← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

إلا الآن، فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا قَالَ: سألتك: متى أنزلت هذه السورة؟ فلم تخبرني. قَالَ أبيٌّ: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت. فذهب إلى رسول الله ﷺ ذكر له ذَلِكَ، وأخبره بما قَالَ، فقال ﷺ : "صدق أبيُّ" رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي، وقال: إسناده صحيحٌ (١). وروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة نحوه (٢)، وعن ابن عباس مرفوعًا: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار

стр. 4237

يحمل أسفارًا" (١) رواه ابن أبي خيثمة. وذكر ابن حزم أن ثلاثة من الصحابة يبطلون صلاة من تكلم عامدًا في الخطبة: أبيٌّ، وابن عمر، وابن مسعود. قَالَ: وبه نقول؛ وعليه إعادتها في الوقت؛ لأنه لم يصلها (٢). وقالوا: لأن الخطبة بدل من الركعتين، فحرم فيهما الكلام كالصلاة. استدل من قَالَ بالإباحة بالأحاديث الصحيحة المشهورة أنه ﷺ تكلم في خطبته يوم الجمعة مرات. وبحديث أنس: دخل رجل المسجد والشعبي ﷺ على المنبر يوم الجمعة فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت، فسأله ثلاث مرات، كل ذَلِكَ يشيرون إليه أن اسكت، فقال له ﷺ : "ويحك، ما أعددت لها؟ " رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح (٣).

стр. 4238

وعن أنس: بينما النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة إذ قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال .. الحديث أخرجاه (١).

стр. 4239

٣٢ - باب إِذَا رَأَى الإِمَامُ رَجُلًا جَاءَ وَهوَ يَخطُبُ أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْن . ٩٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ ". قَالَ لَا. قَالَ "قُمْ فَارْكَعْ". [٩٣١، ١١٦٦ - مسلم: ٨٧٥ - فتح: ٢/ ٤٠٧] ذكر فيه حديث جابر بن عبد الله قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: "أَصَليْتَ يَا فُلَانُ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فاركع ركعتين".

стр. 4240

٣٣ - باب مَنْ جَاءَ وَالإِمَامُ يَخطُبُ صَلَّى رَكعَتَين خَفِيفَتَيْنِ ٩٣١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ". [انظر: ٩٣٠ - مسلم: ٨٧٥ - فتح: ٢/ ٤١٢] ذكر فيه حديث جابر المذكور وليس فيه: خفيفتين. وأخرجه في التطوع مثنى مثنى (١)، وأخرجه مسلم وباقي الجماعة (٢)، وشيخ البخاري في الأول أبو النعمان، وهو محمد بن الفضل السدوسي، ولقبه عارم، تغير بأَخَرَةٍ. قَالَ البخاري: جاءنا نعيه سنة أربع وعشرين ومائتين (٣). وروى مسلم عن جماعة عنه. وشيخه في الثاني: علي بن عبد الله -وهو ابن المديني- روى عن سفيان -وهو ابن عيينة- ورواه الحسن عن جابر، كما أخرجه الترمذي، ورواه ابن ماجه بنحوه، ورواه جابر عن سليك بن هدبة الغطفاني كما أفاده المنذري (٤)، ورواه الترمذي مصححًا من حديث

стр. 4241

أبي سعيد الخدري وأنه جاء في هيئة بذة (١)، وفي رواية يحيى بن سعيد القطان: أمرته أن يصلي ركعتين وأنا أرجو أن يفطن له رجلٌ فيتصدق عليه. ورواه أبو داود من حديث أبي سفيان، عن جابر وأبي صالح، عن أبي هريرة قالا: جاء سليك .. الحديث. وفيه: " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليركع ركعتين" (٢)، وفي مسلم: "قم فاركع ركعتين تجوز فيهما" (٣) وإليه إشار البخاري في الترجمة بقوله: صلى ركعتين خفيفتين. وفي رواية له أنه جاء والنبي ﷺ على المنبر، وأنه جلس قبل أن يصلي، فقال له: "قم فاركع" وفي رواية له: "إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" (٤). وفي ابن ماجه: "أصليت ركعتين قبل أن تجيء؟ " قَالَ: لا، قَالَ: "فصل ركعتين وتجوز فيهما" (٥) وفي رواية للدارقطني من حديث أنس: وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته (٦).

стр. 4242

قَالَ: والصواب إرساله. وفي رواية له من حديث مجاهد عن جابر: "اركع ركعتين ولا تعد لمثل هذا" قَالَ: فركعهما ثم جلس (١). ولابن حبان في حديث أبي سعيد السالف: ثم حث الناس على الصدقة، فألقوا ثيابًا فأعطاه منها ثوبين، وأنه جاء في الجمعة الأخرى وطرح أحد ثوبيه لما أمر ﷺ بالصدقة. وخرجه ابن خزيمة، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٢). وفي "صحيح ابن حبان" أنه أمره بأن يصلي ركعتين في ثاني جمعة وثالثها (٣). وحديث: "إذا صعد الإمام المنبر لا تصلوا والإمام يخطب" واهٍ (٤). وفي "الأسرار" من كتب الحنفية عن الشعبي عن ابن عمر مرفوعًا: "إذا صعد إلامام المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ" والصحيح من الرواية: "إذا جاء أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولاكلام" (٥).

