← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

من سكن المصر والإرباض دون السواد، سواء كان قريبًا من المصر أو بعيدًا عنها. وعن محمد: إذا كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة فعليه الجمعة، وهو قول مالك والليث. وفي "منية المفتي": على أهل السواد الجمعة إذا كان على قدر فرسخ، هو المختار. وعنه: إذا كانوا أقل من فرسخين تجب (١). وعن معاذ بن جبل: يجب الحضور من خمسة عشر فرسخًا (٢). وفي "المحيط" عن أبي يوسف: إذا سمع النداء. وفي المرغيناني: وقيل: منتهى صوت المؤذن. واعتبر الشافعي سماع النداء إذا بلغه بشرط علوه مع الهدوء من طرف يليه لبلد الجمعة، وبه قال ابن عمرو وابن المسيب وأحمد وإسحاق (٣). وحكاه ابن بطال عن مالك (٤) أيضًا لحديث ابن عمرو يرفعه: "الجمعة على من سمع النداء" (٥) وروي موقوفًا أيضًا. قال البيهقي: الذي رفعه ثقة وله شواهد (٦). قال ابن المنذر: يجب عند ابن المنكدر وربيعة [و] (٧) الزهري في

стр. 4132

رواية: من أربعة أميال (١). وقال الزهري أيضًا: ستة أميال (٢). وحكاه ابن التين عن النخعي، وعن مالك (٣) والليث: ثلاثة أميال وقد سلف ووجهه أنها نهاية ما يبلغه النداء على ما جرت. وحكى أبو حامد عن عطاء: عشرة أميال. واختلف أصحاب مالك: هل مراعاة ثلاثة أميال من المنار أو من طرف المدينة؟ فالأول قاله القاضي أبو محمد (٤)، والثاني قاله محمد بن عبد الحكم (٥). قال مالك: لأن بين أبعد العوالي وبين المدينة ثلاثة أميال (٦). وسميت العوالي: لإشراف موضعها، وقال أحمد بن خلف: العوالي من طرف المدينة. وليس بصحيح. كما قال ابن التين، بل قباء من أدنى العوالي. وفي البخاري عن أنس: وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال (٧). ونقل ابن بطال عن الكوفيين: لا تجب إلا على أهل المصر، ومن كان خارجه فلا تجب عليه وإن سمع النداء. وعن حذيفة: ليس على من علا رأس ميل جمعة (٨).

стр. 4133

وقال المهلب: نص القرآن دال على أن الجمعة تجب على من سمع النداء وإن كان خارج المصر، وهذا أصح الأقوال. قال ابن القصار: اعتل الكوفيون لقولهم: إن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر؛ لأن الأذان علم لمن لم يحضر، والأذان بعد دخول الوقت، ومعلوم أن من يسمع على أميال يأخذ في المشي فلا يلحق، فيقال لهم معنى الآية: إذا قرب وقت النداء لها بمقدار ما يدركها كل ساع إليها، وليس على أنه لا يجب السعي إليها إلا حين النداء. والعرب قد تضع البلوغ بمعنى المقاربة، لقوله: "إن ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت" (١). أي: قاربت الصباح، ومثله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] أي: قاربن. لأنه إذا بلغت آخر أجلها لم يكن له إمساكها. وفي الإجماع على أن من كان في طرف المصر العظيم وإن لم يسمع النداء يلزمه السعي دليل واضح أنه لم يرد بالسعي حين النداء خاصة، وإنما أريد قربه. وأما من كان خارج المصر إذا سمع النداء فهو داخل في عموم قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاة﴾ [الجمعة: ٩] الآية، ولم يخص من في المصر أو خارجه، وأما حديث الباب ففيه رد لقول الكوفيين: إن الجمع لا تجب على من كان خارج المصر؛ لأنها أخبرت عنهم بفعل دائم: أنهم كانوا ينتابون الجمعة. فدل على لزومها عليهم. قال محمد بن مسلمة: ومما يبين أن الجمعة لازمة لأهل العوالي إذن عثمان لهم يوم العيد في الانصراف، ولولا وجوبها عليهم ما أذن لهم،

стр. 4134

وما روي عن أنس السالف، فالفرسخ: ثلاثة أميال. ولو كان لازمًا عنده شهودها لمن كان على ستة أميال لما تركها بعض المرات (١). قال ابن التين: وفعل أنس يرد على النخعي في اعتبار ستة أميال؛ لأن الفرسخ: ثلاثة أميال وزيادة يسيرة. وإن كان خارج المصر. وقوله: (كان أنس أحيانًا يجمع). يعني: أحيانًا يأتي المصر وأحيانًا لا يأتي؛ لأن فرسخين كثير، فإذا أراد الفضل أتى، وإن ترك كان في سعة. وقول عائشة: (كان الناس ينتابون الجمعة). ليس مما يمنع تأكد الغسل؛ لأن بعض السنن تترك لسبب كما في الرمل.

стр. 4135

١٦ - باب وَقْتُ الجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَذَلِكَ يُرْوى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيِّ وَالنُعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْث ﵁. ٩٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَتْ: قَالَت عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. [انظر: ٩٠٢ - مسلم: ٨٤٧ - فتح: ٢/ ٣٨٦] ٩٠٤ - حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رضى الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ. [فتح: ٢/ ٣٨٦] ٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُبَكِّرُ بِالجُمُعَةِ، وَنَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ. [٩٤٠ - فتح: ٢/ ٣٨٧] ثم ساق حديث يحيى بن سعيد أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. وحديث أنس أنه ﵇ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ. وحديثه أيضًا: كُنَّا نُبَكِّرُ بِالجُمُعَةِ، وَنَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ. الشرح: إنما صدر البخاري ﵀ بالصحابة الباب؛ لأنه قد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال من طريق لا يثبت. كما قال ابن بطال: رواه وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج الكلابي عن عبد الله بن سيدان السلمي. قال:

стр. 4136

شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره (١). رواه الدارقطني (٢)، وأحمد في رواية ابنه عبد (٣) الله، وثابت ثقة، كما قاله أبو داود وغيره (٤)، وابن سيدان وثقه العجلي (٥)، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٦)، وابن سعد في جملة الصحابة (٧)، وكذا ابن شاهين وبعده أبو موسى وغيره (٨).

