← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وعائشة، وابن المسيب (١) قال: وقال أبو حنيفة: يجوز (٢). وقبل الزوال قولان: الجديد أنه كبعده إن كان سفرا مباحًا أو طاعة، وبعض أصحابنا قال: إن كان طاعة جاز (٣)، ويكره عندنا السفر ليلتها، وجائز عندنا، وعند العلماء كافة إلا ما حكاه العبدري عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا يسافر بعد دخول العشي من يوم الخميس حتى يصليها وهو بالحل، لا أصل له كما قاله النووي (٤). وإن روى ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة قالت: إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تصلي الجمعة. وجوز عمر والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وابن عمر والحسن وابن سيرين السفر قبل الزوال (٥)، وبه قال مالك وابن المنذر (٦). واحتج لهم بحديث ابن رواحة (٧) وهو حديث ضعيف جدًّا، وليس

стр. 4167

في المسألة حديث صحيح، وحرمته عائشة (١) والنخعي، وحكي عن ابن عمر أيضًا، حكاه عنه في "شرح المهذب" (٢). وابن أبي شيبة حكى عنه الجواز كما قدمناه أولًا، وإسناده جيد، وحكاه البيهقي عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز وحسان بن عطية، وروي عن معاذ بن جبل ما يدل على ذلك (٣).

стр. 4168

١٩ - باب لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْتَين يَوْمَ الجُمُعَةِ ٩١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى". [انظر: ٨٨٣ - فتح: ٢/ ٣٩٢] ذكر فيه حديث سلمان الفارسي: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ" الحديث. وقد سلف في باب: الدهن للجمعة (١) واضحًا، والاختلاف في التفرقة بين اثنين وأن الأشبه بتأويله أن لا يتخطى رجلين أو يجلس بينهما على ضيق الموضع، ويؤيده ما في "الموطأ" عن أبي هريرة: لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطب جاء يتخطى رقاب الناس (٢). ومعناه أن الماثم عنده في التخطي أكثر من المأثم في التخلف عن الجمعة، كذا تأوله القاضي أبو الوليد، وتأوله أبو عبد الملك: أن صلاته بالحرة -وهي: حجارة سود بموضع بعيد من المسجد- خير له. وروى ابن أبي شيبة بلفظ: لأن أصلي بالحرة أحب إلى من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة (٣). وعن سعيد بن المسيب مثله (٤)، وقال كعب: لأن أدع الجمعة أحب

стр. 4169

إليّ من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة (١). وقال سلمان: إياك والتخطي، واجلس حيث بلغتك الجمعة (٢)، وهو قول الثوري وعطاء وأحمد، وما قدمناه (٣) من أن الأشبه ما سلف، هو ما ذكره ابن التين في "شرحه". وجزم ابن بطال في "شرحه" بأن المراد: لا يتخطى، يدل على ذلك حديث أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما" رواه ابن وهب (٤)، وروى ابن أبي خيثمة من حديث الأرقم الصحابي: "الذي يتخطى رقاب الناس يفرق بين اثنين يوم الجمعة بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار (٥). وذكره ابن التين مرفوعًا من غير عزو لراوٍ وفي الترمذي وأبي داود من حديث معاذ بن أنس الجهني مرفوعًا: "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم". قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث

стр. 4170

رشدين (١) وقد ضعفه بعض أهل العلم. وفي أبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال: "اجلس فقد آذيت" (٢). وقد اختلف العلماء في التخطي، فمذهبنا أنه مكروه إلا أن يكون

стр. 4171

قدامهم فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فلا يكره حينئذ، وبهذا قال الأوزاعي وآخرون، وقال ابن المنذر: كراهته مطلقًا عن سلمان الفارسي، وأبي هريرة وكعب وسعيد بن المسيب وعطاء، وأحمد بن حنبل (١). وعن مالك كراهته إذا جلس الإمام على المنبر، ولا بأس به قبله، وقال قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه، وقال الأوزاعي: يتخطاهم إلى السعة (٢). وهذا يشبه قول الحسن قال: لا بأس بالتخطي إذا كان في المسجد سعة (٣)، وقال أبو نضرة: يتخطاهم بإذنهم (٤). وكان مالك لا يكره، وعن مالك أنه لا يكره إلا إذا كان الإمام على المنبر، ولا بأس به قبل ذلك إذا كان بين يديه فرج (٥). وذكر الطحاوي عن الأوزاعي مثله، قال: التخطي الذي جاء فيه القول إنما هو والإمام يخطب؛ لأن الآثار تدل عليه (٦)، ألا ترى قوله ﷺ : "الذي يتخطى رقاب الناس يفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار" (٧) وقال ابن المنذر: لا يجوز شيء من ذلك عندي؛ لأن الأذى يحرم قليله وكثيره (٨).

