتم بن حبان" بسند ابن خزيمة بالتعريف فيهما (٢)، وكذا أخرجها البيهقي أيضًا في "سننه" وعزاها إلى البخاري (٣)، ومراده: أصل الحديث كما هو معروف من عادته، وسؤال هذا المقام مع أنه موعود به؛ لشرفه وكمال منزلته، وعظم حقه، ورفيع ذكره، وقوله: "الذي وعدته"، ويجوز أن يكون بدلًا ومنصوبًا بأعني ومرفوعًا خبر مبتدأ محذوف أي: هو الذي وعدته، ومعنى "حلت له": غشيته ونالته، وله بمعنى: عليه، كما في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذقاَنِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] ويؤيده رواية مسلم السالفة "حلت عليه" (٤)، وقيل: وجبت له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] من قرأه بالضم أراد: ينزل، ومن قرأه بالكسر قال: وجب (٥). ثالثها: فيه: استحباب الدعاء المذكور لكل سامع وللمؤذن أيضًا.

стр. 3370

٩ - باب الاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ . وَيُذْكَرُ أَن أقوَامًا اختَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأقْرَعَ بَينَهُمْ سَعْدٌ. ٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ -مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا" [٦٥٤، ٧٢١، ٣٦٨٩ - مسلم: ٤٣٧ - فتح: ٢/ ٩٦]. ذكر فيه أثرا وحديثا. أما الأثر فقال: وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ. وهذا أخرجه البيهقي من حديث أبي عبيد، ثنا هشيم، أنا ابن شبرمة قال: تشاح الناس في الأذان بالقادسية فاختصموا إلى سعد، فأقرع بينهم (١)، وذكر الطبري أن ذلك كان في صلاة الظهر (٢). وأما الحديث فهو حديث أبي هريرة: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ" إلى آخره. وذكره في التهجير إلى الصلاة أيضًا كما سيأتي (٣)، وفي الشهادات (٤). وخرجه مسلم أيضًا (٥)، والمراد بالنداء: الأذان، والاستهام: الاقتراع، وفي "مجمع الغرائب" للفارسي معنى قوله: لاقترعتم عليه:

стр. 3371

لتنافستم في الابتكار إليه حتى يؤدي إلى الاقتراع، فلا يمكن أحد من الوقوف فيه إلا من خرجت القرعة باسمه، وقوله: "إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" أي: لو علموا قدر فضله وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان كما في المغرب، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد، وقد نحا الداودي إلى هذا الاستهام في أذان الجمعة. وقوله: "والصف الأول" أي: لو يعلمون ما في الفضيلة فيه لجاءوا إليه دفعة واحدة وضاق عنهم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه. والصف الأول ما يلي الإمام، ولو وقع فيه حائل خلافًا لمالك، وأبعد من قال أنه المبكر، حكاه القرطبي (١)، وفضل الصف الأول باستماع القراءة والتكبير عقب تكبيرة الإمام، والتأمين معه. ورُوي من حديث ابن عباس رفعه: "من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلمًا أضعف الله له الأجر" (٢)، واختُلف في الضمير الذي في قوله: "إلا أن يستهموا عليه لاستهموا"، فقال ابن عبد البر: يعود على الصف الأول لقربه (٣)، وقيل: يعود على معنى الكلام المتقدم؛ لأنه مذكور، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: ومن يفعل المذكور، ورجح لئلا يبقى النداء لا ذكر له.

стр. 3372

وقوله: "ولو يعلمون ما في التهجير" أي: التبكير إلى أي صلاة كانت، وخصه الخليل بالجمعة والظهر؛ لأنها التي تقع وقت الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهار. وقوله: "ولو حبوا": هو بإسكان الباء وفيه: الحث العظيم على حضور جماعة هاتين الصلاتين؛ لما فيهما من المشقة، وهما أثقل الصلاة على المنافقين (١). وسلف الكلام على العتمة في بابها (٢)، وفيه: دلالة لمشروعية القرعة (٣).

