← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

يخطب قائمًا أو أمر به عليٌّ إكمالًا للخلفاء الأربعة، والمغيرة والنعمان بن بشير وأبو هريرة وابن مسعود، وابنه أبو عبيدة وابن سيرين (١)، ورواه جعفر بن محمد عن أبيه: كان ﷺ يخطب قائمًا (٢)، وابن عباس أيضًا (٣)، وفي "صحيح مسلم" أن كعب بن عجرة دخل المسجد، وعبد الرحمن بن الحكم يخطب قاعدًا فقال: انظروا إلى هذا يخطب قاعدًا، وقد قال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٤) [الجمعة: ١١]. ومن أجاب عن أحاديث القيام والآية بأن ذلك من باب الإخبار عن حالتهم عند الانفضاض، وبأنه ﷺ يواظب على الفاضل مع جواز غيره عجيب، فلم ينقل أحد عنه أنه خطب قاعدًا، وفي "المغني": قال الهيثم بن خارجة لأحمد: كان عمر بن عبد العزيز يخطب قاعدًا فأنكره شديدًا (٥). فرع: قد أسلفنا أن الجلوس بين الخطبتين شرط في صحتها عند الشافعي وأصحابه، وذكر الطحاوي أنه لم يشترط ذلك إلا الشافعي، وذكر عياض

стр. 4202

عن مالك أن الجلوس بينهما شرط (١)، وهو خلاف المشهور كما قاله ابن التين قال: ووجهه أنهما ذكران يتقدمان الصلاة، فلم يكن الجلوس بينهما شرطًا في صحتهما كالأذان والإقامة، وقد خطب المغيرة بن شعبة بحضرة الصحابة والتابعين ولم يجلس في خطبته (٢). وقد حصر عثمان عن الخطبة، فتكلم ونزل ولم يجلس، ولم ينكره أحد. قلت: الحجة في فعله، وكان فعله الجلوس، فلو كان سنة لتركه ولو مرة.

стр. 4203

٢٨ - باب يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ القَوْمَ وَاسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإِمَامَ إِذَا خَطَبَ . وَاسْتَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ الإِمَامَ. ٩٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ. [١٤٦٥، ٢٨٤٢، ٦٤٢٧ - مسلم: ١٠٥٢ - فتح: ٢/ ٤٠٢] وعن أَبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أن النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ. الشرح: أما أثر ابن عمر وأنس فأخرجهما البيهقي (١)، وأخرج أثر أنس ابن أبي شيبة (٢). وأما حديث أبي سعيد فاختصره هنا، وأخرجه في الزكاة والرقاق أيضًا (٣)، وأخرجه مسلم والنسائي (٤)، ووجه مطابقته للباب قوله: (وجلسنا حوله).

стр. 4204

وقوله: (جلس) لعله يريد ثم قام بعد، أو كانت خطبة غير جمعة. ويحيى المذكور في إسناده هو ابن أبي كثير، مات بعد المائة (١)، وأخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود، وضعفه، قال: وفي الباب عن ابن عمر ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ولا يصح في هذا الباب عن رسول الله شيء (٢). وأما حكم الباب: فالسنة أن يقبل الخطيب على القوم في جميع خطبته ولا يلتفت في شيء منها، ولا يفعل ما يفعله الخطباء يمنة ويسرة في الصلاة على رسول الله ﷺ ، فإنه لا أجل له، واتفقوا على كراهة الالتفات، وهو معدود في البدع المنكرة، ونقل الشيخ أبو حامد عن أبي حنيفة أنه يلتفت يمينًا وشمالًا في بعض الخطبة كما في الأذان. ويستحب للقوم الإقبال بوجوههم عليه، وفيه أحاديث كثيرة؛ ولأنه مقتضى الأدب وأبلغ في الوعظ، وهو إجماع. وسبب ذلك أنه يخاطبهم، فلو استدبرهم قبح، وإن وقف في أخرياته واستدبروه قبح أيضًا، وإن استقبلوه واستدبروا القبلة، فاستدبار واحد واستقبال الجميع أولى من عكسه، فلو خالف الخطيب فاستدبرهم واستقبل القبلة كره، وصحت، وفيه وجه شاذ، لكن الاتباع يقويه. وباستقبال القوم الإمام قال به أيضًا شريح وعطاء، وأبو إسحاق عمرو بن أبي صعصعة ومالك والأوزاعي والثوري وسعيد بن عبد العزيز وابن جابر ويزيد بن أبي مريم والشافعي وأحمد إسحاق،

стр. 4205

وقبلهم طاوس ومجاهد وسالم والقاسم وزاذان، وعمر بن عبد العزيز، وقال: الواعظ قبلة، والشعبي والنضر بن أنس وإبراهيم. قال ابن المنذر: وهذا كالإجماع (١). وفي "المغني" روي عن الحسن أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الإمام، وكان سعيد بن المسيب لا يستقبل هشام بن إسماعيل إذا خطب، فوكل به هشام الشرط يعطفه إليه. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يكون الإمام عن يميني متباعدًا، وإذا أردت أن أنحرف إليه حولت وجهي عن القبلة. فقال: نعم تنحرف إليه (٢). وفي "المبسوط" من كتب الحنفية: إن القوم الآن يستقبلون القبلة بوجوههم في حال الخطبة للحرج من تسوية الصفوف ولكثرة الزحام (٣). فرع: من فاته الخطبة لاتفوته الجمعة خلافًا لعطاء ومكحول ومجاهد وطاوس (٤)، دليل الجمهور: الحديث السالف: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٥) وهو عام في جميع الصلوات.