стр. 4243

وحديث ابن عمر يرفعه: "من دخل المسجد يوم الجمعة فصلى أربع ركعات قرأ في كل ركعة الفاتحة وخمسين مرة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ فذلك مائة مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له" ذكره الدارقطني في "غرائبه" وضعفه. إذا تقرر ذَلِكَ، فاختلف العلماء فيمن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب. ومذهبنا أنه يستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد ويخففهما، ويكره له تركها، وبه قَالَ الحسن البصري ومكحول وعبد الله بن يزيد وابن عيينة وأبو ثور والحميدي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وداود وآخرون (١). قَالَ الترمذي: العمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعضهم: إذا دخل والإمام يخطب فإنه يجلس ولا يصلي، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، والقول الأول أصح (٢)، وذكر ابن عبد البر أن الطبري قَالَ كذلك -يعني: بالصلاة (٣) - ورواه ابن العربي عن محمد بن الحسن عن مالك (٤). وقال عطاء بن أبي رباح وشريح وعروة وابن سيرين والنخعي وقتادة

стр. 4244

ومالك والليث والثوري والشعبي وأبو حنيفة وسعيد بن عبد العزيز: لا يصلي شيئًا (١). وقال أبو مجلز: هو غير بين الصلاة وتركها جمعًا بين الأحاديث (٢). وقال الأوزاعي: إن كان صلاهما في بيته جلس، وإلا ركعهما والإمام يخطب عملًا بالرواية السالفة: "أصليت قبل أن تجيء؟ " (٣) واحتج من يرى الصلاة بحديث سليك هذا، وبعموم: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين" (٤) أو بغيره من الأحاديث السالفة، وحمله على غير هذه الحالة بعيد. قَالَ ابن حزم: ولولا البرهان (بأن) (٥) لا فرض غير الخمس، لكانت هاتان فرضًا، ولكنهما في غاية التأكيد، ولا شيء من السنن أوكد منهما؛ لتردد أمره ﷺ (٦) بهما. احتج من منع -ونقل ابن بطال أنه قول جمهور أهل العلم (٧)، وذكره ابن أبي شيبة عن عمر وعثمان وعليٍّ وابن عباس (٨) - بقول ابن شهاب:

стр. 4245

خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام (١). وروي عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، أنصتنا فلم يتكلم منا أحد (٢). وفي "الإكمال" لعياض أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمنعون من الصلاة عند الخطبة (٣)، وقال ابن بزيزة: هو مروي عن الخلفاء الثلاثة: عمر وعثمان وعلي، وفي كتاب "اللباب" روى علي بن عاصم عن خالد الحذاء أن أبا قلابة جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يصل، وروي عن عقبة بن عامر: الصلاة والإمام على المنبر معصية (٤). واحتج أيضًا بالحديث الذي فيه أن رجلًا جاء يتخطى رقاب الناس، فقال له: "اجلس فقد آذيت" فأمره بالجلوس، وقيل دون الصلاة (٥).

стр. 4246

وذكر سَنَدٌ في كتاب "الطراز": وترك الخطباء الركوع إذا خرجوا لحاجة الخطبة، ولم ينقل عن الشارع أنه ركع قبلها في المسجد، فكذا الحاجة للاستماع والإنصات. وقال ابن العربي: الصلاة حين ذاك حرام من ثلاثة أوجه: الآية، فكيف يترك الفرض الذي شرع الإمام فيه إذا دخل عليه فيه، ويشتغل بغير فرض، وصح عنه ﷺ أنه قَالَ: "إذا قُلْتَ لصاحبك: أنصت فقد لغوت" (١)، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -الأصلان المفروضان الركنان في الملة- يحرمان حال الخطبة، فالنفل أولى بالتحريم، ولو دخل والإمام في صلاة لم يركع، والخطبة صلاة؛ إذ يحرم فيها من الكلام والعمل ما يحرم في الصلاة. قَالَ: وأما حديث سليك فلا يعترض على هذه الأصول من أربعة أوجه: أولها: فلأنه خبرُ واحدٍ (تعارضه) (٢) أخبار أقوى منه، وأصول من القرآن والشريعة فوجب تركه. ثانيها: يحتمل أنه كان في وقت كان الكلام مباحًا في الصلاة؛ لأنا لا نعلم تاريخه، فكان مباحًا في الخطبة، فلما حرم بالخطبة الأمر