стр. 4137

وأما ابن بطال فقال: عبد الله بن سيدان لا يعرف، والصحيح عن الصحابة ما ذكره البخاري، ونحوه ذكر عن مالك عن عمر في قصة طنفسة عقيل (١). قلت: ورواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن وكيع، عن جعفر بن برقان به (٢). وقال ابن حزم: روينا عن عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع الصديق، فذكره، ثم ذكر حديث "الموطأ" السالف. وفيه: ثم يرجع بعد صلاة الجمعة فيقيل قائلة الضحى. قال: وهذا يوجب أن صلاة عمر الجمعة كانت قبل الزوال؛ لأن ظل الجدار ما دام في المغرب منه شيء فهو قبل الزوال، فإذا زالت الشمس صار الظل في الجانب الشرقي ولابد (٣). وطريق علي قد ذكره ابن أبي شيبة عن وكيع عن (أبي العنبس عن عمرو بن مروان) (٤) عن أبيه قال: كنا نجمع مع علي إذا زالت الشمس (٥).

стр. 4138

وعن علي بن مسهر، ثنا إسماعيل بن سميع، عن ابن أبي رزين قال: كنا نصلي مع علي الجمعة، فأحيانًا نجد فيئًا وأحيانًا لا نجد (١)، وهو إسناد جيد. وقال ابن حزم: روينا عن أبي (٢) إسحاق: شهدت عليًّا يصلي الجمعة إذا زالت الشمس (٣). وقال ابن الأثير: روى زهير، عن أبي إسحاق أنه صلى خلف علي الجمعة، فصلاها بالهاجرة بعد ما زالت الشمس، وأنه رآه قائمًا يصلي. وطريق النعمان رواه ابن أبي شيبة بإسناد جيد عن عبيد الله بن موسى، ثنا حسن بن صالح، عن سماك قال: كان النعمان يصلي بنا الجمعة بعد ما تزول الشمس (٤). والنعمان بن بشير هذا قتل بأرض حمص سنة أربع وستين. وطريق عمر بن حريث رواه ابن أبي شيبة أيضًا بإسناد جيد: حَدَّثَنَا محمد بن بشر العبدي، ثنا عبد الله بن الوليد، عن الوليد بن العيزار قال: ما رأيت إمامًا كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث، كان يصليها إذا زالت الشمس (٥). وعمرو هذا والي الكوفة، مات بها سنة خمس وثمانين، كانت أمه

стр. 4139

حاملًا به يوم بدر، وقال الواقدي: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثنتي عشرة سنة (١). وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم أيضًا (٢)، ولأبي داود: مهان أنفسهم (٣). وللبيهقي: عمال أنفسهم (٤). وللإسماعيلي: كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كُفاة، فكان يكون لهم تفل. ومناسبة الحديث للباب أن في الحديث: فكانوا إذا راحوا إلى الجمعة. والرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وقد سلف ما نحن فيه. ومهنة أنفسهم. أي: يباشرون خدمة أموالهم، وهي بفتح الميم، وقد تكسر. قال ابن التين: رويناه بفتح الميم والهاء، جمع ماهن، وهو الخادم. وفي رواية أبي ذر: المهنة -بكسر الميم وسكون الهاء- الخدمة. يكون معناه بإسقاط محذوف. أي: ذو خدمة أنفسهم. وأما حديث أنس الأول فهو من أفراده، وأخرجه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح (٥). وفي لفظ: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة إذا زالت الشمس (٦).

стр. 4140

وشيخ البخاري فيه سريج بن النعمان بالسين المهملة. أما بالمعجمة فتابعي، عن عليِّ ليس في "الصحيح" (١). وأما حديثه الثاني فهو من أفراده أيضًا، وعبد الله المذكور في إسناده هو ابن المبارك. قال الترمذي: وفي الباب عن سلمة بن الأكوع وجابر والزبير بن العوام، وهو الذي أجمع عليه أكثر أهل العلم أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس كوقت الظهر، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. قال: ورأى بعضهم أن صلاة الجمعة إذا صليت قبل الزوال أنها تجوز أيضًا. وقال أحمد: ومن صلاها قبل الزوال كأنه لم ير عليه إعادة (٢)، وحديث سلمة وجابر أخرجهما ابن أبي شيبة (٣). ومعنى: (نبكر بالجمعة): أي: نصليها بعد الزوال في أول الوقت، وهو وقت الرواح عند العرب، قاله ابن بطال (٤). وأغرب ابن التين فقال: يبكر، أي: يعجل بذلك قبل الزوال ما بين الغدو إلى أن تزول الشمس بكرة وغدوة. وقوله: (نقيل بعد الجمعة). يعني: أنهم كانوا يقيلون بعد الصلاة به، بدلًا من القائلة التي امتنعوا منها بسبب تبكيرهم إلى الجمعة.

стр. 4141

ويقيل بفتح أوله؛ لأنه ثلاثي. قال تعالى: ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] وقد أجمع العلماء على أن وقت الجمعة بعد زوال الشمس، إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: جائز فعلها في وقت صلاة العيد (١) لأنها صلاة عيدٍ، كذا نقل الإجماع، وحكى هذِه الحكاية عن مجاهد ابن بطال في "شرحه"، ثم قال: وقال أحمد: يجوز قبل الزوال (٢). وقد أسلفنا عن الترمذي إجماع أكثر أهل العلم أيضًا على أن وقتها بعد الزوال، وكذا قال ابن العربي: اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس ولا يجزئه قبل الزوال، إلا ما روي عن أحمد بن حنبل أنه يجوز قبل الزوال (٣). ونقله ابن المنذر عن عطاء إسحاق (٤)، ونقله الماوردي عن ابن عباس في السادسة (٥). قال ابن المنذر: وروي ذلك بإسناد لا يثبت عن أبي بكر وعمر وابن مسعود ومعاوية (٦). وقال ابن قدامة: المذهب جوازها في وقت صلاة العيد (٧)، وقد أسلفنا ذلك في أثناء باب: الجمعة في القرى والمدن بزيادة.