стр. 4172

قلت: وهو المختار. وفي كتب الحنفية: لا بأس بالتخطي والدنو من الإمام إذا لم يؤذ الناس، وقيل: لا بأس به إذا لم يأخذ الإمام في الخطبة، ويكره إن أخذ، وهو قول مالك، قال الحلواني منهم: والصحيح أن الدنو من الإمام أفضل لا التباعد منه (١). وفي قوله: ("لا يفرق بين اثنين") مطلوبية التبكير إلى الجمعة ليصل إلى مكان مصلاه دون تخط، ولا يفرق بين اثنين. وقال ابن التين: التخطي ضربان: قبل جلوس الإمام على المنبر، والثاني بعده، فالأول إذا تخطى لفرجة يباح له التخطي، رواه ابن القاسم عن مالك إلا أن يؤمر بالتحفظ من أذى الناس، ويرفق في التخطي. والثاني: لا يتخطاها ولا غيرها لأن تأخره عن وقت وجوب السعي أبطل حقه من التخطي إلى فرجة، يبينه ما روى بشير أنه ﵇ قال للذي دخل يوم الجمعة: "اجلس فقد آذيت"، هذا مذهب مالك (٢) والأوزاعي أن التخطي المنهي عنه إذا جلس الإمام على المنبر ولا بأس به قبل ذلك، وروي عن أبي نضرة أنه قال: يتخطاهم بإذنهم (٣).

стр. 4173

٢٠ - باب لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يَومَ الجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ فِي مَكَانِهِ ٩١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قُلْتُ لِنَافِعٍ: الجُمُعَةَ؟ قَالَ: الجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا. [٦٢٦٩، ٦٢٧٠ - مسلم ٢١٧٧ - فتح: ٢/ ٣٩٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن نافع، عن ابْن عُمَرَ: نَهَى النُّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قُلْتُ لِنَافِعٍ: الجُمُعَةَ؟ قَالَ: الجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم في الاستئذان (١)، ولأبي اليمان عن ابن جريج: "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه" ولأبي الفضل بن موسى السيناني عن ابن جريج أنه ﷺ كره أن يقيم الرجل من المجلس فيجلس فيه. ومحمد هو ابن سلام البيكندي، وقد صرح به في بعض النسخ، انفرد به البخاري، مات سنة خمس وعشرين ومائتين. ومخلد (خ م د س ق) حراني مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، كناه أبو زرعة: أبا يحيى، والبخاري: أبا خداش، والنسائي وغيره: أبا الحسن، وفي "مسند أبي قرة السكسكي" عن نافع: فكان ابن عمر

стр. 4174

يقوم له الرجل من مجلسه فلا يجلس فيه (١). قال: وذكر ابن جريج عن سليمان بن موسى أن جابر بن عبد الله [قال] (٢): قال رسول الله ﷺ : "لا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا" (٣). إذا تقرر ذلك فإنما كره ذلك؛ لأنه لا يفعل إلا تكبرًا واحتقارًا للمقام، قال تعالى: ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] وهذا من الفساد، والإيثار ممنوع من الأعمال الأخروية، ولأن المسجد بيت الله، والناس فيه سواء فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، فإن قدم صاحبًا فجلس في موضع حتى إذا جاء قام وأجلسه مكانه جاز، فَعَله ابن سيرين، فإن لم يكن له نائب، وجاء فقام له شخص فيجلسه مكانه جاز؛ لأنه قام باختياره، والقائم إن انتقل إلى

стр. 4175

مكان أقرب لسماع الخطبة فلا بأس، وإن انتقل إلى دونه كره؛ لأنه يؤثر في دينه، ويحتمل كما قال ابن قدامة أن لا يكره لأن تقديم أهل الفضل إلى ما يلي الإمام مشروع؛ لقوله ﷺ : "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى" (١). ولو آثر شخصًا بمكانه لم يجز لغيره أن يسبقه إليه؛ لأن الحق للجالس آثر به غيره فقام مقامه في استحقاقه، كما لو تحجر مواتًا، ثم آثر به غيره، قاله ابن قدامة (٢). وقال ابن عقيل الحنبلي: يجوز لأن القائم أسقط حقه بالقيام فبقي على الأصل، فكان السابق إليه أحق به، كمن وسع لرجل في طريق فمر غيره. وإن فرش مصلاه في مكان ففيه وجهان: أحدهما: يجوز رفعه والجلوس في موضعه؛ لأنه لا حرمة له؛ ولأن السبق بالأجسام لا بالمصلى. والثاني: لا يجوز لأن فيه افتياتًا على صاحبه، ولأنه ربما أفضى إلى الخصومة، ولأنه سبق إليه فصار كمتحجر الموات (٣). وقال القاضي أبو الطيب من أصحابنا: يجوز إقامته في ثلاث صور: وهو أن يقعد في موضع الإمام، أو في طريق يمنع الناس من المرور فيه، أو بين يدي الصف مستقبل القبلة (٤).

стр. 4176

وقال المهلب: هو على العموم كما قال نافع لا يجوز أن يقيم أحد أحدًا من مكانه؛ لأنه من سبق إلى موضع من مواضع الجماعات التي نتساوى الناس فيها فهو أحق به، لبداره إليه. قلت: وكأن البخاري أشار بترجمته إلى كثرة الزحام يوم الجمعة فربما احتيج في الجلوس مكان الغير، ويؤخذ منه التبكير، فمن بكر لم يحتج إلى شيء من ذلك.

