← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وجواثي بضم الجيم، وفتح الواو، وقد تهمز، ثم ألف وثاء مثلثة: قرية أو مدينة بالبحرين (١). وحكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أنها مدينة، ثم قال: وهو خلاف ما ذكر القاضيان: أبو محمد وأبو الوليد أنها قرية. (وحكى الجوهري وابن الأثير أنها اسم لحصن بالبحرين (٢)، وكذا هو في "البلداني" للزمخشري) (٣). وقال البكري: جواثى على وزن فعالى: مدينة بالبحرين لعبد القيس (٤). إذا تقرر ذلك فالإجماع قائم على وجوب الجمعة على أهل المدن، واختلفوا في وجوبها على أهل القرى، فقال مالك: كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها، ولا تجب على أهل العمود وإن كثروا؛ لأنهم في حكم المسافرين (٥)، وبه قال الشافعي وجماعة (٦)، وأوجبها منهم أحمد على القرية إذا كان لها أبنية مجتمعة وفيها أربعون من أهل وجوب الجمعة، وهم: الأحرار، البالغون، العقلاء، المقيمون، الذين لا يظعنون شتاء ولا صيفًا إلا ظعن حاجة (٧). وقال أبو حنيفة: لا تصح إلا في مصرٍ جامع أو في مصلى العصر،

стр. 4097

ولا تجوز في القرى (١)، وتجوز بمنى إذا كان الأمير أمير الحج (٢)، أو كان الخليفة مسافرًا. ووافقه أبو يوسف، وهو قول الثوري. وقال محمد: لا جمعة بمنى، ولا يصح بعرفات في قولهم جميعًا (٣)، وعند أصحابنا لها شروط: أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها صيفًا وشتاء من تنعقد بهم الجمعة، سواء أكان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها، وسواء فيه البلاد الكبار وذوات الأسواق والقرى الصغار، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح قطعًا؛ لأنها لا تعد قرية ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف وأما أهل الخيام وإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاءً وصيفًا لم تصح الجمعة قطعًا، وإن كانوا ملازمين فيها صيفًا وشتاءً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض فقولان: أظهرهما: لا وجوب عليهم، ولا تصح منهم. وبه قال مالك وأبو حنيفة (٤). والثاني: نعم (٥). وبه قال أحمد وداود (٦)، ونُقِلَ قول أبي حنيفة عن علي وحذيفة وعطاء وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والحسن والنخعي ومحمد ومجاهد وابن سيرين والثوري وعبد الله بن الحسن وسُحنون (٧).

стр. 4098

وقال الرازي في "أحكامه": اتفق فقهاء الأمصار على أنها مخصوصة بموضع، لا يجوز فعلها في غيره؛ لأنهم مجمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب، ونقل عن أصحابهم أنها مخصوصة بالأمصار ولا تصح في القرى (١). قلت: ذكر ابن المنذر أن ابن عمر كان يرى أن أهل المناهل والمياه يجمعون، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب بذلك، فروى جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إنا أهل قرية ليسوا بأهل عمود ينتقلون. فأمرَّ عليهم أميرًا يجمع بهم (٢). قال الرازي: فلو كانت الجمعة واجبة في القرى لورد النقل به كما ورد في الأمصار، لعموم الحاجة، ولبينه ﷺ ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وللمدينة قرى كثيرة، ولم ينقل عنه أنه أمر أهلها بالجمعة. واختلف في المصر الذي تجوز فيه الجمعة عندهم، فعن أبي يوسف: كل موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس إليه في معايشهم وفي التبايع عادة، وبه فقيه يفتي وقاض يقيم الحدود. وعنه: إن بلغ سكانه عشرة آلاف، وقيل: عشرة آلاف مقاتل. وقيل: بحيث لو قصدهم عدو أمكنهم دفعه. وقيل: كل موضع فيه منبر وقاض ينفذ الأحكام، ويقيم الحدود (٣). قال في "المحيط ": وبه نأخذ، وهو ظاهر الرواية. وقيل: أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يسعهم. وقيل: أن تكون مجال يعيش

стр. 4099

فيها كل محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى. وعن محمد: كل موضع مصره الإمام فهو مصر، حتى لو بعث إلى قرية نائبًا؛ لإقامة الحدود والقصاص تصير مصرًا، وإذا عزله ودعاه يلحق بالقرى (١). يؤيد هذا أن عثمان بن عفان أرسل عبدًا أسود إلى الربذة، فكان أبو ذر يصلي خلفه (٢)، وكذا غيره من الصحابة الجمعة وغيرها. ولا جمعة في المغارة والبراري إجماعًا إلا عند الظاهرية. ذكر ابن حزم أنه ﷺ صلى الجمعة بعرفات قال: إنه لا خلاف؛ لأنه ﷺ خطب وصلى ركعتين وهذِه صفة صلاة الجمعة. ولا روى أحد أنه ما جهر فيها، وعنده: لو صلى المعذور بامرأته صلاهما ركعتين، وكذا النساء في جماعة (٣). وفي "التحفة" من كتب الحنفية: إن فعلها يكون على وجه الشهرة، حتى أن أميرًا لو جمع جنده في الحصين وغلق بابه، ولم يأذن بالدخول فيه للعامة جازت (٤). وفي "المحيط": الأداء على سبيل الاشتهار شرط حتى لو أغلق الأمير باب قصره وصلى فيه بجنده لا يجوز، وإن فتح باب قصره وأذن للناس في الدخول جاز ويكره (٥). استدل من أجاز الجمعة في القرى بالحديث الذي أورده البخاري في