стр. 4142

قال ابن حزم: وفرق مالك بين آخر وقت الجمعة وبين آخر وقت الظهر على أنه يوافق أن وقتها هو أول وقت الظهر (١). ونقل ابن التين أن آخر وقتها عند ابن القاسم وأشهب ومطرف آخر وقت الظهر ضرورة واختيارًا؛ لأنها بدلًا عنها (٢). وعند ابن الماجشون وأصبغ وابن عبد الحكم: إلى صلاة العصر (٣). واحتج الإمام أحمد بأحاديث: أحدها: حديث جابر: كان ﷺ يصلي الجمعة ثم نذهب بجمالنا -يعني: النواضح- فنريحها حين تزول الشمس. أخرجه مسلم (٤). نعم في النسائي: ثم نرجع فنريح نواضحنا. قال محمد بن علي: قلت: أية ساعة؟ قال: زوال الشمس (٥). وأيضًا فإنه أخبر أن الصلاة والرواح كانا حين الزوال؛ لأن الصلاة قبله. فإن قلت: قوله: (حين تزول الشمس). لا يسع هذِه الجملة، فالجواب أن المراد نفس الزوال ما يدانيه. ثانيها: حديث سلمة بن الأكوع: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به أخرجاه، وفي رواية لهما: وليس للحيطان ظل (٦). وهذِه حجة للجماعة في كونها

стр. 4143

بعد الزوال؛ لأنه ليس فيه نفي الظل مطلقًا، وإنما هو نفي فيء كثير يستظل به المار، ويوضحه الرواية الأخرى: نتتبع الفيء. فصرح بوجود الفيء، لكنه قليل، ومعلوم أن حيطانهم قصيرة وبلادهم متوسطة من الشمس، فلا يظهر هناك الفيء بحيث يستظل به إلا بعد زمن طويل، وقد جاء في رواية لمسلم: كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء (١). ولم يذكر البخاري هذِه الزيادة، وهي: إذا زالت الشمس. وهي محل الحاجة. الثالث: حديث سهل بن سعد: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة على عهد رسول الله ﷺ . أخرجاه وسيأتي (٢). الرابع: حديث أنس الذي ذكره البخاري آخر الباب، ونستدل له أيضًا مما رواه عطاء قال: اجتمع يوم فطر ويوم جمعة على عهد ابن الزبير فجمعهما جميعًا، فصلاهما ركعتين بكرة، ثم لم يزد عليهما حتى صلى العصر. رواه أبو داود (٣)، وفي رواية: فسئل ابن عباس عن ذلك. فقال: أصاب السنة (٤). وأسلفنا أثر عبد الله ومعاوية في الباب المشار إليه.

стр. 4144

وفي "الموطأ" عن عمرو بن يحيى، عن ابن أبي سليط، عن عثمان ابن عفان: صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بملل. قال ابن أبي سليط: وكنا نصلي الجمعة مع عثمان وننصرف وما للجدر ظل. قال مالك: وذلك التهجير وسرعة السير (١). وقال ابن حزم: بين المدينة وملل اثنان وعشرون ميلًا (٢)، ولا يجوز البتة أن تزول الشمس ثم يخطب ويصلي الجمعة، ثم يمشي هذِه المسافة قبل اصفرار الشمس، إلا من ركض ركض البريد (٣). ولأن الجمعة عيد لقوله ﷺ : "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان" (٤) ولقوله: "إن هذا يوم جعله الله عيد المسلمين" (٥) فصار كالفطر والأضحى، فيصح في وقتها، ولأنها جهر شابهته.

стр. 4145

واحتج الجمهور بحديث أنس الأول: كان ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس. وفي رواية: إذا مالت الشمس (١). ورجح بعضهم حديثه هذا على حديثه الآخر بأمرين: أحدهما: أن هذِه الرواية أضافها أنس إلى زمنه ﷺ بخلاف الأخرى. الثاني: أن قوله: (كنا نبكر). أي: نأتيها بكرة لأجل البدنة وما بعدها، وكان يؤخر القيلولة إلى بعد صلاة الجمعة؛ لأنه لو قال قبلها لفاتهم فضيلة البدنة، وهذا سبب إخراج البخاري له في هذا الباب. واحتجوا أيضًا بحديث عائشة في الباب، وبحديث سلمة وجابر السالف، وبحديث الزبير بن العوام: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة ثم نبتدر الفيء فما يكون إلا موضع القدم أو القدمين. أودعه الحاكم في "مستدركه"، ثم قال: صحيح الإسناد (٢). وروى ابن أبي شيبة، عن سفيان، عن عمرو، عن يوسف بن ماهك قال: قدم معاذ مكة وهم يجمعون في الحجر، فقال: لا تجمعوا حتى تفيء الكعبة من وجهها (٣). ورواه الشافعي عن سفيان، وقال: وجهها الباب. يريد معاذ: حتى تزول الشمس (٤).