стр. 3373

١٠ - باب الكَلَامِ فِي الأَذَانِ . وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ. وَقَالَ الحَسَنُ: لَا بَأسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهْوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يقيمُ. ٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَعَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ وَعَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ: حَى عَلَى الصَّلَاةِ. فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ. فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ [٦٦٨، ٩٠١ - مسلم: ٦٩٩ - فتح: ٢/ ٩٧]. وَتَكَلَّمَ سُلَيمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أذَانِهِ. هذا أخرجه ابن أبي شيبة من حديث موسى بن عبد الله بن يزيد، أن سليمان بن صرد -وكانت له صحبة (١) - كان يؤذن في العسكر فكان يأمر غلامه بالحاجة في أذانه. قال: وحدثنا ابن علية قال: سألت يونس عن الكلام في الأذان والإقامة فقال: حدثني عبيد الله بن غلاب (٢)، عن الحسن: لم يكن يرى بذلك بأسًا (٣). وعن عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: لا بأس به وعن غندر عن أشعث، عن الحسن: لا بأس أن يتكلم الرجل في إقامته (٤).

стр. 3374

وعن حجاج وقتادة، وعطاء، وعروة مثل ذلك (١)، وكرهه محمد بن سيرين والشعبي، وإبراهيم (٢)، وعن الزهري: إذا تكلم في إقامته يعيد، وكرهه إبراهيم أيضًا في رواية (٣). ثم قال البخاري: وقال الحسن: لا بأس أن يضحك وهو يؤذن أو يقيم. وهذا قد علمته آنفًا عنه في الكلام لا في الضحك. ثم ساق البخاري من حديث عبد الله بن الحارث: قَالَ: خَطَبَنَا ابن عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ: حَى عَلَى الصَّلَاةِ. فَأمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ. فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَل هذا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث، ذكره البخاري في مواضع أخر في باب: هل يصلي الإمام بمن حضر (٤)؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر في الجمعة والرخصة إذا لم يحضر الجمعة في المطر (٥)، وأخرجه مسلم أيضًا (٦) ولفظ البخاري في الباب الأخير، قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلتُ: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: فعله من هو خير مني. الحديث.

стр. 3375

وعند الطبراني -بإسناد صحيح- عن نعيم بن النحام (١) قال: أذن مؤذن رسول الله ﷺ ليلة فيها برد، وأنا تحت لحافي، فتمنيت أن يلقي الله على لسانه ولا حرج (٢)، فلما فرغ قال: ولا حرج، وعند البيهقي. فلما قال:

стр. 3376

الصلاة خير من النوم، قال: ومن قعد فلا حرج (١). ثانيها: الردغ: براء ثم دال مهملتين، ثم غين معجمة، كذا روايتنا، وحكى أبو موسى وابن الأثير سكون الدال وفتحها طين ووحل (٢). ورُوي بالزاي بدل الدال. مفتوحة وساكنة (٣)، والصواب: الفتح؛ لأنه الاسم. قال ابن التين: وروايتنا بفتح الزاي وهو في اللغة بالسكون، والرزغ: المطر الذي يبل وجه الأرض، وفي كتاب: رزغة؛ الرزغة بالزاي: أشد من الردغة، وقيل: بالعكس، وقال أبو عبيد: الرزغ: الطين والرطوبة (٤).