стр. 4177

٢١ - باب الأَذَانِ يَومَ الجُمُعَةِ ٩١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. [٩١٣، ٩١٥، ٩١٦ - فتح: ٢/ ٣٩٣] ذكر فيه حديث السائب بن يزيد قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. وترجم له باب: المؤذن الواحد يوم الجمعة، وزاد فيه عن السائب قال: ولم يكن للنبي ﷺ مؤذنٌ غير واحد، وكان التأذين حين يجلس الإمام على المنبر (١). وذكره أيضًا في باب: الجلوس على المنبر (٢) وموضعين آخرين من الباب (٣) ويأتي في الاعتصام (٤)، وهو من

стр. 4178

أفراده، وأخرجه الأربعة (١) وفي لفظ له: أمر عثمان بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك (٢). وفي لفظ: أمر عثمان بالأذان الثاني (٣). وللشافعي: حَدَّثَنَا بعض أصحابنا عن ابن أبي ذئب، وفيه: ثم أحدث عثمان الأذان الأول على الزوراء (٤). وللنسائي عن السائب: كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر (٥). ولأبي داود: يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ على باب المسجد وأبي بكر وعمر (٦). ولابن خزيمة عن السائب: كان النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة إذا خرج الإمام وإذا قامت الصلاة، في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، حتى كان عثمان، فكثر الناس، فأمر بالنداء الثالث (٧). وفي رواية له: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة، حتى كان زمن عثمان فأمر بالنداء الأول بالزوراء (٨).

стр. 4179

وفي رواية لعبد بن حميد في "تفسيره": في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعامة خلافة عثمان، فلما تباعدت المنازل وكثر الناس أمر بالنداء الثالث، فلم يعب ذلك عليه وعيب عليه إتمام الصلاة بمنى (١). الحديث. وفي "مصنف عبد الرزاق" عن ابن جريج: قال سلمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان. فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعو الناس دعاء ولا يؤذن غير أذان واحد (٢). وفي "المصنف" عن الحسن: النداء الأول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام، والذي قبل ذلك محدث، وكذا قاله ابن عمر. وفي رواية عنه: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة. وعن الزهري: أول من أحدث الأذان الأول عثمان؛ ليؤذن أهل الأسواق. وفي لفظ: فأحدث عثمان التأذينة الثالثة على الزوراء؛ ليجتمع الناس (٣). وفي "تفسير جويبر"، عن الضحاك، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن معاذ أن عمر هو الذي زاده، فلما كانت خلافة عمر وكثر المسلمون أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس بالجمعة خارجا من المسجد حتى يسمع الناس الأذان، وأمران يؤذن بين يديه كما كان يفعل المؤذن بين يدي

стр. 4180

رسول الله ﷺ ، وبين يدي أبي بكر، ثم قال عمر: أما الأذان الأول فنحن ابتدعناه؛ لكثرة المسلمين، فهو السنة من رسول الله ﷺ ماضية (١). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: (كان النداء يوم الجمعة هو النداء). هو: الأذان. وقوله: (إذا جلس الإمام على المنبر). هذا سنة وعليه عامة العلماء، خلافًا لأبي حنيفة (٢)، كذا قال ابن بطال (٣) وتبعه ابن التين، وقالا: خالف الحديث. وفي "الهداية" على مذهبهم: وإذا صعد الإمام المنبر جلس وأذن المؤذن بين يدي المنبر، بذلك جرى التوارث، ولم يكن على عهد رسول الله ﷺ سوى هذا الأذان (٤). قال المهلب: إنما جعل التأذين في هذا الحديث؛ ليعرف الناس جلوس الإمام فينصتون له. ثانيها: المنبر -بكسر الميم- مشتق من المنبر، وهو الارتفاع، وكان ﷺ يقف على الدرجة التي تلي المستراح. وقوله: (ولم يكن له مؤذن غير واحد). يعني: لصلاة الجمعة، وإلا

стр. 4181

فله ﷺ أربعة من المؤذنين كما هو معروف (١). أو المراد: بلال لمواظبته. قال الإسماعيلي: وأراد به التأذين، فجاء بلفظ: المؤذن؛ لأن فيه دلالة على التأذين. وعبارة ابن حبيب: كان النبي ﷺ إذا رقى المنبر وجلس أذن المؤذنون على المنابر واحدًا بعد واحد، وكانوا ثلاثة، فإذا فرغ الثالث خطب ﷺ . وهو غريب منه، يرده ما سلف في باب المؤذن الواحد. وقال مالك في "المجموعة": إن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه، وإنما الأذان على المنار واحدًا بعد واحدٍ إذا جلس الإمام على المنبر (٢). وذكر ابن التين عن هشام خلافه، فذكر أنه نقل في إمارته الأذان الذي في الزوراء، فجعله مؤذنًا واحدًا يؤذن عند الزوال على المنار، فإذا جلس هشام على المنبر أذنوا بين يديه، وهذا أخذ بفعل عثمان قال ابن حبيب: وفعل الشارع أحق أن يتبع (٣). قال ابن عبد البر: وقد شُبِّه على قومٍ من أصحابنا في موضع الأذان يوم الجمعة، وأنكروا أن يكون الأذان في الجمعة بين يدي الإمام كان في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وزعموا أن ذلك أحدث في زمن هشام بن عبد الملك، وهذا يدل على قلة علم قائله (٤). والنداء الثالث هو: الإقامة. وقد بينا من "المصنف" وغيره ما هو هذا النداء، وأنه قبل الأذان الذي بين يدي الإمام، وأن الأذان الثاني في