стр. 4146

وروى هشيم، عن منصور، عن الحسين قال: وقت الجمعة عند الزوال (١). وعنه عن مغيرة عن إبراهيم قال: وقت الجمعة وقت الظهر (٢). وبالآثار السالفة. وقال ابن حزم: روينا عن ابن عباس: خرج علينا عمر حين زالت الشمس، فخطب. يعني: للجمعة (٣). وفي "المصنف" عن المغيرة، قال: وقت الجمعة وقت الظهر. وعن بلال العبسي: أن عمارًا صلى بالناس الجمعة، والناس فريقان، بعضهم يقول: زالت الشمس. وبعضهم يقول: لم تزل (٤). وقال ابن عون: كانوا يصلون الجمعة في عهد عمر بن عبد العزيز والفيء هنيهة. وعن الحسن: وقت الجمعة عند زوال الشمس. وعند ابن ماجه عن سعد القرظ قال: كان يؤذن على عهد رسول الله ﷺ إذا كان الفيء مثل الشراك (٥)، وهو المعروف من فعل السلف والخلف قاطبة. قال الشافعي: صلى النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال (٦)، وأما حديث جابر وما بعدها فكلها

стр. 4147

محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إبراد ولا غيره. والإبراد بها ستعلمه بعد هذا إثر الباب. وأما حديث سهل فلأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوات التبكير إليها، فكانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى بعد الصلاة، وقد أسلفنا ذلك، ويؤيده فعل عمر في حديث الطنفسة السالف، وأما الأثر عن أبي بكر وعمر وعثمان فقد أسلفناها. وادعى النووي الاتفاق على ضعفها قال: لأن ابن سيدان ضعيف عندهم، كذا قال، وقد عرفت حاله. قال: ولو صح لكان متأولًا لمخالفة الأحاديث الصحيحة (١). وكأنه استند إلى قول ابن المنذر: الأثر عن أبي بكر وعمر وابن مسعود في جواز صلاة الجمعة قبل الزوال لا يثبت (٢). وقال ابن بطال: الآثار عن هؤلاء الصحابة لا تثبت (٣). وكذا قال ابن التين، ثم الجمعة لا تخلو إما أن تكون ظهر اليوم فوقتها لا يختلف، أو بدلًا عنها فكذلك؛ لأن الأبدال لا تتقدم مبدلاتها، كالقصر في السفر لا يخرج الصلاة عن أوقاتها. وقد أسلفنا أن البخاري إنما صدر الباب بالصحابة؛ لأنه قد روي عنهم خلافه من طريق لا يثبت، وهو أولى من قول أبي عبد الملك؛ لأنه لم يجد من الشارع في وقت صلى فيه حديثًا (٤)؛ بل هو عجيب، فقد ذكر فيه حديث أنس، وهو صريح فيه.

стр. 4148

١٧ - باب إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ يَومَ الجُمُعَهَ ٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ -هُوَ: خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، يَعْنِى: الجُمُعَةَ. قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ: بِالصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لأَنَسٍ ﵁: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ؟ [فتح: ٢/ ٣٨٨] ذكر فيه حديث حرمي بن عمارة عن أبي خلدة خالد بن دينار: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ. يَعْنِي: الجُمُعَةَ. وقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ: بِالصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: ثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لِأَنَسٍ ﵁: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ؟ الشرح: هذا الحديث انفرد به عن مسلم، وأخرجه النسائي (١) وفي روايةٍ أن الحكم بن أيوب أخر صلاة الجمعة، فتكلم يزيد الضبي، ونادى أنس بن مالك: يا أبا حمزة، شهدت الصلاة مع رسول الله ﷺ وشهدت الصلاة معنا، فكيف كان يصلي؟ الحديث (٢). وأخرجه الإسماعيلي كذلك بلفظ: الصلاة فقط. ثم أسند تعليق يونس عن أبي الحسن الصوفي: ثنا أبو هشام عن يونس بلفظ: إذا

стр. 4149

كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكَّر بها. يعني: الظهر. وأسنده البيهقي أيضًا من حديث عبيد بن يعيش عنه بلفظ الصلاة فقط (١). ثم أسند تعليق بشر بن ثابت -أعني: الإسماعيلي- من حديث إبراهيم بن مرزوق، عن بشر، عنه، عن أنس بلفظ: إذا كان الشتاء يبكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها، ولكن يصلي العصر والشمس بيضاء نقية. وأخرجه البيهقي أيضًا (٢). وأبو خلدة (خ. د. ت. س) بإسكان اللام، ثقة مأمون، روى له البخاري هذا الحديث الواحد، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة. ذكره ابن نافع، وذكر عبد الغنى في "الكمال" أن أحمد بن حنبل قال: شيخ ثقة (٣). وهذا إنما قاله في خالد بن دينار أبي الوليد فاعلمه. وروى له ابن ماجه والبخاري في "أفعال العباد"، وبشر بن ثابت بصري بزار ثقة، ذكره ابن حبان في "ثقاته". وقال أبو حاتم: مجهول، ويونس بن بكير الكوفي الجمال احتج به مسلم، مات مع

стр. 4150

عبد الله بن نمير سنة تسع وتسعين ومائة (١). وهذا الباب في معنى الذي قبله: أن وقتها وقت الظهر، وأنها تصلى بعد الزوال، ويبرد بها في شدة الحر، ولا يكون الإبراد إلا بعد تمكين الوقت، والإبراد بها وجه قوي، وإن كان المشهور في المذهب خلافه (٢). وقد أسلفنا في الباب قبله بأن الأحاديث السالفة محمولة على المبالغة في التعجيل من غير إبراد ولا غيره. وقال ابن قدامة في "المغني": لا فرق في استحباب إقامتها عقب الزوال بين شدة الحر وبين غيره، فإن الجمعة يجتمع لها الناس، فإذا انتظروا غيرهم شق عليهم، وكذلك كان ﷺ يصليها إذا زالت الشمس شتاءً وصيفًا على ميقات واحد (٣).