стр. 4247

بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو آكد فرضية من الاستماع فأولى أن يحرم ما ليس بفرض. الثالث: أن الشارع كلم سليكا وقال له: "قم فصل" فلما كلمه وأمره سقط عنه فرض الاستماع، إذ لم يكن هنالك قولٌ ذَلِكَ الوقت (إلا) (١) منه ﷺ إلا مخاطبته له وسؤاله وأمره. الرابع: أن سليكا كان ذا بذاذة وفقر، فأراد ﷺ أن يشهره؛ ليُرى حاله (٢). وكذا سلف في رواية، وكذا قَالَ الداودي: إنما فعل ذَلِكَ به ليُتَصَدَّقَ عليه، قَالَ: وفي الحديث أنهم كسوه ثوبين فأمر ﷺ بالصدقة، فقام الرجل فألقى أحد الثوبين، فنهاه وأمره بإمساكه. وهذا من الأمور التي يفعلها الإمام في الخطبة؛ ورده ابن التين بالحديث، ولو كان كما ذكره لما سأله: "هل صليت؟ ". وقال الطحاوي: يجوز أنه لما أمره قطع خطبته ثم استأنف، ويجوز أن يكون بني عليها. قَالَ: ومن الدليل على أن ذَلِكَ كان وقت إباحة الكلام في خطبته أنه ذكر في حديث أبي سعيد الخدري، فذكر ما سلف، قَالَ: ولا نعلم خلافًا أن مثل هذا الكلام محظور في الخطبة لأمره فيها بالإنصات (٣). وعند ابن بزيزة: رأى بعض المالكية أن قصة سليك قضية عين (٤)، وأراد ﷺ أن يراه الناس فيتصدقوا عليه.

стр. 4248

قَالَ: وقد قيل: إنَّ ترك الركوع سنة ماضية، وعمل مستفيض في زمن الخلفاء، واستدلوا أيضًا بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "لا تصلوا والإمام يخطب" (١) قَالَ: وذكر الدارقطني أنه ﷺ قَالَ لسليك: "اركع ركعتين ولا تعد لمثل هذا" (٢) وقد سلف مع رواية الإمساك أيضًا، واستدلوا أيضًا بواقعة عثمان حين دخل وعمر يخطب، وإنكار عمر عليه في ترك الغسل فقط (٣)، ولم ينقل أمره بالركعتين، ولا نقل أنه

стр. 4249

صلاهما، وأجابوا عن حديث سليك بأنه لا دلالة فيه؛ لأن عندهم فوات التحية بالجلوس، خلافًا لأبي حنيفة. وفي "المدونة" أن الإمام إذا دخل قبل أن يحرم المتنفل يجلس لقربه، وخوف الفوت (١). وفي "المختصر": الصلاة جائزة إلى أن يجلس على المنبر، وإن دخل بعد جلوسه والمؤذن يؤذن جلس، فإن أحرم ساهيًا أو جاهلًا، ففي الإتمام قولان عن مالك (٢). وفي الحديث حجة لمن أجاز للخطيب يوم الجمعة أن يتكلم في خطبته بما عرض له من كلام من غير جنس الخطبة ما فيه نفع للناس وتعليم لهم، وقد روي عن علي ذَلِكَ حين تخطى الأشعث بن قيس رقاب الناس، ذكره الطبري. وفي "المدونة": جائز أن يتكلم الإمام في خطبته لأمرٍ أو نهيٍ ولا يكون لاغيًا، ومن كلمه الإمام فرد عليه لم يكن لاغيًا (٣) (٤).

стр. 4250

٣٤ - باب رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الخُطْبَةِ ٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ. وَعَنْ يُونُسَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا. [٩٣٣، ١٠١٣، ١٠١٤، ١٠١٥، ١٠١٦، ١٠١٧، ١٠١٨، ١٠١٩، ١٠٢١، ١٠٢٩، ١٠٣٣، ٣٥٨٢، ٦٠٩٣، ٦٣٤٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٤١٢] ذكر فيه عن أنس: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةِ .. الحديث. وترجم له:

стр. 4251

٣٥ - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ٩٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ المَالُ، وَجَاعَ العِيَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ ، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الغَدِ، وَبَعْدَ الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ -أَوْ قَالَ غَيْرُهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ وَغَرِقَ المَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا". فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلاَّ انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ المَدِينَةُ مِثْلَ الجَوْبَةِ، وَسَالَ الوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِيءْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالجَوْدِ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٤١٣] وزاد فيه: في باب من تمطر بالمطر: حَتَّى سالَ الوَاْدِي -وَادِي قَنَاةَ- شَهْرًا. وَلَمْ يَجِيءْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلا حَدَّثَ بِالجَوْدِ. الشرح: هذا الحديث ذكره البخاري مطولًا ومختصرًا في مواضع هنا، وفي الاستسقاء وعلامات النبوة (١) والاستئذان (٢)، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (٣).