стр. 4206

٢٩ - باب مَنْ قَالَ فِي الخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ: أَمَّا بَعْدُ . رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٩٢٢ - وَقَالَ مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ قُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ. قَالَتْ: فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جِدًّا حَتَّى تَجَلاَّنِي الغَشْيُ وَإِلَى جَنْبِي قِرْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَفَتَحْتُهَا فَجَعَلْتُ أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِي، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ". قَالَتْ وَلَغِطَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْكَفَأْتُ إِلَيْهِنَّ لأُسَكِّتَهُنَّ فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا قَالَ؟ قَالَتْ: قَال: "مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ مِثْلَ -أَوْ قَرِيبَ مِنْ- فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوْ قَالَ: المُوقِنُ. شَكَّ هِشَامٌ- فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللهِ، هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَالهُدَى فَآمَنَّا وَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا وَصَدَّقْنَا. فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ -أَوْ قَالَ: المُرْتَابُ. شَكَّ هِشَامٌ- فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِى، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ". قَالَ هِشَامٌ: فَلَقَدْ قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ: فَأَوْعَيْتُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا يُغَلِّظُ عَلَيْهِ. [نظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٢/ ٤٠٢] ٩٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْىٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللهِ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ

стр. 4207

وَالهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ". فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ. تَابَعَهُ يُونُسُ. [٣١٤٥، ٧٥٣٥ - فتح: ٢/ ٤٠٣] ٩٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا". تَابَعَهُ يُونُسُ. [انظر: ٧٢٩ - مسلم: ٧٦١، ٧٨٢ - فتح: ٢/ ٤٠٣] ٩٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ". تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ". تَابَعَهُ العَدَنِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ فِي: "أَمَّا بَعْدُ". [١٥٠٠، ٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩، ٧١٧٤، ٧١٩٧ - مسلم: ١٨٣٢ - فتح: ٢/ ٤٠٤] ٩٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ". تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [٣١١٠، ٣٧١٤، ٣٧٢٩، ٣٧٦٧، ٥٢٣٠، ٥٢٧٨ - مسلم: ٢٤٤٩ - فتح: ٢/ ٤٠٤] ٩٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الغَسِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ المِنْبَرَ، وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ، قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ

стр. 4208

ثُمَّ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِلَيَّ". فَثَابُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقِلُّونَ، وَيَكْثُرُ النَّاسُ، فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِّهِمْ". [٣٦٢٨، ٣٨٠٠ - فتح: ٢/ ٤٠٤] ثم ذكر تعليقًا عن أسماء في الكسوف فقال: وَقَالَ مَحْمُودٌ، فذكره، وفيه: ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ". ثم أسند من حديث عمرو بن تغلب وعائشة وأبي حميد، والمسور بن مخرمة وابن عباس، وفيها كلها بعد الثناء على الله: "أما بعد". الشرح: أما حديث ابن عباس الأول فقد أسنده آخر الباب (١)، وأما حديث أسماء فذكره مطولًا، ومختصرًا، وقد رواه في باب: من أجاب الفتيا بإشارة الرأس واليد من كتاب العلم عن موسى بن إسماعيل (٢)، وفي باب: من لم ير الوضوء إلا من الغشي عن إسماعيل (٣)، وسيأتي في الكسوف (٤) والسهو (٥). وأسماء جدة فاطمة بنت المنذر جدة أبيها، ومحمود هو ابن غيلان المروزي الحافظ، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين. وأخرجه مسلم أيضًا (٦)، وسياق البخاري هنا يؤذن أن أسماء روته

стр. 4209

عن عائشة، وهو خلاف ما ذكره في العلم والطهارة من رفعه عنها، ولعل الصواب ما هنا. وأما حديث عمرو بن تغلب فأخرجه في الخمس والتوحيد (١) وهو من أفراده. وعمرو (بن تغلب) (٢) صحابي خرج له البخاري والنسائي وابن ماجه. و (تغلب) بمثناة فوق ثم غين معجمة، قال المزي تبعًا لعبد الغني: لم يرو عنه غير الحسن البصري فيما قاله غير واحد (٣)، ولعل المراد إذا في "الصحيح" وإلا فقد ذكر ابن عبد البر أن الحكم بن الأعرج روى عنه أيضًا (٤) كما نبه عليه المزي (٥). وأبو عاصم -شيخ شيخ البخاري فيه- هو النبيل، الضحاك بن مخلد. وأما حديث عائشة فسلف في باب: إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة، ويأتي في الصوم (٦)، وقال هنا: (تابعه يونس) وهذه

стр. 4210

المتابعة أخرجها مسلم، عن حرملة، عن ابن وهب، عنه (١) وأخرجها النسائي، عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق، عن عبد الله بن الحارث، عن يونس (٢). وقوله: تابعه يونس أي: في قوله: "أَمَّا بَعْدُ"، كذا قاله خلف وتابعه المزي (٣)، واعتراض شيخنا قطب الدين عليه أنه روى عن الزهري جميع الحديث فلا يختص بـ"أما بعد" ليس بجيد؛ لأنه موضع التبويب فلذا فسره به. وأما حديث أبي حميد فهو بعض من حديث ذكره البخاري في الزكاة، وترك الحيل، والاعتكاف، والنذور (٤): استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأزد يقال له: ابن (اللتبية) (٥)، على الصدقة، فلما قدم

стр. 4211

قال: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: "أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم" أخرجه مسلم في المغازي (١). ثم قَالَ البخاري: تابعه أبو معاوية وأبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أبي حميد، عن النبي ﷺ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ" تابعه العدني عن سفيان في: "أما بعد". أما متابعة أبي معاوية- واسمه محمد بن خازم الضرير، كوفي، فأخرجها مسلم في المغازي، عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن أبي معاوية به (٢). وأما متابعة أبي أسامة فتأتي -إن شاء الله- مسندة (٣)، وأخرجها مسلم أيضًا (٤) واسمه حماد بن أسامة، ومتابعة سفيان -وهو ابن عيينة- فذكرها بَعْدُ عن الزهري، عن عروة، عن أبي حميد (٥)، وأخرجها مسلم عن العدني عن هشام (٦). والعدني اسمه محمد بن يحيى احتج به مسلم (٧).