стр. 4151

١٨ - باب المَشْيِ إِلَى الجُمُعَةِ وَقَوْلِ اللهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَمَنْ قَالَ: السَّعْيُ: العَمَلُ وَالذَّهَابُ، لِقَوْلِهِ الله تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَحْرُمُ البَيْعُ حِينَئِذِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْوَ مُسافر فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ. ٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ". [٢٨١١ - فتح: ٢/ ٣٩٠] ٩٠٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". [انظر: ٦٣٦ - مسلم: ٦٠٢ - فتح: ٢/ ٣٩٠] ٩٠٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ -لَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ عَنْ أَبِيهِ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ". [انظر: ٦٣٧ - مسلم: ٦٠٤ - فتح: ٢/ ٣٩٠] ثم ساق ثلاثة أحاديث:

стр. 4152

أحدها: حديث يَزِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ". ثانيها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ .. " الحديث. ثالثها: حديث عبد الله بن أبي قتادة -أراه عن أبيه- مرفوعًا: "لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ". الشرح: السعي في لسان العرب: الإسراع في المشي والاشتداد فيه (١)، ومنه حديث أبي هريرة، كذا ذكره الهروي وغيره (٢)، والعمل أيضًا. قال تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] وقال: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] وقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٧]. وقال ابن سيده: السعي: عدو دون الشد، سعى يسعى سعيًا، والسعي: الكسب، وكل عمل من خير أو شر سعي (٣)، والفعل كالفعل. وذهب مالك وما حكاه ابن التين إلى أن المشي والمضي

стр. 4153

يسميان سعيًا من حيث شدته أو غيره فقد سعى، وأما السعي بمعنى الجري فهو الإسراع، يقال: سعى إلى كذا. بمعنى: العدو والجري، فيتعدى بـ (إلى)، وإن كان بمعنى العمل تعدى باللام، قال تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] وإنما يتعدى سعي الجمعة بـ (إلى) لأنه بمعنى المضي (١). وقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، وقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنيات والخشوع. وإلى هذا ذهب مالك وأكثر العلماء، وهو مذهب البخاري، وكان عمر وابن مسعود يقرآن: (فامضوا إلى ذكر الله) (٢). قالا ولو قرأناها: ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسعينا حتى يسقط رداؤنا (٣). وقال عمر لأُبي وقرأ: ﴿فَاسْعَوْا﴾: لا يزال يقرأ المنسوخ. كذا ذكر ابن الأثير، والذي في "تفسير عبد بن حميد": قيل لعمر: إن أبيًّا يقرأ: ﴿فَاسْعَوْا﴾. فقال عمر: أُبي أعلمنا بالمنسوخ. وكان يقرأ: (فامضوا) (٤). وفي "المعاني" للزجاج: وقرأ أُبي وابن مسعود: (فامضوا). وكذا ابن الزبير فيما ذكره ابن التين عن النحاس، وقد رويت عن عمر -كما في "الموطأ" (٥) - لكن اتباع المصحف أولى ولو كان عند عمر فامضوا لا غير، فغيرَّوا في المصحف.

стр. 4154

والدليل على أن معنى السعي: التصرف في كل عمل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] فلا اختلاف في أن معناه: وأن ليس للإنسان إلا ما عمل. وعن ابن عباس: ليس السعي إليها بالرجلين ولكن نقول: امضوا إليها (١). والذكر: صلاة الجمعة. وفي "تفسير أبي القاسم الجوزي" المسمى "بالإفصاح": ﴿فَاسْعَوْا﴾ أي: (٢) فاقصدوا إلى صلاة الجمعة. قال ابن التين: ولم يذكر أحد من المفسرين أنه: الجري. واحتج به الزهري لما سأله مالك عن معنى الآية (٣). واحتج بها الزهري، وإن لم تكن في المصحف؛ لأنها تجري عن جماعة من الأصوليين مجرى خبر الآحاد سواء أسندها القارئ أو لم يسندها، وذهبت طائفة إلى أنها لا تجري مجرى خبر الآحاد إلا إذا أسندت للشارع، وذهب القاضي أبو بكر إلى أنه لا يجوز القراءة بها ولا العمل بمتضمنها، وهو أبين. وللسعي وقتان: مستحب، وقد سلف، وواجب، وهو وقت النداء، وينبغي أن يقال: إن قلنا حضور الخطبة واجب فيجب رواحه بعد ما يعلم أنه يحصل؛ ليحضرها، وإن قلنا: غير واجب. راح بقدر ما يدرك الصلاة، ذكره ابن التين نصًّا، قال: ونحوه للشيخ أبي إسحاق. وقوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: في يومها. وأما أثر ابن عباس: (يحرم البيع حيئنذٍ) فقال ابن حزم: رويناه من

стр. 4155

طريق عكرمة عنه: لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع (١). وأما أثر عطاء: (تحرم الصناعات كلها) فأخرجه عبد بن حميد الكشي في "تفسيره الكبير" عن روح، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل من شيء يحرم إذا نودي بالأولى سوى البيع؟ فقال عطاء: إذا نودي بالأولى حرم اللهو والبيع، والصناعات كلها بمنزلة البيع، وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتابًا (٢). وأما أثر الزهري فأخرج أبو داود في "مراسيله" من حديثه أنه خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار، فقيل له في ذلك فقال: إن النبي ﷺ خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار (٣). وهذا منقطع. ورواه ابن أبي شيبة من طريقه بغير واسطة بين ابن أبي ذئب وبينه (٤)، خلاف رواية أبي داود، وقال ابن المنذر: اختلف فيه عن الزهري وقد روي عنه مثل قول الجماعة أنه لا جمعة على مسافرٍ (٥). وحكاه ابن بطال عنه وقال: أكثر العلماء أنه لا جمعة عليه (٦). وحكاه ابن أبي شيبة عن علي وابن عمر ومكحول وعروة بن المغيرة (٧). وغيره من أصحاب عبد الله وأنس وعبد الرحمن بن سمرة

стр. 4156

وإبراهيم النخعي وعبد الملك بن مراون وابن مسعود والشعبي وعمر بن عبد العزيز. وقال ابن التين في قول الزهري السالف: إن أراد وجوبها عليه فهو قول شاذ. وأما حديث أبي عبس فيأتي -إن شاء الله تعالى- في أوائل الجهاد أيضًا (١)، وأخرجه النسائي (٢) والترمذي فيه وقال: حسن صحيح غريب (٣). وأبو عبس (خ. ت. س) اسمه عبد الرحمن بن جبر، وفي الباب عن أبي بكر ورجل من أصحاب رسول الله ﷺ . ويزيد بن أبي مريم شامي (٤)، وبريد بن أبي مريم كوفي، أبوه من أصحاب رسول الله ﷺ ، واسمه مالك بن ربيعة (٥).