стр. 4100

الباب، وبما رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي، وصححه ابن خزيمة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك -وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره- عن أبيه أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت (١) من حرة بني بياضة في نقيع يعرف بنقيع الخضمات (٢). وللبيهقي في "سننه": كان أسعد أول من جمع بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ ، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا (٣). وللبيهقي في "المعرفة": قال الزهري: لما بعث رسول الله ﷺ مصعب بن عمير إلى المدينة؛ ليقرئهم القرآن جمع بهم وهم اثنا عشر رجلًا، فكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ . قال البيهقي: يريد: الاثنى عشر النقباء الذين

стр. 4101

خرجوا به إلى المدينة وكانوا له ظهرًا (١). وفي حديث كعب: جمع بهم أسعد وهم أربعون. وهو يريد جميع من صلى معه ممن أسلم، من أهل المدينة مع النقباء، وأيضًا فقول كعب متصل، وقول الزهري منقطع. وفي "مغازي موسى بن عقبة" وابن إسحاق أنه ﷺ حين ركب من بني عمرو بن عوف إلى المدينة مر على بني سالم -وهي قرية بين قباء والمدينة- فأدركته الجمعة، فصلى بهم الجمعة، فكانت أول جمعة صلاها حين قدم (٢)، ولم أجد فيها ذكر عدد من صلى بهم. وفي "سنن سعيد بن منصور" عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب من البحرين يسألونه عن الجمعة، فكتب إليهم: اجتمعوا حيثما كنتم (٣). ورواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ جيد بلفظ: جمعوا (٤). وفي "المعرفة" للبيهقي أن أبا هريرة هو السائل، وحسن سنده (٥). وعند الدارقطني -بإسنادِ ضعيف- عن أم عبد الله الدوسية مرفوعًا: "الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة" (٦)

стр. 4102

زاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي ﷺ ثلاثة. وعن مالك -فيما ذكره في "المصنف"- قال: كان أصحاب محمد ﷺ في هذِه المياه بين مكة والمدينة يجمعون (١). واستدل المانع بقول علي ﵁: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصرٍ جامعٍ. رواه ابن أبي شيبة بإسناد جيدٍ، وفي رواية: ولا صلاة فطرٍ ولا أضحى إلا في مصرٍ جامع أو مدينة عظيمة (٢). قال ابن حزم: صح ذلك عن علي (٣). وأما النووي فقال: حديث علي ضعيف متفق على ضعفه، وهو موقوف عليه بإسناد ضعيف منقطع (٤).

стр. 4103

ويقويه قول إمامه الشافعي ﵁: ذكر بعض الناس أنه لا تجوز الجمعة إلا في مصر جامع. وذكر فيه شيئًا ضعيفًا، واستدل أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة: ليس على أهل القرى جمعة، إنما الجمعة على أهل الأمصار مثل المدائن (١). وزعم أبو زيد في "الأسرار" أن محمد بن الحسن قال: رواه مرفوعًا معاذ وسراقة بن مالك. وروى ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام، عن عمر بن عامر، عن حماد، عن إبراهيم، عن حذيفة: ليس على أهل القرى جمعة (٢). وللترمذي مضعفًا من حديث ثُوَيْر، عن رجلٍ من أهل قباء، عن أبيه -وكان له صحبة- قال: أمرنا النبي ﷺ أن نشهد الجمعة من قباء (٣). ولابن ماجه بإسناد جيد عن ابن عمر قال: كان أهل قباء يجمعون مع رسول الله ﷺ (٤). وعن أبي هريرة رفعه: "الجمعة على من سمع النداء" (٥) أنكره أحمد إنكارًا شديدًا، ولم يعده شيئًا.

стр. 4104

وللحاكم عنه مرفوعًا: "عسى أحدكم أن يتخذ الصبة (١) من الغنم فينزل بها على ميلين أو ثلاثة من المدينة فتأتي الجمعة فلا يجمع، فيطبع على قلبه" (٢) أعله ابن عدي بمعدي بن سليمان (٣). وفي "الصحيح" عن عائشة: كانوا ينتابون الجمعة من العوالي ومن منازلهم (٤). وأقرب العوالي ثلاثة أميال.

стр. 4105

وفي "المصنف": حَدثَنَا وكيع عن أبي البختري قال: رأيت أنسًا شهد الجمعة بالزاوية، وهي على فرسخين من البصرة (١). وحَدَّثَنَا أزهر، عن ابن عون قال: كان أبو المليح عاملًا على الأيلة، فكانت إذا أتت الجمعة جمع فيها (٢). وعن الزهري أنهم كانوا يشهدون الجمعة مع رسول الله ﷺ من ذي الحليفة (٣). وكان ابن عمرو يشهد الجمعة في الطائف، وهو في قرية يقال لها: الوهط (٤). على رأس ثلاثة أميال. رواه عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه عنه (٥). وجه الدلالة من هذِه الآثار أن الجمعة لو أقيمت في القرى لما احتاجوا أن يأتوا إليها من مسيرة أميال، وقد يجاب بأنهم إنما أتوا؛ لينالوا فضل الصلاة خلفه عليه أفضل الصلاة والسلام، فإنه لا يعادلها شيء.

стр. 4106

وأجابوا عن حديث الباب بأن المراد بالقرية: المدينة. كما سلف. والمدائن تسمى قرى. قال تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣١] يعني: مكة والطائف. وقال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقال: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] والجواب: أن العرف غيره، ويبعد أن يقال: أنه ﷺ لم يعلم؛ لأنها ثاني جمعة في الإسلام. وأجابوا عن حديث أسعد بأن ذلك كان قبل مقدم رسول الله ﷺ ، فلم يكن بإذنه ولا أمرهم عليه. وادعى بعضهم أن الظاهر أن أسعد لم يجمع بهم إلا بعده ﷺ ، أما في زمانه فلم تقم جمعة إلا في مسجده، وهو عجيب، فالنص أنه كان قبل قدومه، كما سلف، وأسعد مات في السنة الأولى قبل بدر. الحديث الثاني: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا عَبْدُ اللهِ، أنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخبرني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عن أبيه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "كُلُّكُمْ رَاعٍ". وَزَادَ اللَّيْثُ: قَالَ يُونُسُ: كَتَبَ رُزيقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابن شِهَابٍ -وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي القُرى-: هَلْ تَرى أَنْ أُجَمِّعَ؟ وَرُزيقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَرُزيقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ، فَكَتَبَ ابن شِهَابٍ -وَأَنَا أَسْمَعُ- يَأُمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حدَّثهُ أَنَّ ابن عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كلُّكُمْ رَاعٍ" … الحديث بطوله.