стр. 4212

واسم أبي حميد عبد الرحمن (١)، وقيل: المنذر بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة، مات في خلافة معاوية. وأما حديث علي بن حسين عن المسور بن المخرمة فهو من حديث: أنه ﷺ خطب وقال: "إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، وإنما فاطمة بضعة مني" الحديث. ويأتي في الفضائل إن شاء الله (٢). وأخرجه مسلم أيضًا (٣). وتابعه ابن سيرين، أخرجه الرهاوي من طريقه عن المسور بن مخرمة: كان رسول الله ﷺ إذا خطب قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ". والمسور هذا قدم المدينة سنة ثمان من الهجرة، فسمع وحفظ، أمه عاتكة بنت عوف، قتل أيام ابن الزبير بالمنجنيق سنة أربع وستين. ومتابعة الزبيدي لا يحضرني من أسندها (٤). وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضًا في علامات النبوة، وفضائل الصحابة (٥)، وأخرجه الترمذي في "شمائله" (٦). وابن الغسيل المذكور في إسناده هو أبو سليمان عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة ابن الغسيل.

стр. 4213

قيل: عاش مائة وستين سنة، ذكره ابن التين، وقيل: إنما سمي والده بذلك؛ لأنه غسلته الملائكة يوم أحد (١). إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على ذَلِكَ من أوجه: أحدها: هذه الأحاديث دالة لما ترجم له، وهو ذِكْرُ هذه اللفظة في الخطبة بعد الثناء، وهي من فصيح الكلام، وهو فصل بين الثناء على الله وبين ابتداء الخبر الذي يريد الخطيب إعلام الناس به، وهو فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﷺ ؛ لأنها فصل ما تقدم من كلام المتكلم، وقال الحسن: هي فصل القضاء، وقيل: البينة على المدعي واليمين على من أنكر (٢). وهو المبتدئ بها على أحد الأقوال، ورواه النحاس من حديث بلال بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى أنه ﷺ أول من قالها، وأنه فصل الخطاب، وكذا ذكره عبد في "تفسيره"، عن الشعبي، وزياد بن أمية. ثانيها: أنه كعب بن لؤي جد سيدنا رسول الله ﷺ . ثالثها: قُس بن ساعدة، قاله ابن الكلبي. رابعها: يعرب بن قحطان.

стр. 4214

خامسها: سحبان. وفي ضبطها أربعة أوجه: ضم الدال وتنوينها، ونصبها وتنوينها (١). وفي "غرائب مالك" للدارقطني بسند ضعيف: لما جاء ملك الموت إلى يعقوب ﵇، قَالَ يعقوب في جملة كلام: أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء .. الحديث. قَالَ سيبويه: معناه: مهما يكن من شيءٍ (٢). وقال أبو إسحاق: إذا كان رجلٌ في حديثٍ وأراد أن يأتي بغيره قَالَ: أما بعد. وفي "المحكم" معناها: أما بعد دعائي لك (٣). وفي "الجامع": يعني: بعد الكلام المتقدم، أو بعد ما يبلغني من الخبر. ثم حذفوا هذا وضموا على أصل ما ذكرناه، وذكر عبد القادر الرهاوي أن اثنين وثلاثين من الصحابة رووا ذَلِكَ عن النبي ﷺ في خطبه ومواعظه وكتبه. ثانيها: معنى: (تَجَلَّانِي الغَشْيُ): غطَّاني وغشاني، وأصله: تجللني فأبدلت إحدى اللامات ألفًا، قاله ابن الأثير، قَالَ: ويحتمل أن يكون معناه: ذهب بقوتي وصبري، من الجلاء، أو ظهر لي وبان عليَّ (٤).

стр. 4215

وقولها: (وَلَغطَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ). اللغط: الأصوات المختلفة التي لا تفهم. قَالَ ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الغين وبعضهم بكسرها، وهو بالفتح عند أهل اللغة. قولها: (وانْكَفَأُتُ). أي: ملت بوجهي ورجعت إليهن لأسكتهن. أي: بالإشارة، وأصله: من كفأت الإناء: إذا أملته وكببته. والفتنة أصلها: الاختبار، ولا فتنة أكبر من الفتنة المذكورة. منكر -بفتح الكاف- كما قيده به ابن العربي، ونكير -وقد ثبت فيها أحاديث- أعاذنا الله منها. وقوله: ("أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في القبور") أي: أتاه الملك بذلك، وفيه: بيان أنه اعلم به في ذَلِكَ الوقت. وقوله: ("حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ") يعني: أنه رأى أمورًا عظامًا. وقوله: ("من فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ") يعني: ما يبلو به الله الناس إذا خرج الدجال من الفتنة، فيضل الله به قومًا ويثبت المؤمنين، وقيل له: المسيح؛ لأنه يمسح الأرض، أو لأنه ممسوح العين أعورها، وقد أسلفنا ذَلِكَ مع رواية كسر الميم وتشديد السين. والمنافق: الذي يظهر خلاف ما يبطن. والمرتاب: الشاك. قاله أبو الوليد المالكي (١). وقال أبو جعفر: المنافق: المرتاب، ومعناهما متقارب في الكفر، إلا أن قوله: "سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ" أقرب إلى نفي المرتاب، وفي بعض الروايات أنه إذا قَالَ: لا أدري. قيل له: "لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ" (٢). ومعنى تليت: اتبعت.