стр. 4157

قلت: ويزيد بالمثناة تحت في أوله لا بالباء الموحدة، ذاك ليس في الصحيحين، بل في السنن الأربعة، تابعي ثقة كوفي، وهذا شامي، مات الشامي سنة أربع وأربعين ومائة. وأبعد من قال: اسم أبي عبس عبد الله. وقيل: كان اسمه في الجاهلية: عبد العزى. فسمي في الإسلام عبد الرحمن، شهد بدرًا وما بعدها، وهو أنصاري أوسي، وعنه: ابنه زيد والدميمون، وابن ابنه أبو عبس بن محمد بن أبي عيسى بن جبر، وهو الذي قتل كعب ابن الأشرف فيمن معه، مات سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان ابن عفان وهو ابن سبعين سنة، ودفن بالبقيع. وقيل: كان يكتب بالعربية قبل الإسلام، انفرد به البخاري، وكان من كتاب الصحابة. وشيخ البخاري فيه هو ابن المديني، وقد روى البخاري أيضًا عن علي بن عبد الله بن إبراهيم، ولكن ذاك إنما روى له حديثًا واحدًا في النكاح (١)، وهو قال على أن المشي للجمعة أفضل، وكذلك الأعمال الصالحة إذا أريد بها وجه الله فكلها في سبيله، فإن منعه ماءٌ أو طين كان له حينئذٍ أن يركب إليها إذا شاء. وكان أبو هريرة يأتى الجمعة ماشيًا من ذي الحليفة، وكان عبد الله ابن رواحة يأتيها ماشيًا، فإذا رجع إن شاء ماشيًا، وإن شاء راكبًا. وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون الركوب إلى الجمعة والعيدين،

стр. 4158

ذكره ابن أبي شيبة (١). وفي "الفضل" لحميد بن زنجويه حديث من طريق الصديق: إن المشي إليها بكل قدم كعمل عشرين سنة، فإذا فرغ من الجمعة أجير بعمل مائتي سنة. وأما حديث أبي هريرة فسلف في باب: ما أدركتم فصلوا (٢). وإنما ذكره هنا لأجل قوله: (وأنتم تسعون)، وإن السعي هو المشي لا العدو، فيكون مفسرًا للآية، كذا قاله شيخنا قطب الدين في "شرحه"، وليس بجيدٍ، والظاهر أن المراد بالسعي هنا: العدو. وكذا فسره ابن بطال في "شرحه" قال: وممن كان يسعى إذا سمع أنس بن مالك (٣)، وكذا قال ابن التين: السعي هنا الجري. منع منه في الإتيان؟ لما فيه من ترك الوقار والشروع فيها. أما ما لا ينافي الوقار لمن خاف فوت بعض الصلاة، فهو مندوب إليه. وقال مالك: فيمن سمع مؤذن الحرس يحرك قدميه للإدراك: لا بأس به. ومعناه أن يسرع دون جري يخرج عن حد الوقار، ودليل ذلك حديث "الموطأ" أن ابن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي إلى المسجد (٤). هذا قول القاضي أبي الوليد. وقال الداودي الخطا تكثر مع السكينة وتترك مع السرعة، كما جاء في الحديث الآخر: "يكتب بكل خطوة حسنة ويمحى عنه سيئة وترفع له درجة" (٥).

стр. 4159

وقوله: ("فما أدركتم فصلوا") يقتضي الدخول مع الإمام على الهيئة التي يوجد عليها وإن كان مما لا يعتد به كالسجدة التي فاتت ركعتها، فإنه مما أدرك فعله. وقوله: ("فأتموا"). كذا رواها الأكثرون عن الزهري، وروى ابن عيينة عنه: "فاقضوا" ويبنى عليهما ما أدركه المسبوق هل هو أول صلاته أم لا؟ وقد سلف في موضعه. وأما حديث أبي قتادة فتقدم في باب: متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة من حديث أبي قتادة من غير ظن (١)؛ فإنه قال هنا: أراه عن أبيه. وشيخ شيخ البخاري فيه أبو قتيبة، وهو سلم بن قتيبة، انفرد به البخاري، بصري، مات هو وحرمي بن عمارة وأبو أسامة سنة إحدى ومائتين، كذا بخط الدمياطي عن ابن أبي عاصم. وقال المزي: سنة مائتين (٢). وفيه قول ثالث، وهو قول ابن قانع: سنة اثنتين ومائتين. ووقع في "الكمال" وتبعه "التهذيب" (٣): نسبة سلم هذا الفريابي وصوابه: العرماني بعينٍ وراءٍ مهملتين، ثم ميم، ثم ألف ثم نون، كما نبه عليه الرشاطي، نسبة إلى عرمان بن عمرو بن الأزد (٤). قال الداودي: فيه أن الصلاة تقام والإمام في داره إذا كان يسمع الإقامة، وفيه: أن يقام إلى الصلاة بالسكينة كما يفعل فيها.