стр. 3377

وفي "الجمهرة": الرزغة مثل الردغة، وهو الطين القليل من مطر أو غيره (١)، وقاله ابن الأعرابي، وقال الداودي: الرزغ: الغيم البارد. وفي "الصحاح": الرزغة بالتحريك: الوحل، وكذلك الردغة بالتحريك (٢). وكذا ذكره في "المنتهى"، وهو وارد على قول ابن التين السالف أنه في اللغة بالسكون. قال أبو موسى: وقد يقال: ارتدع بالعين المهملة: تلطخ، والصحيح الأول. ثالثها: وجه ذى البخاري هذا الحديث هنا أن فيه الصلاة في الرحال، وهو كلام غير الأذان، نعم يستحب ذلك في ليلة مطر أو ريح أو ظلمة أن يقول ذلك عقب الأذان، ولو قاله بعد حيعلته جاز. ونص الشافعي عليه في " الأم"، لكن قوله بعده أحسن؛ ليبقى الأذان على نظمه (٣). ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ (٤)، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس، ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر (٥)؛ لأن هذا جرى في وقت وذلك في وقت، وكلاهما صحيح، بل ظاهر حديث ابن عباس أنه يقولهما بدل الحيعلتين، وبه قال بعض المتأخرين. وأغرب إمام الحرمين حيث استبعد الإتيان بهذِه اللفظة في أثناء الأذان، وقال: تغييره من غير ثبت مستبعد، وقد علمت أنت الثبت، وأن ظاهره: حذف الحيعلتين، ويقولهما بدلهما.

стр. 3378

وقال القرطبي: استدل بالحديث من أجاز الكلام في الأذان وهم: أحمد والحسن وعروة، وعطاء، وقتادة، وعبد العزيز ابن أبى سلمة، وابن أبي حازم من المالكية، ولا حجة فيه لما في حديث ابن عمر الآتي بعد من عند البخاري فقال في آخر الأذان: ألا صلوا في الرحال (١). وحديث ابن عمر إن لم يكن ظاهرًا في ذكره له بعد الأذان؛ إذ يحتمل أن يكون في آخره قبل الفراغ، فلا أقل من أن يكون محتملًا. وقد روى ابن عدي في "كامله" من حديث أبي هريرة ما هو صريح في ذكره له بعد فراغ الأذان (٢). ثم إن حديث ابن عباس لم يسلك فيه مسلك الأذان. ألا تراه قال: فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، وإنما أراد إشعار الناس بالتخفيف عنهم؛ للعذر كما فعل في التثويب للأمراء، وقد كره الكلام في الأذان مالك وأبو حنيفة، والشافعي، وعامة الفقهاء (٣)، وعن أحمد: إباحته في الأذان دون الإقامة، وأبطل الزهري الإقامة به، وعن الكوفيين أنه إذا تكلم في أذانه يجزئه ويبني، وهذا الحديث دال عليه، حجة على من خالف. رابعها: الرحال: المنازل والدور والمساكن، وهي جمع رحل، وسواء كانت من حجر ومدر وخشب، أو شعر وصوف ووبر وغيرها.

стр. 3379

خامسها: قوله: (قد فعل هذا من هو خيرمنه) قد جاء في بعض طرقه يعني: النبي ﷺ (١) (٢)، والعزمة بإسكان الزاي أي: حق وواجب وأبعد بعض المالكية حيث قال: أن الجمعة ليست بفرض، وإنما الفرض الظهر أو ما ينوب مقامه، والجماعة على خلافه، نبه عليه ابن التين في باب الجمعة. قال: وحكى ابن أبي صفرة عن "موطأ ابن وهب" عن مالك أن الجمعة سنة (٣) قال: ولعله يريد في السفر، ولا يُعتدُّ به. والضمير في قوله: وإنها عزمة: جاء في بعض طرقه مقتصرًا أن الجمعة عزمة. وقوله: (خطبنا) دال عليه. ومن فوائد الحديث: تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وإنها متأكدة إذا لم يكن عذر، وإنكار الجماعة يقتضي أن يكون قال ذلك في صلب الأذان، فلو قاله بعده لم يكن فيه ذلك الإنكار، وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة عند العود إلى هذا الحديث في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 3380

١١ - باب أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبُرهُ . ٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِىَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ [٦٢٠، ٦٢٣، ١٩١٨، ٢٦٥٦، ٧٢٤٨ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٢/ ٩٩] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَى يُنَادِيَ ابن أُمَّ مَكْتُومٍ". ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع منها: الشهادات في باب: شهادة الأعمى (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، قال ابن منده: رواه القعنبي عن مالك (٣)، والصحيح عنه إرساله يعني: بإسقاط ابن عمر، وصوب الدارقطني اتصاله (٤). قال الترمذي: وفي الباب عن ابن مسعود، وعائشة، وأنيسة، وأنس، وأبي ذر، وسمرة (٥).