стр. 4107

الشرح: حديث: "كلكم راع" أخرجاه (١)، والبخاري اختصره مرة، وطوله في مواضع، وأخرجه مسلم في المغازي (٢) (٣)، وفي إسناده عبد الله ابن وهب. خبَّرني رجل سماه، وعمرو بن الحارث. وهذا الرجل هو: عبد الله بن لهيعة، كما بينه أبو عبد الرحمن الإسفراييني. وطريق الليث ذكرناها، وقد روى الليث حديث: "كلكم راع" بغير هذِه القصة، عن نافع، عن ابن عمر، وهو في مسلم. ورواه البخاري أيضًا في النكاح، ويأتي إن شاء الله تعالى عن عبد الله ابن عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، وقد رواه عن ابن عمر نافع وغيره أيضًا، وعن الزهري شعيب أيضًا، ويونس. رواه عنه عبد الله -وهو ابن المبارك- وعبد الله بن وهب. وشيخ البخاري: بشر بن محمد، مروزي، من أفراد البخاري، ذكره ابن حبان في "ثقاته" وقال: كان مرجئًا، (٤) مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٥).

стр. 4108

إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: رُزيق. بتقديم الراء المضمومة على الزاي. وحُكيم بضم الحاء مصغرًا كما قيده ابن ماكولا (١) وهو أبو حُكيم بضم الحاء أيضًا الفزاري، مولى بني فزارة الأيلي -بفتح الهمزة ثم مثناة تحت والي أيلة لعمر بن عبد العزيز، وقال ابن الحذاء: كان حاكمًا بالمدينة، قال ابن ماكولا: كان عبدًا صالحًا. وقال النسائي: ثقة، وأخرج له في "سننه". وقال علي بن المديني: حَدَّثَنَا سفيان مرة: رزيق بن حكيم، أو حكيم، وكثيرًا ما كان يقول: ابن حكيم بالفتح، والصواب الضم (٢). ثانيها: وادي القرى من أعمال المدينة، وقال ابن السمعاني: وادي القرى: مدينة بالحجاز مما يلي الشام، وفتحها عليه أفضل الصلاة والسلام في جمادى الآخرة سنة سبع من الهجرة لما انصرف من خيبر بعد أن امتنع أهلها وقاتلوا، وذكر بعضهم أنه ﷺ قاتل فيها، ولما فتحها عنوة قسم أموالها، وترك الأرض والنخل في أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، وأقام بها أربع ليال (٣).

стр. 4109

ثالثها: أيلة -بفتح الأول- على وزن فعلة: مدينة على شاطئ البحر في منتصفج ما بين مصر ومكة، كذا ذكر أبو عبيد (١)، والمشاهدة تدفعه. وقال ابن قرقول: مدينة بالشام. وقال السمعاني: بلدة على ساحل بحر القلزم مما يلي مصر. قال البكري: وسميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم، قال: وقد روي أن أيلة هي القرية التي كانت حاضرة البحر، قال: وبتبوك ورد صاحب أيلة على رسول الله ﷺ ، وأعطاه الجزية. وقال محمد بن حبيب وقد أنشد قول كثير عزة: رأيت وأصحابي بأيلة مَوْهِنا … أيلة من رضوى وهو جبل ينبع. وقال اليعقوبي: أيلة مدينة جليلة على شاطئ البحر المالح، وبها يجتمع الحجاج، ومن القلزم إلى أيلة ست مراحل (٢). رابعها: إيراد البخاري هذا الحديث؛ لأجل أن أيلة إما مدينة أو قرية كما سلف، وقد ترجم لهما، والظاهر أن رزيق بن حكيم لما سأل عن الأرض التي فيها السودان، وأقل ذلك أنها تكون قرية صغيرة؛ لأن أيلة بلدة مشهورة كما سلف، ومثلها ممتنع ألا تقام الجمعة فيها قبل ذلك. وجواب الزهري له بقوله: "كلكم راعٍ" معناه: أنه يجب عليك أن تقيم فيهم الأحكام الشرعية؛ لأنه كان واليًا عليهم، فهم رعيته، وإقامتها من الأحكام الشرعية التي يجب إقامتها.

стр. 4110

خامسها: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، وما هو تحت نظره، فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته، فإن وفى ما عليه من الرعاية؛ حصل له الحظ الأوفر، والأجر الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كل أحدٍ من رعيته بحقه. وقال الخطابي: الرعاية: حسن التعهد للشيء، وقد اشتركوا في التسمية على سبيل التسوية، ثم معانيهم مختلفة، فرعاية حياطة الشريعة: إقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله: السياسة لأمرهم وتوفية الحق في النفقة والعشرة، ورعاية المرأة: حسن التدبير في بيته، والنصح له، ورعاية الخادم لسيده: حفظ ما في يده من ماله، والقيام مما يستحق من خدمته. قال: وقد استدل ابن شهاب من هذا الحديث على أن للسيد إقامة الحد على مماليكه، قال: وفي الحديث دليل على إقامة الجمعة بغير سلطان (١). وفيه نظر كما أبداه ابن التين. وقد قال ابن بطال: فيه حجة للكوفيين على أن الجمعة لا تقوم إلا بالأمراء ومن أذن له الأمراء، وزعموا أن الإمامة فيها شرط؛ لأنه ﷺ صلى بهم يوم الجمعة، وخلفاؤه بعده (٢). قال الخطابي: وفيه دليل على أن الرجلين إذا حكَّما بينهما رجلًا نفذ حكمه إذا أصاب (٣).