стр. 4160

وقوله: ("حتى تروني") يريد: لأنه قد يبطئ لوضوء يجدده أو غيره، فكره أن ينتظروه قيامًا. وقال أبو عبد الملك: إنهم إذا قاموا عنوة للإحرام، وذهب التوقير الذي أمروا به. قال مالك: ليس لقيام الناس عند الإقامة حد، منهم الثقيل والخفيف (١). وقال الشافعي: يقومون إذا قال: قد قامت الصلاة. وحكاه ابن حبيب عن ابن عمر، كذا حكاه ابن التين عن الشافعي، ومشهور مذهبه خلافه (٢). إذا تقرر ذلك فالكلام على ما ذكره فيه من الأحكام من أوجه: أحدها: في البيع وقت النداء، فعندنا: يحرم على من تجب عليه الجمعة التشاغل بالبيع وغيره بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب، فإن باع صح، ويكره قبل الأذان بعد الزوال (٣). وعبارة الزجاج: البيع من وقت الزوال من يوم الجمعة إلى انتفاء الصلاة كالحرام. وقال الفراء: إذا أذن المؤذن حرم البيع والشراء؛ لأنه إذا أمر بترك البيع فقد أمر بترك الشراء؛ لأن المشتري والبائع يقع عليهما البيعان.

стр. 4161

وفي "تفسير إسماعيل بن زياد الشامي" عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: "تحرم التجارة عند الأذان، ويحرم الكلام عند الخطبة، ويحل الكلام بعد الخطبة، وتحل التجارة بعد الصلاة" الحديث. وذكر عند سبب نزول الآية الكريمة أن رجلين من الصحابة كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله ﷺ ، يخطب، فيدعانه ويقومان فيما هما إلا بيعًا حتى تقام الصلاة، فأنزل الله: ﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فحرم عليهما ما كانا قبل ذلك (١). رواه عن عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، فذكره. وعن قتادة: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع والشراء (٢). وعن الضحاك: إذا زالت الشمس (٣). وعن عطاء والحسن مثله (٤). وعن أيوب: لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون: حرم البيع. وذلك عند خروج الإمام. وعن ميمون بن مهران: كان ذلك إذا أذن المؤذن. وابتاع أهل القاسم بن عطاء شيئًا، وخرج القاسم إلى الجمعة فوجد الإمام قد خرج، فلما رجع أمرهم أن يتناقضوه.

стр. 4162

وفي "المصنف" عن مسلم بن يسار: إذا علمت أن النهار قد انتصف يوم الجمعة، فلا تبتاعنَّ شيئًا. وكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة. وعن مجاهد: من باع شيئًا بعد الزوال يوم الجمعة، فإن بيعه مردود. وعن برد: قلت للزهري: متى يحرم البيع والشراء يوم الجمعة؟ فقال: كان الأذان عند خروج الإمام. فأحدث عثمان التأذينة الثالثة، فأذن على الزوراء ليجمع الناس، فأرى أن يترك البيع والشراء عند التأذينة، وعن الشعبي في الساعة التي ترجى في الجمعة قال: فيما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل (١). وفي "الهداية" للحنفية: إذا أذن المؤذن الأذان الأول ترك الناس البيع وتوجهوا إلى الجمعة للآية، ولا اعتبار بالأذان قبل الزوال، وفي النافع لهم إن كان أذان يكون قبل الزوال، فذاك غير معتبر، والمعتبر الأذان بعد الزوال (٢). وذكر الرازي عن مسروق والضحاك، ومسلم بن يسار أن البيع يحرم بالزوال. وروي ذلك عن عطاء والقاسم، والحسن، ومجاهد، وقالت طائفة: عند النداء الثاني والإمام على المنبر. رواه ابن القاسم عن مالك، وأنكر منع الناس البيع قبل ذلك (٣). ثم اختلفوا في جواز البيع وقت النداء، فقال أبو حنيفة وصاحباه وزفر والشافعي: يجوز مع الكراهة. وهو قول الجمهور، كذا حكي

стр. 4163

عن الشافعي، ولعل المراد بها التحريم، وبالصحة قال أبو حنيفة وأصحابه أيضًا (١). وقال أحمد وداود والثوري ومالك في رواية عنه: لا يصح (٢). قال الثوري: البيع صحيح، وفاعله عاص؛ لأن النهي لم يقع على البيع، وإنما جرى ذلك البيع لأنهم كانوا يشتغلون بالتجارة عن الجمعة، والمعنى المقصود من ذلك: كل ما منع من إتيانها فالإجماع قائم على أن المصلي لا يحل له في صلاته بيعٌ ولا شراء، فإن خالف صح وكان عاصيًا. أي: وتبطل إن كان بلفظ الخطاب. وروى ابن القاسم عن مالك أن البيع مفسوخ، وهو قول أكثر المالكية، كما حكاه ابن التين، وروى عنه ابن وهب وعلي بن زياد: بئس ما صنع وليستغفر الله (٣). وقال عنه علي: ولا أرى الربح فيه حرامًا. قال ابن القاسم: لا يفسخ ما عقد حينئذٍ من النكاح ولا تفسخ الهبة والصدقة والرهن والحمالة. وقال أصبغ: يفسخ النكاح (٤). قال: ابن التين: كل من لزمه النزول للجمعة يحرم عليه ما يمنعه منه من بيع، أو نكاح، أو عمل. قال: واختلف في النكاح والإجازة قال:

стр. 4164

وذكر القاضي أبو محمد أن الهبات والصدقات مثل ذلك. قال أبو محمد: من انتقض وضوؤه فلم يجد ماءً إلا بثمن جاز له أن يشتريه؛ ليتوضأ به، ولا يفسخ شراؤه، ولبعض الحنفية المتأخرين احتمال في حرمة البيع قبل الزوال إذا كان منزله بعيدًا عن الجامع بحيث تفوت عليه الجمعة. قال الشافعي في "الأم" والأصحاب: ولو تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة لم يحرم بحال ولم يكره، وإذا تبايع رجلان من أهل فرضها أو أحدهما من أهل فرضها، فإن كان قبل الزوال فلا كراهة، وإن كان بعده وقبل ظهور الإمام أو قبل جلوسه على المنبر، وقبل شروع المؤذن في الأذان بين يدي الخطيب كره كراهة تنزيه، وإن كان بعد جلوسه وشرع المؤذن فيه حرم على المتبايعين جميعًا، سواء كانا من أهل الفرض أو أحدهما، ولا يبطل البيع (١)؛ لأن النهي لايختص بالعقد، فلم يمنع صحته كالبيع عند ضيق الوقت المؤدي لفرض الوقت، والبيع في الأرض المغصوبة، والبيع في المسجد نهي عن البيع فيه، وينعقد. وقال ابن قدامة: مشروعية الأذان قبل صعود الإمام هو الذي يمنع البيع، ويلزم السعي؛ لأن الله تعالى أمر به، ونهى عن البيع بعد النداء، والنداء الذي كان على عهده هو عقب الجلوس على المنبر، ولا فرق في ذلك بين قبل الزوال أو بعده. أي: على مذهبه في جواز فعلها قبل الزوال، وحكى القاضي رواية عن أحمد أن البيع يحرم بالزوال، وإن لم يجلس الإمام على المنبر، ولا يصح هذا، وتحريم البيع ووجوب السعي مختص بالمخاطبين بالجمعة، فأما غيرهم كالنساء فلا يثبت في