стр. 4182

حديث السائب إنما نعني به: الإقامة، لقوله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة" (١) يعني: بين كل أذان وإقامة. ولأنها في الاشتقاق: أذان؛ لأنها إعلام بحضور الصلاة، وقيل: سميت بذلك للمجاورة، كما قيل: البيعان. وإنما هو بائع ومشتر- والأسودان، وغير ذلك. وقال القاضي أبو محمد: للجمعة أذانان: عند الزوال، والآخر عند جلوس الإمام (٢). قال أبو عمر (٣): وكان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدث الثاني، وإنما أحدثه معاوية. وعنه: أنه كان يدعو الناس بدعاءٍ ولم يؤذن غير واحد (٤). واختلف الفقهاء، كما قال أبو عمر: هل يؤذن بين يدي الإمام واحد أو مؤذنون؟ فذكر ابن عبد الحكم عن مالك: إذا جلس الإمام على المنبر ونادى المنادي منع الناس من البيع تلك الساعة. وهذا يدل على أن النداء عنده واحد بين يدي الإمام. ونص عليه الشافعي (٥)، ويشهد له حديث السائب: ولم يكن لرسول الله ﷺ غير مؤذن واحدٍ. وهذا يحتمل أن يكون أراد بلالًا المواظب على الأذان دون ابن أم مكتوم وغيره. عن ابن القاسم عن مالك: إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ

стр. 4183

المؤذنون في الأذان حرم البيع. فذكر المؤذنون بلفظ الجماعة (١). ويشهد لهذا حديث الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج وجلس على المنبر وأذن المؤذنون الحديث (٢). وكذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه: وأذن المؤذنون. بلفظ الجماعة. قال أبو عمر: ومعلوم عند العلماء أنه جائز أن يكون المؤذنون واحدًا وجماعةً في كل صلاة، إذا كان ذلك مترادفًا لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها (٣). وعن الداودي: كانوا يؤذنون في أسفل المسجد ليسوا بين يدي الإمام، فلما كان عثمان جعل من يؤذن على الزوراء، وهي كالصومعة، فلما كان هشام جعل المؤذنين أو بعضهم يؤذن بين يديه، فصاروا ثلاثة، فسمي فعل عثمان تاليا لذلك. قلت: والآية يدخل فيها ما يقع عليه اسم نداء، وهو واحدٌ. الثالث: الزوراء -بزاي في الأول، ثم واو ساكنة بعدها راء ممدودة- موضع عند سوق المدينة بقرب المسجد، قال البخاري في بعض نسخه: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة. وقال ابن بطال: هو حجر كبير عند باب المسجد (٤). وقال ابن التين: هو موضع السوق. وقال أبو عبيد: هي ممدودة

стр. 4184

ومتصلة بالمدينة، وبها مال أحيحة بن الجلاح، وهي التي عني بقوله: إني مقيم على الزوراء أعمرها … إن الكريم على الإخوان ذو مالٍ وقال أبو عبيد الحموي: هي قرب الجامع، مرتفعة كالمنارة، وفرق بينها وبين أرض أحيحة (١).

стр. 4185

٢٢ - باب المُؤَذِّنِ الوَاحِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ٩١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ المَاجِشُونُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ الَّذِي زَادَ التَّأْذِينَ الثَّالِثَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ المَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُؤَذِّنٌ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ، يَعْنِى عَلَى المِنْبَرِ. [انظر: ٩١٢ - فتح: ٢/ ٣٩٥] ذكر فيه حديث السائب وقد أسلفناه، وفيه أن الأذان الثالث هو الذي أحدثه عثمان. قال الإسماعيلي: الأخبار الكثيرة في اتخاذ المؤذنين أشهر من ذلك، وكأن السائب يريد أنه لم يكن له يوم الجمعة إلا مؤذن واحد -على ما تأوله أبو عبد الله- لا في كل وقت، أو أراد به التأذين، فجاء بلفظ (المؤذن)؛ لأن فيه دلالة على التأذين.

стр. 4186

٢٣ - باب يُجيب الإِمَامُ عَلَى المِنْبرَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ ٩١٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى المِنْبَرِ، أَذَّنَ المُؤَذِّنُ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى هَذَا المَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُ، يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنّي مِنْ مَقَالَتِي. [انظر: ٦١٢ - فتح: ٢/ ٣٩٦] ذكر فيه حديث أبي أمامة: قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى المِنْبَرِ، أَذَّنَ المُؤَذِّنُ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللهُ أَكْبَرُ .. الحديث وقد سلف في الأذان (١)، وشيخ البخاري فيه هو محمد بن مقاتل المروزي المجاور بمكة، انفرد به البخاري ولقبه: رُخ. ثقة، صاحب حديث، مات سنة ست وعشرين ومائتين، ومات بعده محمد بن مقاتل العباداني بعشر سنين، ومحمد بن مقاتل الرازي الفقيه بعشرين. وشيخه عبد الله هو ابن المبارك (٢). وفيه: إباحة الكلام للإمام على المنبر قبل أن يدخل في الخطبة، بما فيه معنى تعليم الناس السنن؛ لأن القول مثلما يقول المؤذن قد حض عليه ﷺ ، وقد سلف هناك اختلاف العلماء فيمن كان في صلاة: هل يقول مثل ما يقول المؤذن؟