стр. 4252

و (ثابت) راويه، هو ابن أسلم البناني، وعبد العزيز الراوي عن أنس هو ابن صهيب، وحماد هو ابن زيد، ويونس هو ابن عبيد. والأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، الإمام. قيل: روى عن مالك، وعنه مالك. وقوله: (إِذْ قَامَ رَجُلٌ). وفي رواية الحديث الذي بعده: قَالَ أعرابي. وفي أخرى: فقام بعض المسلمين (١). وفي أخرى: جاء من نحو دار القضاء (٢). وفي أخرى تأتي في الاستسقاء: فقام الناس فصاحوا: يا رسول الله، قحط المطر (٣). وقوله: (هَلَكَ الكُرَاعُ). هو بضم الكاف، وهو اسم لجميع الخيل، قاله الجوهري (٤). قَالَ ابن قرقول: وضبطه بعضهم عن الأصيلي بكسر الكاف، وهو خطأ. وقوله: (هَلَكَ الشَّاءُ). الشاء: جمع كثرة، وشياه بالهاء من ثلاث إلى عشر، فإذا جاوز العشر فبالتاء، فإذا كثرت قُلْتَ: شاء كثيرة، وجمع شاء

стр. 4253

شوى، إنما كان شاء جمع شاة مثل تمرة وتمر؛ لأن أجل شاة: شاهة، ظهرت الهاء في الجمع؛ لأن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها، وأبدل من الهاء همزة. وقال ابن الأثير: جمع النساء: شياه وشياء وشوى، (وجمعها) (١): شويهة وشوية، وعينها واو، وإنما انقلبت في شياه لكسرة الشين. وهلاكها بسبب عدم الرعى (٢). وقوله: (أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ). أي: شدة وجهد وجدب، وهو من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] و (المال) هنا وما بعده: الحيوان كذا فسره في حديث "الموطأ": هلكت إذ لم تجد ما ترعى (٣). و (القَزَعة) بفتح القاف والزاي: القطعة من السحاب. وقيل: قطع دقاق متفرقات، ومنه قزعُ الشَّعْرِ المنهي عنه، وهو ما ذكره ابن التين، والجمع: قُزع. قَالَ: وقيل: القطعة الدقيقة من السحاب كأنها ظل يمر من تحت السحاب، والجمع: قزع. كقصبة وقصب. وقال أبو عبيد: وأكثر ما يكون ذَلِكَ في الخريف (٤). وقوله: (ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الجِبَالِ). أي: لكثرتها وسيرها وتحادر المطر؛ لأن السقف لم يكن يرده.

стр. 4254

وقوله: (وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ قَالَ غَيْرُهُ). قَالَ ابن التين: بيَّن في حديث أيوب أنه ذكر ذَلِكَ الرجل بعد هذا. وقوله: ("حَوَالَيْنَا") بفتح اللام، ولا يجوز كسرها، وفيه إضمار. أي: أمطر حوالينا. أي: حولنا وما دار بنا. وفي رواية: "حولنا" (١) وبين ﷺ الحوالي بقوله: "على الآكام" إلى آخره كما ستعلمه في بابه (٢). (الجَوْبَة) -بفتح الجيم، وإسكان الواو، ثم باء موحدة- الفجوة. وقال أبو عبد الملك: أي: الجيب. وفي حديث آخر: مثل الإكليل (٣). أي: دار بها السحاب، وكذا قَالَ ابن القاسم في معنى حديث مالك: انجابت عن المدينة انجياب الثوب، أي: تدورت كما يدور جيب القميص. وقال ابن وهب: معناه: انقطعت عن المدينة كما يقطع الثوب. وقال ابن شعبان: خرجت عن المدينة كما يخرج الجيب عن الثوب. وقال الداودي: مثل الجوبة. أي: صارت مستديرة كالحوض المستدير، وأحاطت بها المياه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ﴾ [سبأ:١٣]. قَالَ ابن التين: وهذا عندي وَهَمٌ؛ لأن اشتقاق الجابية من جبا العين، فيكون اسم الفعلة منه: جبوة. وإنما هو من جاب يجوب إذا قطع، من قوله تعالى: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالوَادِ﴾ [الفجر: ٩] فالعين منه واو فتكون الفعلة منه جوبة كما في الحديث.

стр. 4255

وقال الجوهري: (الجَوْبَةِ): الفرجة من السحاب والجبال (١)، وقد أسلفناه. وقال ابن فارس: الجوبة كالغائط من الأرض (٢). وقال الخطابي: هي الترس (٣)، وفي حديث آخر: فبقيت المدينة كالترس؛ قال: والجوبة أيضًا: الوهدة المنقطعة عمّا علا من الأرض، وهذا نحو ما ذكر ابن فارس (٤). و (قَنَاةُ) بفتح القاف: اسم لواد من أودية المدينة (٥). و (الجَوْد): المطر الكثير. والقناة: مجمع الماء. وقيل: القناة: اسم الوادي، لم يصرفه؛ لأنه معرفة بدل معرفة. وفي أبواب الاستسقاء: حتى سال وادي قناة (٦) غير مصروف أيضًا؛ لأن قناة معرفة، وهي اسم للبقعة لا ينصرف. وأما أحكام البابين ففيه ما ترجم له، وهو رفع اليدين في الخطبة، وسؤال الغيث، وذلك عند الضراعة إلى الله والتذلل له. ويأتي في الاستسقاء حديث أنس أنه ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه (٧).