стр. 3381

ثانيها: قوله: قال: (وكان رجلًا أعمى … ) إلى آخره، هذا القائل ذكر البيهقي أنه من قول ابن شهاب (١). وقال الخطيب في كتاب "الفصل للوصل" جعلها بعضهم من قول ابن شهاب وآخر من قول سالم (٢). وفي "الجمع" للحميدي: رواه عبد العزيز بن أبي سلمة عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه وكان ابن أم مكتوم إلى آخره. قال: ومن حديث مالك عن الزهري نحوه (٣)، وصرح صاحب "المغني" بأنه من قول ابن عمر، وقال في آخره: رواه البخاري (٤).

стр. 3382

ثالثها: معنى أصبحت أي: دخلت في حكم الصباح، وإن كان يحتمل قاربت الصباح، وستعلم ذلك في آخر الباب. رابعها: فيه من الفقه ما ترجم له، وهو جواز أذان الأعمى، إذا كان له من يخبره، وإن كان الطحاوي روى من حديث أنس مرفوعًا: "لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره شيئًا" (١). قال: فأخبر أنه كان يؤذن بطلوع ما يرى أنه الفجر وليس في الحقيقة بفجر قال: ولما ثبت بينهما من القرب بمقدار ما يصعد هذا وينزل هذا ثبت أنهما كانا يقصدان وقتًا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال لما يبصره، ويصيبه ابن أم مكتوم؛ لأنه لم يكن يؤذن حتى تقول له الجماعة: أصبحت أصبحت وأذانه صحيح عندنا. وعند مالك وأحمد وأبي حنيفة (٢)، ونقل النووي عن أبي حنيفة وداود عدم الصحة، وهو غريب عن أبي حنيفة، نعم في "المحيط" (٣) يكره، قال أصحابنا: ولا كراهة في أذانه إذا كان معه بصير كابن أم مكتوم مع بلال، فإن لم يكن معه بصير كره خوف غلطه، وممن كره أذانه ابن مسعود وابن الزبير. وابن عباس كره إقامته، ورُوي أن مؤذن النخعي كان أعمى (٤).

стр. 3383

وحمل البيهقي ما رُوي عن ابن مسعود على كراهة الانفراد (١)، واستنبط منه البخاري والمهلب جواز شهادة الأعمى على الصوت (٢)؛ لأنه يميز صوت من علم الوقت ممن يثق به مقام أذانه على قبوله مقام شهادة المخبر له، ومنعه أبو حنيفة فيما حكاه ابن التين. وفيه أيضًا أحكام أخر: الأول: جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة يستدل بذلك لما يحتاج إليه. الثاني: نسبة الرجل إلى أنه إذا كان معروفًا بذلك، واسمه: عمرو أو عبد الله (٣). الثالث: تكنية المرأة؛ لقوله ﵇: ابن أم مكتوم واسمها: عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم. الرابع: جواز تكرير اللفظ؛ للتأكيد؛ لقوله: أصبحت أصبحت. الخامس: جواز الأذان قبل الفجر، وعندنا فيه أوجه، أصحها: آخر الليل كما أوضحناه في كتب الفروع، ونقل في "المحلى" عن جماعة كراهة الأذان قبل الفجر، منهم: الحسن وإبراهيم، ونافع، والأسود، والشعبي، وسمع علقمة مؤذنًا بليل فقال: لقد خالف هذا سنة رسول الله ﷺ لو نام على فراشه لكان خيرًا له.