стр. 4111

وذكر المنذري عن بعضهم أنه استدل به على سقوط القطع عن المرأة إذا سرقت من مال زوجها، وعن العبد إذا سرق من مال سيده، إلا فيما حجبهما عنه، ولم يكن لهما فيه تصرف (١). خاتمة: قد علمت ما في اشتراط المصر من الخلاف، وجوزته الظاهرية في القرى وإن صغرت، وذكر ابن حزم عن عمر بن عبد العزيز أنه صلى بالبطحاء. قال ابن حزم: ومن أعظم البرهان أنه ﷺ أتى المدينة وهي قرى صغار متفرقة: بنو مالك بن النجار، وبنو عدي بن النجار، وبنو مازن بن النجار، وبنو ساعدة، وبنو سالم، وبنو الحارث بن الخزرج، وبنو عمرو بن عوف، وبنو عبد الأشهل، كذلك وسائر بطون الأنصار، فبنى مسجده في بني مالك بن النجار وجمع فيه في قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك (٢). وأثر علي قد علمت ما فيه، وهو أعلم بحال المدينة. ومن شروطها السلطان على قول. قال ابن المنذر: مضت السنة بأن الذي يقيم الجمعة السلطان، أو من قام بها بأمره، فإذا لم يكن ذلك صلوا الظهر (٣). وقال الحسن البصري: أربع إلى السلطان، فذكر منها الجمعة (٤)،

стр. 4112

وقال حبيب بن أبي ثابت: لا تكون الجمعة إلا بأمير وخطبة (١)، وهو قول الأوزاعي، ومحمد بن مسلمة، ويحيى بن عمر المالكي (٢). وعن مالك: إذا تقدم رجل بغير إذن الإمام لم يجزئهم (٣)، وذكر صاحب "البيان" قولًا قديمًا للشافعي أنها لا تصلح إلا خلف السلطان، أو من أذن له (٤). وعن أبي يوسف أن لصاحب الشرطة أن يصلي بهم دون القاضي، وقيل: يصلي القاضي (٥). ورد ابن القصار على من قال باشتراط السلطان بغيرها من الصلوات؛ لأنه ﷺ متولي ذلك، لكن العادة جرت بحضورهما لمقامها لا أن غيره لا يجوز. ومن شروطها الوقت، وقد اتفق أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة أن وقتها وقت الظهر، وبه قال جمهور الصحابة والتابعين والمروي في غالب الأحاديث (٦). وقال ابن العربي: اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس، ولا تجزئ قبل الزوال إلا ما روي عن أحمد أنها تجوز قبله (٧).

стр. 4113

ونقله ابن المنذر عن عطاء وإسحاق (١) والماوردي عن ابن عباس في السادسة (٢)، وفي "المصنف": كان سعد بن أبي وقاص يقيل بعد الجمعة، وعن سهل بن سعد: كنا نتغدى ونقيل بعد الجمعة. وعن سعد الأنصاري قال: كنا نُجمع مع عثمان ثم نرجع فنقيل. وكذا قاله أنس وابن عمر، وحُكي عن عمر وأبي وائل، وسويد بن غفلة، وابن مسعود، وأبي سلمة، وابن أبي الهذيل. وقال مجاهد: ما كان للناس عيد إلا أول النهار، وقال عطاء: كان من قبلكم يصلون الجمعة وإن ظِلَّ الكعبة كما هو. وعن عبد الله بن سلمة: صلى بنا عبد الله الجمعة ضحى وقال: خشيت عليكم الحر (٣). وعبد الله هذا تغير في آخر عمره (٤). ويشبه أن يكون غير محفوظ كما قاله ابن الأثير (٥)، وعن سويد بن سعيد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى (٦).

стр. 4114

قال ابن قدامة: والمذهب جوازها في وقت صلاة العيد، والصحيح عنه أن وقتها من عن صلاة العيد إلى آخر وقت الظهر (١)، ويأتي مزيد للمسألة في باب: وقت الجمعة إن شاء الله تعالى. ومن شروطها الخطبة أيضًا، وهي شرط لصحتها كما ستعلمه في بابه. وشرطها الوقت، فلو خطب قبله وصلى بعده فلا إجزاء وتعاد، وقال مالك: يعيدون الجمعة بخطبة ما لم تغرب. زاد سحنون: ويعيدون الظهر أفرادًا أبدًا، وهو قول جمهور الفقهاء، وانفرد أحمد من الأربعة فقال: يُؤذَّنُ لها وتصلى بعد الزوال (٢). ومن شروطها عند مالك: الجامع (٣). وعندنا: أن تقام في خطة أبنية أوطان المجتمعين (٤). ومن شرطها عند الحنفية: فعلها على وجه الشهرة وقد سلف. ومن شرطها: الجماعة، وقد قام الإجماع على عدم صحتها من المنفرد، وانفرد القاشاني أنها تنعقد بواحد، ولا يعتد بخلافه (٥). وحكى ابن حزم عن بعضهم: أنها ركعتان للفذ والجماعة، وقال:

стр. 4115

إنه خطأ؛ لأن الجمعة اسم إسلامي سمي بذلك؛ لاجتماع الناس فيه للصلاة، اسمًا مأخوذًا من الجمع؛ فلا تكون صلاة الجمعة إلا في جماعة (١). وحكاه القرطبي عن الظاهرية أنها تلزم المنفرد، وهي ظهر ذلك اليوم عنده لكل أحد (٢). واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة ولا تنعقد بدونه على ثلاثة عشر قولًا: أحدها: لا جمعة إلا بأربعين رجلًا فصاعدًا، قاله أبو هريرة والشافعي للاتباع، ففي الدارقطني عن جابر بن عبد الله: مضت السنة في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطر (٣). وفيه ضعف. وقال عبيد الله بن عبد الله: كل قرية فيها أربعون رجلًا فعليهم الجمعة (٤)، وفيه إبراهيم بن محمد وحاله معروف.