стр. 4187

وفيه: الاختصار من القول، فإنه تعالى يعلم المراد. وفيه: تعليم العلم من الإمام وهو على المنبر. وفيه: الجلوس قبل الخطبة، وقد سلف ما فيه. وفيه: أن الخطيب إذا جلس على المنبر يؤذن بعد جلوسه، ثم يحتمل أنه ﷺ كان خروجه من بيته وطلوعه على المنبر كان قبل الزوال بيسير، إن كان المؤذن يؤذن عند الزوال؛ لأنه ما كان يؤذن إلا أذانًا واحدًا، وإن كان يؤذن بعده، فيحتمل أن يكون ﷺ خروجه عنده. وفيه: أن الخطيب يجيب المؤذن ولا يمنعه من ذلك كونه على المنبر، وعلى هذا فيرد السلام إلى غير ذلك. وفيه: أن الأذان مرة واحدة على ما جاء في هذه الرواية وتأول. فائدة: قال الهروي: عوام الناس يضمون الراء من أكبر (١)، وكان أبو العباس يقول بالسكون، يحتج بأن الأذان سمع موقوفًا غير معرب في مقاطعه، ونقلت فتحة الألف إلى الراء.

стр. 4188

٢٤ - باب الجُلُوسِ عَلَى المِنْبَرِ عِنْدَ التَّأْذِينِ . ٩١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ. [انظر: ٩١٢ - فتح: ٢/ ٣٩٦] ذكر فيه حديث السائب، وقد سلف (١)، وهو من أفراده أيضًا، وفي "صحيح الحاكم" من حديث ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا خرج قعد على المنبر فأذن بلال، فإذا فرغ من خطبته أقام الصلاة. ثم قال: صحيح الإسناد (٢)، وله طريق آخر إلى ابن عمر أيضًا، ثم الجلوس على المنبر إنما هو لمن يخطب عليه، ومن جلس في الأرض فإنما يجلس في موضع خطبته، وهذه الجلسة قبل التأذين وضعت له، وهي سنة كما سلف، فلذلك قال العلماء: لا جلوس في العيد قبل الخطبة؛ لأن العيد لا أذان فيه (٣)، وفي "جزء ابن نجيح" من حديث سماك قال: رأيت المغيرة بن شعبة صلى يوم الجمعة بغير أذان ولا إقامة، ثم خطبهم على بعير. نقلته من خط الحافظ الدمياطي.

стр. 4189

٢٥ - باب التَّأْذِينِ عِنْدَ الخُطْبَةِ . ٩١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ﵁ وَكَثُرُوا، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. [انظر: ٩١٢ - فتح ٢/ ٣٩٦] ذكر فيه حديث السائب (١)، وقد سلف أيضًا (٢). والسائب هذا صحابي، وهو ابن أخت نمر الكندي، وله عن عمر أيضًا، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: سبع. وقيل: سنة ست وثمانين، وولد في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة، وحُجَّ به مع رسول الله ﷺ ، وذهبت خالته إليه فقالت: إن ابن أختي وجع، فدعا له ومسح برأسه، وشرب من وضوئه، ورأى الخاتم بين كتفيه (٣).

стр. 4190

٢٦ - باب الخُطْبَةِ عَلَى المِنْبِرَ قَالَ أَنَسٌ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ. ٩١٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيُّ القُرَشِيُّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَقَدِ امْتَرَوْا فِي المِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ -امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ-: "مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ". فَأَمَرَتْهُ، فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا، وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي". [انظر: ٣٧٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ٢/ ٣٩٧] ٩١٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَال: كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ المِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ العِشَارِ، حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. قَالَ سُلَيْمَانُ: عَنْ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا. [انظر: ٤٤٩ - فتح: ٢/ ٣٩٧] ٩١٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "مَنْ جَاءَ إِلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ". [انظر: ٨٧٧ - مسلم: ٨٤٤ - فتح: ٢/ ٣٩٧] (قال أنس: خطب النبي ﷺ على المنبر). وعن أبي حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَقَدِ امْتَرَوْا فِي المِنْبَرِ .. الحديث.

стр. 4191

وعن مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ، عن يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ … الحديث. وعن ابن عمر سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "مَنْ جَاءَ إِلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ". الشرح: أما حديث أنس فذكره بعد مسندًا في حنين الجذع، وغيره (١). وحديث سهل سلف في باب: الصلاة في السطوح والمنبر (٢) وفي إسناده: يعقوب بن عبد الرحمن القاري، بتشديد الياء المثناة تحت، من القارة، حليف بني زهرة، مدني، ولي الإسكندرية، ومات بها سنة إحدى وثمانين ومائة، اتفقا عليه (٣). وسهل بن سعد مات سنة ثمان وثمانين، أو سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة على قول (٤).

стр. 4192

وحديث جابر يأتي في علامات النبوة أيضًا أتم منه (١). وسلف في: الاستعانة بالنجار والصناع من [حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه] (٢) بنحوه (٣) وتعليق سليمان يأتي مسندًا في الباب المذكور عن يحيى عن حفص (٤)، وذكر أبو مسعود وخلف أن سليمان هذا هو ابن بلال. قالا: وقد روى هذا الحديث عن يحيى بن حفص سليمان عن كثير العبدي، كما قال ابن بلال، ولم يذكر سماع بعضهم من بعضٍ، كذا ذكرا، والذي ذكره الدارقطني أن سليمان بن كثير رواه عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن جابر (٥)، قال أبو مسعود: وإنما لم يسم البخاري ابن أنس؛ لأن محمد بن جعفر يقول فيه: عن يحيى عن عبيد الله بن حفص بن أنس. فقال البخاري: عن ابن أنس. ليكون أقرب إلى الصواب. كذا قال أبو مسعود. وقد رواه أبو نعيم من طريق البخاري وقال: عن يحيى عن عبيد الله ابن حفص بن أنس أنه سمع جابرًا، والظاهر أن الاختلاف من يحيى، فتارة يقول عن حفص بن عبيد الله، وتارة يعكس، يدل على ذلك أن الإسماعيلي رواه من طريق يعقوب بن محمد، ثنا عبد الله بن يعقوب ابن إسحاق -مولى معاوية- ثنا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنِي عبيد الله بن حفص بن أنس.