стр. 4216

وقوله: ("أَمَّا المُؤْمِنُ") أو"المُوقِنُ" الأظهر كما قَالَ ابن التين أنه المؤمن؛ لقوله: "قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ" ولقوله: "فَأَجَبْنَا" ولم يقل: فأيقنا. والنوم هنا: هو العود إلى ما كان عليه، ووصفه به وإن كان مؤمنًا لما يناله من الراحة. وقوله: ("فأوعيته") (١) قَالَ الدمياطي في حاشية "الصحيح" بخطه ومنه نقلت الوجه: وعيته قَالَ تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] يقال: وعيت العلم، وأوعيت المتاع. وقوله: (أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ بسَبْىٍ). وفي بعض النسخ: أو بشيء، وهو ما في "المستخرج" لَأبي نعيم، وفي كتاب الإسماعيلي: أتي بمالٍ من البحرين. وقوله: (أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ). كذا بخط الدمياطي، وقال شيخنا قطب الدين: الذي في أجل روايتنا: (أن الذي ترك)، ونسخة: (أن الذين ترك). وقوله: (عتبوا) أي: وجدوا في أنفسهم كراهية لذلك. وقوله: ("لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ") هذا من نظر القلب لا من نظر العين. و (الجزع) ضد الصبر، وهو شدة القلق، وقيل: القول السيء. و (الهلع) شدة الجزع.

стр. 4217

وقوله: ("مِنَ الغِنَى وَالخَيْرِ") أي: أتركهم مع ما وهب الله لهم من غنى النفس فصبروا وتعففوا عن الطمع والشره. و ("حُمْرَ النَّعَمِ") قيل: المراد: إهداءها أو الصدقة بها فيكون أجر ذَلِكَ له، وهي كلمة تقولها العرب، وإلا فما كان يجب أن يكون له الدنيا وما فيها (١). وقوله: ("مُتَعَطِّفًا"). أي: مترديًا، والتعطف التردي بالرداء، ويسمى الرداء عطافًا؛ لوقوعه على عطفي الرجل، وهما ناحية عنقه، ومنكب الرجل عطفه، وكذلك المعطف، ويعطف، ذكره الهروي (٢). وفي "المحكم": والجمع: عُطف، وقيل: المعاطف: الأردية، لا واحد لها (٣). والملحفة: بكسر الميم. وقوله: (قد عصب رأسه بعصابة دسمة) وفي رواية: (دسماء). ذكرها في اللباس (٤)، ضبط صاحب "المطالع": دسِمة بكسر السين، قيل: كانت سوداء، وكان له ﷺ عمامة سوداء، والعصابة: العمامة. ومنه الحديث: أمرنا أن نمسح على العصائب (٥). سميت بذلك؛

стр. 4218

لأنها تعصب الرأس. أي: تربطه، قيل: لونها لون الدسم كالزيت وشبهه، من غير أن يخالطها شيء من الدسم، وقيل: متغيرة اللون من الطيب والغالية. وقال أبو عبد الملك: ملونة بالصبغ، وقيل: الصفيقة، والدسمة في اللغة: الوسخة. وقال ابن دريد وغيره فيها سواد (١)، وقيل: الغليظة، وليس بشيء. وزعم الداودي أنها على ظاهرها وأنه لما نالها من عرقه في المرض. وقوله: (فَثَابُوا إِلَيْهِ). أي رجعوا بعضهم إثر بعض، وقيل: أي اجتمعوا. وقوله: ("إِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقِلُّونَ") وفي رواية: "حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام" (٢) هو من معجزاته وإخباره عن المغيبات، فإنهم الآن فيهم قلة. وقوله: ("فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ") فيه: دلالة على أن الخلافة لا تكون في الأنصار؛ لأنه وصَّى بهم، ولو كانت فيهم لوصَّاهم. وقوله: ("وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِّئهِم") أي: في غير الحدود وحقوق الآدميين، والمراد بالحي هنا المدينة وما حولها.

стр. 4219

ثالثها: في فوائده: فيه: الخروج إلى المسجد جوف الليل. وفيه: صلاته النافلة جماعة. وفيه: الفرار من القدر إلى القدر وليس ذَلِكَ ناج من القدر. وفيه: أنه ﷺ كان إذا أراد المبالغة في الموعظة طلع المنبر فيتأسى به. وفيه: الخطبة بالوصية، والخطبة مما قل من الثياب، وفيه: فضيلة الأنصار. وفيه: قبول خبر المرأة، وخبر المرأة عن المرأة، ورواية الرجل عن المرأة، وعن امرأته. وفيه: استجازة أسماء سؤال المصلي، ومخاطبته باليسير الذي لا يشغله؛ لأنه مباح له الإشارة، حسبما صنعت عائشة. وفيه: أن حكم النساء كان عندهم. وفيه: الافتتان في القبر، وهو بمنزلة التكليف والعبادة، ومعناه: إظهار العمل وإعلام بالمآل؛ لأن العمل والتكليف انقطع بالموت. وفتنة الدجال بمعنى: التكليف والتعبد، وشبهها بها؛ لصعوبتها وعظم المحنة بها وقلة الثبات. وفيه: الخطبة للكسوف، وهو حجة لأبي حنيفة والشافعي (١)، وأبعد