стр. 4256

وليؤول على إرادة الرفع البليغ بحيث يرى بياض إبطيه؛ إلا في هذا الموضع، فإنه قد ثبت رفع يديه في مواطن غيره، ويجوز أن يكون المراد: لم أره يرفع ورآه غيره، فقدم المثبت. وقد استحب جماعة من العلماء الرفع في الدعاء، وعن مالك كراهته، ونقل ابن بطال عنه أنه كان لا يرى الرفع إلا في خطبة الاستسقاء (١). واختلف في كيفية الرفع، فاختار مالك الإشارة بظهر كفيه إلى السماء كما جاء في الحديث في مسلم (٢)، وقيل: ببطنهما، وهو رفع الرغب والطلب (٣). وقال جماعة من العلماء من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاءٍ لدفع بلاءٍ كالقحط ونحوه كالأول. فإن كان لنوال شيء وتحصيله فالثاني. وعن أبي يوسف: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بإصبعه. وفي "المحيط" و"القنية": بإصبعه السبابة (٤). وفي "التجريد": من يده اليمنى. وفيه: الاستسقاء بالدعاء بدون صلاة، وهو أحد أنواعه ولا يستدل به على عدم مشروعية الصلاة (٥)، وإن استدل به جماعة فإنه فعل أحد أنواعه.

стр. 4257

قَالَ ابن بطال: رفع اليدين في الخطبة في معنى الضراعة إلى الجليل، والتذلل له، وقد أخبر النبي ﷺ أن العبد إذا دعى الله تعالى وبسط كفيه أنه لا يردهما خائبتين من فضله، فلذلك رفع الشارع يديه، وقد أنكر بعضهم ذَلِكَ، فروي عن مسروق أن الإمام رفع يوم الجمعة يديه على المنبر، فرفع الناس أيديهم. فقال مسروق: ما لهم قطع الله أيديهم (١).

стр. 4258

وقال الزهري: رفع الأيدي يوم الجمعة محدث. وقال ابن سيرين: أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر (١). وفيه: الاستسقاء بالدعاء يوم الجمعة. وفيه: الاكتفاء بدعاء الإمام، ولم يذكر فيه تحويل الرداء. وفيه: إباحة أن يكلم الإمام في الخطبة عند الحاجة، ولا يكون من يكلمه لاغيًا (٢). وكلام الداخل مع الخطيب في حال الخطبة، ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتةٍ كانت منه؛ إما لاستراحة في النطق، وإما حال الجلوس، لكن يُبْعِدُهُ قولُه: قائم يخطب. وفيه: قيام الواحد بأمر العامة.

стр. 4259

وفيه: إتمام الخطبة في المطر. وفيه: الدعاء برفع المطر إذا كثر، لما فيه: من الأذى. وفيه: سؤال رفعه عن موضع البناء وبقاؤه في موضع النبات وغير ذَلِكَ. فرع: قَالَ ابن حبيب المالكي: إذا دعا الإمام في خطبته المرة بعد المرة أمَّن الناس وجهروا جهرًا ليس بالعالي. قَالَ: وذلك فيما ينوب الناس من قحطٍ وغيره كعدو يخشى، ولا بأس أن يأمرهم فيه بالدعاء ورفع اليدين بعد فراغ الخطبة. فأما أن يجعل ذَلِكَ حدًّا بعد كل خطبة فهو بدعة (١). قيل: وأول من أبدعه من الخلفاء عبد الملك بن مروان، وإذا كان لأمرٍ نزل فذلك جائزٌ، وكذا إذا قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فلا خلاف في إجابته، وإنما الخلاف في صفة النطق به سرًّا أو جهرًا، ذكره القاضي أبو الوليد (٢). وذكر ابن حارث عن محمد بن عبد الحكم: بل ينصت ولا يحرك لسانه، ويكفيه الضمير من ذَلِكَ. فرع: هذا الدعاء كان منه ﷺ بعد الزوال، وكذلك الاستسقاء الذي لا يجتمع بسببه ليس له وقت محدود؛ ولأنه دعاء مجرد، فيفعل في كل وقت.

стр. 4260

وأما الدعاء للاستسقاء الذي (يبرز) (١) له، فوقته ضحوة (٢) كما قاله ابن التين. والأصح عندنا: أنه لا يختص بوقت العيد (٣).

стр. 4261

٣٦ - باب الإِنصَاتِ يَومَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخطُبُ إِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَنْصِتْ. فَقَدْ لَغَا. وَقَالَ سَلْمَانُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّم الإِمَامُ. ٩٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَنْصِتْ. وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ". [مسلم: ٨٥١ - فتح: ٢/ ٤١٤] ثم ساق بإسناده من حديث عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ". الشرح: أما حديث سلمان فسلف في باب: لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة (١)، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم والأربعة (٢). قَالَ الترمذي: وفي الباب عن ابن أبي أوفي وجابر بن عبد الله (٣). قَالَ الدارقطني: تفرد به الزهري، ثم طرقه، قَالَ: والمحفوظ ما في البخاري (٤).