стр. 4193

قال يعقوب: وإنما هو حفص بن عبيد الله بن أنس، ولكن هكذا حَدَّثَنَا عن جابر، فقد وافق محمد بن جعفر يعقوب هذا، وكذا سويد بن سعيد. قال الدارقطني: وهو الصواب. قال الحميدي في "جمعه": ليس لابن أنس عن جابر في "الصحيح" إلا هذا الحديث. قال: وقد اختلف الرواة في اسمه، فقيل: حفص بن عبيد الله. وقيل عكسه (١). وقال البخاري في "تاريخه": قال بعضهم: عبيد الله بن حفص. ولا يصح (٢). وفي نسخة أبي ذر: حفص بن عبد الله، وصوابه عبيد الله بالتصغير. وحفص هذا روى له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، روى عن جده وجابر وابن عمر وأبي هريرة. قال أبو حاتم: لا يثبت له السماع إلا من جده (٣)، كذا قال، وهو في البخاري عن جابر (٤) في علامات النبوة مصرحًا به (٥). وأما حديث ابن عمر فسلف من رواية مالك عن نافع عنه (٦)، وأخرجه مع البخاري الترمذي والنسائي (٧). إذا تقرر ذلك: فالعشار في حديث جابر بكسر العين وهي: النوق

стр. 4194

الحوامل. قاله في "المطالع". وقال الجوهري: هي جمع عشراء وهي الناقة التي أتت عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، وزال عنها اسم المخائض ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع وبعدما تضع أيضًا (١). وقيل: هي النوق التي وضع بعضها وبعضها بعد لم يضع. وقال الداودي: هي التي معها أولادها. وقال الخطابي: هي التي قاربت الولادة، يقال: ناقة عشراء ونوق عشار، على غير قياس (٢). ونقل ابن التين أنه ليس في الكلام فعلاء على فعال غير نفساء وعشراء وتجمع على عشراوات ونفساوات، والصواب المذكور، مثله بأصواتها عند فراق أولادها. والجذع أصل النخل، ولما وضع يده عليه سكن حسه، وجاء في رواية: "لو لم أفعل ذلك حن إلى قيام الساعة" (٣). وذكر البخاري في هذا الباب الأحاديث الثلاثة، وهي دالة على ما بوب له، وهو الخطبة على المنبر، وهو إجماع، وسببه أنه أبلغ في الإعلام، وأعظم في الوقع؛ لأجل المشاهدة، ويستحب أن يكون على يمين المحراب مستقبل القبلة، فإن لم يكن منبر، فموضع عال،

стр. 4195

وإلا فإلى خشبة للاتباع، فإنه ﷺ كان يخطب إلى جذع قبل اتخاذه، فلما صنع تحول إليه كما ساقه في الباب. ويكره المنبر الكبير جدًا الذي يضيق على المصلين إذا لم يكن المسجد متسعًا، وسلف في باب: الصلاة في السطوح والمنبر، الكلام عليه، وعلى من عمله، ومن أي شيء كان فراجعه (١). وفيه علم عظيم من أعلام نبوته، ودليل على صحة رسالته، وهو حنين الجماد، وذلك بأن الله تعالى جعل للجذع حياة حيى بها، وهذا من باب الأفضال من الرب الذي يحي الموتى بقوله: كن. وذكر ابن العربي في كتابه "أنوار الفجر"، وذكر فيه ألف معجزة لنبينا وأنها على قسمين: منها ما هو في القرآن وهو تواتر، ومنها ما نقل آحادًا، ومجموعها خرق العادة على يديه على وجه لا ينبغي إلا لنبي بتحد أو لولي تكرمة له، إن حنين الجذع اليابس وأنينه أغرب من اخضراره وإثماره، فإن الإثمار والاخضرار يكونان فيه بصفة، والحنين والأنين لا يكونان في جنسه بحال، وإنما حنت على فقد ما كانت تأنس به من الذكر، وخُصت به من الشرف والبركة. وفيه كلام ما لا يعرف له الكلام من الجمادات وشبهها، إذا أتانا ذلك من طريق النبوة كانت هي آية معجزة أراد الله تعالى أن يريها عباده؛ ليزدادوا إيمانا، وما جرى على مجرى الإعجاز فهو خرق العادات، وأما نحن فلا يجوز كلام الجمادات إلينا، كذا قاله ابن بطال في البيوع في باب: النجار (٢)، ويجوز أن يقع ذلك منا على