стр. 4220

من قال: إنما استفتح كلامه بالحمد، وليس بخطبة والصلاة لها. وفيه: أخذ المصلي الماء من جانبه، وصبه إياه على رأسه؛ وقال أبو عبد الملك: قد يكون ذَلِكَ بعد فراغها. وفيه: انصراف الإمام إذا تجلت الشمس. وفيه: البداءة بالحمد والثناء. وفيه: ما كان ﷺ من الرأفة بالمؤمنين، وائتلافه إياهم بالعطاء؛ ليحبب إليهم الإيمان، ولما له في ذَلِكَ من الأجر الجزيل. وفيه: حلف الصادق ليؤكد. وفيه: خطبة المريض إذا خاف الموت. وفيه -كما قَالَ أبو جعفر-: لباس العصابة الدسمة، لما ينالها مما يكون بالمريض من العرق، فهذه أربع وعشرون فائدة. وفيه: أيضًا أن الموعظة تكون بعد الصلاة عشية. واختلف العلماء في الخطبة: هل هي شرط لصحة الصلاة أو ركن من أركانها أم لا؟ فعند عطاء والنخعي وقتادة وأبي حنيفة والشافعي وأحمد والثوري إسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي هي شرط في الجمعة لا تصح بدونها (١). قَالَ ابن قدامة في "المغني": ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن البصري، فإنه قَالَ: تجزئهم جمعتهم (٢) خطب الإمام أو لم يخطب؛ لأنها صلاة عيدٍ، فلم يشترط لها الخطبة كصلاة الأضحى (٣).

стр. 4221

قُلْتُ: وحكى ابن المنذر عن داود وعبد الملك المالكي مثل قول الحسن، قَالَ القاضي: وروي ذَلِكَ عن مالك أيضًا (١)، وحكاه ابن حزم أيضًا عن ابن سيرين. قَالَ ابن حزم: وليست الخطبة فرضًا، فلو صلاها إمام دون خطبة صلاها ركعتين جهرًا ولا بد. وقال عطاء وطاوس ومجاهد: من لم يدرك الخطبة يوم الجمعة لم يصلها. وقد أسلفنا ذَلِكَ؛ قَالَ: وروينا من طريق عبد الرزاق، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب قَالَ: الخطبة موضع الركعتين، فمن فاتته الخطبة صلى أربعًا (٢). احتج الجمهور بالاتباع، فإنه ﷺ كان يخطب خطبتين. رواه جابر وابن عمر (٣)، وقد قَالَ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤)، ولأن كل خطبة قيمت مقام ركعة إذا قلنا أنها تدل على الركعتين. فرع: أركانها عند الشافعي خمسة: حمد لله، والصلاة على نبيه، ولم أرَ هذا في خُطَبِهَ ﷺ بعد الفحص، نعم رأيت في "دلائل النبوة" للبيهقي في باب المعراج من حديث عيسى بن ماهان، عن الربيع بن

стр. 4222

أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ عن ربه ﷻ في جمل أوصافه التي منحها تعالى له: "وجعلت أمتك لا تجوز عليهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي" (١). وروى فيه في باب: أول خطبة خطبها حين قدم المدينة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قَالَ: كانت أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بالمدينة. فذكرها، وقال في آخرها: "والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته" (٢). وقراءة آية في إحداهما على الأصح والوصية بالتقوى والدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح، ووقع في كلام ابن التين عن الشافعي: أن يحمد الله ويسبح. ولم أر هذا في كلامه ولا كلام أحد من أصحابنا عنه فاحذره. وقال أبو حنيفة: إن اقتصر على ذكر الله جاز (٣). وعن الشعبي أنه كان يخطب بأقل أو أكثر (٤)، وفي "قاضي خان": التسبيحة الواحدة تجزي في قول أبي حنيفة. الآخر: وهو قول أبي يوسف الآخر إلا أنه يكون مسيئًا بغير عذر لترك السنة، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يخطب خطبة خفيفة، يحمد الله ويثني عليه، ويتشهد ويصلى على رسوله، ويعظ الناس ويذكرهم، ويقرأ سورة (٥).

стр. 4223

وعن مالك: إن سبح وهلل وصلى على نبيه فلا إعادة عليه، وعنه: إن سبح فقط أعاد ما لم يصل، فإن صلى أجزأ (١)، وعنه: يسبحون واحدة، وهو قول الأوزاعي وأبي يوسف ومحمد وإسحاق وأبي ثور (٢). قَالَ ابن حبيب: ولو لم يتم الأولى وتكلم بما خف من الثناء على الله وعلى نبيه أجزأ (٣). وعن مالك: إن لم يخطب من الثانية ماله بال لم يجزءوا وأعادوا (٤)، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ذكره مطلقًا من غير قيد فأجزأ ما يسمى ذكرا. قُلْتُ: الاتباع أولى، والشرط أن يكون عنده على قصد الخطبة حتى لو عطس فقال: الحمد لله، على عطاسه لا ينوب عن ذَلِكَ، وحديث الرجل الذي قَالَ: علمني عملًا أدخل به الجنة فقال: "لئن أقصرت في الخطبة لقد أعرضت في المسألة" (٥). لا دلالة فيه، وكذا ما ذكره

стр. 4224

جماعة من المؤرخين أن عثمان أُرْتج عليه بعد قوله: الحمد لله، فاعتذر، وقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وصلى بحضرة الصحابة. منكر، كما قَالَ ابن العربي (١). وفي "المبسوط": أن الحجاج أُرْتج عليه بعد قوله: الحمد لله. فقال: يا أيها الناس قد هالني كثرة رءوسكم وإحداقكم إليَّ بأعينكم، وإني لا أجمع عليكم بين الشح والعي، إن لي نعما في بني فلان، فإذا قضيتم الصلاة فانتهبوها، ونزل وصلى، ومعه أنس بن مالك وغيره من الصحابة (٢). وروي عنه أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك يشكو إليه الحصر في الخطبة، وقلة الشهوة للأكل، وضعف شهوة الجماع، فكتب إليه الوليد: إنك إذا خطبت انظر إلى أخريات (النساء) (٣)، ولا تنظر إلى (ما) (٤) يكون