стр. 3384

قال ابن حزم: والأذان الذي كان في زمنه ﵇ كان أذان سحور لا أذان صلاة، وعنده أنه لا يجوز أن يؤذن لها، قبل المقدار الذي ورد: ينزل هذا (١) ويرقى هذا. وأغرب القرطبي فنقل عن الجمهور أن أذان بلال هو أذان الفجر، وأن أبا حنيفة والثوري قالا: إن فائدته التأهب، ولابد من أذان عند الفجر (٢). فرع: لو أراد الاقتصار على أذان واحد للصبح فالأفضل ما بعده كما هو المعهود في سائر الصلوات، ولو لم يوجد إلا واحد أذن مرتين، فإن اقتصر على واحد فقال الإمام: يقتصر على ما بعده، وقال ابن الصباغ: على ما قبله. فائدة: حديث أنيسة السالف أخرجه الإمام أحمد وابن خزيمة (٣)، وابن حبان على عكس حديث ابن عمر السالف، وهو أنه ﵇ قال: "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال" (٤). وروى ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث عائشة مثلما قالت: كان بلال لا يؤذن حتى يطلع الفجر (٥).

стр. 3385

ويجمع بينهما بأنه يجوز أن يكون بينهما نوب، وهذا أولى من قول ابن الجوزي: كأنه مقلوب (١). خاتمة: أذان ابن أم مكتوم اختلف العلماء في تأويله كما ذكره ابن بطال، فقال ابن حبيب: ليس قوله: أصبحت أصبحت إفصاحًا بالصبح بمعنى أن الصبح انفجر وظهر، ولكن بمعنى: التحذير من طلوعه؛ خيفة انفجاره، ومثله قاله الأصيلي والداودي، وسائر المالكيين، وقالوا: معنى: أصبحت: قاربت الصباح، كما قال تعالى: ﴿فَإذَا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: قاربن؛ لأن العدة إذا تصت فلا رجعة، ولو كان أذان ابن أم مكتوم بعد الفجر لم يجز أن يؤمر بالأكل إلى وقت أذانه؛ للإجماع أن الصيام واجب من أول الفجر. وأما مذهب البخاري في هذا الحديث على ما ترجم به الباب، فأراد به: كان بعد طلوع الفجر. والحجة له قول: "إن بلالًا يؤذن بليل"، لو كان أذان ابن أم مكتوم قبل الفجر لم يكن لقوله: إن بلالًا ينادي بليل

стр. 3386

معنى؛ لأن أذان ابن أم مكتوم كذلك هو في الليل، وإنما يصح الكلام أن يكون نداءه في غير الليل في وقت يحرم فيه الطعام والشراب اللذان كانا مباحين في وقت أذان بلال. وقد روي هذا المعنى نصًا في رواية البخاري في كتاب الصيام "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن عمرو فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" (١)، وأذان عمرو (٢) كان علامة لتحريم الأكل لا للتمادي فيه (٣). أخرى: شرط الأذان الوقت ولا يجوز قبله، وهو إجماع في غير الصبح (٤)، ومذهب أبي حنيفة في الصبح أيضًا (٥). وفي "سنن أبي داود" من حديث ابن عمر: أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: إن العبد قد نام. أعله أبو داود بتفرد حماد (٦). قال ابن المديني: أخطأ فيه وهو غير محفوظ. وقال الشافعي: أهل الحديث لا يثبتونه، ولا تقوم بمثله حجة على الانفراد (٧).

стр. 3387

قلت: وحديث الباب هو العمدة.

стр. 3388

١٢ - باب الأَذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ . ٦١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ الْمُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ. [١١٧٣، ١١٨١ - مسلم: ٧٢٣ - فتح: ٢/ ١٠١] ٦١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ [٦٢٦، ٩٩٤، ١١٢٣، ١١٥٩، ١١٦٠، ١١٦١، ١١٦٨، ١١٦٩، ١١٧٠، ١١٧١، ٦٣١٠ - مسلم: ٧٢٤ - فتح: ٢/ ١٠١]. ٦٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِىَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". [انظر: ٦١٧ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٢/ ١٠١] ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث حفصة أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ. كذا في النسخ الصحيحة اعتكف أي: اأنتصب قائمًا للأذان كأنه من ملازمة مراقبة الفجر (١). وفي رواية: أذن بدل اعتكف (٢). وهي ظاهرة، وفي أخرى: (كان إذا اعتكف أذن المؤذن للصبح) (٣). وهي إخبار عن