стр. 4196

وجه الكرامة، فما كان للنبي معجزة جاز أن يكون للولي كرامة. وحكى ابن التين عن ابن القزاز أن فيه ردًّا على القدرية؛ لأن الصياح ضرب من الكلام، وهم لا يجيزون الكلام إلا ممن له فم ولسان. وفي "شرح ابن بطال": إذا كان الخليفة هو الذي يخطب فسنته أن يجلس على المنبر إذا خطب، فإن كان غيره قام إن شاء على المنبر أو شاء على الأرض (١). قال مالك: ومن لا يرقى بأعلى المنبر عندنا فجلهم يقوم عن يسار المنبر ومنهم من يقوم عن يمينه، وكل واسع. وروي أن الصديق نزل بعد النبي ﷺ درجة من المنبر تواضعًا منه، ولم ير نفسه أهلًا لذلك الموضع، وكذلك فعل عمر، نزل بعده فكان يخطب على الأولى، وكان المنبر من ثلاث درجات. فرع: جماعة الفقهاء على أن الخطبة من شرط الجمعة لا تصح إلا بها، ومتى لم يخطب الإمام صلى أربعًا (٢)، وشذ الحسن فقال: تجزئهم جمعتهم خطب الإمام أو لم يخطب، ذكره ابن المنذر عنه (٣)، وذكر عبد الوهاب أنه قول أهل الظاهر (٤)، (وحكاه ابن الماجشون عن ابن

стр. 4197

أبي زيد عن مالك، وشارح "الرسالة" عن عبد الملك) (١)، ويرد قولهم الاتباع فيما نقله الكافة عن الكافة، ومن لا يجوز السهو عليه، ولو كانت الجمعة تجزئ بغير خطبة لبينه. وقد قال الفاروق: إنما قصرت الصلاة من أجل الخطبة (٢). وقال سعيد بن جبير: إن الخطبة جعلت مكان الركعتين (٣). فرع: من شرط صحتها إسماع أربعين كاملين خلافًا لأبي حنيفة (٤). تنبيهات: أحدها: ادعى بعضهم أن حديث سهل: "أعوادًا أجلس عليهن"

стр. 4198

يعارض حديث جابر: وكان جذع يقوم إليه. ولا تعارض عندي، فإن المراد بالجلوس الأول القيام. وحمل بعضهم حديث سهل في غير الجمعة؛ لوعظ أو تعليم، وحديث جابر فيها، وذكره ابن بطال وابن التين، وليس بطائل، وأيده ابن بطال أنه ﷺ لم يحفظ عنه أنه خطب للجمعة قط إلا قائمًا (١). وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] أي: قائمًا تخطب، قال: ويؤيدها حديث ابن عمر، وقد ترجم له باب: الخطبة قائمًا كما ستعلمه (٢). ثانيها: قيل: إن المنبر المقام الذي ذكره الله تعالى وصنعه؛ ليراه أقصى من حضره ويسمع كلامه، ويكون ذلك سنة لأمته؛ ليسمع موعظته وليتأهب به؛ ولتكون الصلاة أول ما تفعل عليه، وذلك مستحب أن يفعل في كل جديد، وصلاته على المنبر شكرًا لله وتواضعًا. وكونها فوقه يحتمل أن يكون للارتفاع يسيرا، ولا يعلل هنا بالكبر؛ لأنه ليس من شأنه، ونزوله وصعوده احتمل للتعلم، قال ابن التين: والأشبه أن ذلك له خاصة، وجوزه بعضهم إذا كان معه بعض المأمومين. وصلى عمر بن عبد العزيز على أرفع مما عليه أصحابه، وليس للمنع وجه إذا لم يرد التكبر.

стр. 4199

٢٧ - باب الخُطْبَةِ قَائِمًا وَقَالَ أَنَسٌ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا. ٩٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ، كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ. [٩٢٨ - مسلم: ٨٦١ - فتح: ٢/ ٤٠١] (وقال أنس بينا رسول الله ﷺ يخطب قائمًا) (١). وعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ، كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ. الشرح: أما تعليق أنس فأسنده في الاستسقاء كما ستعلمه في حديث: ادع الله أن يسقينا (٢). وأما حديث ابن عمر فسيأتي قريبًا (٣)، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه أيضًا (٤). وأما حكم الباب فالقيام للقادر شرط لصحتها، وكذا الجلوس بينهما عند الشافعي وأصحابه (٥)، فإن عجز عنه استخلف، فإن خطب قاعدًا أو

стр. 4200

مضطجعًا للعجز جاز قطعًا كالصلاة، ويصح الاقتداء به حينئذٍ، وعندنا وجه أنها تصح قاعدًا للقادر، وهو شاذ، نعم هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد كما حكاه النووي عنهم (١)، قاسوه على الأذان، وحكى ابن بطال عن مالك، كالشافعي (٢). وعن ابن القصار كأبي حنيفة، ونقل ابن التين عن القاضي أبي محمد أنه مسيء ولا يبطل (٣) حجة الشافعي حديث الباب. قال ابن بطال: وهو قال على تكرار فعله في ذلك ودوامه، وأنه لم يخالف ذلك، ولا خطب جالسًا. وذكر ابن أبي شيبة عن طاوس قال: خطب رسول الله ﷺ قائمًا، وأبو بكر وعمر وعثمان قائمًا، وأول من جلس على المنبر معاوية. قال الشعبي: حين كثر شحم بطنه ولحمه (٤). ورواه ابن حزم عن علي أيضًا (٥). قلت: وقد قال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] وفي "صحيح مسلم" من حديث جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة (٦). وممن كان