стр. 4262

وذكر الاختلاف فيه أيضًا عبد الغني المقدسي وتابع سعيدًا إبراهيمُ ابن قارظ، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ، أخرجهما مسلم (١)، وذكره الحميدي من طريق إبراهيم بن عبد الله بن قارط (٢). ولأحمد وأبي داود: من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل من الوزر، ومن قَالَ: صه. فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له (٣). ورواية سفيان ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "فَقَدْ لَغَيت" قال ابن عيينة: "لغيت" لغة أبي هريرة. ولأحمد من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت. ليس له جمعة" (٤) أي: كاملة مثل المنصت. وذكره ابن بطال عن ابن أبي شيبة مرفوعًا، وعن عمر وابنه كذلك (٥). وإنما أولناه بذلك؛ لأن جماعة الفقهاء يجمعون على أن جمعته مجزئة عنه، ولا يصلي أربعًا.

стр. 4263

قَالَ ابن وهب: من لغا كانت صلاته ظهرًا ولم تكن له جمعة، وحرم فضلها (١). وقال عطاء: لا يقطعها شيء. ولابن ماجه لما قَالَ أُبي لأَبِي الدرداء وسأله: متى أنزلت هذه السورة؟ والنبي ﷺ يقرأ ﴿تَبَارَكَ﴾ على المنبر، فلما انصرفنا قَالَ له أُبيّ: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فقال النبي ﷺ : "صدق أُبىُّ" (٢). وفي "مسند أحمد": براءة (٣). ولابن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب هو المقول فيه: صدق عمر (٤). وهو مرسل. وفي رواية له ضعيفة أن سعد بن أبي وقاص سمع رجلًا يتكلم فقال له: لا جمعة لك، فأخبر ﷺ بذلك فقال: "صدق سعد" (٥) وللبيهقي بإسنادٍ جيدٍ أن أبا ذر هو السائل لأُبيِّ بن كعب قَالَ: وقيل: إن جابرًا هو السائل لابن مسعود. قَالَ: وهذا الاختلاف إنما هو في اسم صاحب القصة، واتفقت الرواة على تصديق النبي ﷺ قائله (٦).

стр. 4264

ولأحمد: لا جمعة لك؛ ولأبي داود عن عبد الله بن عمرو يرفعه: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو، وهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاءٍ إن شاء الله أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] (١). إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: أنصت ينصت إنصاتًا إذا سكت واستمع إلى الحديث، تقول منه: أنصتوا وأنصتوا له. قَالَ (أبو المعالي) (٢) في "المنتهى": نصت ينصت: إذا سكت، وأنصت لغتان. أي: استمع. يقال: أنصت وأنصت له، وينشد: إذا قالت حذام فانصنوتها. ويروى: فصدقوها. وفي "المحكم": أنصت عليَّ. والنصت الاسم من الإنصات. وفي "الجامع": والرجل ناصت ومنصت. وفي "المغرب" و"المجمل": الإنصات: السكوت للاستماع (٣). السمع للعين، والإنصات للأذن.

стр. 4265

ثانيها: اللغو: الهدر من القول والباطلُ. يقال: لغا يلغو لغوًا؛ ولغى يلغي لغيًا. وعلى هذه اللغة جاءت الرواية الأخرى. قَالَ قتادة: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم (١). ثالثها: المراد بالصاحب هنا: الجليس إلى جنبه. ثم في هذه الرواية زيادة: يوم الجمعة. وإن كان المراد بالروايات جميعها خطبة الجمعة، لكن هذه الرواية صرحت بها زيادة في البيان، وفي رواية قدَّم الإنصات على الجمعة (٢)، وفي (آخرها) (٣) بعكسها (٤)، وفي أخرى ذكر الإمام (٥). وكلٌ من هذه له فائدة. فمن كانت عنايته أحد الأشياء الثلاثة قدمه في الذكر، والكل في

стр. 4266

العناية سواء، فأيها قدم جاز؛ لأنه لا بد من ذكر الإنصات والجمعة، وبذكر الثلاثة يحصل كمال الغرض. رابعها: في فقه الباب: قَالَ الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم كرهوا للرجل أن يتكلم والإمام يخطب، وقالوا: إن تكلم غيره فلا ينكر عليه إلا بالإشارة، واختلفوا في رد السلام، وتشميت العاطس، فرخص بعض أهل العلم في ذَلِكَ، وهو قول أحمد وإسحاق -قُلْتُ: والنخعي والشعبي والحسن والثوري والأوزاعي (١) - وكره بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم ذَلِكَ، وهو قول الشافعي (٢).