стр. 3389

حاله في اعتكافه فيه، فتؤول على تقدير صحتها بالانتظار، وليؤذن في أوله، والعكوف: الإقامة، فإذا طلع الفجر أذن، فحينئذٍ كان ﷺ يركع الفجر، ويشهد لهذا رواية الجماعة عن مالك الآتية قريبًا، كان إذا سكت المؤذن صلى ركعتين خفيفتين (١)؛ فدل أن ركوعه كان متصلًا بأذانه، ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا بعد الفجر؛ فلذلك كان الأذان بعد الفجر. وعلى هذا المعنى حمله البخاري وترجم عليه، وأردفه بحديث عائشة، كان يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح؛ ليدل أن هذا النداء كان بعد الفجر، فمن أنكر هذا لزمه أن يقول أن صلاة الصبح لم يكن يؤذن لها بعد الفجر، وهذا غير سائغ من القول (٢).

стр. 3390

الحديث الثاني: حديث عائشة: كَانَ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. هذا الحديث ظاهر فيما ترجم له. وكذا الحديث الثالث: "إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ" وقد سلف (١).

стр. 3391

١٣ - باب الأَذَانِ قَبْلَ الفَجْرِ . ٦٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ -أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ- أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ -أَوْ يُنَادِي- بِلَيْلٍ؛ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ أَوِ الصُّبْحُ". وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ "حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا". وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. [٥٢٩٨، ٧٢٤٧ - مسلم: ١٠٩٣ - فتح: ٢/ ١٠٣] ٦٢٢، ٦٢٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: عُبَيْدُ اللهِ حَدَّثَنَا، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ. وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ. وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". ٦٢٢ - [١٩١٩ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح ٢/ ١٠٤] ٦٢٣ - [انظر ٦١٧ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٢/ ١٠٤] ذكر فيه حديث ابن مسعود، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ -أَوْ أحَدًا مِنْكُمْ- أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ -أَوْ يُنَادِي- بِلَيْلٍ؛ ليَرْجعَ قَائِمَكُمْ وَليُنبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ أَوِ الصُّبْحُ". - وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إلى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إلى أَسْفَلُ "حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا". وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. وهذا الحديث أخرجه البخاري في باب: الإشارة في الطلاق والأمور أيضًا، وأظهر يزيد بن زريع يديه ثم مد إحداهما من

стр. 3392

الأخرى (١)، وفي باب إجازة خبر الواحد: "وليس الفجر أن يقول هكذا"، وجمع يحيى أحد رواته كفيه حتى يقول هكذا: ومد يحيى إصبعيه السبابتين (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣) قال ابن منده: وإسناده مجمع على صحته، وفي مسلم من حديث سمرة مرفوعًا "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا"، وحكاه حماد بن زيد بيده، قال: يعني معترضًا (٤). وقوله: "لا يمنعن أحدكم أو أحد منكم" هذا الشك من زهير أحد رواته، فإن جماعة رووه عن سليمان التيمي فقال: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال"، وصرح به الإسماعيلي. وقوله: "قائمكم": هو منصوب مفعول يرجع، أي: يعلمكم أن الفجر ليس ببعيد، فيرد المجتهد إلى راحته لينام فينشط أو يوتر إن لم يكن أوتر، أو يتأهب إلى الصبح، وإن احتاج إلى الطهارة أو نحو ذلك من مصالحه المترتبة على علمه بقرب الصبح. وقوله: "لينبه نائمكم"، أي: ليتأهب للصبح أيضًا. وقوله: "ليس الفجر"، وقال بأصابعه على اختلاف الألفاظ التي سقناها يريد أن الفجر فجران، كاذب: لا يتعلق به حكم، وهو الذي بينه وأشار إليه أنه يطلع في السماء، ثم يرتفع طرفه الأعلى وينخفض