стр. 4116

وقال سليمان بن موسى: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المياه: جمعوا إذا بلغتم أربعين رجلًا. رواه الشافعي عن الثقة عبدة (١). وقد سلف حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك فيه، وهو أقل عدد ثبت فيه التوقيف، والجمعة خصت بمزيد تعبد ولم يثبت غيره، فليقتصر عليه، وادعى المزني أنه لا يصح عند أصحاب الحديث ما احتج به الشافعي من أنه ﷺ حين قدم المدينة جمع أربعين رجلًا (٢)؛ لأنه معلوم أنه قدم المدينة وقد تكاثر المسلمون وتوافروا، فيجوز أن يكون جمع في موضع نزوله قبل دخوله نفس المدينة فاتفق له أربعون رجلًا. ثانيها: بخمسين رجلًا فصاعدًا، قاله عمر بن عبد العزيز (٣)، وهو رواية عن أحمد (٤)، وفي الدارقطني من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "في الخمسين جمعة، وليس فيما دون ذلك" وفيه من تكلم فيه (٥). ثالثها: ثلاثين رجلًا حكاه ابن حبيب عن مالك، وحكى مطرف عنه ثلاثون رجلًا وما قاربهم، ولابن الماجشون عنه مثله (٦)، وحكى ابن حزم عنه خمسون رجلًا (٧)، وقال ابن التين المالكي: ليس لعدده حد محصور، ثم حكى بعد عنه ما حكيناه عن مطرف.

стр. 4117

رابعها: بعشرين رجلًا (١). خامسها: بسبعة رجال لا أقل، حكي عن علي ولا دليل لهما. سادسها: قاله أبو حنيفة والليث وزفر ومحمد بن الحسن: إذا كان ثلاثة رجال والإمام رابعهم صلوا جمعة، ولا تكون بأقل، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وأبي ثور، واختاره المزني، وهو أحد قولي الثوري. سابعها: قاله الحسن البصري: تنعقد برجلين والإمام ثالثهم، وهو قول سفيان الثوري الآخر، ورواية عن أحمد، وقول أبي يوسف، وحكي عن أبي ثور أيضًا (٢). وحديث أم عبد الله الدوسية مرفوعًا: "الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة" وفي لفظ: "ثلاثة" (٣) ضعيف.

стр. 4118

ثامنها: بواحد مع الإمام، قاله النخعي والحسن بن حي وداود وأتباعه، ومنهم ابن حزم (١). تاسعها: باثني عشر رجلًا، قاله ربيعة (٢) وكأنه استدل بحديث جابر في قصة العير وتفرقهم عن النبي ﷺ حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلًا، أخرجاه في الصحيحين (٣) ولا دلالة فيه، وقد روي: فلم يبق إلا أربعون (٤). لكن الأول أصح، قال ابن مسعود: فقال ﷺ : "لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد؛ لسال منكم الوادي نارا" (٥) وما قيل: إن الانفضاض كان في الخطبة بعد الصلاة. أنكر. العاشر: بثلاثة عشر رجلًا (٦).

стр. 4119

الحادي عشر: بأربعين من الموالي، حكاه ابن شداد عن عمر بن عبد العزيز (١). الثاني عشر: بثمانين، حكاه المازري (٢). الثالث عشر: بمائتين (٣)، حكاه عياض (٤)، فإنه لما حكى رواية خمسين قال: وقال غيره: يشترط لانعقادها مائتين، كذا حكاه وهو غريب، ولا أبعد تصحيفه بثمانين، وفي "معرفة الصحابة" لأبي نعيم من حديث عبد العزيز بن سعيد، عن أبيه قال: سئل النبي ﷺ عن خمسة نفرٍ كانوا في سفرٍ فخطب بهم رجل منهم يوم الجمعة، ثم صلى بهم. فلم يعب النبي ﷺ عليهم (٥). وأكثر هذِه الأقوال دعوى بلا دليل، وإنما بعضها حالٌ وقع ولا يلزم منه التحديد، يدل على ما سقناه الآن من رواية الخمسة (٦).

стр. 4120

١٢ - باب هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ غُسْلٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيرهِمْ ؟ ٨٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ". [انظر: ٨٧٧ - مسلم: ٨٤٤ - فتح: ٢/ ٣٨٢] ٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". [انظر: ٨٥٨ - مسلم: ٨٤٦ - فتح: ٢/ ٣٨٢] ٨٩٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللهُ، فَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى". فَسَكَتَ. [انظر: ٢٣٨ - مسلم: ٨٥٥ - فتح: ٢/ ٨٣٢] ٨٩٧ - ثُمَّ قَالَ: "حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ". [٨٩٨، ٣٤٨٧ - مسلم: ٨٤٩ - فتح: ٢/ ٣٨٢] ٨٩٨ - رَوَاهُ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لله تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا". [انظر: ٨٩٧ - مسلم: ٨٤٩ - فتح: ٢/ ٣٨٢] ٨٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسَاجِدِ". [انظر: ٨٦٥ - مسلم: ٤٤٢ - فتح ٢/ ٣٨٢] ٩٠٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالعِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ

стр. 4121

فِي المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ؟ قَالَتْ وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ". [٨٦٥ - مسلم: ٤٤٢ - فتح: ٢/ ٣٨٢] ذكر فيه عن ابن عمر تعليقًا: إِنَّمَا الغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الجُمُعَةُ. وخمسة أحاديث: أحدها: حديث سالم عن أبيه مرفوعًا: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ". وقد سلف في باب: فضل الغسل يوم الجمعة (١)، وقال الإسماعيلي: قال فيه الزبيدي ومعمر وغيرهما: عن جده، ووجه المناسبة للباب أن النساء والصبيان لا يجب عليهم المجيء للجمعة فلا غسل إذن، فإن حضروا فقد سلف الخلاف فيه. ثانيها: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "غُسْلُ يَوْم الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". وقد سلف في الباب المذكور بما فيه (٢). ثالثها: حديث أبي هريرة: "نَحْنُ الآخِرُونَ" .. الحديث رَوَاهُ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ. والحديث سلف أول الجمعة (٣)، وفيه هنا زيادة، وهي قوله: (فسكت، ثم قال: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما، يغسل فيه رأسه وجسده").

стр. 4122

ورواية أبان فيه: "على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما" وأبان هذا ثقة حاكم بالمدينة. والحديث قال على مطلوبية الغسل على الصبي والمرأة؛ لدخولهما في قوله: "كل مسلم" ويؤيده قول من يقول: إنه من سنة اليوم. وأجمع أئمة الفتوى على أنه لا جمعة على النساء والصبيان (١)، وقال ابن المنير: لا خلاف أن من لم يشهدها ليست واجبة عليه؛ إذ لا يخاطب بها (٢). رابعها: حديث ابن عمر: "ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ" خامسها: حديثه أيضًا. (كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح). وفي آخره: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ". وهو من أفراد البخاري بهذِه السياقة، وشيخ البخاري: يوسف بن موسى وهو القطان، لم يخرج له مسلم، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين. ووجه المناسبة أنهن إذا لم يمنعهن ليلًا منعهن نهارًا، والجمعة نهارية، ولم يأذن فيها أيضًا. والحديث الآخر على إذا أرادتها، وشهود زوجة عمر العشاء والصبح قال على أن الصحابة فهمت الإذن بالليل والغلس فقط، على ما بوب به البخاري قبل هذا، وأن الجمعة لا إذن لهن فيها، وقوله

стр. 4123

في حديث أبي هريرة: "فغدًا لليهود" قال ابن التين: كذا وقع بالألف وصوابه: فغد، وأصل غد: غدو مثل يد أصلها يدي، فحذفت واو غد بغير عوض. ووقع في كلام ابن بطال أن الشافعي لا يستحب الغسل لغير المحتلمين إذا حضروا، ومشهور مذهبه ستحبابه، قال: وقوله ﷺ : "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" يرد على من استحبه في السفر؛ لأنه شرط الغسل لشهود الجمعة، فمن لزمته اغتسل، ومن لا سقط عنه الغسل كما قاله ابن عمر (١).

стр. 4124

١٤ - باب الرُّخصَةِ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الجُمُعَةَ فِي المَطَرِ ٩٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ. [انظر: ٦١٦ - مسلم: ٦٩٩ - فتح: ٢/ ٣٨٤] ذكر فيه حديث عبد الله بن الحارث قَالَ ابن عَبَّاسٍ لِمُؤَذنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ .. الحديث. وقد سلف في باب: الكلام في الأذان (١) وباب: هل يخطب يوم الجمعة في المطر (٢)، وقد اختلف العلماء في التخلف عن الجمعة بالمطر، فممن كان يتخلف عنها بذلك ابن سيرين وعبد الرحمن بن سمرة، وهو قول أحمد وإسحاق، واحتجوا بهذا الحديث (٣)، وقالت طائفة: لا يتخلف عن الجمعة، وروى ابن نافع: قيل لمالك: أيتخلف عن الجمعة في اليوم المطير؟ قال: ما سمعت. قيل له: في الحديث: "ألا صلوا في الرحال" (٤) قال: ذلك في السفر وقد رخص في تركها بأعذار أخر غير المطر، روى ابن القاسم عن مالك أنه أجاز أن يتخلف عنها بجنازة أخ من إخوانه؛ لينظر في أمره، قال ابن حبيب عن مالك: وكذا إن كان له مريض يخشى عليه الموت (٥).

стр. 4125

وقد رأى ابن عمر ابنا لسعيد بن زيد ذكر له شكواه فأتاه إلى العقيق وترك الجمعة (١)، وهو مذهب عطاء والأوزاعي، وقاله الشافعي في الولد أو (٢) الوالد إذا خاف فوات نفسه، وقال عطاء: إذا استُصرخ على أبيك يوم الجمعة والإمام يخطب فقم إليه واترك الجمعة، وقال الحسن: يرخص في الجمعة للخائف (٣). قال مالك في "الواضحة": وليس على المريض والشيخ (٤) الفاني جمعة (٥)، وقال أبو مجلز: إذا اشتكى بطنه لا يأتي الجمعة (٦). وقال ابن حبيب: أرخص ﷺ في التخلف عنها لمن شهد الفطر والأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن المدينة؛ لما في رجوعه من المشقة لما أصابهم من شغل العيد، وفعله عثمان لأهل العوالي (٧)، واختلف قول مالك فيه (٨)، والصحيح عند الشافعية: السقوط (٩).

стр. 4126

واختلف في تخلف العروس أو المجذوم (١)، حكاه ابن التين، واعتبر بعضهم شدة المطر. واختلف عن مالك: هل عليه أن يشهدها؟ وكذا روي عنه ممن يكون مع صاحبه فيشتد مرضه لا يدع الجمعة إلا أن يكون في الموت (٢). وقوله: (الطين والدَّحض): قال في "المطالع": كذا للكافة، وعند القابسي بالراء، وفسره بعضهم مما يجري في البيوت من الرحاضة، وهو بعيد، إنما الرحض: الغسل، والمرحاض: خشبة يضرب بها الثوب ليغسل عند الغسل. وأما ابن التين فذكره بالراء وقال: كذا لأبي الحسن بالراء. والدحض: بالدال، كذا في رواية أبي ذر، وهو: الزلق. ورحضت الشيء: غسلته. ومنه: المرحاض. أي: المغتسل. وما له هنا وجه إلا أن يريد أنه يشبه الأرض أصابها المطر بالمغتسل، وهو المرحاضة؛ لأنها تكون حينئذٍ زلقة (٣).