стр. 4225

بقرب منك، وأكثر ألوان الأطعمة؛ فإنك لو أكلت من كل لون شيئًا يسيرًا اكتفيت، وأكثر السراري؛ فإن لكل واحدة لذة (١). وعند أبي يوسف ومحمد: لا يجزىُ أقل من مقدار التشهد إلى قوله: عبده ورسوله (٢). وفي "ملتقى البحار": أن يثني على الله ويصلي على نبيه ويدعو للمسلمين. قَالَ ابن حبيب: وتكون الثانية أقصر من الأولى، قَالَ: وكان ﷺ لا يدع أن يقرأ في خطبته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠]. وينبغي أن يقرأ في خطبته الأولى بسورة تامة من قصار المفصل قَالَ: وكان عمر بن عبد العزيز يقرأ تارة بـ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾، وتارة بالعصر (٣). وحديث عمار في "صحيح مسلم" أجل في (تقصير) (٤) الخطبتين، وفيه: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا" (٥). ومعنى (مَئِنَّة): علامة، مأخوذ من أنَّ فوزنها: مفعلة، وهي فعيلة من يئن.

стр. 4226

٣٠ - باب القَعْدَةِ بَيْن الخُطْبَتَين يَوْمَ الجُمُعَةِ ٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا. [انظر: ٩٢٠ - مسلم: ٨٦١ - فتح: ٢/ ٤٠٦] ذكر فيه حديث عمر قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا. هذا الحديث سلف في باب: الخطبة قائمًا (١) وشرحه واضحًا. وقال ابن قدامة: هي مستحبة للاتباع، وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم؛ لأنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة (٢)، وصرح إمام الحرمين -من أصحابنا- بأن الطمأنينة بينهما واجبة، وهو خفيف جدًّا قدر قراءة سورة الإخلاص تقريبًا (٣)، وفي وجه شاذ أنه يكفي السكوت في حق القائم؛ لأنه فصل (٤). وذكر ابن التين أن مقدارها كالجلسة بين السجدتين، وعزاه لابن القاسم، قَالَ: وجهه أنه فصل بين مشتبهين، كالجلوس بين السجدتين. وادعى ابن بطال أن حديث الباب قال على السنية؛ لأنه ﷺ كان يفعله، ولم يقل: لا يجزئه غيره؛ لأن عليه فرض البيان، قَالَ: ومن قَالَ بالفرض لا حجة له؛ لأنها فصل بين الذكرين واستراحة للخطيب وليست من الخطبة في شيء، والمفهوم من لسان العرب أن الخطبة اسم للكلام الذي يخطب به لا للجلوس (٥).

стр. 4227

وقال الطحاوي: ولما كان لو خطب قاعدًا جاز ولم يقع بينهما فصل فكذا إذا قام موضع القعود (١)، وكل هذا عجيب فما ذكره لا يسلم له. وقال ابن التين: لا خلاف أن من شأن الخطبة أن تفصل على خطبتين، فإن ترك الثانية لانحصار أو نسيان أو حدث وصلى غيره أجزأهم، وكذلك لو لم يتم الأولى، وأتى منها مما له بال كما سلف. فرع: هكذا تفصل في غيره من الخطب كالاستسقاء وغيره، أما خطب الحج سواها؛ فكلها فردة إلا التي بنمرة، بقرب عرفة.

стр. 4228

٣١ - باب الاِسْتِمَاعِ إِلَى الخُطبَةِ ٩٢٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَقَفَتِ المَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِى بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِى بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ". [٣٢١١ - مسلم: ٨٥٠ - فتح: ٢/ ٤٠٧] ذكر فيه حديث أبي عبد الله الأغر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَقَفَتِ المَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَاسْتَمَعُوا الذِّكْر". الشرح: هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا في باب: بدء الخلق كما ستعلمه، بزيادة أبي سلمة مع الأغر (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢). و (الأغر) اسمه: سلمان، جهني مولاهم القاص المدني، وأصله من أصبهان، اتفقا عليه (٣)، وانفرد مسلم بالأغر بن سليك بن حنظلة أبو مسلم الكوفي، روى أيضًا عن أبي هريرة وغيره (٤).

стр. 4229

وهؤلاء غير الحفظة كما نبه عليه ابن التين. أما فقه الباب: فالإنصات لسماع الخطبة مطلوب بالاتفاق. والجديد الصحيح من مذهب الشافعي أنه لا يحرم الكلام، ويسن الإنصات، وبه قَالَ عروة بن الزبير وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي (١)، والثوري وداود. والقديم أنه يحرم، وبه قَالَ مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد (٢). وقال ابن بطال (٣): استماع الخطبة واجب وجوب سنة عند أكثر العلماء، ومنهم من جعله فريضة، وروي عن مجاهد أنه قَالَ: لا يجب الإنصات للقرآن إلا في موضعين: في الصلاة، والخطبة. ثم نقل عن أكثر العلماء أن الإنصات واجب على من سمعها ومن لم يسمعها، وأنه قول مالك (٤). وقد قَالَ عثمان: للمنصت الذي لا يسمع من الأجر مثل ما للمنصت الذي يسمع (٥). وكان عروة لا يرى بأسًا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة، ذكره ابن المنذر (٦).