стр. 3393

طرفه الأسفل، وهو المستطيل، وصادق: وهو الذي يتعلق به الأحكام، وهو الذي أشار بسبابتيه واضعًا إحداهما على الأخرى، ثم مدهما عن يمينه ويساره، وهذا إشارة إلى أنه يطلع معترضًا، ثم يعم الأفق ذاهبًا فيه عرضًا في ذيل السماء، ويستطير، أي: ينتشر بريقه. وأحكام الحديث سلفت فيما مضى، وفيه أن الإشارة نحو من اللفظ. وقال المهلب: فيه أن الإشارة تكون أقوى من الكلام. ثم ساق البخاري عن إسحاق، أنا أبو أسامة، فذكر حديث عائشة وابن عمر، ولم يسق لفظهما، ثم ذكر حديث عائشة: "إن بلالًا يؤذن بليل" الحديث. وسيأتي في الصوم (١)، والشهادات (٢) أيضًا، وأخرجه مسلم (٣). قال الجياني: وإسحاق هذا يحتمل أن يكون الحنظلي أو ابن منصور، أو ابن نصر السعدي (٤)، فإن البخاري يروي عنهم أيضًا في مواضع متفرقة، وجزم المزي في "أطرافه" بالأول (٥)، وبخط الدمياطي في "صحيح البخاري": ثنا إسحاق الواسطي. وفي حاشيةٍ: إذا كان الواسطي فهو ابن شاهين (٦).

стр. 3394

١٤ - باب كَمْ بَين الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَن يَنتَظِرُ الإِقامَةَ ؟ ٦٢٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِد، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ - ثَلَاثًا - لِمَنْ شَاءَ". [٦٢٧ - مسلم: ٨٣٨ - فتح: ٢/ ١٠٦] ٦٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ

стр. 3395

الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ قَلِيلٌ. [انظر: ٥٠٣ - مسلم: ٨٣٧ - فتح: ٢/ ١٠٦] ذُكر فيه حديثين: أحدهما: حديث بحمد الله بن مغفل المزني أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ -ثَلَاثًا- لِمَنْ شَاءَ". وهذا الحديث ذكره البخاري في موضعين آخرين من الصلاة كما ستعلمه وفي الاعتصام (١). وأخرجه مسلم وباقي الجماعة (٢)، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة، وهي أيضًا إعلام أو هو من باب التغليب كالأبوين والعمرين والقمرين. الحديث الثاني: حديث غندر، عن شُعْبَةُ، عن عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 3396

يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِىَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ. ثم قال البخارى تابعه عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ قَلِيلٌ. وأبو داود: هو الحفري عمر بن سعد، وأخرجه النسائي من حديث أبي عامر عن سفيان، عن عمرو (١). قال ابن عساكر: قد رويا عنه، أعني: شعبة وسفيان، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة، وفي روايته: قام كبار أصحاب رسول الله ﷺ فابتدروا السواري. وفيه: وكان بين الأذان والإقامة قريب. وفي مسلم نحوه من حديث عبد الوارث (٢). والمختار بن فلفل (٣)، وقد سلف في باب: الصلاة إلى الأسطوانة من حديث قبيصة، عن سفيان، عن عمرو بن عامر، عن أنس قال: لقد رأيت كبار أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب (٤). قال الداودي: حديث أنس مفسر بحديث ابن مغفل، ولولا ذلك لاحتمل أن يقال: بين أذان الظهر وأذان العصر أو غيرهما من الصلوات. قلتُ: ولا منع من حمله على ذلك، ومعنى الابتدار: الإسراع، وفيه: الصلاة إلى السوارى استتارًا بها من المار، وقد سلف في موضعه. وقوله: ولم يكن بينهما شيء: يعني: شيئًا كثيرًا بدليل الرواية