стр. 4127

١٥ - باب مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الجُمُعَةُ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ لِقَوْلِ الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة:٩] وقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا كُنْتَ فِي قَرْيَةِ جَامِعَةٍ، فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا، سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ. وَكَانَ أَنَسٌ فِي قَصْرِهِ أَحْيَانًا يُجَمِّعُ وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ، وَهْوَ بِالزَّاوِيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ. ٩٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِى، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ، يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهْوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا" [٩٠٣، ٢٠٧١ - مسلم: ٨٤٧ - فتح: ٢/ ٣٨٥] وهذا التعليق (١) رواه ابن أبي شيبة بنحوه كما سلف في باب الجمعة في القرى. وذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: كَانَ النَاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلهِمْ وَالعَوَالِي .. الحديث. وهذا الحديث يأتي إن شاء الله في البيوع (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا عن أحمد بن عيسى بإسناده (٣).

стр. 4128

ووقع في "أطراف خلف" أنه رواه عن هارون بن عيسى، وهو غريب ولا أعلم في مشايخه من يسمى بذلك. وقال الطرقى: أخرجه مسلم عن أحمد بن عيسى وهارون الأيلي، وهو هارون بن سعيد، ولا أعلم في أجداده عيسى، ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح (١). وشيخ البخاري: أحمد، وهو ابن عبد الله، كما ذكره أبو نعيم (٢)، ثم روى الحديث هو والإسماعيلي كطريق مسلم: أحمد بن عيسى كما سلف. وذكر الجياني أن البخاري روى عن أحمد -يعني: غير مسمى- عن ابن وهب في: كتاب الصلاة في موضعين، وقال: حَدَّثَنَا أحمد، ثنا ابن وهب. قال: ونسبه أبو علي بن السكن في نسخة فقال: فيه أحمد بن صالح المصري. وقال الحاكم أبو عبد الله: روى البخاري في باب الصلاة في ثلاث مواضع (٣): عن أحمد، عن ابن وهب. فقيل: إنه ابن صالح المصري. وقيل: ابن عيسى التستري. ولا يخلو أن يكون واحدًا منهما، وقد روى عنهما في "الجامع"، ونسبهما في مواضع. وذكر أبو نصر الكلاباذي قال: قال لي أبو أحمد: -يعني: الحاكم- أحمد عن ابن وهب في "الجامع"، هو ابن أخي ابن وهب. قال الحاكم أبو عبد الله: من قال هذا فقد وهم وغلط، دليله أن المشايخ الذين ترك البخاري الرواية عنهم في "الجامع" قد روى عنهم

стр. 4129

في سائر مصنفاته، كأبي صالح وغيره، وليس له عن ابن أخي ابن وهب رواية في موضع، فهذا يدل على أنه لم يكتب عنه أو كتب عنه، ثم ترك الرواية عنه أصلًا (١). وقال الكلاباذي: قال ابن منده: كلما قال البخاري في "الجامع": حَدَّثَنَا أحمد. عن ابن وهب. فهو ابن صالح، ولم يخرج عن ابن أخي ابن وهب في "الصحيح"، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه (٢). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: وجه مناسبة الآية الباب ظاهر، فقوله: (وعلى من تجب). أي: إنها تجب على كل مؤمن، ومفهومه: نفيه عمن لم يؤمن. وللوجوب شروط محل الخوض فيها كتب الفقه، وأوجبها داود على العبيد (٣)، وهو قول لمالك، والمشهور خلافه (٤)، وفيه خلاف شاذ في حق المسافر. ثانيها: في ألفاظه: معنى: ينتابون: يجيئون. والانتياب: المجيء يوما، والاسم: الثوب. وأصله ما كان من قريب كالفرسخ والفرسخين. وقولها: (فيأتون في الغبار)، يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم

стр. 4130

العرق. قال صاحب "المطالع": كذا رواه الفربري، وحكاه الأصيلي عن النسفي، قال: وهو وهم، والصواب: فيأتون في الغبار، ويصبهم الغبار، فيخرج منهم الريح. وقال: كذا هو عند القابسي. قلت: وهو ما شرحه النووي في "شرحه" حيث قال: فيأتون في العباء، هو بالمد جمع عباءة بالمد، وعباية بزيادة ياء لغتان مشهورتان (١). ثالثها: في أحكامه: اختلف العلماء في هذا الباب -أعني من كان خارج العصر- فقالت طائفة: تجب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله، روي ذلك عن أبي هريرة وأنس وابن عمر ومعاوية، وهو قول نافع، والحسن، وعكرمة، والحكم، والنخعي، وأبي عبد الرحمن السلمي، وعطاء، والأوزاعي، وأبي ثور، حكاه ابن المنذر عنهم بحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" (٢) رواه الترمذي والبيهقي وضعفاه (٣) وعن أبي يوسف في رواية: من ثلاثة فراسخ. وأخرى: إذا كان منزله خارج المصر. وعنه: إن شهدها وأمكنه المبيت في أهله تجب. واختاره كثير من مشايخ الحنفية، وعن أبي حنيفة: تجب إذا كان يجبى خراجها مع المصر. وفي "الذخيرة" للحنفية في ظاهر الرواية: لا يجب شهودها إلا على