стр. 4267

قُلْتُ: ومالك والكوفي (١) (٢). وقال ابن بطال: جماعة أئمة الفتوى على وجوب الإنصات للخطبة. وفي حديث سلمان حجة لمن رأى الإنصات عند ابتدائها، وقد سلف (٣). وقال ابن الجوزي: اختلفت الروايات عن أحمد: هل يحرم الكلام حال سماع الخطبة؟ على روايتين، وعن الشافعي قولان (٤)، فمن حرَّم أخذ بظاهره، ومن أباح حمله على الأدب. وقال ابن قدامة: إذا سمع من يتكلم لا ينهه بالكلام لهذا الحديث، لكن يشير إليه، نص عليه أحمد، فيضع إصبعه على فيه، قَالَ: وممن رأى أن يشير ولا يتكلم زيد بن صوحان وعبد الرحمن بن أبي ليلى والثوري والأوزاعي؛ وابن المنذر قَالَ: وكره الإشارة طاوس (٥). وزعم ابن العربي أن الشافعي وأحمد إسحاق قالوا: يشمت ويرد. وخالفهم سائر فقهاء الأمصار، وهو الحق فإن العاطس ينبغي أن يخفض صوته في التحميد، وينبغي للداخل أن لا يسلم، فإن فعل ففرضهم أهم من فرضه وأولى (٦). وقال ابن رشد: وفرق بعضهم بين السلام والتشميت، فقالوا: يرد ولا يشمت. وعن ابن وهب: من لغا فصلاته ظهر أربع (٧).

стр. 4268

وأما من لم يوجبها فلا أعلم له شبهة إلا أن يكونوا يرون أن هذا الأمر قد عارضه دليل الخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] أي: أن ما عدا القرآن لا يجب الإنصات له، وهذا فيه ضعف والأشبه أن يكون الحديث لم يصلهم. ونُقل أن الكلام في حال الخطبة جائزٌ إلا في حال القراءة، فروي عن الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي (١). وفي "جوامع الفقه" في "المجرد" أنه ينصت ولا يقرأ ولا يصلي نفلًا ولا يشتغل بالذكر وغيره، ويكره السلام وتشميت العاطس والأكل والشرب. وفي "الذخيرة" عن محمد: لا يشمت ولا يرد، ولم يذكر فيه خلافًا. وعن أبي يوسف خلافه (٢). والخلاف بناءً على أنه إذا لم يرد السلام في الحال هل يرد بعد الفراغ من الخطبة؟ عند محمد: نعم. وعند أبي يوسف: لا. والتشميت مثله، وعن أبي حنيفة: يرده بقلبه دون لسانه، وهذا كالمتغوط إذا سمع الأذان يجيب بقلبه، فإذا فرغ أجاب بلسانه (٣).

стр. 4269

وحكى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان يسلم ويردون عليه، وعن إبراهيم مثله بزيادة: ويشمتون العاطس (١)، وعن الحكم وحماد وسالم وعامر: لا يرد السلام ويستمع (٢). وعن طاوس ومحمد وسعيد بن المسيب مثله (٣). وعن الباقر والقاسم: يرد في نفسه. وروي عن إبراهيم -بسندٍ صحيح- أنه رئي يكلم رجلًا والإمام يخطب يوم الجمعة (٤)، وكان عروة لا يرى بذلك بأسًا إذا لم يسمع الخطبة (٥). وقال إسماعيل بن إبراهيم عن أبيه: رأيت إبراهيم وسعيد بن جبير

стр. 4270

يتكلمان والحجاج يخطب (١)، ومثله عن الشعبي وأبي بردة (٢). وقال بعضهم: إنَّا لم نؤمر أن ننصت لهذا. قَالَ ابن بطال: فلذا رخص جماعة من التابعين في الكلام والإمام يخطب إذا كان من أئمة الجور، أو أخذ في خطبته في غير ذلك (٣)، وروى ابن أبي شيبة أن إبراهيم كُلِّم في ذلك فقال: إني كنت قد صليت (٤). ورأى الليث إذا أخذ الإمام في ذكر الخطبة أن يتكلم ولا ينصت، وعن مالك: يُسكِت الناسَ بالتسبيح والإشارة ولا يحصبهم (٥) لقوله ﷺ : "ومن مس الحصى فقد لغا" (٦) وكان ابن عمر يحصب (٧). وليس عليه العمل (٨)، وروى ابن المنذر أيضًا عن مالك: لا بأس بالإشارة (٩). وقال القاضي أبو الوليد: مقتضى مذهبه أن لا يشير؛ لأنها كالقول، وسماه الشارع: لاغيًا (١٠).