стр. 4201

يخطب قائمًا أو أمر به عليٌّ إكمالًا للخلفاء الأربعة، والمغيرة والنعمان بن بشير وأبو هريرة وابن مسعود، وابنه أبو عبيدة وابن سيرين (١)، ورواه جعفر بن محمد عن أبيه: كان ﷺ يخطب قائمًا (٢)، وابن عباس أيضًا (٣)، وفي "صحيح مسلم" أن كعب بن عجرة دخل المسجد، وعبد الرحمن بن الحكم يخطب قاعدًا فقال: انظروا إلى هذا يخطب قاعدًا، وقد قال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٤) [الجمعة: ١١]. ومن أجاب عن أحاديث القيام والآية بأن ذلك من باب الإخبار عن حالتهم عند الانفضاض، وبأنه ﷺ يواظب على الفاضل مع جواز غيره عجيب، فلم ينقل أحد عنه أنه خطب قاعدًا، وفي "المغني": قال الهيثم بن خارجة لأحمد: كان عمر بن عبد العزيز يخطب قاعدًا فأنكره شديدًا (٥). فرع: قد أسلفنا أن الجلوس بين الخطبتين شرط في صحتها عند الشافعي وأصحابه، وذكر الطحاوي أنه لم يشترط ذلك إلا الشافعي، وذكر عياض

стр. 4202

عن مالك أن الجلوس بينهما شرط (١)، وهو خلاف المشهور كما قاله ابن التين قال: ووجهه أنهما ذكران يتقدمان الصلاة، فلم يكن الجلوس بينهما شرطًا في صحتهما كالأذان والإقامة، وقد خطب المغيرة بن شعبة بحضرة الصحابة والتابعين ولم يجلس في خطبته (٢). وقد حصر عثمان عن الخطبة، فتكلم ونزل ولم يجلس، ولم ينكره أحد. قلت: الحجة في فعله، وكان فعله الجلوس، فلو كان سنة لتركه ولو مرة.

стр. 4203

٢٨ - باب يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ القَوْمَ وَاسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإِمَامَ إِذَا خَطَبَ . وَاسْتَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ الإِمَامَ. ٩٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ. [١٤٦٥، ٢٨٤٢، ٦٤٢٧ - مسلم: ١٠٥٢ - فتح: ٢/ ٤٠٢] وعن أَبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أن النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ. الشرح: أما أثر ابن عمر وأنس فأخرجهما البيهقي (١)، وأخرج أثر أنس ابن أبي شيبة (٢). وأما حديث أبي سعيد فاختصره هنا، وأخرجه في الزكاة والرقاق أيضًا (٣)، وأخرجه مسلم والنسائي (٤)، ووجه مطابقته للباب قوله: (وجلسنا حوله).

стр. 4204

وقوله: (جلس) لعله يريد ثم قام بعد، أو كانت خطبة غير جمعة. ويحيى المذكور في إسناده هو ابن أبي كثير، مات بعد المائة (١)، وأخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود، وضعفه، قال: وفي الباب عن ابن عمر ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ولا يصح في هذا الباب عن رسول الله شيء (٢). وأما حكم الباب: فالسنة أن يقبل الخطيب على القوم في جميع خطبته ولا يلتفت في شيء منها، ولا يفعل ما يفعله الخطباء يمنة ويسرة في الصلاة على رسول الله ﷺ ، فإنه لا أجل له، واتفقوا على كراهة الالتفات، وهو معدود في البدع المنكرة، ونقل الشيخ أبو حامد عن أبي حنيفة أنه يلتفت يمينًا وشمالًا في بعض الخطبة كما في الأذان. ويستحب للقوم الإقبال بوجوههم عليه، وفيه أحاديث كثيرة؛ ولأنه مقتضى الأدب وأبلغ في الوعظ، وهو إجماع. وسبب ذلك أنه يخاطبهم، فلو استدبرهم قبح، وإن وقف في أخرياته واستدبروه قبح أيضًا، وإن استقبلوه واستدبروا القبلة، فاستدبار واحد واستقبال الجميع أولى من عكسه، فلو خالف الخطيب فاستدبرهم واستقبل القبلة كره، وصحت، وفيه وجه شاذ، لكن الاتباع يقويه. وباستقبال القوم الإمام قال به أيضًا شريح وعطاء، وأبو إسحاق عمرو بن أبي صعصعة ومالك والأوزاعي والثوري وسعيد بن عبد العزيز وابن جابر ويزيد بن أبي مريم والشافعي وأحمد إسحاق،

стр. 4205

وقبلهم طاوس ومجاهد وسالم والقاسم وزاذان، وعمر بن عبد العزيز، وقال: الواعظ قبلة، والشعبي والنضر بن أنس وإبراهيم. قال ابن المنذر: وهذا كالإجماع (١). وفي "المغني" روي عن الحسن أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الإمام، وكان سعيد بن المسيب لا يستقبل هشام بن إسماعيل إذا خطب، فوكل به هشام الشرط يعطفه إليه. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يكون الإمام عن يميني متباعدًا، وإذا أردت أن أنحرف إليه حولت وجهي عن القبلة. فقال: نعم تنحرف إليه (٢). وفي "المبسوط" من كتب الحنفية: إن القوم الآن يستقبلون القبلة بوجوههم في حال الخطبة للحرج من تسوية الصفوف ولكثرة الزحام (٣). فرع: من فاته الخطبة لاتفوته الجمعة خلافًا لعطاء ومكحول ومجاهد وطاوس (٤)، دليل الجمهور: الحديث السالف: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٥) وهو عام في جميع الصلوات.
следующие страницы →