стр. 4131

من سكن المصر والإرباض دون السواد، سواء كان قريبًا من المصر أو بعيدًا عنها. وعن محمد: إذا كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة فعليه الجمعة، وهو قول مالك والليث. وفي "منية المفتي": على أهل السواد الجمعة إذا كان على قدر فرسخ، هو المختار. وعنه: إذا كانوا أقل من فرسخين تجب (١). وعن معاذ بن جبل: يجب الحضور من خمسة عشر فرسخًا (٢). وفي "المحيط" عن أبي يوسف: إذا سمع النداء. وفي المرغيناني: وقيل: منتهى صوت المؤذن. واعتبر الشافعي سماع النداء إذا بلغه بشرط علوه مع الهدوء من طرف يليه لبلد الجمعة، وبه قال ابن عمرو وابن المسيب وأحمد وإسحاق (٣). وحكاه ابن بطال عن مالك (٤) أيضًا لحديث ابن عمرو يرفعه: "الجمعة على من سمع النداء" (٥) وروي موقوفًا أيضًا. قال البيهقي: الذي رفعه ثقة وله شواهد (٦). قال ابن المنذر: يجب عند ابن المنكدر وربيعة [و] (٧) الزهري في

стр. 4132

رواية: من أربعة أميال (١). وقال الزهري أيضًا: ستة أميال (٢). وحكاه ابن التين عن النخعي، وعن مالك (٣) والليث: ثلاثة أميال وقد سلف ووجهه أنها نهاية ما يبلغه النداء على ما جرت. وحكى أبو حامد عن عطاء: عشرة أميال. واختلف أصحاب مالك: هل مراعاة ثلاثة أميال من المنار أو من طرف المدينة؟ فالأول قاله القاضي أبو محمد (٤)، والثاني قاله محمد بن عبد الحكم (٥). قال مالك: لأن بين أبعد العوالي وبين المدينة ثلاثة أميال (٦). وسميت العوالي: لإشراف موضعها، وقال أحمد بن خلف: العوالي من طرف المدينة. وليس بصحيح. كما قال ابن التين، بل قباء من أدنى العوالي. وفي البخاري عن أنس: وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال (٧). ونقل ابن بطال عن الكوفيين: لا تجب إلا على أهل المصر، ومن كان خارجه فلا تجب عليه وإن سمع النداء. وعن حذيفة: ليس على من علا رأس ميل جمعة (٨).

стр. 4133

وقال المهلب: نص القرآن دال على أن الجمعة تجب على من سمع النداء وإن كان خارج المصر، وهذا أصح الأقوال. قال ابن القصار: اعتل الكوفيون لقولهم: إن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر؛ لأن الأذان علم لمن لم يحضر، والأذان بعد دخول الوقت، ومعلوم أن من يسمع على أميال يأخذ في المشي فلا يلحق، فيقال لهم معنى الآية: إذا قرب وقت النداء لها بمقدار ما يدركها كل ساع إليها، وليس على أنه لا يجب السعي إليها إلا حين النداء. والعرب قد تضع البلوغ بمعنى المقاربة، لقوله: "إن ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت" (١). أي: قاربت الصباح، ومثله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] أي: قاربن. لأنه إذا بلغت آخر أجلها لم يكن له إمساكها. وفي الإجماع على أن من كان في طرف المصر العظيم وإن لم يسمع النداء يلزمه السعي دليل واضح أنه لم يرد بالسعي حين النداء خاصة، وإنما أريد قربه. وأما من كان خارج المصر إذا سمع النداء فهو داخل في عموم قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاة﴾ [الجمعة: ٩] الآية، ولم يخص من في المصر أو خارجه، وأما حديث الباب ففيه رد لقول الكوفيين: إن الجمع لا تجب على من كان خارج المصر؛ لأنها أخبرت عنهم بفعل دائم: أنهم كانوا ينتابون الجمعة. فدل على لزومها عليهم. قال محمد بن مسلمة: ومما يبين أن الجمعة لازمة لأهل العوالي إذن عثمان لهم يوم العيد في الانصراف، ولولا وجوبها عليهم ما أذن لهم،

стр. 4134

وما روي عن أنس السالف، فالفرسخ: ثلاثة أميال. ولو كان لازمًا عنده شهودها لمن كان على ستة أميال لما تركها بعض المرات (١). قال ابن التين: وفعل أنس يرد على النخعي في اعتبار ستة أميال؛ لأن الفرسخ: ثلاثة أميال وزيادة يسيرة. وإن كان خارج المصر. وقوله: (كان أنس أحيانًا يجمع). يعني: أحيانًا يأتي المصر وأحيانًا لا يأتي؛ لأن فرسخين كثير، فإذا أراد الفضل أتى، وإن ترك كان في سعة. وقول عائشة: (كان الناس ينتابون الجمعة). ليس مما يمنع تأكد الغسل؛ لأن بعض السنن تترك لسبب كما في الرمل.

стр. 4135

١٦ - باب وَقْتُ الجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَذَلِكَ يُرْوى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيِّ وَالنُعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْث ﵁. ٩٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَتْ: قَالَت عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. [انظر: ٩٠٢ - مسلم: ٨٤٧ - فتح: ٢/ ٣٨٦] ٩٠٤ - حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رضى الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ. [فتح: ٢/ ٣٨٦] ٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُبَكِّرُ بِالجُمُعَةِ، وَنَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ. [٩٤٠ - فتح: ٢/ ٣٨٧] ثم ساق حديث يحيى بن سعيد أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. وحديث أنس أنه ﵇ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ. وحديثه أيضًا: كُنَّا نُبَكِّرُ بِالجُمُعَةِ، وَنَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ. الشرح: إنما صدر البخاري ﵀ بالصحابة الباب؛ لأنه قد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال من طريق لا يثبت. كما قال ابن بطال: رواه وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج الكلابي عن عبد الله بن سيدان السلمي. قال:
следующие страницы →