стр. 4165

حقه ذلك. قال: وذكر ابن أبي موسى في غير المخاطبين روايتين (١). وقال ابن حزم: لا يحل البيع من إثر الاستواء، ومن أول أخذها في الزوال والميل إلى أن تنقضي صلاة الجمعة، فإن كانت قرية قد منع أهلها الجمعة، أو كان ساكن بين الكفار ولا مسلم معه فإلى أن يصلي ظهر يومئذٍ، فإن لم يصل فإلى أول وقت العصر، ويفسخ البيع حينئذ أبدًا إن وقع (٢)؛ لما سلف عن ابن عباس. قال ابن قدامة: ولا يحرم غير البيع من العقود كالأجارة والصلح والنكاح، وقيل: يحرم؛ لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع (٣). وبالأول قال ابن حزم، حيث قال: لا يحرم حينئذ لا نكاح ولا إجارة ولا سلم ولا ما ليس بيعًا (٤). الحكم الثاني: غير البيع، فحيث حرم البيع حرم جميع العقود والصنائع، وكل ما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة، وهو متفق عليه، وممن صرح به الشيخ نصر في "تهذيبه"، ولا يزال التحريم حتى يفرغوا من الجمعة (٥)، قال ابن القاسم: لا يفسخ ما عقد حينئذ من النكاح، وهذا قد سلف قريبًا بزيادة. الحكم الثالث: السفر بعد الزوال وهو حرام إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة، وبه قال مالك وأحمد وداود (٦).

стр. 4166

وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وعائشة، وابن المسيب (١) قال: وقال أبو حنيفة: يجوز (٢). وقبل الزوال قولان: الجديد أنه كبعده إن كان سفرا مباحًا أو طاعة، وبعض أصحابنا قال: إن كان طاعة جاز (٣)، ويكره عندنا السفر ليلتها، وجائز عندنا، وعند العلماء كافة إلا ما حكاه العبدري عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا يسافر بعد دخول العشي من يوم الخميس حتى يصليها وهو بالحل، لا أصل له كما قاله النووي (٤). وإن روى ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة قالت: إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تصلي الجمعة. وجوز عمر والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وابن عمر والحسن وابن سيرين السفر قبل الزوال (٥)، وبه قال مالك وابن المنذر (٦). واحتج لهم بحديث ابن رواحة (٧) وهو حديث ضعيف جدًّا، وليس

стр. 4167

في المسألة حديث صحيح، وحرمته عائشة (١) والنخعي، وحكي عن ابن عمر أيضًا، حكاه عنه في "شرح المهذب" (٢). وابن أبي شيبة حكى عنه الجواز كما قدمناه أولًا، وإسناده جيد، وحكاه البيهقي عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز وحسان بن عطية، وروي عن معاذ بن جبل ما يدل على ذلك (٣).

стр. 4168

١٩ - باب لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْتَين يَوْمَ الجُمُعَةِ ٩١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى". [انظر: ٨٨٣ - فتح: ٢/ ٣٩٢] ذكر فيه حديث سلمان الفارسي: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ" الحديث. وقد سلف في باب: الدهن للجمعة (١) واضحًا، والاختلاف في التفرقة بين اثنين وأن الأشبه بتأويله أن لا يتخطى رجلين أو يجلس بينهما على ضيق الموضع، ويؤيده ما في "الموطأ" عن أبي هريرة: لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطب جاء يتخطى رقاب الناس (٢). ومعناه أن الماثم عنده في التخطي أكثر من المأثم في التخلف عن الجمعة، كذا تأوله القاضي أبو الوليد، وتأوله أبو عبد الملك: أن صلاته بالحرة -وهي: حجارة سود بموضع بعيد من المسجد- خير له. وروى ابن أبي شيبة بلفظ: لأن أصلي بالحرة أحب إلى من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة (٣). وعن سعيد بن المسيب مثله (٤)، وقال كعب: لأن أدع الجمعة أحب

стр. 4169

إليّ من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة (١). وقال سلمان: إياك والتخطي، واجلس حيث بلغتك الجمعة (٢)، وهو قول الثوري وعطاء وأحمد، وما قدمناه (٣) من أن الأشبه ما سلف، هو ما ذكره ابن التين في "شرحه". وجزم ابن بطال في "شرحه" بأن المراد: لا يتخطى، يدل على ذلك حديث أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما" رواه ابن وهب (٤)، وروى ابن أبي خيثمة من حديث الأرقم الصحابي: "الذي يتخطى رقاب الناس يفرق بين اثنين يوم الجمعة بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار (٥). وذكره ابن التين مرفوعًا من غير عزو لراوٍ وفي الترمذي وأبي داود من حديث معاذ بن أنس الجهني مرفوعًا: "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم". قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث

стр. 4170

رشدين (١) وقد ضعفه بعض أهل العلم. وفي أبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال: "اجلس فقد آذيت" (٢). وقد اختلف العلماء في التخطي، فمذهبنا أنه مكروه إلا أن يكون
следующие страницы →