стр. 4230

وقال إبراهيم: إني لأقرأ حزبي إذا لم أسمع الخطبة (١). وقال أحمد: لا بأس أن يذكر الله ويقرأ من لم يسمع الخطبة (٢). وقال ابن عبد البر: لا خلاف نعلمه بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات لها على من سمعها، واختلف فيمن لم يسمعها. قَالَ: وجاء في هذا المعنى خلافٌ عن بعض التابعين، فروي عن الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وأبي بردة أنهم كانوا يتكلمون والإمام يخطب إلا في حين قراءة القرآن في الخطبة خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وفعلهم مردود عند أهل العلم، وأحسن أحوالهم أنهم لم يبلغهم الحديث في ذَلِكَ، وهو قوله: "إذا قُلْتَ لصاحبك: أنصت" الحديث (٣)؛ لأنه حديث انفرد به أهل المدينة، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به. وقال ابن قدامة: يجب الإنصات ويحرم الكلام على الحاضرين. وكره ذَلِكَ عامة أهل العلم، منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي، وعن أحمد رواية أخرى: لا يحرم الكلام. قَالَ: وكان سعيد بن جبير وإبراهيم بن مهاجر وأبو بردة والنخعي والشعبي يتكلمون والحجاج يخطب. وقال بعضهم: إنما لم نؤمر أن ننصت لهذا (٤).

стр. 4231

واختلف العلماء في وقت الإنصات، فقال أبو حنيفة: خروج الإمام يقطع الكلام والصلاة جميعًا لقوله: "فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" (١). وقالت طائفة: لا يجب الإنصات إلا عند ابتداء الخطبة، ولا بأس بالكلام قبلها، هذا قول مالك والثوري وأبي يوسف ومحمد والأوزاعي والشافعي، حجتهم قوله ﷺ : "وينصت إذا تكلم الإمام" ذكره في باب: الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب بعد هذا (٢). وقال صاحب "البداية" من الحنفية: إذا خرج الإمام يوم الجمعة. أي: صعد على المنبر ترك الناس الصلاة والسلام حتى يفرغ من خطبته، وعندهما: لا بأس بالكلام قبل الشروع فيها، وإذا نزل، قبل أن يكبر (٣). وفي "جوامع الفقه" عند أبي يوسف: يباح الكلام عند جلوسه إذا سكت. وعند محمد: لا يباح (٤). وفي "جوامع الفقه" أنه ينصت ولا يقرأ، ولا يصلي نفلًا، ولا يشتغل بالذكر وغيره، ويكره السلام ورده، وتشميت العاطس، والأكل والشرب. قَالَ: وقال الأوزاعي: إن شرب عند الخطبة بطلت جمعته. وهو قول أحمد، ذكرها ابن المنذر (٥)، وروى محمد عن أبي يوسف أنهم يردون

стр. 4232

السلام ويشمتون، وهل يرد بعد الفراغ من الخطبة؟ عند محمد: يرده، وعند أبي يوسف: لا. والتشميت مثله، وعن أبي حنيفة: يرد في قلبه ولا يرد بلسانه (١). وقال الحسن والنخعي والشعبي والحكم وحماد والثوري وأحمد وإسحاق: يرد ويشمت (٢). وقال قتادة: يرد ويسمعه (٣). وقال مالك: لا يشمت سرًّا ولا جهرًا، ولا يرد السلام، ولا يشرب الماء، ويسكت عن التسبيح والإشارة ولا يحصبهم (٤). قَالَ: واختلف المشايخ فيما إذا لم يتكلم بلسانه، ولكنه أشار بيده، أو أومأ برأسه، أو بعينيه بنعم أو لا، أو رأى منكرًا، فمنهم من كره ذَلِكَ كفعل اللسان، والصحيح أنه لا بأس به. وفي "الذخيرة": ويكره الكلام في وقت الخطبة (٥). ومن العلماء من قَالَ: كان السكوت لازمًا في حقهم؛ لأنه ﷺ كان بسمعهم ما ينزل عليه من القرآن، بخلاف اليوم؛ لأنه قد يكون في القوم من هو أعلم من الإمام وأورع منه، فلا يلزمه استماع خطبة من هو دونه، ومنهم من قَالَ: مادام في الحمد والثناء على الله والوعظ للناس فعليهم

стр. 4233

أن يستمعوا، فإذا أخذ في مدح الظلمة والدعاء لهم فليس عليهم أن يستمعوا. وكان الطحاوي يقول: على القوم أن ينصتوا، فإذا بلغ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فحينئذٍ يجب على القوم أن يصلوا عليه (١). والذي عليه عامة المشايخ أن عليهم أن ينصتوا من أولها إلى آخرها. وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا ذكر الله والرسول استمعوا، ولم يذكروا الله بالثناء عليه، ولم يصلوا على نبيه. قَالَ ابن المنذر: هذا أحب إليَّ، وهو قول الثوري. وعن أبي يوسف: يصلون عليه سرًا، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق (٢)، وهذا كله في حق القريب من الإمام، وقال في "الذخيرة": لا رواية في البعيد. وأشار محمد بن سلمة إلى السكوت (٣)، وكان محمد هذا ونصر بن يحيى يقرءان القرآن، وهكذا رواه حماد عن إبراهيم. وأما دراسة الفقه وكتابته والنظر فيه، فمن الأصحاب من أباحه، وروي عن أبي يوسف (٤). وكان الحكم بن زهير الحنفي الكبير ينظر في الفقه، وكان مولعًا بالتدريس (٥). وفي "المرغيناني": اختلفوا في التسبيح والتهليل للنائي. أي: عن