стр. 4271

والأول أشبه؛ لأنها في الصلاة ليست كلامًا، وعن مالك أيضًا أن الإمام إذا لغا وشتم الناس فعليهم الإنصات ولا يتكلمون، وخالفه ابن حبيب قَالَ: وفعله ابن المسيب لما لغا الإمام أقبل سعيد على رجل يكلمه، وعنه أيضًا: إذا خطب في أمر ليس من الخطبة ولا من الصلاة من أمر كتاب يقرؤه ونحو ذلك فليس على الناس الإنصات (١)، وعن ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم فاقرع رأسه بالعصى (٢). وعن ابن المنذر: رخص مجاهد وطاوس في شرب الماء (٣)، ونقله عن الشافعي، وعن أحمد: إن لم يسمع الخطبة شرب، وقد سلف جمله في ذلك في باب: الاستماع إلى الخطبة فراجعه أيضًا (٤). وقال ابن التين: معنى الحديث: المنع من الكلام عند الخطبة وأكد ذلك بأن من أمر غيره بالإنصات إذن فهو لاغٍ، وخص هذا تنبيهًا على أن كل متكلم لاغٍ، ثم قَالَ: فإن قلت: معنى لغوت: أمرت بالإنصات من لا يجب عليه، فالجواب أنه لا خلاف بيننا في الأمر بالإنصات وإلا فلا معنى للخطبة إن لم ينصت فيها للإمام ويسمع وعظه ويفهم أمره ونهيه، فلا يجوز أن يكون الأمر بالإنصات لاغيًا؛ لأجل أمره؛ لأن الإنصات مأمورٌ به في الجمعة فلم يبق إلا أن يكون لاغيًا لمَّا تكلم في وقت هو ممنوع من الكلام فيه. وروى ابن شهاب أنه ﷺ قَالَ: "إذا خطب الإمام فاستقبلوه بوجوهكم وأصغوا إليه بأسماعكم، وارمقوه بأبصاركم" (٥).

стр. 4272

فرع: في المنع من الكلام من دخل رحاب المسجد والإمام يخطب خلاف، منعه أصبغ وأجازه مطرف وابن الماجشون (١). فرع: اختلف في ابتداء الإنصات وفي آخره، فعند مالك وأصحابه: أوله من حيث يشرع في الخطبة وبين الخطبتين (٢)، وكره ابن عيينة الكلام بعد انقضاء الخطبة حتى تنقضي الصلاة. فرع: من لم يسمع كالسامع عند عثمان ومالك، خلافًا لعروة وأحمد، وأحد قولي الشافعي (٣). فائدة: كلام حاضر القراءة ضربان: عبادة (٤) كالقراءة والذكر فكثيره

стр. 4273

ممنوع؛ لأن بذلك يفوت مقصود الخطبة، وهما لا يفوتان، ويسيره إن اختص به كالحمد للعطاس والتعوذ عند ذكر النار فخفيف. قَالَ أشهب: الإنصات أحب إليَّ منه، فإن فعل فسرًّا (١)، وإن لم يختص به كالتشميت فهو ممنوع منه عند ابن المسيب (٢) ومالك (٣). ورخص فيه وفي رد السلام الحسنُ والنخعي والشعبي والحكم وحماد (٤) وإسحاق، دليل الأول أن الاشتغال به يفوت الإنصات؛ ولذلك لا يجهر العاطس؛ لأن فيه استدعاء من يشمته، ذكره كله ابن التين.

стр. 4274

٣٧ - باب السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ ٩٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: "فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ". وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. [٥٢٩٤، ٦٤٠٠ - مسلم: ٨٥٢ - فتح: ٢/ ٤١٥] ذكر فيه حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَومَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: "فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ". وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. الشرح: هذا الحديث رواه عن أبي هريرة: ابن عباس وأبو موسى ومحمد بن سيرين وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهمام ومحمد بن زياد وأبو سعيد المقبري وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وأبو رافع وأبو الأحوص وأبو بردة ومجاهد وعبد الرحمن بن يعقوب. أما طريق ابن عباس فأخرجها النسائي في "اليوم والليلة" (١)، وذكر الدارقطني فيه اختلافًا في رفعه ووقفه (٢). وأما طريق أبي موسى فذكره الدارقطني في، "علله" (٣). وأما طريق محمد فذكرها البخاري في الطلاق وسيأتي (٤).

стр. 4275

وأما طريق أبي سلمة فأخرجها أبو داود والترمذي والنسائي (١). وقال الطرقي: إنه أكمل الطرق إلى أبي هريرة، وفي آخره: قَالَ أبو هريرة: فلقيت عبد الله بن سلام فقال: هي آخر ساعة من يوم الجمعة. وأما طريق همام فأخرجه مسلم (٢). وأما طريق محمد ففي مسلم أيضًا (٣). وأما طريق أبي سعيد فأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٤). وأما طريق سعيد ففيه أيضًا (٥). وأما طريق عطاء -وأنها ما بين العصر إلى الغروب- فذكرها الدارقطني وقال: هو موقوف، ومن رفعه فقد وهم (٦). وأما طريق أبي رافع فذكره الدارقطني في "علله" وقال: الأشبه قتادة عنه عن أبي هريرة (٧). وأما طريق أبي الأحوص فذكره أيضًا وقال: الأشبه عن ابن مسعود، واختلف عن عطاء في رفعه (٨).
следующие страницы →