стр. 3397

السالفة والأخرى، وكان بينهما قريب، وترجمة البخاري: كم بين الأذان والإقامة، لا حد فيه أكثر من اجتماع الناس، ولكن دخول الوقت، وفي "صحيح الحاكم" -وقال: على شرط الشيخين- من حديث علي: كان رسول الله ﷺ يكون في المسجد حتى تقام الصلاة فإذا رآهم قليلًا جلس وإذا رآهم جماعة صلى (١) (٢). وفيه من حديث جابر أنه ﷺ قال لبلال: إذا أذنت فترسل، أذا أقمت فاحدر واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه، والمحتصر إذا دخل لقضاء الحاجة، ثم قال: هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فايد والباقون شيوخ البصرة، وهذِه سنة غريبة ولا أعرف لها إسنادًا غير هذا (٣) (٤). قلت: في إسناده معه عبد المنعم، لا جرم ضعفه الترمذي، فقال: هذا إسناد مجهول ولا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبد المنعم، وقد أجاز الصلاة قبل المغرب أحمد وإسحاق، واحتجا بهذا الحديث، وأباه سائر الفقهاء، وسنبسط الكلام في ذلك في موضعه في باب: التطوع -إن شاء الله تعالى.

стр. 3398

١٥ - باب مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ . ٦٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤، ٧٣٦ - فتح: ٢/ ١٠٩] ذكر فيه حديث عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ المُؤَذنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأتيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ. هذا الحديث طرف من حديث قيام الليل، وستأتي بقيته في أماكنها التي ذكرها البخاري (١)، وفي مسلم: يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح (٢)، ثم الكلام عليه من أوجه:

стр. 3399

أحدها: معنى سكت: صمت من الأذان بعد إكماله، ورواه الخطابي بالباء الموحدة. أي: أذن، والسكب: الصب، استعاره للكلام (١). قال الجياني عن أبي مروان: سكت وسكب بمعنى، ولم يذكر ابن الأثير غير الباء الموحدة، وقال: أرادت إذا أذن فاستعير السكب للإفاضة في الكلام، كما يقال: أفرغ في أذني حديثًا، أي: ألقى وصب (٢). وذكر ابن بطال وابن التين أن لها وجهًا من الصواب، ولا يرفع ذلك الرواية الأخرى، فإن الموحدة تأتي بمعنى من وعن في كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه، وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦]، أي: منها، قالا: ويمكن أن يكون إنما حمل الراوي لهذا الحديث على أن يرويه بالموحدة؛ لأن المشهور في سكت أن تكون متعلقة بعن أو من كقولهم: سكت عن كذا أو سكت من كذا، فلما وجد في الحديث مكان من وعن الباء ظن سكب من أجل مجيء الباء بعدها، وقد سلف أن الباء تأتي بمعنى من وعن (٣). الثاني: قولها: بالأولى من صلاة الفجر: يريد الأذان للفجر، وهو أول بالنسبة إلى الإقامة توضحه رواية مسلم السالفة: بين النداء والإقامة (٤). الثالث: هاتان الركعتان هما راتبة صلاة الفجر، وقد كره جماعة من العلماء التنفل بعد أذان الفجر إلى صلاة الفجر بأكثر من ركعتي

стр. 3400

الفجر (١)؛ لأنه ﵇ لم يزد على ذلك كما أخرجه مسلم من حديث حفصة (٢). ونهى أيضًا عنه كما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن عمر (٣) ونقل الترمذي إجماع العلماء عليه (٤) وهو أحد الأوجه عندنا، وبه قال الأئمة الثلاثة، ونقله القاضي عياض عن مالك والجمهور، ومقابله: لا يدخل حتى يصلي سنة الصبح، والأصح: الجواز، وأن الكراهة لا تدخل إلا بفعل الفرض؛ لقوله ﷺ : "صل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تصلي الصبح ثم أقصر" أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن عبسة (٥). الرابع: فيه استحباب تخفيف هاتين الركعتين، وهو مذهبنا ومذهب
следующие страницы →