стр. 4234

الإمام، وأجمعوا أنه لا يتكلم بكلام الناس، وأما قراءة القرآن والذكر والفقه فقال بعضهم: الاشتغال بقراءة القرآن والذكر أفضل من الإنصات. وقال بعضهم: الإنصات أفضل (١). وأما دراسة العلم فالنظر في كتبه وكتابته، فمن الأصحاب من كره ذَلِكَ، ومنهم من قَالَ: لا بأس به إذا كان لا يسمع الخطبة. وقال ابن قدامة: لا فرق بين البعيد والقريب، وللبعيد أن يقرأ القرآن، ويذكر الله ويصلي على نبيه، ولا يرفع صوته. قَالَ أحمد: لا بأس بالصلاة عليه سرًّا. قَالَ: ورخص له في القراءة والذكر عطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي، وليس له أن يرفع صوته ولا يذاكر في الفقه ولا يصلي ولا يجلس في حلقة. وذكر ابن عقيل أن له المذاكرة في الفقه، وصلاة النافلة (٢). وأما تفاريع مذهب الشافعي وتحريره وفاقًا وخلافًا، فلو سردناه هنا طال وخرج عن موضوعه، وقد حررناه في "شرح المنهاج" وغيره فليراجع منه. قَالَ أبو محمد ابن حزم: وفرض على كل من حضر الجمعة -سمع الخطبة أم لم يسمع- أن لا يتكلم مدة خطبة الإمام بشيء (البتة) (٣) إلا التسليم ورد السلام، وحمد الله إن عطس، ويشمت إن حمد، والرد على المشمت، والصلاة على رسول الله ﷺ إذا أمر الخطيب بالصلاة عليه، والتأمين على دعائه، وابتداء مخاطبة الإمام في

стр. 4235

الحاجة، ومجاوبة الإمام فيمن ابتدأه الإمام بالكلام في أمر ما فقط، ولا يحل أن يقول أحد حينئذٍ لمن يتكلم: أنصت، ولكن يشير إليه أو يغمزه أو يحصبه. ومن تكلم بغير ما ذكرنا ذاكرًا عالمًا بالنهي فلا جمعة له، فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر الله ولا من الدعاء المأمور به فالكلام مباح حينئذٍ، وكذلك إذا جلس بين الخطبتين وبين الخطبة وابتداء الصلاة (١) وهذا جمود منه كعوائده. استدل من قَالَ بالاستماع بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وبهذا الحديث في استماع الملائكة الخطبة حض على الاستماع لها والإنصات. وفي قوله: ("فإذا خرج الإمام طويت الصحف، واستمعوا الخطبة") دلالة على أنه لا عمل إذا خرج الإمام إلا ذَلِكَ لطي الصحف فيما عداه. ونهى عن الكلام عثمان وابن عمر (٢). وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصى (٣)، وبالحديث الآتي -إن شاء الله-: "فَقَدْ لَغَوْتَ" (٤) وبما روي عن أبيٍّ بن كعب أنه ﷺ قرأ يوم الجمعة ﴿تَبَارَكَ﴾ فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء (٥) يغمزني، فقال: متى أنزلت؟ فإني لم أسمعها

стр. 4236

إلا الآن، فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا قَالَ: سألتك: متى أنزلت هذه السورة؟ فلم تخبرني. قَالَ أبيٌّ: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت. فذهب إلى رسول الله ﷺ ذكر له ذَلِكَ، وأخبره بما قَالَ، فقال ﷺ : "صدق أبيُّ" رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي، وقال: إسناده صحيحٌ (١). وروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة نحوه (٢)، وعن ابن عباس مرفوعًا: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار

стр. 4237

يحمل أسفارًا" (١) رواه ابن أبي خيثمة. وذكر ابن حزم أن ثلاثة من الصحابة يبطلون صلاة من تكلم عامدًا في الخطبة: أبيٌّ، وابن عمر، وابن مسعود. قَالَ: وبه نقول؛ وعليه إعادتها في الوقت؛ لأنه لم يصلها (٢). وقالوا: لأن الخطبة بدل من الركعتين، فحرم فيهما الكلام كالصلاة. استدل من قَالَ بالإباحة بالأحاديث الصحيحة المشهورة أنه ﷺ تكلم في خطبته يوم الجمعة مرات. وبحديث أنس: دخل رجل المسجد والشعبي ﷺ على المنبر يوم الجمعة فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت، فسأله ثلاث مرات، كل ذَلِكَ يشيرون إليه أن اسكت، فقال له ﷺ : "ويحك، ما أعددت لها؟ " رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح (٣).

стр. 4238

وعن أنس: بينما النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة إذ قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال .. الحديث أخرجاه (١).

стр. 4239

٣٢ - باب إِذَا رَأَى الإِمَامُ رَجُلًا جَاءَ وَهوَ يَخطُبُ أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْن . ٩٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ ". قَالَ لَا. قَالَ "قُمْ فَارْكَعْ". [٩٣١، ١١٦٦ - مسلم: ٨٧٥ - فتح: ٢/ ٤٠٧] ذكر فيه حديث جابر بن عبد الله قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: "أَصَليْتَ يَا فُلَانُ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فاركع ركعتين".

стр. 4240

٣٣ - باب مَنْ جَاءَ وَالإِمَامُ يَخطُبُ صَلَّى رَكعَتَين خَفِيفَتَيْنِ ٩٣١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ". [انظر: ٩٣٠ - مسلم: ٨٧٥ - فتح: ٢/ ٤١٢] ذكر فيه حديث جابر المذكور وليس فيه: خفيفتين. وأخرجه في التطوع مثنى مثنى (١)، وأخرجه مسلم وباقي الجماعة (٢)، وشيخ البخاري في الأول أبو النعمان، وهو محمد بن الفضل السدوسي، ولقبه عارم، تغير بأَخَرَةٍ. قَالَ البخاري: جاءنا نعيه سنة أربع وعشرين ومائتين (٣). وروى مسلم عن جماعة عنه. وشيخه في الثاني: علي بن عبد الله -وهو ابن المديني- روى عن سفيان -وهو ابن عيينة- ورواه الحسن عن جابر، كما أخرجه الترمذي، ورواه ابن ماجه بنحوه، ورواه جابر عن سليك بن هدبة الغطفاني كما أفاده المنذري (٤)، ورواه الترمذي مصححًا من حديث
следующие страницы →